الثلاثاء 09 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

راح فين حبيب الدار.. عائلة سيد العديسى تتحدث: كان حانيًا وإنسانَا حقيقيًا

حرف

- كان يعود إلى القاهرة دون أن يخبر أهله خوفًا من لحظة السلام

- غافلتنا برحيلك يا فتى.. وكلما رن الهاتف اعتقدنا أنه أنت

لا تزال الدموع على رحيل الشاعر سيد العديسى، الذى غادر عالمنا فى الثالث من مايو الماضى، حاضرة لم تجف بعد، فالأصدقاء والأحبَّة لم يتعافوا من صدمة الفقد المفاجئ حتى الآن لذلك الراحل الذى ترك أثرًا عميقًا ومنجزًا شعريًا يشهد له الجميع بالاختلاف.

لكن أكثر الدموع ألمًا كانت دموع أسرته وعائلته، التى فقدت فتى العائلة وفخرها، ذلك الموهوب الذى اختطفه الموت مبكرًا، فكان حزنهم قاسيًا ومروّعًا، إذ رحل من كان يمثل لهم الأمل ومصدر الفخر والاعتزاز.

فى هذا الملف، تفتح «حرف» صفحاتها لعائلة سيد العديسى، ليحكوا بصدق وعمق عن أحزانهم، وليستعيدوا ملامح الفتى الموهوب، كيف نشأ، كيف عاش، كيف أحب، وكيف رحل؟

«السيد» يكتب من العالم الآخر: أمى مُلهمة نساء النجع

بعد إلحاح منا قررت اقتناء تليفون محمول، يقتصر استخدامه بالنسبة لها على ضغط زر إجابة الاتصال، غير أنها فى العادة لا تستخدم باقى خواصه، وحتى مسألة حفظ الأسماء لا تهمها من قريب أو بعيد، فالعلاقة بينها وبينه تتلخص فقط فى كلمة «أيوه.. مين؟» لأن أمى لا تعترف بكلمة «آلو».

وهو أمر ليس بالسهل، لأن من يفتح الله عليها من نساء نجعنا وأرادت اقتناء محمول، فإنه يتحتم عليها أيضًا أن تخصص له من يتعامل معه، كأحد أبنائها أو أحفادها.. ما يهم أن أم سيد لديها تليفون، حين أتحدث معها خلاله تنقضى المكالمة فى الدعاء لى، ولا أتبين من كلامها أى معلومات أخرى بخصوص شئون الحياة.

أم سيد.. سيدة بسيطة.. أراد لها الله أن تحصّل قدرًا بسيطًا من التعليم.. فاستطاعت من خلاله أن تفك الخط، وتُجرى العمليات الحسابية البسيطة، وكانت مرجعًا لسيدات النجع، يلجأن إليها لقراءة جوابات البلاد البعيدة، ولمعرفة تعليمات الدكاترة على علب الدواء.

لذا لا تخاطر أى سيدة فى النجع بالاختلاف معها، أو ترك الغضب يفرّق بينهما، لأنها ستندم حينها ولن تجد من يعينها على الأمور التى تستلزم القراءة والكتابة، فجميعهن يبحثن عن ودّها ولا يتركن ثغرة ينفذ شيطان الغضب من خلالها فى علاقتهن بها.

كما يحسدنها بقية السيدات لأمرها النافذ، وقدرتها على إدراك أشياء فوق مستوى تفكيرهن، كحفظ أسماء الممثلين، والتنبؤ بأحداث الحلقات الدرامية، ومعرفة ما يتعلق بالأمور الخاصة بالنسوة وما يخجل النساء من سؤال الرجال عنه، لكنها أبدًا لم تعتبر تلك الفروق سلاحًا تمتلكه، ومن ثم تسلطه على رقاب أعدائها، أو الحصول من خلاله على مكتسبات ليست من حقها.

وُلدت فى الإسكندرية، وعاشت طفولتها هناك، لكنها لا تدرك عنها الآن سوى الاسم وبعض الذكريات الضبابية المتعلقة بأهلها، وبعض الحكايات التى لا تكفى لأن تبين حنينها لتلك البلاد، فبلادها هى التى يسكن فيها زوجها وأبناؤها، حتى فى الأيام القليلة التى تجبرها الظروف على زيارة مسقط رأسها، تشعر فى تلك الفترة بالوحشة، وتشكو غربتها، ولا ترتاح إلا وهى مستقلة القطار فى طريق عودتها إلى النجع.

هل تصدقنى إذا قلت لك إننى لم أسمع الاسم الحقيقى لأمى منذ ولادتى على لسان أحد؟.. لدرجة أننى تشككت إذا ما كان أبى يعرفه أم لا.. فلدينا فى النجع، وفى الصعيد عمومًا، غير مصرح بتداول اسم المرأة، وحين يريد الرجل من زوجته أمرًا يدعوها باسم الابن الذكر الأكبر فى أولادها، فيقول: يا سيد، وإن لم يكن هناك أبناء ذكور يناديها بقوله «يا ولد».. أو حتى باسمه هو شخصيًا، فبمجرد دخول المرأة مرحلة الزواج عليها نسيان اسمها والاستعداد لحمل ألقاب أخرى، وكم من المعارك، قامت بسبب قيام البعض بالتصريح باسم الأنثى بعد زواجها، وهو أمر يصل إلى حد القطيعة وإعلان الحرب.

