يا مسافر وحدك نوال مصطفى: زوج بينظير بوتو اعترف لى بالحرج من الجلوس مع زوجات الرؤساء!
أصدرت الكاتبة الصحفية نوال مصطفى، ضمن إصدارات النسخة الأخيرة من معرض القاهرة الدولى للكتاب، فى يناير الماضى، كتابها الجديد «يا مسافر وحدك»، عن «روايات مصرية للجيب» التابعة لـ«المؤسسة العربية الحديثة».
يدور كتاب «يا مسافر وحدك»، الذى سبق أن أعلنت عنه الكاتبة الكبيرة على صفحات «حرف»، فى إطار أدب الرحلات، ويتضمن الكثير من المعلومات الشيقة عن عدة دول، مستفيدة فيه من موقعها كمراقب للحدث وشاهد عيان، كما حدث فى تفجيرات برجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك، يوم 11 سبتمبر 2001 عبر طائرتين مختطفتين.
وتحكى نوال مصطفى، فى الكتاب، تفاصيل جديدة عن الحادث، الذى أدى لمقتل نحو 2977 شخصًا، وتبناه تنظيم «القاعدة» الإرهابى، وذلك من وجهة نظر مَن رأى بعينه، ثم تنتقل للعديد من الدول والأحداث الأخرى، منها زواج الأميرة للا أسماء، الابنة الثانية لملك المغرب السابق الحسن الثانى، واصفة حفل الزواج الملكى بعد دعوتها إليه.
كما تتطرق لحوارها الأهم مع بينظير بوتو، السياسية الباكستانية الشهيرة، أول امرأة تشغل منصب رئيس الوزراء فى بلد مسلم،

■ كيف جاءتك فكرة كتابك «يا مسافر وحدك»؟
- ظلت فكرة الكتاب تراودنى مع كل سفرة أقوم بها، فالسفر ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، أو من زاوية إلى زاوية أخرى من زوايا كوكبنا المحير الغامض الملىء بالأسرار، بل هو رحلة نبحر فيها إلى أعماق ذواتنا، ونعيد اكتشاف أنفسنا. فى كل مدينة زُرتها، كنت أشعر بأننى ألتقى بوجوه البشر، لكننى فى الحقيقة ألتقى بجزء جديد من نفسى.
■ كتاب «يا مسافر وحدك» هو الثالث الذى عنونته باسم أغنية تنطبق على الحالة.. لماذا هذا الاسم؟
- «يا مسافر وحدك» عنوان مستوحى من تلك اللحظة الوجودية التى يشعر فيها الإنسان بأنه يسير فى طريقه الخاص مهما ازدحم العالم من حوله. الكتاب ليس مذكرات سفر تقليدية، بل محاولة لالتقاط المعنى الإنسانى خلف الرحلة: ما الذى تتركه المدن فى أرواحنا؟ وكيف يغيرنا الطريق، بينما نظن أحيانًا أنه مجرد طريق نعبره.
أحب أحيانًا أن أستعير من الأغنية عنوانًا لكتاب، لأن الأغنية مثل الأدب قادرة على تلخيص حالة شعورية كاملة فى جملة واحدة. بعض الأغنيات تحمل ذاكرة جماعية، وعندما تتحول إلى عنوان كتاب تصبح مدخلًا شعوريًا للقارئ قبل أن يبدأ القراءة.
لا أخطط لذلك بشكل متعمد، لكنه يحدث عندما أجد أن أغنية ما تعبر عن روح النص. ربما يحدث هذا مرة أخرى فى كتاب قادم إذا وجدت الأغنية التى تختصر الحالة.

■ ذكرت فى كتابك أنك عاصرت أحداث «١١ سبتمبر»، وضرب برجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك.. ما الذى تتذكرينه من هذه التجربة؟
- كانت لحظة فارقة فى تاريخ العالم، لكنها بالنسبة لى كانت أيضًا لحظة إنسانية شديدة القسوة. عندما ترى حدثًا بهذا الحجم من قلب المكان، تدرك الكم الرهيب من الغرائب التى يخبئها لنا العالم الذى نعيش فيه.
