الأحد 22 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

العلم نبى هذا الزمان.. مفاجآت أسامة عبدالرءوف الشاذلى فى روايته الجديدة

حرف

- رحلة «بيثياس المارسيلى» هى نفس رحلة ذى القرنين 

- الجاهل هو الوحيد الذى يشعر بمتعة الاستقرار

- كفاح الإنسان الأكبر فى تغليب الخير على الشر 

فى روايته الأحدث «نبى أرض الشمال»، يفتح الدكتور أسامة عبدالرءوف الشاذلى أفقًا جديدًا فى تجربته السردية، مختلفًا عمّا قدّمه فى «عهد دميانة» و«أوراق شمعون المصرى».

هنا، يغامر الكاتب ببناء عالمين متوازيين، زمن الحاضر عبر شخصية منير القداح، وزمن الإسكندر الأكبر عبر شخصية قدموس الذى يعايش رحلة بيثياس المارسيلى، وما بين الزمنين يمتد خيط متين اسمه المعرفة، ليشكّل الجسر الذى يعبر به القارئ من حاضرٍ مأزوم إلى ماضٍ يعجّ بالأسئلة والوقائع.

ببراعة لافتة، يتنقّل الشاذلى بين العالمين، يمنح كلًّا منهما لغته الخاصة وحكايته المميزة، ويُظهر إلمامًا واسعًا بتاريخ الحقبة القديمة، حيث يؤرخ لأول جماعة متطرفة عرفها التاريخ، كما يروى المؤرخون، وفى كلا الزمنين تتوهج قصة حب، ويطل الموت بظلاله الثقيلة، ويُفتح باب الحوار الفلسفى حول الحب والموت والحياة، بين ظلام الجهل ونور اليقين.

عن روايته الجديدة ومشروعه السردى الطموح، الذى يمزج بين التاريخ والفلسفة والخيال، أجرت «حرف» مع الدكتور أسامة عبدالرءوف الشاذلى الحوار التالى:

■ قلت إن الرواية استغرقت ٣ سنوات ويظهر هذا فى الكم المعرفى فيها.. كيف كانت رحلتك مع «نبى أرض الشمال»؟

- كانت رحلة ممتعة، فقد استمتعت بشخصيات الرواية والصراعات التى خاضتها، والأفكار التى تمثلها كل شخصية، كما استمتعت بشدة بكتابة الحقبة التاريخية فى عصر الإغريق، فأنا مفتون بهذا العصر منذ قراءتى للإلياذة والأوديسة فى مرحلة الصبا، ورمزية هذه الحقبة مهمة جدًا فى سياق الفكرة الفلسفية التى تدور حولها الرواية، وهى فكرة الصراع بين الإيمان والعلم، إذ تمثل الحضارة اليونانية بدء تحرر عقل الإنسان عن سلطة السماء، إذ اعتبرت أن الأمراض لها أسباب طبيعية وليست نتيجة لقوى فوق طبيعية، وأن العلاج من الممكن الوصول إليه بعد معرفة أسباب المرض. كما تميز منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، بانتشار فلسفة أرسطو، ووضع أسس العلم القائم على الملاحظة وليس التنظير، وفى هذا العصر امتدت فتوحات الإسكندر، نحو الشرق، وظهرت رحلات استكشافية كثيرة من بينها رحلة العالم الفلكى بيثياس المارسيلى الذى قام برحلة فريدة واستثنائية غيرت الوعى السائد حينها. 

■ فى «نبى أرض الشمال» هناك بناء جديد مرهق وشديد الحذر ما بين عالمين كاملين.. كيف وازنت بين شخصية «قدموس» فى العصر الإغريقى وشخصية «عمر القداح» فى العصر الحالى؟

- الأساس الذى بنى عليه العالمان واحد وهو سعى الإنسان نحو المعرفة، وتبديد ظلام الجهل، فى العصر القديم نتناول شخصية الشاعر قدموس الذى يؤمن بأن الحياة علينا أن نعيشها وأن نستمتع بها ولا نحاول إثباتها، ولكنه يجد نفسه مضطرًا لخوض معركة لا سلاح له فيها سوى المعرفة، فيتبع المعلم بيثياس ويخوض رحلة وعى حقيقية، يزداد فيها إدراكه، وتتبدل حياته بسببها، أما فى الحقبة المعاصرة، فنجد طالب الفيزياء الجيولوجية «عمر القداح» المنبهر بالعالم الغربى، والذى يرى أن طريق العلم فى مصر موصد بفعل الإهمال ويقرر أن يخوض رحلة معرفية فى الغرب ولكنه يصطدم بمفاهيم حول الإدراك، والوعى، ويرى أن الزيادة المعرفية وحدها لا تصنع وعيًا، بل أحيانًا تقود إلى وعى زائف. وكلتا القصتين تتقاطعان فى نقاط كثيرة وكأن الإنسان منذ ألفى عام وأكثر لا يزال يبحث عن اليقين رغم التخمة المعرفية التى وصل إليها. 