الغريب أن أمى وغيرها من السيدات لم تشكُ ذلك الأمر.. وربما لا يعنيها من قريب أو بعيد، فما يهمها من كل ذلك هو أسرتها، تعرف دورها جيدًا وتقوم به على أكمل وجه، كما ترسم أدوار الأخريات بدقة متناهية، فى نظام لا يتدخل فيه الأب تمامًا، ولا يعترض عليه من يقوم به، وبالنسبة لى حين أذهب إليهم كلما أتيح لى ذلك فإننى أترك كل ما عرفته عن المدينة، وما قرأته من أفكار تحرريه فى محطة القطار.

وكان أن تفتق ذهن الحكومة فى ظل حكم مبارك عن طريقة لعلاج أزمة البطالة والجهل فى مدن الصعيد، وذلك بعمل مكافأة لكل خريج ينجح فى محو أمية عدد كبير من المواطنين فى بلادنا، وبالتالى سعى البعض لتكوين الفصول على حسب النوع، فالخريج الشاب يجمع الرجال ليبدأ معهم مرحلة التعليم، والفتاة تجمع السيدات لنفس الأمر.. وما إن تقترب الامتحانات الخاصة بتلك الفصول، كانت الفتيات يلجأن لأم سيد لدخول الامتحان بدلًا من بعض النساء اللاتى لم يُفدهن التعليم والحصص بشىء، وبالطبع لم يكن أحد يبحث عن التحقق إذا ما كان الممتحن نفس الشخص أم أنه شخص غيره، خاصة وسط النساء، لأن أمرًا كهذا كفيلٌ بإسقاط قتلى، وبالتالى يتحاشاه المراقبون، وهكذا فى كل امتحان يلجأن لأم سيد لدرجة أنها حصلت على شهادة محو الأمية لنصف سيدات النجع تقريبًا. لذا لا أتجاوز حين أقول إن أمى حصلت على شهادة محو الأمية ٧ مرات.

إيهاب مصطفى: ما زلت أنتظرك لتكذّب خبر رحيلك وتقول: «أنا هنا»!

أن تنشأ فى بيت وهناك من يكبرك فهذا يعنى أنك سوف ترتاح قليلًا من الكثير من المشاوير اليومية التى يقتضيها النجع، كأن تذهب اليوم إلى نجع فلان لأداء واجب العزاء، أو تذهب لنجع فى الجهة المقابلة لأن ذويه قاموا بدعوتنا لحفل زفاف، أو لأن هناك قريبًا أصيب وتم نقله للمستشفى وبالتالى لا بد من عيادته.

كل هذه الأمور تكون فى البداية من نصيب الأب حين يقوم بتكوين عائلة جديدة وبعد أن يستقل تمامًا عن أشقائه حتى يمثل كل منهم مركزًا وحده.

لكن والدى، رحمة الله عليه، كان مسافرًا دائمًا بسبب عمله فى حرس الحدود، ومن هنا فقد حمل سيد العديسى على كاهله أن يكون سفير بيتنا لكل هذه الواجبات، ولكل المناسبات، وما يقتضيه الأمر من حفظ بعض الأمور التى تعينه على قضاء كل هذه المشاوير.

وسيد العديسى كان كبيرًا منذ صغره، يمشى مع أعمامه للمشاوير البعيدة، ويؤدى هذه الواجبات نيابة عن أبى، وحين كبر قليلًا حمل على كاهله كل هذه المهام حتى إنه كان يتقصى كل أفراح وحوادث النجع ليعرف واجبات اليوم، وأصبح يفعل هذا من تلقاء نفسه ودون الحاجة لمشاورة أبى، وصار من الممكن أن يذهب إلى إحدى الواجبات فيفاجأ بوجود أبى هناك، فيسأله سيد: «أنا جئت لقضاء الواجب فلماذا جئت أنت؟»، فيخبره والدى أن «زيادة الخير خيرين».

ويكبر «سيد» حتى يتخرج فى المعهد العالى للخدمة الاجتماعية، ويظل فى البيت لفترة يلملم فيها نفسه، وبرغم أنه يقوم بكل الأمور نيابة عن أبى باعتباره كبير البيت، لكن الوشاة كانوا يلمزون فى وجه أبى ويقولون له: «معك فى البيت ثلاثة رجال لا أحد فيهم يعمل، لماذا لا يسافرون أو يعملون مع أبناء عمومتهم؟».

