المحرر العام
محمد الباز

رقصة الهيكل العظمى.. حاتم رضوان: الأدب الحقيقى ليس نقلًا للواقع وإلا تحول لفيلم تسجيلى

حرف

- لم أستوح الشخصية من فتاة بعينها لكن من عدة شخصيات حقيقية

- روايتى تشبه «البندول» فى تأرجحها بين القهر والأمل والحياة والموت 

- العمل الإبداعى الجيد يطرح مستويات متعددة من التلقى والتأويلات 

أصدر الدكتور حاتم رضوان روايته الجديدة «رقصة الهيكل العظمى» ضمن سلسلة «أصوات أدبية» الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ويطرح عبرها جدلية الوهم والحقيقة من خلال شخصية هبة الكاشف، مضيفة الطيران التى تواجه تجربة الإصابة بالشلل، إلى جانب شخصيات أخرى تكشف عن أبعاد إنسانية متعددة.

ويعتبر «رضوان» أن كل رواية أو قصة لا تخلو من ثنائية ما، باعتبارها هى التى تصنع دراما الحدث منذ بداية الخلق: «آدم وإبليس»، «قابيل وهابيل»، «الخير والشر» وغيرها من الأضداد التى تمنح السرد حيويته.

حول هذه الرؤية، وروايته الأخيرة «رقصة الهيكل العظمى»، أجرت «حرف» مع الدكتور حاتم رضوان الحوار التالى.

■ كيف جاءت فكرة رواية «رقصة الهيكل العظمى»؟

- عندما تسألنى عن فكرة قصة أو رواية لى، أقول بلا تردد إنها لحظة تجلى، أو إلهام تنزل علىَّ بلا سابق إنذار، وكثيرًا ما سألت نفسى عندما انتهى من الكتابة، كيف كتبت ما كتبت؟ إنها لحظة معقدة لا أستطيع الإمساك بها، أحاول أن أسترجعها لأضع يدى على حدث مادى بعينه، لكنى أستطيع أن أشير بيقين إلى فكرة أو قصة معينة، وهذا ما لمسته عند كتابة رواية «رقصة الهيكل العظمى».

قد تكون مجموعة من الأحداث الصغيرة مرت بى أو بغيرى ترسبت فى عقلى الباطن لتخرج فى صورتها النهائية، وخاصة الشخصية الرئيسية بطلة الرواية هبة الكاشف التى كما قدمت فى مستهل الرواية، البطلة المخلوقة من الوهم والحقيقة، وهى شخصية ذات طبيعة نفسية معقدة، استوحيتها ليس من فتاة بعينها، ولكن من عدة شخصيات فى الحقيقة، يربطهن خيط ما. وأضفت عليها بالطبع بعض الخيال، لأعطى لها بعدًا أدبيًا وفنيًا، فالواقع الفنى يختلف بالتأكيد عن الواقع الحقيقى، والأدب الحقيقى ليس نقلًا للواقع بحذافيره، وإلا أصبح فيلمًا تسجيليًا.

■ أوردت هوامش فى آخر الرواية تشرح فيها بعض المصطلحات والأحداث.. لماذا؟

- جاءتنى فكرة أن أضع بعض الهوامش فى نهاية الرواية لأشرح بعض المصطلحات الطبية التى قد لا يعرفها القارئ العادى ولأفسر بعض الكلمات الأخرى أو أسماء بعض الرقصات أو التعبيرات الملغزة، أو إرجاع بعض الاقتباسات إلى أصحابها، دون أن يجد القارئ صعوبة فى البحث عنها مثلًا فى الإنترنت، وأردتها أن تكون مكملة لأحداث الرواية أو مفتاحًا لفهمها، وفى الوقت نفسه رأيتها مغامرة وقلت لنفسى لمَ لا أقوم بتجريبها، ويرى بعض القراء والنقاد أننى قد أجدت فى بعضها وجانبنى الصواب فى البعض الآخر.

