الثلاثاء 10 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

لغز «السيد س».. وليد علاء الدين: نعم.. كل من يعرف القراءة يمكنه الكتابة

حرف

- «فن اقتناص الخيال» وسط بين الرواية والكتاب الأكاديمى

- استدلالى بأعمالى فى الكتاب يتسق تمامًا مع فن «نقل الخبرة»

- الكتاب كله يقول للقارئ: «افصل بنفسك.. أنت قادر»

- مَن لا يجيد تفكيك المصطلحات مثل المُصوِّب ببندقية على رأس عدو عدوه

أصدر الروائى والكاتب الصحفى، وليد علاء الدين، كتابه الجديد «لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال فى الكتابة»، عن دار «الشروق»، والذى يتعرض فيه لمفاهيم القراءة والكتابة والخيال والموهبة وسطوة المثل، وغيرها من المفاهيم المتعلقة بالكتابة والإبداع.

ويعيد «علاء الدين»، فى «لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال فى الكتابة»، تفكيك الرؤى حول الكتابة بكل عوالمها، مستشهدًا بأمثلة لكُتّاب عرب وغربيين، وواضعًا كل هذا أمام القارئ، قائلًا له: «احكم بنفسك»، على حد وصفه.

فى السطور التالية، تحاور «حرف» وليد علاء الدين عن كتابه الذى يصفه بأنه «يقف فى المنطقة الوسطى بين أن يكون رواية، وأن يكون كتابًا أكاديميًا يتعلق بالإبداع ودوافعه ومعوقاته».

■ أوردت فى «لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال فى الكتابة» الكثير من المصادر الأجنبية والعربية، ودللت بالعديد من المفكرين.. كيف عملت على الكتاب؟

- تشكّل الكتاب عبر سنوات من الممارسة التطبيقية لورشة «اقتناص الخيال»، التى قدمت دورتها الأولى لطالبات كلية «الدراسات الإنسانية» فى جامعة الإمارات، وكانت على شكل جلسة عصف ذهنى مع عدد كبير من الطالبات.

كان الأساس أن تُدرَج الجلسة ضمن الدرجات الدراسية للطالبات، فقررت أن أختبر هذا الدافع، وأعلنت أن من لا تمتلك الرغبة فى التعبير عن خيالها بواسطة الكتابة، أو على الأقل لديها بعض الفضول لمعرفة ذلك، يمكنها الانصراف دون ن تتأثر الدرجات.

حين وجدت أن من انصرفن أقل بكثير ممن بقين، قررت اختبار مدى معرفتهن بالمفاهيم التى اجتمعنا تحت مظلتها، لنضمن أن الجميع مشتركون فى المعرفة بنسب تسمح بالبناء عليها.

بدأنا النقاش حول مفهوم الكتابة والأدب والقراءة والخيال، فاكتشفت فروقًا مذهلة فى الفهم، والقدرة على التعبير عن هذا الفهم، ووجدت ضلالات كثيرة سببها تبنى المصطلحات كما ذاعت وشاعت فى الإعلام وفى المجتمع بصور ذهنية صنعها آخرون.

على مدار ساعات الورشة كنت أرى كيف تتغير الوجوه والعيون بسبب اتضاح الأفكار فى العقول، وبسبب الشعور بأن الإنسان يمكنه أن يفكر فى مصطلحات كان يظنها مقدسة ونهائية، ولمست حالة من التحرر بإفصاح بعض الطالبات بأنهن يكتبن أو يقرأن، وكنّ قبل ذلك يخشين من الصورة الذهنية للقارئة والكاتبة والشاعرة.

مع نهاية الورشة صار وضع منهج لفن «اقتناص الخيال» فى الكتابة شغلى الشاغل، وتطور بالبحث والقراءة، والتطبيق العملى فى سلسلة من ورش العمل داخل وخارج مصر.

■ «السيد س» و«الأسعد بن محظوظ» حكايتان تمنحان السرد بعدًا تشويقيًا للدخول فى عالم الكتابة.. هل كان ذلك لتبديد ملل القارئ؟

- التشخيص جزء أصيل من لعبة التواصل، وتطبيق عملى على منهج التخييل، وهو ليس مستحدثًا لأن الأصل فى الطبيعة البشرية هو التمثيل والتصوير، من اللحظة المبكرة التى وصلتنا من حكايات المصرى القديم، فى تصوراته عن الخلق والنشأة، وفى قصصه الاجتماعية أو التأديبية أو التعليمية، وصولًا إلى الأدب الشعبى وحكايات «ألف ليلة وليلة» و«كليلة ودمنة»، وما يشبهها لدى كل شعوب العالم. وكان الهدف دومًا إتقان الاتصال، وجعل عملية التلقى ممتعة ومسلية وشيقة، ومفيدة وتقدم محتوى جادًا، لا يقل فى قيمته عما تقوله دراسة أكاديمية ذات فصول وأبواب وهوامش.