العمل فى الجنوب هو أن تترك بيتك وتسافر بحثًا عن لقمة عيش، أى لقمة عيش فى أى عمل شريف، العرف يقول إن «الولد للشارع والبنت للبيت»، ومن هنا فإن أبى ظل حانقًا لفترة كبيرة ومتضايقًا من أن أبناءه تخرجوا لكنهم ينتظرون أن تمنّ عليهم الدولة بفرص العمل، وبالتالى كان لا بد من مواجهة هذا الأمر، حتى قالها أبى صراحة لـ«سيد»، إنه لا يحب وجودنا فى البيت وإن علينا أن نعمل مثل الرجال حتى وإن كنا صغارًا، وحينها رد أخى قائلًا لوالده: «ولادك هيتحاكوا بيهم الناس فى النجع».

بعدها بفترة قصيرة تواصل جمال الغيطانى مع سيد العديسى داعيًا الأخير للسفر للقاهرة، وبالفعل سافر «سيد» عام ١٩٩٨، وهناك قابل صديقه الشاعر أسامة البنا والذى كان يعرفه من قصر ثقافة الأقصر، وقرر «أسامة» أن يأخذ «سيد» للخال صافى، رحمه الله، وهو رجل من رجال الأقصر استقر فى القاهرة وكان صديقًا للأبنودى ويحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل على اعتبار أنهم أبناء جلدة واحدة.

سكن «سيد» لفترة مع الخال صافى، كان رجلًا ودودًا جميلًا يضحك ملء فمه، ويقهقه بجسد بدين يرتج كلما خرجت منه ضحكة صافية.

كان أمام «سيد» مهمة شاقة لإثبات نفسه لأبيه أولًا، ونذر لنفسه أنه مهما ضاقت به الحال فلن يتواصل مع والده ليخبره بأنه يحتاج لمصروفات أو غيره.

قابل «سيد» جمال الغيطانى الذى كان معجبًا بشعره بشكل كبير، وقدمه ليعمل فى جريدة أخبار الأدب التابعة لمؤسسة أخبار اليوم، لكن «سيد» لم يحب العمل فى «أخبار الأدب» فقرر البحث عن جريدة أخرى، ومن هنا التقى الدكتور فارس خضر والشاعر أحمد المريخى اللذين كانا سببًا فى دخوله مجلة الإذاعة والتليفزيون حسب ما حكى لى شقيقى.

بجوار العمل فى المجلة، تعرف سيد العديسى على الكثير من الموهوبين فى التلحين والغناء وغيرها، وبحكم كونه شاعرًا فكان يكتب الأغنية أيضًا وحاول كثيرًا أن يقدم الكثير من الأغنيات لكن كلها كانت مشاريع لا تتم، لكن هذا لم يكن يزعجه خاصة أنه الآن يعمل فى مجلة الإذاعة والتليفزيون.

رحلة كبيرة حاول فيها إثبات نفسه حتى تم تعيينه فى المجلة إبان رئاسة الكاتب الصحفى الراحل ياسر رزق، وبعدها تم قبوله عضوًا فى نقابة الصحفيين.

فى هذا الوقت كان قد عمل فى عدة صحف منها جريدة الخميس، وجريدة الفجر أيضًا ومجلة «وشوشة» وغيرها، بالتوازى مع عمله فى مجلة الإذاعة، وقرر ترك شعر العامية وكتابة قصيدة النثر بالفصحى، وهو أمر برع فيه.

لكن اللحظة الفاصلة فى حياة سيد العديسى هى حينما تسلم كارنيه نقابة الصحفيين، كان هذا هو انتصاره الحقيقى، يومها حجز للسفر إلى الأقصر، ونزل مهرولًا من القطار حتى البيت، وقال: «السلام عليكم» ثم أخرج كارنيه نقابة الصحفيين لوالده، والذى ما إن قرأ اسمه عليه حتى سجد على الأرض شاكرًا الله وقام يحتضن «سيد» بكل قوته، وكان حضنًا عبر فيه عن امتنانه الكبير لأنه الآن يقدر على قول إن ابنه لم يكن فاشلًا كما كان ينعته البعض فى النجع، وأن الشعر الذى سخر منه بعضهم كان وسيلته للحصول على كارنيه نقابة الصحفيين.

لم يتوقف سيد العديسى عند هذا الأمر، ولكن حينما حصلت أنا على كارنيه نقابة الصحفيين توجهت لوالدى بدورى، وحين قرأ ما فيه سجد لله ثانية، وكانت عيناه مخضبتين بالدموع وراح يحتضننى وقال كلمته الأثيرة التى أتذكرها كل وقت: «الآن يمكننى أن أموت مرتاحًا»، وصار أبى يفرح كلما حدثه أحدهم عن ابنيه.

