«بصارة الحج بيلوتشى».. كريم على القاهرى: رواية شعبية «كتبت نفسها»!
- أحاول الإجابة عن سؤال: «هل الحاجة تحول المهمشين إلى وحوش؟»
- اقتحمت موضوعات شائكة لم يتطرق إليها أى نص أدبى من قبل
- الرواية رسمت شخوصها لدرجة الشعور بأن «الحاج بيلوتشى» هو من اختار الاسم!
قبل فترة، أصدر كريم على القاهرى روايته «غيمة»، التى استقبلها الوسط الأدبى باستحسان كبير، ليتبعها بروايته الأخيرة «بصارة الحاج بيلوتشى»، وفيها يتطرق لمجتمع العباسية الشعبى بكل ما فيه، من خلال قصة تدور حول «خواجة» ترك إيطاليا وجاء ليفتتح عربة لبيع «البِصارة» بعد غرامه بها.
ومن خلال لغة تحمل الكثير من السخرية، يناقش «القاهرى»، فى «بصارة الحاج بيلوتشى»، كل سوءات المجتمع كأنه يعريه تمامًا لتتكشف الكثير من الأحداث، مقتحمًا موضوعات شائكة «لم يتطرق إليها أى نص أدبى من قبل»، كما يقول.
عن الرواية وفكرتها وشخوصها ولغتها، يدور حوار «حرف» التالى مع كريم على القاهرى.

■ تتطرق «بصارة الحاج بيلوتشى» لمجتمع العباسية الشعبى.. كيف جاءت فكرة الرواية؟
- أرى أن المجتمع الشعبى هو ملح الأرض الثرى الملىء بالحكايات الشائقة الشائكة. رواية «بصارة الحاج بيلوتشى» هى عملى الأدبى الثالث، ومنذ عملى الأول تستطيع بسهولة أن تجد لمحات واضحة لحالة الطواف حول الشارع الشعبى. من مقعد قارئ الأدب، ثم كاتب الرواية، تجدنى أميل لدرجة الهوس إلى النص الشعبى.
ينسدل ذلك من اقتناع شخصى بأن للشارع الشعبى عدسة خاصة فى رؤية كل شىء، أى شىء يخطر على بالك تجد للحى الشعبى فيه نظرة خاصة ومفهومًا خاصًا وتفاعلًا خاصًا. السياسة والدين والمال ولقمة العيش والجنس، ما تظنه أنت ثابت يقينى تجده متحركًا ظنيًا فى المجتمع الشعبى، والعكس صحيح.
المجتمع الشعبى يتفاعل مع الأشياء وفق حاجته التى قد تقبلها أو ترفضها، لكن الأكيد أنه لا يمكن لى كروائى تجاهلها بتاتًا. ربما يكون ذلك ناتجًا عن معرفة جيدة بعد فترة من الاختبار الذاتى، والسؤال المُلِح: لأى أدب أنتمى ولأى حكى أنجذب ولأى نوع من الدهشة أذهب؟!
■ ما الإجابة التى توصلت إليها بالنسبة لهذا السؤال المهم؟
- استقريت على الحكى عن الناس، والاسترسال فى صنوف البشر، وتقديم معارض مكتوبة عن أغوار الإنسان ومصائرهم، تظهر الدهشة من دواخلهم. وهى كتابة فى حد ذاتها غاية كافية تُرتجى من الكتابة. الدهشة حاضرة بوفرة داخل الذات الإنسانية المغروزة فى بيئتها، ولا أميل إلى أدب يبحث عن الدهشة خارج الذات الإنسانية. كان ولا يزال المُركَب الإنسان هو الدهشة الكبرى، بصوابه وخطأه وحلمه ولحمه ودمه! ربما ذلك يفسر ارتباطى الكبير بأدب الأساتذة العظام: خيرى شلبى وإبراهيم أصلان وأسامة أنور عكاشة، فضلًا عن شيخى وشيخهم نجيب محفوظ.
