الخميس 26 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

تحت مستوى الشبهات.. مجمع اللغة العربية يرشح أحد أعضائه لـ«نوبل»: «الجوائز منّا فينا»!

حرف

طوال مسيرته العلمية منذ تأسيسه عام 1932م كان مجمع اللغة العربية بالقاهرة من أهم المؤسسات الأكاديمية، وأكثرها موثوقية فيما يتعلق بترشيح المبدعين، والعلماء لأهم الجوائز المحلية والدولية، ومن المعلوم أن أى هيئة علمية حين يطلب منها ترشيح أحد الأشخاص لنيل جائزة من الجوائز لا يجوز لها أن تختار أحد أعضاء مجلسها، تجنبًا لشبهة المجاملة، أو المحاباة، أو توافق المصالح، وغيرها من الشبهات التى تتعارض مع موضوعية الاختيار.

معلوم، أيضًا، أن أى مؤسسة علمية قبل أن تتصدى لترشيح أحد الأفراد لجائزة من الجوائز، فلا بد لها من أن تكون على علم تام بشروط الجائزة، وأن تتأكد من تحقق تلك الشروط فى مَن ترشحه، وتراه حقيقًا بتلك الجائزة.

إذا كانت هذه هى القواعد العامة الواجب اتباعها فى كل مؤسسة علمية أو أكاديمية، وعند كل ترشيح، وعند تقديم المرشح لأى جائزة، فما بالنا إذا كانت هذه المؤسسة التى يُعْهَد إليها بالترشيح والاختيار هى مجمع اللغة العربية بالقاهرة المؤسس منذ أكتوبر ١٩٣٢م، وإذا كانت المؤسسة التى تخاطب مجمع اللغة العربية بالقاهرة هى مؤسسة جائزة نوبل احترامًا لتاريخ المجمع، وأعلامه، وثقة فى اختياراته السابقة التى لم تَشُبْها شائبة طوال العقود التسعة الماضية؟

ما حدث فى مجمع اللغة العربية بالقاهرة هو أنه فى الجلسة الرابعة عشرة من الدورة الثانية والتسعين لعام ٢٠٢٦م/ ١٤٤٧هـ، قرر أعضاء مجلس المجمع ترشيح أحد أعضاء المجلس، وهو الأستاذ الدكتور محمود الربيعى عضو المجمع، الناقد، وأستاذ الأدب العربى السابق بكل من كلية دار العلوم بالقاهرة، والجامعة الأمريكية بالقاهرة.

محمود الربيعى

وأغلب إنتاج الأستاذ الدكتور محمود الربيعى، كما هو معلوم للجميع، مجموعة من الدراسات الأدبية الرصينة منها: «فى نقد الشعر» ١٩٦٨م، «قراءة الرواية» ١٩٧٣م، «نصوص من النقد العربى» ١٩٧٧م، «مقالات نقدية» ١٩٧٨م، «قراءة الشعر» ١٩٨٣م، «من أوراقى النقدية» ١٩٩٦م، «فى النقد الأدبى وما إليه» ٢٠٠١م، «فى حدود الأدب» ٢٠٠٨م. 

ترشيح محمود الربيعى مخالف للشروط من ناحية قيمة وطبيعة إنتاجه الأدبى

ومن ترجماته: كتاب «الصوت المنفرد» لفرانك أوكونور ١٩٦٩م، و«تيار الوعى فى الرواية الحديثة» لروبرت همفرى ١٩٧٣م، و«حاضر النقد الأدبى: مجموعة مقالات مترجمة» ١٩٧٥م.

وفى مجال السيرة الذاتية كتب: «فى الخمسين عرفت طريقى: سيرة ذاتية» ١٩٩١م، و«بعد الخمسين» ٢٠٠٤م، و«أخى محمد الربيعى: ذكريات ومختارات» ٢٠١١م، و«فى صحبة السعيد بدوى» ٢٠١٦م، و«متعتى فى الكتابة: عن اللغة والشعر والنقد والأصدقاء» ٢٠٢٠م، وأخيرًا «بعد التسعين» ٢٠٢٤م.