المشهد الأخير يوم أن كنا فى الأقصر قبل عيد الأضحى ومرض أبى جدًا حتى أحضرنا له سيارة الإسعاف، وركبنا معه، فأمسك بأيدينا وقال: «أنا راضٍ عنكم، رفعتم رأسى وجعلتم لحياتى معنى أفرح به، أنا راض عنكم جميعًا»، وكانت آخر مرة نرى فيها والدنا، وحين توفى ورغم حزننا الكبير، خففت كلماته عنا بعد رحيله.

إن كان أبى قد مهد لموته قبل ثمانى سنوات من رحيله بعد عملية جراحية لإزالة ورم حميد فى الظهر، ظل بعدها يتعكز ويتعب يومًا بعد يوم وتتعثر حركته أكثر حتى لم يعد قادرًا على القيام، فإن سيد العديسى لم يمهد لهذا الموت، لم يهيئنى لرحيله رغم أنه أجرى عملية قلب مفتوح لكنه كان يتابع دائمًا مع الطبيب ولم يكن هناك شىء يوحى بأنه سوف يموت قريبًا.

لم يُحجز فى عناية، أو يعانى من شىء ما نجهله، كان يمارس حياته بشكل عادى جدًا حتى إن اليوم الذى سبق رحيله كان ساهرًا حتى الساعة الثانية صباحًا مع مجموعة من الأصدقاء يلعب معهم الدومينو، ومنهم: محمود جروين وجمال عاشور وأبورجب والعم على والعم نوح وطارق ومحمد وعلى والكثيرون.

لكنك غافلتنا جميعًا يا «سيد» ورحلت، رحلت وتركت لى دفترًا كبيرًا من الذكريات كلما قلبت إحدى صفحاته بكيت، هنا أكلنا وهنا شربنا وهنا جلسنا مع أصدقائنا نضحك. وهنا جلسنا مع محمود جروين أو جمال عاشور حتى يأتى أبورجب وطارق ونضحك كأن العالم سينتهى الضحك منه غدًا، تركت لى كل هذا الدفتر، وكل هؤلاء الذين بمجرد مرور أحدهم أتذكرك، كيف أتذكرك وأنا لم أنسك؟، وكلما دق جرس هاتفى أتصوره أنت، هل تتخيل يا «سيد» أننى حتى الآن لا أصدق موتك، موقن تمامًا أن الموت حق، لكننى وحق الله غير مصدق، كأنك ستكذب كل ما حدث وتأتى وتقول «أنا هنا»، وربما يدق هاتفى لأرى اسمك فتقول: «ياض عامل إيه؟»، فأقول لك كلمتى المعهودة: «عسل والله»، فتضحك وتقول: «عسل يا عسل».

أقول لك كلمة أخيرة، أسعدت والدك وأسعدتنا ورحلت خفيفًا، لكننى وإلى الآن سأظل أنظر إلى هاتفى كلما دق، سأمسكه وقبل أن أرى المتصل سأدعو الله أن يكون أنت، وأن كل ما أعيشه الآن هو كابوس طويل بعض الشىء، «كيف حالك جدًا» يا سيد.

والدة العديسى:  السيد البدوى زارنى فى المنام فسميته على اسمه

تحكي والدة سيد العديسي السيدة بدرية أحمد علي فضل الله عن ولادته فتقول: كنت قد أنجبت اثنين قبل السيد، وحمل أولهم اسم السيد أيضًا، والحقيقة لهذا سبب، كنا نقيم في الإسكندرية في حي الجمرك، وحلمت أنني في زيارة للسيد البدوي، وحين استيقظت قصصت حلمي على الحاج مصطفى زوجي، فأخبرني أنه إن جاء ولد وعاش فسيحمل اسم السيد تيمنا بهذا الحلم، وإن عاش سيد ستكون لنا زيارة للسيد البدوي..

كنت قد أنجبت اثنين قبل «سيد»، وحمل أولهما اسم «سيد» أيضًا، والحقيقة أننا كنا نقيم فى الإسكندرية فى حى الجمرك، وحلمت أننى فى زيارة للسيد البدوى، وحين استيقظت قصصت حلمى على الحاج مصطفى زوجى، فأخبرنى أنه إن جاء ولد وعاش فسيحمل اسم «سيد» تيمنًا بهذا الحلم، وإن عاش ستكون لنا زيارة للسيد البدوى.

وعاش طفلى بعد أن ولد فى الجمرك، وكان حمله خفيفًا وولادته ميسرة، فأسميناه «سيد» أيضًا، وبالفعل قمنا بزيارة للسيد البدوى كما قال زوجى.

كان «سيد» ابننا البكر الذى عاش بعد رحيل أخوين له، وبالتالى نشأ مدللًا كلما أشار لشىء ما يحضره والده، كان مدللًا بقوة على عكس أخويه إيهاب ومحمود، لكنه لم يدلل بشكل يفسده، كنا نرعاه ولا نحب بكاءه، وكان لى ٥ أشقاء معى فى الإسكندرية كلما قال «سيد» شيئًا ما بدا قوله وكأنه أمر يطيعونه، وكبر فى هذا الجو الكبير من المحبة، وحمل كل هذه المحبة لإخوتى ولمن رعاه حتى آخر أيام حياتهم واحدًا بعد الآخر.

