وليمة الغبار.. ما لم يقله نجيب محفوظ عن العركة الأخيرة للفتوات
تلك الخرابة القابعة خلف سور المحروسة لم تكن محض صدفة من الركام، كانت كائنًًا هرمًا يحاول أن يتنفس، يحكى أن أشجارها قديمًا كانت تثمر ذهبًا، لكن الزمان، وتواطؤ أهلها، قد حولاها إلى فضاء منسى.
الخرابة اليوم ليست صامتة، إنها توشوش من يمر بها، وتخفى تحت قمامتها المتراكمة كنوزًا يتذكرها أبناء الحارة كتاريخ بعيد، اختارها أكابر الفتونة لتصفية حساباتهم، حيث العفار هناك ليس ترابًا، بل هو رماد أرواح سحقتها النبابيت.
هناك، حيث تفوح رائحة التاريخ المختلطة بالبخور والدم، اتفق القطبان على لقاء لترسيم حدود الوهم، بعيدًا عن حاراتهم النظيفة التى يحرصون على لمعان جدرانها، بينما يتركون قلب الخرابة ينزف.
كان المعلم عتمان أول الواصلين داخل الساحة بخيلاء، يسبقه ظله الذى كان أطول من قامته بعدة مرات، يرتدى جبة من صوف لا يحترق، ولاسة بيضاء تشع نورًا زائفًا، وفى قبضته نبوته المخيف، الذى لم يكن نبوتًا عاديًا، كان كلما هبده على الأرض، تئن الأرض، وتخرج من الشقوق فئران ميتة تبعث فيها الروح للحظة ثم تخبو.
كان عتمان يرى فى الخرابة إرثًا قديمًا له وحده، وأن أى عابر سبيل فيها لا بد أن يدفع له الإتاوة طوعًا أو كرهًا، فكان يوزع نظراته المتعالية كأنه يملك حتى الأنفاس التى يتصاعد بها صدر المهمشين القابعين فى الزوايا.
من زاوية يلفها ضباب مفاجئ، ظهر المعلم أبوشعلة، لم يكن جلبابه يبهر الأبصار، لكن خيوطه كانت منسوجة من شعر الجن، متينة لا تخترقها طعنة، ولم يكن يحمل نبوتًا، بل كان يجر خلفه قفصًا مغطى بخرقة حمراء، يصدر منه طنين يشبه أزيز النحل الممزوج بصراخ مكتوم.
عيناه لم تنظرا لعتمان، بل كانتا مسكونتين بـرؤية زرقاء تمسح زوايا الخرابة، وتحدد أماكن الآبار المخفية تحت الأنقاض، كان أبوشعلة يمثل القوة التى لا تصرخ، بل تتغلغل مثل الفطر فى الأجساد المتعبة.
وقف القطبان وجهًا لوجه، وساد صمت ثقيل لدرجة أن الغراب الذى حلق فوقهما تجمد فى الهواء للحظة. قطع الصمت صوت المعلم سليم، الفتوة الذى نخر السوس عظمة نفوذه، فجاء اليوم بجسد شبه شفاف، يوزع ابتسامات صفراء، ويقتات على ما يتساقط من مائدة الكبار، آملًا أن ينوب خرابة بيته من الحب جانب.
قال عتمان وصوته يزلزل جدران البيوت المجاورة:
الخرابة دى سُرتى ومطرح أجدادى يا أبوشعلة.. واللعب فى حماى كُفر يرتد على صاحبه.
رد الآخر ببرود، وهو يزيح ذرة غبار عن كفه، فتتحول الذرة إلى شرارة نار صغيرة:
الأرض لا تعرف الأجداد يا معلم، الأرض لمن يحفر فى أحشائها، وقد جئت لأغرس أوتادى، والخرابة تسعنا.. شريطة أن تظل أوهام نبوتك بعيدة عن مخازنى.
بدأت العركة، ولم تكن ضربًا بالجسد، بل كانت حرب تجليات، كان عتمان يلوح بنبوته، فتهب رياح عاتية تقتلع ذكريات الناس من عقولهم، وأبوشعلة يفتح طرف القفص، فتخرج منه ظلال سوداء تغرس فى الأرض مسامير غير مرئية.
كلما هبد عتمان الأرض، انهار سقف بيتٍ بعيد فى حارة العطوف، وكلما أحكم أبوشعلة قبضته على زاوية، جفت آبار الماء فى حارة الميضة، كانت الخرابة تتألم، تتقلص وتتمدد، والجدران القديمة تذرف دموعًا من طين.
انتهى اللقاء بابتسامة باردة ومصافحة حذرة، وخرج الفتوات بملابس مكوية كأنهم فى زفة، لم تلمسهم ذرة غبار، لكنهم تركوا خلفهم وليمة من الغبار الكثيف غطت وجوه أهل الخرابة، الذين وقفوا يراقبون من بعيد بصدور ضيقة، مدركين أن اتفاق الأكابر لم يكن إلا عقد إيجار جديد للدمار.
وبينما كان الفتوات يرحلون، نبتت من وسط الركام زهرة حمراء قانية، سقاها دمع أرملة، كانت تلك الزهرة تنبئ بأن صاحب الخرابة الحقيقى، الفتوة الذى سيطرد الغرباء، لم يخرج بعد من رحم الصبر.