■ تحفل الرواية بالثنائيات.. «الموت/ الحياة»، «الحزن/ السعادة» وغيرهما.. وبالتالى هناك فلسفة ما تتعلق بهبة الكاشف ورؤيتها للعالم.. كيف ترى هذا؟

- أعتقد لا توجد رواية أو قصة تخلو من ثنائية ما، الثنائيات هى ما تخلق دراما الحدث، ووجدت مع بداية الخلق، آدم وإبليس، قابيل وهابيل، الخير والشر، الحركة والجمود، مثلًا انطلاق هبة الكاشف وتحليقها فوق سموات العالم، ثم شللها وقعودها على كرسى متحرك مشدودة إلى الأرض، حيث تعد الثنائيات الضدية «الموت/الحياة، الحزن/السعادة» أداة فنية وفلسفية جوهرية فى الرواية، تعمل على تعميق الصراع الدرامى، وإبراز التناقضات الإنسانية هى ليست مجرد أضداد بصورة حدية ومطلقة، إنما منطقة رمادية تتداخل فيها المشاعر، ما يعزز فهم القارئ للتجربة الوجودية، حيث الحياة تكتسب قيمتها من قرب الموت، والسعادة من تجربة الحزن.

الرواية لا تقدم الموت كنهاية مطلقة، بل كحالة ممتدة، والحياة كشكل من أشكال المقاومة اليومية، تمارسه «هبة» بطلة الرواية على مدار مقاطعها، إن استخدام هذه الثنائيات يحول التجارب الفردية إلى قضايا عامة ومشتركة بين البشر، ما يمنح العمل دلالات أوسع وأعمق. الثنائيات تعمل كآلية تكاملية، الحزن يمهد للسعادة، والظلام يبرز النور، مثل لوحة تشكيلية من الأبيض والأسود، ما يضفى ديناميكية على النص الروائى، هذا التوظيف يسهم فى بناء سردى غنى، يفتح النص على قراءات وتأويلات متعددة، ويجعل التجربة الأدبية أكثر ثراءً.

■ جاءت اللغة مكثفة تميل للغموض.. هل قصدت مواكبة اللغة لحالة هبة الكاشف؟

- نعم، اللغة المكثفة لغة سريعة وقلقة تناسب شخصية هبة الكاشف التى تعيش قلقًا وجوديًا وحيرة من أمرها نتيجة كل ما مر بها من أحداث طوال حياتها ومنذ طفولتها، مرورًا بمراحلها العمرية المختلفة من مراهقة وفوران، ثم نضج عاطفى، واللغة الغامضة والرمزية تعكس عزلة هبة النفسية، وتشتتها، ومحاولتها مقاومة طوفان روحها نحو الحياة عبر «الجنس الهاتفى» والذكريات، ما يخلق هذه اللغة القلقة وغير المباشرة، التى أتت عن غير وعى منى، المبدع لا يختار أسلوب لغته عن قصد، فالعمل الأدبى أقصد هنا الرواية هو ما يفرض لغته الخاصة، فاللغة أداة سردية تنقل مأساتها بعد تعرضها لحادث أفضى بها إلى شلل بالنصف السفلى، وتمزج بإيقاعها بين الواقع المرير والخيالات والغرائبى، محاكية حيرة البطلة بين ماضٍ يحلق فى السماء وحاضر قعيد، وأرى أن اللغة فى الرواية تحولت من مجرد سرد إلى بنية فنية دالة، تعبر عن الصدق الفنى للحالة النفسية والجسدية المعقدة للبطل.

وأريد أن أضيف أن فصولًا أو قل مقاطع الرواية جاءت أيضًا قصيرة ومكثفة، تشبه الومضات النفسية التى تعكس تفتت وعى البطلة وتشتتها.

■ هل قصدت أن تكون المكالمات الهاتفية وسيلة هبة الكاشف لمواجهة العالم بعد إصابتها بالشلل؟

- الإجابة قد تحمل إجابتين: نعم ولا، نعم فى عالم هبة الكاشف، المكالمات الهاتفية لم تكن مجرد وسيلة تواصل مع الآخر، بل كانت المعادل الموضوعى لحالتها الجديدة؛ فهى الجسر الوحيد الذى يربط «جسدها الساكن» هى القعيدة بين جدران غرفتها، بالعالم «المتحرك» فى الخارج، همزة الوصل بينها وبين الجنس الآخر، من خلال هذه المكالمات، استطاعت التعبير عن مشاعر الفقد والعجز دون الحاجة للحركة، فصارت الرنة والخط الهاتفى هما «الحيز البديل» الذى تمارس فيه حياتها الخاصة، التى حرمت منها من وراء ستار، وتعبيرًا أو تفريغًا لرغبات جسدها المكبوتة.