لم أكن أعرف كم كان عمر «سيد» حين قرر زوجى أن نرتحل للصعيد لنقيم فى الأقصر، لكن وبمجرد استقرارنا هناك دخل «سيد» مدرسة حاجر العديسات الابتدائية.

وتمر الأيام، والحقيقة كنت أحبه حبًا كبيرًا، لا أذكر أنه عصى لى أمرًا ما، حتى حينما يرفع أحد إخوته صوته يقوم وينهره، ومر بفترات عصيبة كثيرة، منها توقعه أنه سيموت صغيرًا بعد موت صديقين له، وأن ملك الموت يبحث عنه، وهذا الأمر أثر عليه كثيرًا خلال دراسته فى السنة الثالثة بالمدرسة الثانوية العسكرية بالأقصر، ولم يوفق فى الامتحان، لكن والده قال «قدر الله وما شاء فعل».

وتخرج وعمل بالصحافة، وتعب كثيرًا، ولكنه كان حريصًا على أن يحدثنى دائمًا، وكان السبب فى أننى فرحت كثيرًا، فرحت جدًا بيوم زواجه وكأنه عيد صغير جمعنا حوله، وفرحت يوم أن جاء ركضًا، ليخرج لوالده صك نجاحه فى هذا العالم، كارنيه نقابة الصحفيين، يومها قال لى والده إنه الآن راضٍ تمامًا عن وجوده فى الدنيا.

كان سببًا فى الكثير من الفرح وكان يرعى إخوته كما يجب، وكأن كل هذا الحب الذى جمعه صغيرًا، وزعه على أشقائه كبيرًا، فكان حنونًا وصاحب قلب كبير، كلما قبض راتبه كان يتصل بى ويقول: «هل تحتاجين لشىء؟» ولا أكون محتاجة، فأنا أقبض معاش والده، لكنه كان يصر على أن يرسل لى «نفحة» كما كان يقول.

أعرف أن الإنسان يولد صغيرًا ويكبر، على عكس الموت الذى يولد كبيرًا جدًا ويصغر مع الأيام، لكن موت «سيد» جاء كبيرًا جدًا بشكل لا نحتمله، وظل معنا بشكل لا نحتمله، وندعو الله فقط أن نحتمله، فقط نحتمله حتى نعتاد، أعرف أن هذه سنة الحياة وأن الموت حق، لكن الأمر يكون قاسيًا بعض الشىء، رحم الله ولدى وأسكنه فسيح جناته مع والده وبارك الله فى الباقين.

سحر مصطفى: فرشت لك حجرتك فى عيد الأضحى!

ولدت قبل «السيد»، وأنا أكبر إخوته، وأكثرهم عيشًا معه وربما معرفة به، حقيقى أن عمله وشقيقه «إيهاب» فى الصحافة جعلهما أكثر قربًا بحكم سكنهما معًا فى القاهرة، لكن «السيد» لم يقصر أبدًا فى تواصل. يكلمنا كل يوم رغم انشغاله، يتواصل ويطمئن على بناتى وأولادى، هؤلاء الذين يحبونه محبة طاغية.

لم يحدث أن قصر معى أو معهم، يلبى كل رغباتهم حتى إنهم كانوا يتواصلون معه وأنا لا أعرف ما بينهم، يستشيرونه فى كل شىء، ويقبلون نصيحته. لا يقبل الحال المايل، ويمكن أن تشتد نبرة صوته إن قصر أحدهم فى حقى، هكذا كان مربيًا لهم بعد طلاقى من أبيهم.

ولأننى أسكن فى بيت ملاصق لبيتنا وهادئ تمامًا، فإن «السيد» كان يأتينى وينام فى بيتى دون أن يزعجه أحد، أطفئ الأنوار وأتركه ينام كما بدا له. ورغم أن نومه كان صعبًا جدًا، ويظل ساعة واثنتين وثلاث يحايل النوم فى كل مرة، كان مرتاحًا ويخبرنى بأن بيتى جميل وينام فيه بعمق ولا يزعجه أحد.

كان شقيقى يعتبرنى أمًا ثانية بعد أمى، بحكم أننى أكبرهم سنًا، وكان من المفترض- كما هو سياق الحياة- أن أموت قبله، لا أن أعيش كل هذا الحزن برحيله دفعة واحدة، لكنه غافلنا جميعًا ورحل بجسده، لكنه أبدًا لم يرحل بصوته، لم يرحل بحنوه وقلقه وحزنه وفرحه.

كان قد وعدنى بأن يأتى فى عيد الأضحى، حتى إننى فرشت له حجرته التى يحب النوم فيها دائمًا، ولم أكن أفكر لوهلة أن ما حدث يمكن أن يحدث، وأنه يمكن أن يغافلنا ويرحل.