فى تلك اللحظة اختفت كل التحليلات السياسية وبقى الإنسان فقط، الخوف فى عيون الناس، الصمت الذى خيم على المدينة، والإحساس بأن العالم دخل مرحلة جديدة لن تشبه ما قبلها، وهذا ما حدث، ولا يزال يحدث على مرأى ومسمع من البشر أجمعين، وما نعيشه الآن من أهوال فى المنطقة العربية المستهدفة منذ زمن من محور الشر. ربما لهذا السبب حرصت أن أكتب التجربة كما شعرت بها إنسانيًا، لا فقط كحدث تاريخى.
■ مقابلتك لشخصية مثل بينظير بوتو وحوارك معها.. كيف أثر فى تجربتك الصحفية؟
- لقاء شخصية مثل بينظير بوتو كان واحدًا من محطاتى الصحفية المهمة، خلال مشوار العمر فى بلاط صاحبة الجلالة، كانت امرأة تقف فى قلب معركة سياسية معقدة، لكنها فى الوقت نفسه تحتفظ بقدر كبير من الهدوء والإنسانية.
فى الحوار معها شعرت بأننى أمام شخصية كاريزمية حقيقية، تعرف جيدًا ثقل التاريخ الذى تحمله على كتفيها. هذه المقابلة تمت بصعوبة كبيرة، لكننى نجحت فى الفوز بها بصبر، ومثابرة وإصرار منى.
الزاوية الخاصة التى ركزت عليها كانت الجانب الإنسانى فى الشخصية العامة، فالمسئول الكبير نراه فقط فى صورة رسمية، لكن من الصعب أن ننفذ إلى أعماقه ونكتشف أحلامه ومخاوفه كإنسان. هذا ما بحثت عنه فى شخصية «بينظير»، وهذا ما جعل الحوار مميزًا مختلفًا عن باقى الحوارات التى أُجريت معها فى الصحافة العالمية. وفزت عنه بجائزة نقابة الصحفيين كأفضل حوار صحفى.

■ كنتِ الوحيدة التى أجرت حوارًا مع عاصف زردارى، زوج بينظير بوتو.. كيف رأيته وهو زوج السيدة الأهم فى باكستان؟
- عندما التقيت عاصف على زردارى، كان واضحًا أنه يعيش فى ظل شخصية استثنائية مثل بينظير بوتو، لكنه فى الوقت نفسه كان يمتلك حضورًا سياسيًا خاصًا. ما لفتنى فى الحوار أنه كان شديد الوعى بحساسية موقعه. فهو زوج زعيمة سياسية كبرى، لكنه أيضًا فاعل فى المشهد السياسى.
كان الحديث معه فرصة لفهم الجانب الآخر من الصورة التى نراها عادة فى الإعلام. وكان صريحًا جدًا معى، كلمنى عن موقفه المحرج عندما يحضر مع زوجته أى مناسبة رسمية علنية، فيكون عليه أن يجلس مع زوجات الرؤساء الآخرين باعتباره زوج رئيسة الوزراء!
■ من بين أكثر من ٢٠ دولة زرتها كانت روما الأقرب لقلبك.. لماذا؟
- لأن روما مدينة تشبه كتابًا مفتوحًا للتاريخ. فى كل شارع تشعر أنك تسير فوق طبقات من الحضارات. لكن ما شدنى إليها ليس التاريخ فقط، بل روح المدينة نفسها، وهذا التوازن الجميل بين العراقة والحياة اليومية البسيطة. كنت أشعر وأنا أمشى فى شوارعها أن الزمن لا يمضى هناك بطريقة عادية، بل يتراكم مثل الذاكرة.
■ دعمتِ كتابك بمعلومات عن البلاد التى زرتها.. هل قصدتِ أن يكون حافلًا بالمعرفة للقارئ؟
- نعم، لأننى لا أحب أن أكتب عن المكان بوصفه مجرد خلفية للرحلة. المكان له تاريخ وروح وسياق ثقافى. عندما يفهم القارئ هذه الخلفية يصبح قادرًا على رؤية الرحلة بعمق أكبر. لذلك حاولت أن أجمع بين الحكاية الإنسانية والمعرفة، بحيث يشعر القارئ أنه يسافر معى ويتعلم فى الوقت نفسه.