أما بالحديث عن رواية «بصارة الحاج بيلوتشى» فهى تنتمى بالكلية إلى النصوص الشعبية، وأقول إنها رواية كتبت نفسها بنفسها، تتناول المجتمع الشعبى فى وضوح وصراحة شديدين. ولعل السؤال الذى شغل خاطرى ولا يزال، ومنه أطل على هذا المجتمع الشعبى، الذى حتمًا كلنا ننتمى إليه بطريقة أو أخرى: هل الحاجة تحول المهمشين إلى وحوش يأكلون بعضهم البعض أم إلى مساكين يستحقون الشفقة، أم الأمرين معًا؟! وبرغم الحيرة اخترت أن أرى بالعدسة الوسطى التى ترصد الجانبين قدر المستطاع، مع الميل إلى أن هؤلاء الوحوش الضارية كانوا ولا يزالون مساكين فى الأصل!
■ الرواية «كتبت نفسها بنفسها».. ما الذى تقصده؟
- الرغبة فى كتابة هذا النص ألحت نفسها علىَّ وسبقت إيجاد الفكرة، بمعنى أن كانت لدى رغبة أن أكتب هذه المرة نصًا شعبيًا صريحًا، وليس مجرد لمحة أو قبسًا كما حدث فى الرواية السابقة «غيمة». لكن الرغبة ليست كافية، إن لم يوجد أمر أو هم ما أريد أن أقوله وأحكيه، ومن ثمَّ تأتى الفكرة أو القالب الروائى الذى أحكى من خلاله ما أريده. ومن طبيعة هذه الرواية سيتكشف هذا الهم أو المقصد رويدًا رويدًا عبر الفصول والشخوص والأحداث!
هذه الرواية رسمت شخوصها بمحض إرادتها، ثم دعتهم يتراقصون حولى، حد الرغبة والاستنفار، لدرجة الشعور بأن «الحاج بيلوتشى» هو من اختار اسم الرواية! بالتحديد فى النصف الثانى من الرواية عندما تحول «الخواجة بيلوتشى» إلى «الحاج بيلوتشى».
■ تستبطن شخوصًا كثيرة فتظهر الكثير من السوءات وتضج بعالم كبير من الغواية.. هل قصدت ذلك؟
- قررت الاشتباك الصريح مع عالم الغواية المتطور فى السر والعلن، عن طريق سردية واقعية لا تخلو من السخرية، تعتمد على الاقتحام داخل الأغوار النفسية، ثم تنتطلق إلى الخارج تعلن عما تحمله من الطهر والعهر، الدفين والفاضح. ليست على الطريقة الاعتيادية الكلاسيكية، بل تعمدت صدمة القارئ بعالم من الغرابة يزداد حولنا، عالميًا وبالطبع نتأثر به داخليًا، خاصة فيما يتعلق بعالم المنصات وما تحويه من سراديب للشبق والسقوط.
أستطيع الزعم أن ما رحت إليه بالرصد والعرض فى رواية «بصارة الحاج بيلوتشى» من مناطق شائكة، لم يتطرق إليه أى نص أدبى من قبل، كموضة الأشباه الذين يتم استغلالهم بصورة مسيئة، فضلًا عن الاستغلال الجنسى عبر الوسائل الاجتماعية والمنصات، وصولًا إلى المفاجأة الكبرى التى زلزلت بطل الرواية الرئيسى «شيرين الشرقى»، وما ترتب عليها من ظهور كامل السوءات والسقوط والجريمة.

■ لماذا اخترت «شيف» إيطالى كبطل للرواية؟ ولماذا أيضًا «البصارة»؟
- اختيار «الشيف» الإيطالى، ومجيئه إلى العباسية بصحبة حرمه «نتاليا»، جاء من اقتناعى باشتراك أهل البحر المتوسط فى نفس الطباع، من الحمأة والعصبية والطبع النافر، وسرعة فقدان الأعصاب، والخلق الضيق، والكثير من الفوضى.. مساحة مشتركة من الشخصية تجعل التأقلم والتآلف الذى أريده وخططت له فى الرواية وارد الحدوث ولا غرابة فيه، بل مثير للدهشة والانجذاب.
أما اختيار «البِصارة» فكنت أبحث عن أكلة شعبية مصرية خالصة، تستطيع بمذاقها أن تسحر أكبر «شيف» إيطالى فى روما، فضلًا عن كونه اختيارًا جديدًا تمامًا، والأهم أنها تخدم الحبكة كما يظهر فى الأحداث.