كان يكره الوداع، وبعد أن يقضى معنا بضعة أيام فى المواسم مثل الأعياد وغيرها، كان يفضل أن يرحل دون أن يسلم أحيانًا، فقد كره تلك اللحظات التى سيفارق بعدها، لذا كان يكلمنا هو وفى القطار، ونتابعه منذ ركوبه حتى نزوله فى الجيزة وارتياحه فى بيته.

أحب «العديسى» الوحدة، كان لا يحب أن يقلقه أحد فى نومه، أو أن يصدر أحدهم صوتًا وهو نائم، لأن هذا كفيل بإيقاظه، ويظل فى معاناة إلى أن ينام مرة أخرى، لم يكن نومه منتظمًا، لم يكن يضع رأسه على الوسادة وينام، مثل شقيقه «إيهاب»، على العكس تمامًا، متى أتاه النوم نام، لكنه يظل يعافر حتى يغرق فيه.

الكثير من المواقف جمعتنى بشقيقى «السيد»، لكن أكثر ما أذكره هو حنوه، كان حنونًا بشكل غير عادى، يتواصل ويظل يلح إن كنت أحتاج لشىء، حتى إنه اقتطع جزءًا من راتبه لى، وكان يرسله شهريًا بمجرد نزول الراتب. كما تولى الصرف على ابنتى حتى حصلت على «البكالوريوس».

كان شقيقًا وأبًا وصاحبًا، متى احتجته وجدته رهن الإشارة، لم يقصر فى حقنا، ولم يغضب، كان حليمًا وصادقًا، ويحب أمه محبة تفوق كل وصف. لم أعتقد يومًا أنه يمكنه الرحيل هكذا، لكنه رحل، وكعادته دون وداع!

زاهية مصطفى:  اطمأن علينا جميعًا يوم وفاته

قبل أن يتوفى أبى- رحمه الله- أوصى السيد العديسى بنا، ورغم أنه لم يكن محتاجًا لتوصية، بعد وفاة الأب لم يكن يتعصب كما كان قبل ذلك، بل أصبح أكثر وداعة وحنوًا.

تغير كثيرًا بعد وفاة أبيه، وأصبح كثير السؤال عنا، يقوم من النوم ويجهز تليفونه ليمر علينا واحدًا تلو الآخر، ويطمئن على أحوالنا قبل أن يبدأ يومه.

حتى يوم وفاته دخل إلى «جروب» العائلة واطمأن علينا جميعًا، وضحك مع ابنتى، ثم تركناه ونحن نضحك معًا دون أن ندرك أن هذا آخر ما يمكن أن يجمعنا بشقيقى رحمة الله عليه.

كان «السيد» مختلفًا عن باقى إخوتى، وهذا لأنه «الكبير» كما اعتدنا مناداته، كان يشعر بنا بشكل لا يصدق، وكأنه يقرأ الأفكار أو يعرف ما يدور خلف ظهره.

أنا نشأت لا أعرف كيف أطلب شيئًا من أحد، لذا كان كل فترة، إذا جاءته أموال، يدخل إلىّ على الخاص ويسألنى: «لقد جاءتنى أموال، هل أحوّل لكِ؟» أو «جاءتنى أموال كذا.. كم أرسل لكِ؟».

مررت بظروف كثيرة قاسية، لم يتخل فيها عنى أبدًا. وشقيقاى «إيهاب» و«محمود» يسألان عنى أيضًا، ولم يتركنى أحد من أسرتى، لكن «سيد» كان أكثرهم سؤالًا وحنوًا.

شهريًا أو كل فترة، يحرص على الاتصال بى ليرى: «هل لديكِ ما يكفى فى البيت؟» «هل عند ابنتكِ الحليب؟» «هل عندها مصاريف؟» «هل عندها حفاضات؟».. هذا فى عامها الأول.

كان دائمًا يحمل ذلك الإحساس المرهف. وجميع إخوتى، الحمد لله، طيبون، ربنا يبارك فيهم، لكن «السيد» كانت لديه تلك اللمسة الإنسانية. من دون أن أطلب، وهو يعلم أننى لا أعرف كيف أطلب، كان دائمًا حاضرًا بالسؤال، سواء كان معه مال أو لم يكن.

كان من الممكن أن يتأخر راتبه، ومع ذلك يكلمنى ويقول: «أنتِ لا شأن لكِ إن كان معى أو لا، هل تحتاجين شيئًا؟ هل ينقصك شىء؟»... جعل الله مراعاته لنا، وحرصه على إرضائنا، فى ميزان حسناته، وأن يرضيه الله فى الجنة بإذن الله.

قبل أن يسافر «سيد» كان بينى وبينه شد وجذب يقوم على محبة، كان يحمل عقلًا كييرًا، ربما هو العقل الذى أهله ليكون ذلك الشاعر الكبير، وأعرف أننى متشابهة معه فى بعض الصفات، وكان يقول لى: «رغم الشد والجذب بينى وبينك، إلا أنكِ لو كنتِ وافقتِ على كل شىء كنا نقوله لكِ، لما أصبحتِ كما أنتِ الآن؛ تحملين دنياكِ، وأخصائية ناجحة جدًا، ومسئولة عن حياتك، وعن ابنتك، وعن أشياء كثيرة».