■ تغلبتِ على مخاوفك فى كوستاريكا وزُرتِ بركانًا نشطًا.. هل هو حب المغامرة؟
- ربما هو الفضول أكثر من المغامرة. عندما تقف أمام بركان نشط فى كوستاريكا تدرك قوة الطبيعة التى تفوق خيال الإنسان. الخوف كان حاضرًا بالطبع، لكن الفضول لمعرفة هذا العالم المدهش كان أقوى. أحيانًا تحتاج فى الرحلة أن تخرج قليلًا من منطقة الأمان لترى الحياة بعيون مختلفة.
■ كتبتِ «يا مسافر وحدك» بلغة تُشرك القارئ فى المحتوى كأنك تتحدثين إليه مباشرة.. هل قصدت هذا؟
- بالتأكيد. أنا أكتب كما لو كنت أجلس مع القارئ فى حوار هادئ. لا أحب المسافة الباردة بين الكاتب والقارئ. أحب أن يشعر القارئ بأنه يسير معى فى الشوارع نفسها، ويشارك دهشتى وخوفى وفضولى. ربما لهذا تبدو اللغة قريبة وحميمية، لأنها بالفعل قادمة من تجربة عشتها لا من فكرة مجردة.

■ تم تكريمك من الشيخ محمد بن راشد عن مبادرة «صُناع الأمل».. كيف ترين تلك اللحظة؟
- كان التكريم من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لحظة مؤثرة جدًا بالنسبة لى، لأنه لم يكن تكريمًا شخصيًا فقط، بل تقديرًا لفكرة أن العمل الإنسانى قادر على تغيير حياة الناس. وأنا كإنسانة وككاتبة أرى أن العمل الإنسانى هو الكتاب الحقيقى الذى نكتبه فى حياة الآخرين. مبادرة «صُناع الأمل» ذكّرتنى بأن القصص الإنسانية التى نكتبها أو نعيشها يمكن أن تصبح طاقة أمل حقيقية للآخرين.
■ فى الأندلس لم تذكرى فقط رحلة بل تاريخًا مدعومًا بالحكايات.. هل هى حكاية حب بينك وبين الأندلس؟
- ربما يمكن وصفها هكذا، بالنسبة لى مدن الأندلس ليست مجرد جغرافيا تحمل رائحة التاريخ، بل لحظة حضارية استثنائية التقت فيها الثقافات والأديان والفنون. عندما زرت مدن الأندلس شعرت بأننى أمشى داخل قصة طويلة من الجمال الإنسانى. لذلك كتبت الرحلة وكأنها حكاية، لأن التاريخ هناك لا يُروى بالوقائع فقط بل بالمشاعر أيضًا.
■ ما الكتاب المقبل لنوال مصطفى؟
- أعمل حاليًا على مشروع جديد قريب من قلبى، مشروع أدبى أشعر أنه تأخر كثيرًا، ومحوره مستوحى من قضية عمرى التى أعطيتها وقتى وجهدى وأفكارى ومشاعرى: «سجينات الفقر وأطفالهن».
هذه القضية الإنسانية التى احتلتنى منذ بداية مشوارى الصحفى، والتقائى وجهًا لوجه بأبرياء فى سجن النساء. أحاول أن أكتب نصًا أدبيًا يجسد تجربتى الإنسانية الواقعية، ويكشف الكثير من المسكوت عنه خلف القضبان، ووراء أبواب البيوت.
فى النهاية، أقول إن الرواية بالذات عندى ليست برنامجًا مخططًا له سلفًا، بقدر ما هى استجابة لنداء داخلى يُلح علىّ ويدعونى لأن أخرجه من داخلى كما يفعل الجنين فى رحم الأم تمامًا لحظة خروجه إلى الدنيا. وعندما أشعر بأن الفكرة نضجت تمامًا، يبدأ الكتاب فى كتابة نفسه.







