الجمعة 27 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

احكِ يا شهريار.. خالد منصور: أعتبر نفسى شهريار الذى قرأ وتأثر وأراد أن يحكى

حرف

- كرة القدم أفيون الشعوب الجديد!

- كتابى تضمن أعمالًا غيّرت نظرتى للعالم

- القراءة تجعلنا أكثر رهافة ووعيًا وتسامحًا

- لم أدَّعِ يومًا أننى ناقد.. أنا فقط مجرد قارئ مخلص 

منذ أكثر من عشرة أعوام تحول من سلك الإخراج إلى تقديم البرامج، ارتبطت مسيرته بشبكة قنوات النيل منذ البداية، فعمل أولًا مخرجًا فى قناة النيل للتنوير، قبل أن يتحول إلى قناة النيل الثقافية، ومنذ بدأ الظهور كمقدم للبرامج وهو يحاول بناء جماهيرية عبر الدأب ومحاولة تقديم محتوى يبقى أثره، خاصة فى الوسطين الأدبى المصرى والعربى. 

إنه الكاتب والإعلامى خالد منصور، يعتبر اللقاء التليفزيونى محاولة للدخول إلى وعى ضيوفه من خلال قراءة ما كتبوه، باعتبارها رحلة تضيف إليه كل يوم ولا تضيف إجابة وإنما تراكم أسئلة بحثًا عن شواطئ يقين، تاركًا أثرًا يزيد بمرور الأيام من خلال استضافة مئات الكتاب ومناقشتهم فى إبداعاتهم المختلفة. 

إلى جانب اللقاءات الحوارية، يقوم بالتعليق الصوتى للعديد من البرامج التسجيلية بالقناة، إضافة إلى وجوده فى الفعاليات الثقافية المختلفة من حلقات نقاشية أو معارض كتاب كمدير للحوار أو مناقش.

ومؤخرًا اتجه إلى الإعلام الرقمى من خلال برنامج «إحكِ يا شهريار» الذى يقدم تناولًا جديدًا للكتب والمعرفة، الذى تحول فيمًا بعد إلى كتاب بنفس العنوان «احكِ يا شهريار.. حكايات من دفتر قارئ» عن دار نهضة مصر.

عن كتابه الجديد وكواليس تأليفه ورؤيته للإبداع والفن، أجرت «حرف» مع خالد منصور الحوار التالى.

■ كيف جاءت فكرة كتابك «احكِ يا شهريار»؟

- على مدار أكثر من أحد عشر عامًا قمت بإدارة الحوار مع مئات المثقفين والمبدعين المصريين والعرب حول إبداعاتهم ومختلف القضايا الثقافية، وكنت أشعر دائمًا بإلحاح حاجتى إلى التعبير عن تلك الأعمال بأشكال أخرى غير الحفر فى عقل ووجدان المبدع عبر السؤال. 

فكتبت المقال بعدد من الصحف والمواقع وبحثت عن وسيط آخر ربما ظهرت من خلاله فى صورة أخرى غير صورتى المعتادة كمحاور من خلال شاشة قناة النيل الثقافية فكانت فيديوهات «احكِ يا شهريار» على اليوتيوب التى تقدم مجموعة من الكتب والأعمال الإبداعية بشكل بسيط ومختلف والتى أنتجتها وكالة «بيرز فاكتور» لصاحبها الروائى باسم الخشن. ومؤخرًا تواصلت معى دار نهضة مصر لتوثيق تلك الحلقات والمقالات وجمعها فى كتاب، وبالطبع عملنا على تحريرها للوصول إلى هذا الشكل النهائى.

■ كيف يكون الحكى لشهريار وهو المعنى بالسماع وليس لشهرزاد التى تتولى الحكى؟

- فى رواية «أنبئونى بالرؤيا» للكاتب والمفكر المغربى الكبير عبدالفتاح كيليطو يقول أحد الرّواة بالرواية، «فى داخل كلّ قارئ شهريارٌ غافيًا» ويؤكد كيليطو هذا التصور فى كتابه «الأدب والارتياب» بقوله: «إذا سلمنا بأن القارئ عدو، فالنتيجة الحتمية أن كل كاتب فى وضعية شهرزاد وكل قارئ فى وضعية شهريار»، من هذ الفكرة جاء اسم البرنامج على اليوتيوب، فشهرزاد هى الحكاء والكاتب الذى يعرض أفكاره ومشاعره ورؤيته عبر الكلمات فى كتاب والقارئ هو شهريار الذى قد تثير إعجابه تلك الكلمات وتتغير نظرته للعالم ويتشارك الأسئلة والهواجس مع الكاتب أو على العكس يغلق الكتاب ولا يكمل القراءة، فيصبح ذلك الفعل أشبه بسيف مسرور على رقبة شهرزاد التى لن تكمل حكايتها عبر القراءة. 