■ اللغة فى «بصارة الحاج بيلوتشى» بها منحى ساخر كبير، كأنها تشارك فى نقد وتشريح هذا العالم.. لماذا هذا المنحى؟
- من أكبر أهدافى فى الكتابة الأدبية أن أصل إلى صوت لغوى خاص بى، أبحث عن تجديد يحمل بصمتى فى اللغة، حيث إنها ليست مجرد وسيلة سرد، بل يتعاظم دورها إلى أن تكون بطلًا رئيسيًا للعمل الروائى. وأميل إلى الاعتقاد بأن اللغة فى النصوص الأدبية لها مستويان، مستوى أول أصيل يخص الكاتب نفسه، وبمثابة بصمته فى السرد، ونظرته الخاصة إلى اللغة من حيث الكلاسيكية أو التجديد، ومستوى ثانِ متحرك بعض الشىء، يخص العمل نفسه من حيث الحكاية وبيئته والشخوص والصبغة الخاصة بعالم الرواية. وقد يتداخل المستويان ليصنعا شكلًا ثابتًا لأدب الكاتب ونصوصه.
هنا فى «بصارة الحاج بيلوتشى» رواية من قلب الشارع الشعبى المصرى، الذى من أهم خصائصه وتجلياته حس الفكاهة والسخرية، كل ما يمر من أفراح وأطراح يوضع فى قالب من السخرية اللاذعة، التى قد تتجاوز أحيانًا كل الحدود والمحاذير، فكيف أن أتعرض لهذا العالم القاسى الذى جاء فى الرواية بالرصد والتشريح دون استخدام طريقته الساخرة؟! أى انفصال بين عالم الرواية واللغة المكتوب بها ذلك العالم سيفقد النص سلاسته وصدقه.
■ فى حكى الراوى العليم المشارك فى الحدث يأتى الكثير من المفردات بالعامية الشعبية.. ألم تخش عدم تفاعل الكثيرين مع الرواية بسبب هذه المفردات؟
- لا بد من تماهى المفردات مع الشخوص، وأن يظهر النص بلسان أصحابه. وهذه الرواية محبوكة بالبهارات الشعبية الحارة، من مفردات عامية قد تتصف بالانطلاق والانفلات بعض الشىء، مثل السب والشتم وما شابه. لكنها متسقة تمامًا مع الشخصيات، وما يحملون من خطاب كلامى وثقافة ونشأة وحياة كاملة، يتفاعلون معها وتظهر من خلال ألسنتهم فى النص. حرصت أن يظهر ذلك فى طبيعة وواقعية لا تخلو من التخفيف والتخييل، لأننا فى النهاية نقدم رواية فنية تستهدف الإمتاع فى المقام الأول.
أما فيما يخص تفاعل القراء مع هذه المفردات، فإن همى الأول كان ملاءمة السرد لطبيعة الحكاية، والتفاعل أو عدمه وارد ومقبول شريطة أن يكون النص جيد الصنع من الناحية الفنية لفن الرواية. أما أن يوصف السرد ولسان النص بالانفصام عن بيئته وشخوصه فذلك إخفاق شديد، أتجنب الوقوع فيه ولا أقبل حدوثه. وفى النهاية رهانى على وعى القارئ وتفاعله لا يخيب.

■ تكشف الرواية عن اختلاف وتطور التعامل مع الأجنبى.. هل قصدت ذلك؟
- نعم، أردت رصد التحولات سلبًا وإيجابًا عدة مرات، بين الترحاب والتربص ثم معاودة الترحاب. الشارع الشعبى ضاغط ومضغوط، سريع الغضب أمام من يزاحمه فى لقمة عيشه، كما أنه أيضًا سهل التراضى، ويمكن كسبه بالود والألفة والعطف، والأصل فيه هو حسن استقبال وضيافة الضيف الغريب الأجنبى، وذلك ما حدث بالفعل من «آل الشرقى» تجاه الشيف «بيلوتشى» وحرمه «نتاليا».
حتى بعدما اخترع الخواجة عربة البصارة فى قلب العباسية، ذكرت أن منافسيه، أصحاب عربات الأطعمة وبقية المحال، تركوه ٣ أيام واجب إكرام الضيف، قبل أن يتربصوا به فى اليوم الرابع، ويصير عدوًا لهم يستحق البعد والتنكيل. لكن سرعان ما تلاشت هذه العداوة أمام ما لقوه من تواضع «الشيف بيلوتشى» وحسن معاملة وتفهم لأحوالهم فعاد الترحاب كأنه واحد منهم عاش وتربى فى العباسية
المسألة ليست مجردة عن البحث عن لقمة العيش.. أينعم الكلمة الطيبة كسبت المنافسة، لكن بدونها يظل الترحاب غير مضمون استمراره. الطبع النافر والعصبية لها دور كبير فى تلك الأمور داخل المناخ الشعبى.