ذلك التفاهم الذى كان بينى وبينه، ربما جعلنا، بعد وفاة والدى، أكثر اثنين من إخوتى تفاهمًا. كنا نتحدث كثيرًا، وكان يتصل بى ليحكى لى عن كل شىء يحدث معه، وكل شىء يضايقه.

يحكى لى إن كان هناك موقف يشعر فيه بالقهر أو الحزن، يحكى لى كثيرًا ولا يخبئ عنى أى شىء، وإذا كانت هناك فتاة تحبه، أو كان معجبًا بواحدة، كان يتصل ويحكى لى. وإذا أراد الذهاب إلى مكان، أو إلى «أتيليه» أو معرض، وسيقابل فيه صديقات أو معارف، كان يتصل بى ويقول: «ما رأيك أن تأتى معى؟».

لم يكن يقل لنا الكلام مباشرة، وكنت أتعجب: كيف لرجل منحه الله كل هذه الموهبة فى الشعر واللعب بالكلمات لا يعرف كيف يكون معبرًا بأقصى حد، أعرف أنه خجول، لكنه أحيانًا يرتبك ولا يستطع التعبير بشكل حقيقى عما يشعر به تجاه الآخرين، لأنه لم يكن شخصًا معبرًا، لكنه كان يدعو لى، وأشعر بأنه كان فخورًا بنا. فخورًا بأن كل واحد منا مسئول عن حياته، وأننا مترابطون، خاصة بعد وفاة والدى.

أكثر حزن قاهر فى حياتنا أننا لن نسمع ضحكة «السيد» مرة أخرى، كان مبهجًا وضحوكًا، يُضحك الدنيا ومن حوله، ويملأ المكان الذى يوجد فيه بالبهجة، إذا كان هناك مكان ملىء بالنكد، فلن تجده فيه، كان يحب الأماكن التى يوجد فيها الكثير من الضحك، ويحب الناس الذين يضحكون، ويحب الحديث مع من يمنحونه البهجة، لأن هذا كان عالمه الذى يحبه، وأقسى ما فى الأمر أننا لن نسمع ضحكته مرة أخرى، رحمة الله عليك يا شقيقى.

سها مصطفى: أبنائى يبلغونك السلام ويقولون لك: «نحبك»

بحكم أنه شقيقى جمعتنى به الكثير من المواقف، لكن ما أود قوله هو أنه كان واثقًا فى الله بشكل لا يصدق، كان واثقًا أن الله سيرحمه ولن يعذبه، قالها لى أكثر من مرة حين كنا نتحدث عن الصلاة وغيرها، كان يؤكد لى أن الله حنون وعطوف ولن يخذله أبدًا.

ولدت أنا بعد «سيد» وقبل شقيقى «إيهاب»، وولادتى كانت نقطة تحول للأسرة كلها، فقد قرر أبى أن ينتقل للعيش من الإسكندرية إلى الأقصر، وهو القرار الذى تزامن مع ولادتى.

ولأن الجنوب يحتم عليك أن تخضع لتقاليده وعاداته، كان «سيد» حازمًا صارمًا رغم أنه تدلل كثيرًا، وكان صاحب كلمة نافذة فى بيتنا، وحين يقرر لا يرد أحد كلامه. وحينما يتحدث مع «إيهاب» يقول له والدى جملة وردت فى مسلسل «غوايش» على لسان بديع العربى موجهة لفاروق الفيشاوى: «كلام أخوك الكبير يصير يا حسنين يا ولدى».

ورغم صرامة «سيد»، حين توفى والده ووجد أنه حمل مسئولية كبيرة تجاه البيت، أصبح رقيقًا وأكثر حنوًا ووداعة، كان يسأل علينا كلنا واحدًا تلو الآخر، ويمنح المحتاج منا، لا يقصر، ويضحك كثيرًا.

قبل وفاته بيوم تواصل معى، كان يريد الحديث، كان يريد أن يتكلم كثيرًا كأنه يعرف تمامًا أن هذه آخر مرة سأكلمه فيها، ظل يتحدث ويحكى كثيرًا، ورحت أسمع ولا أقاطعه.

«العديسى» لم يكن مجرد شقيق فقط، لكنه كان أبًا وأخًا ويدًا كبيرة حانية لا تجيد إلا الربت وتطييب الخاطر، أعرف أنه حزن كثيرًا وعانى كثيرًا، ولكنى قلت فى نفسى ربما يكون هذا لأن الله سبحانه يريده خفيفًا.

عرفت هذا حين رأيت جنازته التى حضرها كل أهل النجع، وجنازته الأخرى فى القاهرة، وجنازته الثالثة فى الإسكندرية، وترحمات الناس عليه، من يعرفه ومن لا يعرفه، وكتابة الكثيرين عنه، كل هذا يطبب القلب ويخفف من لوعة الفقد.