ولا لأنها قد تكون مصدرًا لزيادة التوتر والقلق، والاكتئاب نتيجة الانعزال الاجتماعى والشعور بالعار، وعلى الرغم من أنها قد توفر شعورًا مؤقتًا بالراحة أو التنفيس عن الشهوة، فإنها غالبًا ما تؤدى إلى نتائج عكسية، مثل الشعور بالذنب، ومشاكل نفسية وعاطفية على المدى الطويل، ويمكن أن تتحول إلى سلوك جنسى قهرى أو إدمان جنسى، ما يعوق ممارسة الأنشطة الحياتية المعتادة.

■ هناك مسحة صوفية فى الرواية.. ما تفسيرها؟

- أخذت الرواية وخاصة فى نهايتها منحى صوفيًا كملجأ من صدمات الواقع، بعد حادث مأساوى. وجدت هبة الكاشف نفسها مشلولة، تعيش حالة من التمزق بين واقعها القاسى وتوق روحها للحياة، حيث تمزج الرواية بين الرموز الواقعية «الشلل» والروحية، حين يمثل انكسار الجسد بداية للبحث عن «الرحمة الإلهية»، وهو ما يظهر فى تساؤلاتها عن الإيمان الحقيقى وتأثرها بكلمات شمس التبريزى حول القلوب الصافية، إلى أن هبط عليها كائنها الغرائبى، يدعوها إلى رحلة بحث عن الخلاص الداخلى، والتطهر من آثام الماضى، ولمواجهة حالة العجز التى تعانيها، رحلة كانت بمثابة ملجأ روحى ووجودى للبطلة، وكخلاص نهائى من أزماتها، وهنا لا تكون الصوفية مجرد طقوس، بل تكون ملاذًا نفسيًا يُخفف من حدة العبثية والوجودية، حيث تتحول من خلالها التساؤلات الوجودية والاضطرابات النفسية إلى رحلة للعودة إلى الله والسكينة النفسية.

أيضًا يعبر عنوان الرواية «رقصة» وتكرار مفردة الرقص، تماشيًا مع «رقص السماع» الصوفى الذى يمثل حركة دوران حول النفس بهدف الوصول إلى مرحلة الكمال والتحرر من القيود المادية.

وأترك للقارئ أو الناقد الرأى: هل نجحت فى جعل الرمز الصوفى كـ«طوق نجاة» فنى، وأن تكون الصوفية حلًا منطقيًا وتبريرًا فنيًا لما تعيشه هبة الكاشف من صراعات، تُعيد فيه ترتيب فوضى حياتها، محولةً «الهيكل العظمى» «رمز الموت والجمود» إلى «رقصة» «رمز الحياة والروحانيات»، أم لا.  

كذلك أرى أن المسحة الصوفية لم تكن فقط فى أحداث الرواية وخاصة فصلها الأخير، بل وظفت لغة صوفية، تأملية، تزخر بالعديد من الاقتباسات للنفرى، وجلال الدين الرومى، وشمس الدين التبريزى، وتبرز كأداة فنية ونفسية عميقة، حيث تتقاطع الرموز الروحية مع الواقع البوليسى والنفسى المعقد للبطلة هبة الكاشف، حيث تضفى هذه اللغة مسحة قدسية ومجازية تكشف عن بواطن النفس، والصراعات الوجودية، والوجد، متجاوزة السرد التقليدى إلى عالم الكشف والإشراق، وتمزج اللغة بين الروحانى والحسى، مثلما ورد فى وصف تطور مراحل البطلة العمرية «زهرة أنوثتها»، «تضاريسها»، ما يعكس رؤية جمالية صوفية تعتبر الجسد مرآة للروح، وتستخدم لغة مجازية مثل «فراشات المريدين تحوم على أعتاب فتنتها».

وتستخدم أيضًا الرواية أسلوبًا رمزيًا شائكًا، يعبر عن مكنون النفوس وحالات الوجد والشوق، وهو ما يماثل نزعة الصوفية فى استخدام الرمز تعبيرًا عن حالات النفس التى لا يفصح عنها ظاهر اللفظ، بشكل عام أرى أن اللغة الصوفية فى روايتى «رقصة الهيكل العظمى» تقدم رؤية جمالية مغايرة، تجعل من السرد رحلة صعود فى «معارج المعنى» داخل النفس البشرية.