■ تحدثت عن «إخوان بيثاغورس» وأفكارهم .. لماذا تطرقت إلى هذه الجماعة تحديدًا؟ 

- يمثل «إخوان بيثاغورس» نموذجًا للجماعات الفكرية المتعصبة، والمنغلقة على نفسها، ويشير تشارلز هيكثرن مؤلف كتاب «الجماعات السرية عبر العصور» إلى أن جماعة إخوان بيثاغورس تعتبر أول جماعة سرية مارست العنف على أساس فكرى، وأنها اخترعت نظامًا هرميًا داخليًا، يشبه إلى حد كبير أنظمة الجماعات الماسونية حاليًا.

ورغم أن الجماعة تأسست على مبادئ الأخوة، والمحبة التى دعا إليها بيثاغورس، فضلًا عن أفكاره العلمية والفلسفية، إلا أنها انغلقت على نفسها بعد وفاته، وأصابها الجمود والتزمت، وإقصاء الآخر إلى درجة ممارسة العنف والقتل عند اختلاف الآراء العلمية. واستخدمتها فى الرواية فى رمزية إلى ضرر العلم حين ينحرف عن مساره، ويصبح إقصائيًا، ووسيلة لممارسة العنف. 

■ ما بين العالمين كان هناك عامل مشترك وهو أسطورة «سيد النار» فى قصة قدموس فى مارسيليا القديمة والبراكين فى قصة عمر فى مارسيليا الجديدة.. فما رمزية ذلك؟

- الأسطورة دائمًا هى حدث حقيقى ألهب خيال الناس، وأثار مشاعرهم، فأضافوا إليه من خيالهم ما جعله يخرج من حيز العقل والمنطق إلى حيز المبالغة والخيال. وهذا سلوك إنسانى متكرر أمام الأحداث الكبرى التى يجابهها ومنها الأحداث الكونية. 

وفى الميثولوجيا الإسكندنافية «النوردية» هناك أسطورة قديمة حول نهاية العالم، وخروج سورتر سيد النار العملاق من مكمنه، والذى سيحرق العالم بسيفه المشتعل.

الصورة توضح خوف الإنسان المستمر من البراكين خصوصًا فى تلك المنطقة، ولهذا جعلت عمر القداح يقوم بدراسة البراكين فى العصر الحديث فى إشارة إلى محاولة الإنسان للسيطرة على قوى الطبيعة رغم أنه لا يزال يخشاها. 

ورمزية البراكين فى الرواية لها علاقة بنهاية الزمان فى الغيبيات الدينية أيضًا، وقد أشرت فى كتابى السابق «يأجوج ومأجوج» إلى أن المعنى اللغوى للكلمتين، ودراسة الدلالة اللفظية، والسياق القرآنى وكذلك الأحاديث المتفق عليها تشير جميعها إلى أن يأجوج، ومأجوج هما ظاهرتان كونيتان فيهما انفجار عدد كبير من البراكين وحدوث موجات تسونامى ستضر بالحياة على كوكب الأرض وقدمنا الكثير من الأدلة الدينية، والعلمية على ذلك. 

■ ربما من يقرأ عنوان الرواية سيتخيل أن «نبى أرض الشمال» شخصية حقيقية لكنك رمزت إلى أن العلم هو النبى.. هل هذا صحيح؟

- نعم، هو العلم، الذى يعتبره الكثيرون نبى هذا الزمان، والذى يمكن أن يكون نبيًا صادقًا لو دعانا إلى الإيمان بوجود خالق ومدبر لهذا الكون، والقرآن يوضح لنا أن معرفة الخالق لن تنقطع بعد انقطاع الوحى، وإنما سيصل الإنسان بعلمه إلى حقيقة وجود خالق «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ». ولكن أيضًا هذا النبى قد يكون نبيًا كاذبًا إذا دعانا إلى الجحود بدلًا من الإيمان. 