وأيضًا التأثر بالقراءة أشبه بما حدث لشهريار من تحول من حاكم سادى دموى ملىء بالغضب والرغبة فى الانتقام إلى إنسان تأملى يفكر فى العديد من الأسئلة والإشكاليات وصراع الخير والشر وعلاقة الحاكم والمحكوم فى حكايات شهرزاد. 

فاعتبرت نفسى شهريار الذى قرأ وتأثر ويريد أن يحكى عما حدث له بعد القراءة. فالقراءة تجعلنا أكثر رهافة ووعيًا وتسامحًا. أو هكذا أظن.

■ فى عملك بالنيل الثقافية وبرامجك أجريت عشرات اللقاءات مع كتاب من مختلف الدول العربية.. فلماذا هذه الأسماء التى اخترتها خصيصًا فى كتابك.. وما معيارك فى الاختيار؟

- الاختيار بالنسبة لـ «احكِ يا شهريار» كان أكثر صعوبة من الاختيار فى البرنامج ربما لاختلاف الوسيط والهدف. فى البرنامج أسعى لعمل أرشيف مرئى للمبدعين من خلال لقاءات شخصية معهم من خلالها يتعرف القارئ على كاتبه بشكل أكثر قربًا، وبالتالى أحاول تقديم ولو القليل من طيف المشهد الإبداعى المصرى والعربى. 

أما فى «احكِ يا شهريار» كان البحث عن أعمال شعرت بعد قراءتها بتغير نظرتى للعالم والعديد من القناعات. على سبيل المثال المزيد من التبجيل والقداسة للقراءة فحين نصاب بنزلة برد على سبيل المثال قد نشعر بالإجهاد فنؤجل القراءة، ولكن الكاتب الهولندى بيتر شتاينس الذى أصيب بالتصلب الجانبى الضمورى وجد عزاءه من الإصابة بمرض مهلك فى إعادة قراءة كتب شكلت وجدانه وربطها بأعراض مرضه عبر كتاب «مغزى القراءة» ترجمة محمد رمضان. أو أننى لا أتابع مباريات كرة القدم لأننى أراها أفيون الشعوب الجديد الذى يلهيه عن كثير من قضاياه الملحة، ولكن يأتى كتاب «تاريخ شعبى لكرة القدم» للفرنسى ميكائيل كوريا ترجمة محمد عبدالفتاح السباعى لأقرأ عن نماذج كانت فيها كرة القدم وسيلة للتحرر من الاستعمار ومقاومة الديكتاتورية والعنصرية. 

أو بالنسبة للمقالات كإشكالية الضحية والجلاد فى «حذاء فيللينى» لوحيد الطويلة، أو البحث عن صوتك المتفرد فى «صوت الغراب» لعادل عصمت أو عرض أسئلة التحقق والحب من ثقافة مختلفة كفرقة موسيقية يابانية فى «تسوباسا» لآية عبدالرحمن. أو تصنيف الرواية البوليسية بين محبيها وبين من يترفعون عنها من خلال رواية بوليسية تطرح رؤى حول العدالة ودور المؤسسات الساعية لتحقيقها بالمجتمع والالتزام الشخصى بمبدأ وقيمة إنسانية عبر وعد قد يخسر معه قيمًا أخرى ويظلم آخرين فى سبيل تحقيقة للعدالة من خلال رواية «الوعد» للكاتب السويسرى فريدريش دورنمات ترجمة سمير جريس، وغيرهم مما ضمه الكتاب.