■ على عكس الكثير من الأعمال الأدبية تبدو المرأة فى «بصارة الحاج بيلوتشى» صانعة ومؤثرة ولها كلمة، مثل «سامية» و«أم مونيكا».. لماذا؟
- هذا جزء من كل، فكما يوجد فى الرواية القويتان حد المهابة والعنف والخوف: «سامية الشرقى» و«أم مونيكا»، يوجد أيضًا نماذج نسائية مكسورة وضعيفة بحكم الواقع المرير، مثل «صفاء الشرقى» و«رحاب مسعد». وهناك النموذج البين بين، مثل «شروق السيد»، التى تملك القوة والسيطرة كما تملك الضعف والخضوع فى آن واحد.
ربما وصل للقارئ أن نموذج «سامية» و«أم مونيكا» له اليد العليا فى النص، وذلك حقيقى، لأن دفع وحركة الأحداث فى الرواية، بل البناء بالكامل، جاء معتمدًا على الأفعال الصادرة من المرأتين، كشخصيات رئيسية لها الحضور الكبير فى النص. لكن ذلك لا يجعلنا نغفل بقية الشخصيات المتفاعلة بالضرورة مع الحكاية.
دعنى أيضًا أوضح الخريطة الخاصة بالشخصيات فى الأحياء الشعبية، قد يبدو ظاهريًا أن الحالة الاجتماعية من حيث البساطة واحدة عن الكل، هذا صحيح على الأغلب، لكن التنوع المدهش المذهل فى الشخصيات سمة دائمة لا تنقطع، لدرجة وجود علامات مركزية فى الشخصيات، تكاد تتكرر عبر السنين وفق تغيرات كل عصر.
من ضمن هذه التنويعات الثرية شخصية المرأة الشعبية القوية التى يهابها الجميع، رجال ونساء جراء لسانها السليط، والعصبية التى تجعل ردور أفعالها غير مأمونة الجانب. بجوار ذلك تجد أيضًا الشخصية النسائية التى تقترب من الضعف والخضوع، وتعانى من الوصايا الذكورية والمجتمعية فى كل الأشكال والصور. من الصعب على الروائى التغافل عن هذا الزخم دون نقله فنيًا فى سردية وحكاية وهموم وأسئلة وقضايا.
■ من ينظر لغلاف الرواية يظن أنها تتطرق لمسألة «بيلوتشى»، غير أن الرواية تُشرِح مجتمعًا كاملًا بكل ما فيه.. كيف ترى هذا؟
- كما ذكرت سابقًا، أعتقد فى تقارب الطباع بين شعوب البحر المتوسط، وبناء عليه حرصت على تضفير الحكايات حيث يصعب الفصل بينهما، كأنه هم واحد. بمعنى أنك لو أردت التعرض لمجتمع الرواية بالتشريح ستصطدم بلحظات انفجارية كثيرة، ما كانت كلها تحدث لو بقى «الشيف بيلوتشى» فى روما دون أن يأتى إلى العباسية، ولا أن يتحول إلى «الحاج بيلوتشى»، ولا أن يطهى «البصارة» فى الشارع.
فى المسار الروائى هناك لحظات وأحداث أطلق عليها «إنفجارية»، لا تعود الحياة فى النص كما بعدها. مسألة «بيلوتشى» هى التى غزلت خيوط السرد وصنعت ثوب الحكاية. التآلف بين «الخواجة الحاج بيلوتشى» والشاب التائه «شيرين الشرقى»، إذ يرى كلٌ منهما الآخر فى مرآته. وكانت لمغامرة «بيلوتشى» فى العباسية دوى شديد وأثر فى ظهور تحالفات السوء على السطح. مسألة «بيلوتشى» جرت وراءها كل المسائل المسكوت عنها، وكشفت الأسرار والسوءات التى ظلت مخفية لأيام وشهور وسنين!