إنتاج الأستاذ الدكتور محمود الربيعى، كما هو واضح، تغلب عليه الدراسات الأدبية التى تمثل تحققه الأساسى بوصفه أستاذًا جامعيًا سابقًا، وناقدًا أكاديميًا، كما أنه كتب سيرته الذاتية موزعة على مراحله العمرية، وعلى علاقاته بأخيه، وأصدقائه كما هو واضح من العناوين السابقة.

هل تحقق فى إنتاج الدكتور الربيعى شروط الترشح لجائزة نوبل للآداب؟ هل الدراسات الأدبية التى قدمها تجعله جديرًا بتلك الجائزة العالمية؟ 

الجائزة شرط من شروطها فى مجال الآداب أن تمنح عن الأعمال الإبداعية المتميزة «إنتاج أدبى ذو جودة عالية» و«اتجاه مثالى» «Idealistic Tendency»، وهو مفهوم يركز على القيم الإنسانية، والجودة الفنية، والعمق الثقافى»، فهل السير الذاتية التى كتبها الدكتور محمود الربيعى تجعله أكثر جدارة بالترشح لها من مبدعين عرب: مصريين أو أجانب، وهبوا حياتهم للإبداع الأدبى بكل أجناسه؟

إذا كان مجلس المجمع اللغوى قد اتخذ قراره بترشيح الدكتور محمود الربيعى- وهو أحد أعضائه- وربما كان حاضرًا الجلسة نفسها التى اتخذ فيها القرار، فإن المجلس قد خالف شروط الجائزة من نواحٍ عدة أولاها: الشروط التى تخص طبيعة الإنتاج الأدبى، وثانيتها: أنه خالف شرطًا من شروط الموضوعية، التى تتلخص فى أنه لا يجوز أن يرشح الفرد نفسه للجائزة، والدكتور الربيعى أحد أعضاء المجلس، وهو ما يعنى أن المجلس رشح نفسه فى شخص الدكتور محمود الربيعى، أو أنه رشح نفسه من خلال المجلس.

ليست هذه هى المرة الأولى التى يقع فيها المجلس فى هذه المخالفة، فقد سبق أن رشح أحد أعضائه لجوائز الدولة التى يشرف عليها المجلس الأعلى للثقافة، وأبلغ المجلسُ الأعلى للثقافة المجمعَ حينها بأنه لا يجوز أن يرشح مجلس المجمع أحد أعضائه، حرصًا على نزاهة الاختيار، وموضوعيته، وأن المطلوب هو ترشيح أحد من خارج المجمع، ومن بعدها قرر أعضاء مجلس المجمع الامتناع عن ترشيح أى شخص لجوائز لدولة، وهذا ما قرره مجلس المجمع خلال العام الحالى، فلم يرشح أى أحد لتلك الجوائز اعتقادًا منهم بأنهم أحق بها، وأهلها!

الربيعى ربما صوّت بنفسه على قرار ترشيحه للجائزة

قرار مجلس المجمع اللغوى بالقاهرة بترشيح أحد أعضائه للحصول على جائزة نوبل العالمية، يكشف بجلاء عن أن أعضاء هذا المجلس يندفعون إلى اتخاذ القرارات بصفة عامة دون اطلاع على الحيثيات والشروط التى يجب مراعاتها قبل اتخاذ أى قرار من شأنه أن يضع مؤسسة أكاديمية بحجم مجمع اللغة العربية بالقاهرة موضع حرج أمام واحدة من أهم المؤسسات العلمية العالمية، وينقص من موثوقيته العلمية فى الترشيحات المستقبلية، هذا إن طلب من المجمع بعد ذلك الإسهام فى ترشيح أحد الأشخاص لتلك الجائزة. 

وهو يكشف، أيضًا، عن حال التخبط العلمى والإدارى التى وصل إليها المجمع، فى ظل وجود أعضائه الحاليين، ويكشف كذلك عن ضرورة إيجاد تصور بديل لنظام العضوية يُمَكِّن أجهزة الدولة من متابعة أعمال المجمع العلمية والإدارية، وفق رؤية واضحة، وغايات محددة، ووسائل معلومة، وألا يتحول إلى دار للتكريم، أو لتجميع الأصدقاء والأحبة بناءً على ما يجمعهم من مصالح أو أهواء أو أيديولوجيات.