■ قراءاتك عن الكتب كانت بسيطة وسلسة وأشبه بالحكاية منها إلى النقد.. كيف فعلت ذلك؟

- لم أدَّعِ يومًا إننى ناقد. أنا مجرد قارئ مخلص أحاول التحاور مع الكاتب عبر كلماته التى عبرت عن أفكاره وهواجسه وما يؤرقه من أسئلة التى تتحول إلى أسئلتى أنا أيضًا. وسعيد أن القراءات قد وصلتك بهذا الشكل فنحن نعشق الحكايات ونميل إلى تحويل كل ما نريد قوله إلى شكل حكائى. وإن كنت أتمنى أن يميل النقد إلى لغة سلسة دون إخلال بالطبع بجديته.

■ استخدمت لغة تناسب كل القراء فيشعرون معها بأن الخطاب موجه إليهم.. هل تعتبر ذلك نجاحًا؟ 

- لاحظ أننى أعمل بقناة تليفزيونية ثقافية متخصصة ودائمًا لدى هذا الهاجس حول المعادلة بين اختيار لغة سلسة تلائم طبيعة الوسيلة الإعلامية وبين أننى أقدم محتوى ثقافى جادًا، وأيضًا بين تقديمك لعمل دون أن تختزله فى الحكاية أو تقوم بحرق أحداثها، ولكن أيضًا الأفكار وعناصر العمل من لغة وبناء وتقنيات وتحافظ على اتصال المشاهد رغم عدم قراءته هذا العمل. وفى حلقات «احكِ يا شهريار» ربما تحررت بشكل أكثر من إطار الشاشة الصغيرة.

وبالتأكيد لا يمكننى إنكار أننى أريد الوصول إلى أكبر قدر من الجمهور، على الرغم أننى لا أميل إلى الدخول فى دوامات الترندات بل أحاول دائمًا الإشارة إلى الجميل وليس السخرية من الفج أو القبيح. وكونى أركز على أثر القراءة فى تغير نظرتنا للعالم وتسامحنا بالوقوف فى مكان شخصيات قصة أو رواية ما وتنوير وعينا عبر المعرفة ومشاركة أسئلة الكاتب يجعلنى أتوجه بشكل مباشر للقراء وأيضًا مشاهدين أستحثهم على خوض تلك التجربة الممتعة.

■ لا تركز مع الرواية فقط وإنما اخترت نماذج من القصة والكتب الفكرية مثل كتاب الدكتور شريف شعبان.. هل قصدت أن توازن بين الإنتاجات الأدبية؟

- ليست الفكرة إحداث توازن بين أشكال أدبية مختلفة ولكن بطبيعة الحال أتنوع فى قراءاتى وذلك ينعكس فيما أهتم بتقديمه عبر المنصات المختلفة، خاصة إذا كان به سؤال يثيرنى ففى كتاب د. شريف شعبان كان عن العلاقة بين السلطة والدين فى شعب يعرف عنه أنه متدين بطبعه، أو التنقل بين أفنان الإبداع والمعرفة الإنسانية فى كتاب «الأيك فى المباهج والأحزان» للكاتب عزت القمحاوى وهناك مجموعة قصصية لأحمد سمير سعد بعنوان «حكايات كاذبة» وثلاث روايات للكاتب الأمريكى بليك كراوتش رغم تصنيفهم الأدبى إلا أن الكاتبين اعتمدا على فرضيات علمية وفلسفة العلوم وربطهم بحياة ووجود الإنسان وعلاقاته مع المجتمع. بالنسبة لى كل أشكال الكتابة مترابطة بشكل ما من خلال علاقتها بالإنسان ووجوده.

■ تكتب أحيانًا السيرة الذاتية لبعض المبدعين لكنك تنوه للظروف التى أنتج فيها الكتاب منجزه قبل الكتابة عنه.. لماذا؟

- لدينا شقان فى هذا السؤال، الأول هو ما اتبعته فى الحلقات من تقديم لسيرة الكاتب الأدبية فى بداية الحلقة التى نبهنى إليها زميلى المخرج الراحل إسماعيل بيومى من ضرورة تعريف الجمهور بالكاتب، وهو ما أبذل فيه جهدًا بحثيًا لضمان صحة المعلومات الواردة فى السيرة بما فيها سنة الإصدار، بل إن بعض الكتاب أصبحوا حين يُسألون عن سيرتهم الذاتية يوجهون السائل إلى وصف الحلقة على قناة اليوتيوب الخاصة بى، فكما ذكرت أطمح إلى أرشيف مرئى للمبدعين وأتمنى أن أترك أثرًا ولو طفيفًا فى هذا الشأن.