كان يحب أبنائى ويكلمنى كثيرًا عن «عبدالله»، أصغرهم، وحين يراه حزينًا يقول له: «هبعتلك فلوس»، ويرسل له، يفرح «عبدالله»، يفرح كثيرًا. كان معى فى كل خطوة، لا يناقشنى كثيرًا ويحبنى لدرجة لا أتخيلها. أبنائى يبلغونك السلام ويقولون لك: «نحبك».

أنا دائمة التواصل مع بناته، كان يعشقهن، واليوم الذى يمر ولا يكلمهن فيه يتضايق من كل شىء، لكن سرعان ما يعود ويطبطب على بيتنا كله، إن احتاج لشىء يكلم شقيقه «إيهاب» أو يكلمنى، وكلنا رهن إشارته، ويقول أنتم سندى دائمًا، لكن الحقيقة أنه كان سندنا كلنا.. رحمة الله عليك يا شقيقى.

محمود مصطفى: لم يقل قبل موته إنه سيموت!

نعم، بالفعل لم يكن لى مجرد شقيق أو أخ أكبر فقط، بل كان بمثابة «أب ثان»، وكأن الله سبحانه صب فيه كل صفات أبيه صبًا فأصبح أبًا بصفات أبيه.

أنا الوحيد فى أشقائى الذكور الذى أعيش فى الجنوب منذ أن ارتحل سيد العديسى ومن بعده شقيقى «إيهاب» إلى القاهرة

من هنا كانوا يرون أننى عائل البيت وربه، وكانا يعاملاننى على أننى صاحب البيت، وإن احتجت لشىء أجدهما رهن إشارتى، وكلما تعثرت بى الدينا لا أكلمهما، فقط أرسل إليهما رسالة عبر «الواتس»، وأجد ما قلته لهما أيًا كان.

فى الحقيقة أنا كنت سعيدًا جدًا بأن الله منحنى «سيد»، ولم أتوقع رحيله أبدًا، لم يقل قبل موته إنه سيموت! لم يتعب مثلًا، وكما مثل الإخوة كانت بيننا مناوشات وخلافات، لكنها تختفى بمجرد مرور دقائق، ولا أذكر له إلا كل جميل، كان جميلًا يستحق كل جميل. أنا أعشق الصيد، وسيد العديسى كان يعشق الصيد، لذلك كان يقول لى، كلما أقبل أحد المواسم التى سينزل فيها إلى النجع: «جهز العدة» فأجهز الصنانير والخيوط وكل شىء، وعندما يأتى نذهب لنصطاد أنا وهو وشقيقى «إيهاب»، وكان حظ «سيد» كبيرًا علينا، بمجرد أن يضع صنارته فى قلب الترعة تقبل عليه الأسماك، ونظل أنا و«إيهاب» ننظر إليه حتى إن «إيهاب» قال ذات مرة: «متجيبهوش تانى معانا».. ورحنا نضحك.

ليس هذا فقط، لكن «سيد» له الكثير من المواقف الأثيرة التى نذكرها فى النجع، منها أننا كنا صغارًا نذهب إلى الأرض بعد حصاد القمح، ونلملم «السبل» المتساقط بعد عمل «الدراسة»، يكون هذا عادة فى عز الحر والشمس تصب نارها على رءوسنا صبًا، وفى إحدى المرات غافلنا ابن عمى «حمدى» وخلع جلبابه وقفز إلى الترعة، وكان التيار قويًا فراح يصرخ، كان سيد العديسى يلبس جلبابه، وبدون تفكير قفز وراء ابن عمه فى الترعة، وأنقذه من الغرق.. وغيرها الكثير والكثير من هذه الحكايات التى كان فيها محبوبًا.

كما كان يحمل الكثير من محبة الناس لأبى، وحين يمر على أرض ما، يكون صاحبها قد زرعها بامية أو ملوخية أو أيًا يكن، يذهب صاحب الأرض لـ«سيد» ويحلف عليه بأن يأخذ بعضًا منه إكرامًا لأبى «مصطفى».. هكذا ترك لنا الوالد سيرة عطرة نفرح بها.

ما رأيناه من محبة الناس لـ«سيد»، والعزاءات الثلاثة التى أقيمت له فى الأقصر والقاهرة والإسكندرية، والصلاة عليه مرتين، وترحمات الجميع عليه، يؤكد أنه سار على نفس النهج الذى تركه لنا أبى، وترك لنا إرثًا عظيمًا من محبة الناس له، فالجميع لا يذكرونه إلا بخير، وإلى الآن أفاجأ بحكايات لا أعرفها من وقوفه بجوار أحدهم، أو السعى فى مصلحة ما لآخر.. هكذا كان «العديسى» رحيمًا حنونًا يحب الناس ويحبونه.