■ جاء إيقاع الرواية سريعًا، وجاءت اللغة مختلفة عن رواياتك السابقة، كما حوت أشعارًا كثيرة.. هل تميل إلى التجريب دائمًا فى كل عمل؟

- أرى أنه على الكاتب ألا يحصر نفسه فى أسلوب بعينه، أو فكرة بعينها، وفى هذه الرواية استخدمت أجواء تناسب كل حقبة، وفى الحقبة القديمة وعلى لسان الشاعر قدموس قمت بكتابة عدة أشعار تناسب الأفكار المتداولة وبعضها من الشعر السداسى الذى كان شائعًا فى تلك الحقبة. ومن الأشعار التى أحببتها كانت قصيدة «المجد لمن أعطانا دليل»، التى تلخص فلسفة بيثاغورس فى الأرقام، حيث توجد رمزية لكل رقم، وهى تقول: 

تحت الزيتون نرقص ونميل

يغمرنا النور صبحًا وأصيل

فنغنى بصوت حر جميل

المجد لمن أعطانا دليل

الواحد أصل النشأة دين

والثانى ضد منه يبين

والثالث ضلع الحكمة سين

والرابع هرم فوق النيل

يامن بالخمس وهبت الشمس

وجعلت الستة لأجل الهمس

والسبعة حصن يحمى النفس

وثمان الحب لهن بديل

يا تسوع الأفق المشرق صبحًا

ومعيد الروح لتمحو قبحًا

فى وعاء العشرة نسجد سبحًا

فأقبل بالحب صلاة ذليل

تحت الزيتون نرقص ونميل

يغمرنا النور صبحًا وأصيل

فنغنى بصوت حر جميل

المجد لمن أعطانا دليل

■ «ألقاك فى مكان يغمره النور حيث لا ظلام».. هل عنيت هنا أن الظلام هو الجهل الحقيقى الذى يجب على الإنسان محاربته؟

- نعم هذا هو جوهر حياة الإنسان ورسالته وبالمعرفة يكتشف الإنسان ذاته والعالم من حوله، وتتسع رؤيته للحياة، فينمو فكره، وتسمو إنسانيته، ويمنح لوجوده معنى أعمق وأبقى ولهذا دعا القرآن نبيه بالسعى الدءوب وراء العلم «وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا».

■ حورب المعلم «بيثياس المارسيلى» لأنه عالم.. وكل الأزمنة تحفل بمحاربة العلماء وعبر كل العصور.. لماذا فى رأيك؟

- الجاهل ينعم فى منطقة راحته بمتعة الاستقرار، ويشعر بالاضطراب حين يخرجه أحد من منطقة الراحة، ولهذا يعانى التنويريون فى كل عصر من هجوم الجهلاء عليهم. ورغم أن بيثياس المارسيلى قام برحلة فريدة فى عصره، إلا أن العوام، والعلماء على السواء، استنكروا أن يكون هناك عالم آخر خارج حدود أوروبا، ولم يقبلوا وصفه لجزيرة إنجلترا وأيرلندا، وأيسلندا والقطب الشمالى، ورفضوا المشاهدات التى وصفها واتهموه بالتلفيق والكذب، ومن العجيب أن كتبه التى كتبها أثناء رحلته، تم حرقها، ولكن تفاصيل رحلته وصلتنا من كتب أعدائه الذين كانوا ينتقدونه. 

■ قلت إنك تعتقد أن «المعلم بيثياس المارسيلى» هو ذو القرنين.. لماذا؟

- تتشابه الرحلة التى وردت فى القرآن الكريم عن ذى القرنين، مع رحلة «بيثياس المارسيلى» فى كثير من الوقائع والمشاهدات. فكلتا القصتين تتقاطع فى المعنى العام من حيث اتباع الأسباب المنطقية والعلمية فى التفكير، كما تتقاطع فى التفاصيل الخاصة بالرحلتين؛ فكلاهما بلغ أطراف العالم المعروف، وكلاهما ارتبطت رحلته بالشمس والظل وحدود النهار. كما لم يكتفِ كلاهما بالاكتشافات فحسب، بل سعيا للتواصل والاندماج مع الشعوب التى قابلاها، فضلًا عن معرفة كليهما بطرق التعدين المختلفة، وبالأخص تعدين القصدير أو القطر.

■ ما بين «قدموس» و«عمر القداح» حب كبير للنور والمعرفة.. ولكن جاءت شخصيتاهما بشرية ولها شهواتها ونزواتها وكأنك أردت نزع المثالية عنهما.. أليس كذلك؟

- بالطبع، فلن يشعر القارئ بالتفاعل والاندماج مع الشخصية الروائية إذا كانت بعيدة عن الواقع. والإنسان مخلوق ملىء بالتناقضات وكفاحه الأكبر فى تغليب الخير على الشر. 

■ قلت فى النهاية إنه لا يقين إلا فى الموت كأنك تقول إنه الحقيقة الوحيدة المؤكدة؟

- يسعى الإنسان فى هذه الحياة إلى الوصول إلى الإدراك الكامل، ولكنه إدراك محكوم بالحواس وقوانين هذا الكون، ولكن حين تتحرر الروح من عالمها المادى الحالى، ستصل إلى مستوى أعلى من الإدراك والوعى لا يخضع لقوانين الكون الحالية، وهو ما يطلق عليه اليقين.