أما السيرة الذاتية فى الكتابة وتعلم أن لا بد لكل كاتب أن تظهر ذاته بشكل ما فى عمله ولا أقصد هنا التلصص على الحياة الشخصية للكاتب، ولكن مجرد اختياره موضوعه أو لغته أو تمثيل أفكاره وأسئلته من خلال شخصياته هو اختيار يعبر عن ذاتيته وهذا بالنسبة لى أشبه بالتعرف الشخصى إلى الكاتب قبل حتى مقابلته، ما وضعنى فى مواقف محرجة حين أقابل الضيف بأريحية شديدة للغاية كأنه صديق قديم رغم أنها تكون المقابلة الأولى.

ومن خلال كتاب «احكِ يا شهريار» يوجد فصل حول طيف من تناول السيرة الذاتية والغيرية فى أعمال مختلفة وفصل آخر حول كتاب «المعلم إبراهيم جوهرى- سيرة مصرية من القرن الثامن عشر» للباحث د. مجدى جرجس الذى قام من خلال مجموعة من الوثائق الوصول لسيرة شخصية كانت ملء السمع والبصر فى زمانها، وأيضًا من خلال تلك السيرة الشخصية عرفنا على شكل المجتمع وطبقاته وطوائفه واحتمالات الصعود الاجتماعى به.

■ إذن لماذا غاب الشعر عن كتابك كأنك فقط تركز على الحكاية سواء كانت فى كتاب فكرى أم قصة أو رواية؟

- أعتقد أننا جميعًا مقصرون مع هذا الشعر. ولا أنكر أننى أهاب الشعر بما له من طاقة لغوية وحمولة تأويلية كبيرة فأكتفى بأن أكون فى صفوف المتذوقين له. وإن كنت كتبت مؤخرًا عن ديوان «أيها الموت العظيم» للشاعر والكاتب والفنان التشكيلى وليد علاء الدين وأرى أن هذا الديون مع ديوان «فوات الأوان» للشاعر والروائى محمد أبوزيد يشكلان سؤالًا جديدًا عن مفهوم الشعر وشكل القصيدة يحتاج إلى جهود النقاد دون تمسك بقوالب جامدة فى التناول لهما.

■ فى كتاب مثل «تاريخ الغطرسة» أنت لا تنتقد الكتاب لكنك تحكى عنه فتحول الكتابة الأكاديمية لحكاية أيضًا، هل قصدت ذلك؟

- بالتأكيد. رغم إيمانى بالقراءة إلا أننى أعلم أنها عملية مجهدة والمعرفة ممتعة ومؤلمة أيضًا أحيانًا. وأنت على حق أنا لا أميل إلى عمل تقييمات للكتب على سبيل المثال لم أضع يومًا تقييمًا لكتاب بعدد من النجوم على جودريدز. وفى كثير من الأحيان يشدنى كتاب ما ثم أدرك بعض هفواته فى القراءة الثانية، ولكننى كما ذكرت فى تلك الحلقات حاولت أن أشير إلى ما حفر داخلى بشكل ما من خلال قراءة هذه الكتب، وبما أنك ذكرت كتاب «تاريخ الغطرسة» فهو كتاب عن التسامح والمساواة وكارثية الغرور والغطرسة وتعرض الإنسان المعاصر للقلق والتوتر بسبب الأجواء التنافسية الشديدة التى لن يحقق النصر فيها سعادته بشكل كامل. 

وأيضًا كتاب «الدهون.. العضو السرى: فوائدها وأضرارها» فرغم أنه كتاب عن أسباب السمنة وطرق التعامل معها وشرح لطبيعة الدهون، إلا أن الهدف الاجتماعى كان لمواجهة التمييز ضد البدناء الذى يمكن ملاحظة أنه التمييز الوحيد المقبول، سواء داخل الدراما أو مجتمعيًا للأسف.

■ هل يكون «احكِ يا شهريار» محفزًا لكتب أخرى؟

- أحاول العمل على اختيارات جديدة. لدى طموح كبير. وقد أبدو مبالغًا لكننى أشعر بمسئولية ما حين أدخل مكتبة وأجد العديد من العناوين المحفزة للقراءة والعرض.