■ حفلت الرواية بالرموز السيريالية مثل «الكائن النارى».. ألا يمكن أن تفسرها لنا؟

-  رواية «رقصة الهيكل العظمى» حافلة بالرموز السريالية والنفسية، حيث يمثل الكائن النارى/ الهلامى/ النورانى «الجن المحبوس تحت جلد البطلة» تجسيدًا للصراع الداخلى بين الرغبة فى الحياة والقيود القدرية التى فرضت عليها دون إرادة منها، يُعد هذا التوظيف الرمزى تقنية بصرية ونفسية، تمزج الواقع بالخيال، هذا الكائن النارى/الهلام لا يمثل شرًّا محضًا، بل هو «شبحى» يعاقب البطلة «هبة الكاشف» عند انحرافها ويحميها فى آن واحد، كأنه ضميرها المعذب أو محاولة لاستعادة النور فى الروح بعد الحادث الذى تعرضت له وجعلها قعيدة كرسى متحرك مشدودة إلى الأرض.

وأيضًا يتضح الرمز فى عنوان الرواية «رقصة الهيكل العظمى»، تلك الرقصة التى شرحت تفاصيلها فى أحد هوامش الرواية، وهى مستوحاة من فلكلور الإسكيمو، تحكى عن شبح هيكل عظمى «أهكينى» كان يرقص عندما كان حيًا، وظل يرقص بعد موته، إنها رمز للمفارقة بين «الحياة فى الموت» و«الموت فى الحياة»، حيث ترقص البطلة قعيدةً عبر ذكرياتها.

ويرمز بيت الجدة إلى السجن النفسى والواقع الاجتماعى الذى تُحاصر فيه الشخصية، وتنبثق منه رائحة الماضى أو الموت، وتحاول هبة الكاشف الهروب منه عبر الرقص خلف شباك غرفتها المغلقة لطلبة المدينة الجامعية، هنا يتم توظيف الرقص فى الرواية كأداة فلسفية تجسد الحياة، والمغامرة، ما يربط بطلة الرواية بالحياة رغم كونها مشلولة قعيدة. 

ويأتى الرقص أيضًا كرمز أو استعارة مركزية، تمثل الانعتاق، والتحرر الجسدى والنفسى، والبحث عن أمل وسط واقع عاجز، وهنا يرتبط الرقص بالبطلة هبة الكاشف كأداة للمقاومة واستعادة الذات، حيث تتخيل نفسها راقصة باليه لتجاوز شللها، ليصبح الرقص معادلًا للحياة والموت معًا، إنها رقصة الهيكل العظمى الذى لا يستطيع التوقف سواء فى حياته أو بعد الممات.

■ تطرح الرواية الكثير من الأسئلة حول ماهية الأشياء السعادة والحزن والشقاء والأمل.. ما الذى أردت توصيله للقارئ؟

- العمل الإبداعى الجيد أو الرواية الجيدة هى ما تطرح مستويات متعددة من التلقى والتأويلات المتعددة كل حسب رؤيته ومستواه الثقافى أو حالته النفسية وقت القراءة، كما أوردت فى السؤال الكاتب يقدم المعطيات، مثل مسألة حسابية، أو لغز، وعلى القارئ أن يحاول حلها أو فك شفرتها، حيث تخلق «الثنائيات الضدية» التى تقدمها الرواية للمتلقى حالة نفسية ووجودية مكثفة، تجمع بين «السعادة/ الحزن»، «الحياة/ الموت»، «الراقص/ القعود أو الشلل»، إنها توليفة سردية مشهدية تتألف من «43 مشهدًا» تتراوح بين الطول والقصر، مصممة لتكوِّن «ميتافيزيقيا لليومى»، ما يدفع القارئ للتفكير وتأويل أطروحاته الخاصة عن الرواية الخاصة، وإثارة قضايا بخصوص جدوى الوجود والبحث عن الذات بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

وبدلًا من تقديم إجابات مباشرة، تستعرض الرواية- من خلال بطلتها هبة الكاشف- مأساة التحول من الحركة والحرية إلى القعود «شلل نصفى»، تاركة للقارئ تساؤلات حول ماهية «الأمل» بعد انكسار الجسد، وكيفية إعادة تعريف الرقص كـفعل حركة للتغلب على قسوة الواقع.

الرواية فى مجملها تشبه «البندول» تتأرجح بين القهر والأمل، الحياة والموت، الحركة والشلل، تلقى الضوء على المعطيات النفسية والوجودية تاركة للمتلقى حرية «الرقص» فوق حطام الأسئلة.