وكتاب «لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال فى الكتابة» يقف فى المنطقة الوسطى بين أن يكون رواية وأن يكون كتابًا أكاديميًا يتعلق بالإبداع ودوافعه ومعوقاته. وكان علىّ أن أمضى فى تلك المنطقة بعناية، دون أن يختل الخطاب العلمى المنضبط، ودون أن يفقد الكتاب قدرته على استدراج المتلقى فى رحلة فيها من مقومات الأدب ما يجعل القارئ يتجول ويستمتع بلذة التفكير المشترك والاستكشاف.

■ اخترت أعمالك لتضرب عليها مثلًا.. ألم تخشَ أن يرى القارئ فى الكتاب إعلانًا كاملًا عن أعمالك الأدبية، خاصة مع وجود نبذة عن كل كتاب فى آخره؟

- من ضمن الفنون التى نجحت الحضارات فى صياغتها يأتى فن اسمه «نقل الخبرة»، وهو عملية منهجية لنقل المعرفة والمهارات والقيم من شخص خبير إلى آخرين، وهدفه بناء قدرات الأفراد، وتعزيز الأداء المؤسسى، وتنمية الابتكار عبر طرق تتجاوز مجرد إعطاء المعلومات لتشمل فهم: «كيف؟ ولماذا؟»، من خلال تحليل الخطوات والمبادئ الأساسية للمهمة.

والغريب أن تكون لدى المرء تجربة ناجحة يعرف بدقة تفاصيلها، وهو الأقدر على نقل المعرفة النظرية والتطبيقية من خلالها، ثم يتجاهل استخدامها لمجرد أن يظن الناس أنه يعلن عن أعماله الأدبية، وهو بالأساس فعل غير مُستنَكر.

لقد استخدمت عشرات الأعمال الأدبية العربية وبلغات أخرى داخل محاور النقاش فى الكتاب، وكذلك عشرات الأفلام السينمائية، وتعرضت لتجارب عشرات الكُتَّاب والموسيقيين والفنانين، ووضعت نبذات تعريفية بكل ذلك فى الكتاب، لتعزيز واحدة من أبرز الأفكار التى يتضمنها، وهى أن عليك أن تبحث لتعرف، ولا تكتب عن شىء إلا وأنت تمتلك القدر الكافى الذى يسمح لك باستخدامه استخدامًا واضح القيمة.

واستخدامى تجربتى مع أعمالى الروائية الثلاثة، وأعمالى المسرحية والقصصية والنقدية، وحتى تجربتى مع الفن التشكيلى والموسيقى، جاء متسقًا تمام الاتساق مع فن «نقل الخبرة» ومنهج الكتاب.

■ قلت إن «الموهبة مجرد وهم»، وأن الأمر لا يتعدى حدود «المَلَكَة»، وأن كل شىء يأتى بالتدريب، حتى الكتابة.. هل معنى ذلك أن كل من يعرف يقرأ يمكنه الكتابة فى رأيك؟

- إذا قلنا: «الموهبة مجرد وهم»، فهذه خلاصة «مُخِلة»، ولكن نقول إن تبنى مفهوم «الموهبة»، بما يحمله من دلالات سلبية، من دون تفكيك ومراجعة وفهم، قادنا إلى السقوط فى فخ وهم صار عائقًا أمام تحقق الكثير من المهارات، واكتمال الكثير من المَلَكات، فالموهبة مجرد كلمة، مجاز حاول وصف حقيقة يمكن دراستها، فتراجعت الحقيقة وراء سطوة المجاز، وصارت المفردة شعارًا مفرغًا من المعنى لأمر موضوعى يعمل وفق أسباب الانتباه والإدراك والملاحظة والبذل والعطاء والاجتهاد والمران.

أكمل القائمة، لتصل معى إلى خلاصتين؛ الأولى إيمانية تقول إن كل شىء فى هذه الحياة صغر أو كبر هو «هِبة»، وسيختلف القوم فى طبيعة من وهبها، والأخرى موضوعية تقول إن هذه «الهِبة» موضوع بحث ودراسة، يمكن تشخيصه وتتبعه ووصفه وتحديد مساراته، ووضع برامج وخطط لامتلاكه، وهو ما يحدث تقريبًا فى العالم.

وفى التراث العربى لدينا الكلمة المناسبة وهى «مَلَكة»، وقد شرحت ذلك بتفصيل فى الكتاب. أما عن سؤالك إذا ما كان كل من يعرف أن يقرأ فيمكنه الكتابة، فأحيلك إلى الكتاب لنتفق معًا أولًا على معنى القراءة ومعنى الكتابة، لتجد أن الإجابة الأفضل لسؤالك: «نعم، بلا شك».

■ فى مسألة كتابة الكاتب عما يعرفه، أوردت العديد من الآراء ما بين مؤيد ومعارض، لكنك لم تفصل بينها، كأنك تقول للقارئ: «افصل بنفسك».. هل هذا صحيح؟

- الكتاب كله يقول للقارئ: «افصل بنفسك». الكتاب كله محاولة لإقناع القارئ بأنه قادر، بعد أن أثقلنا كاهل عقله بالكثير من المصطلحات التى لم يسعَ أحد لتفكيكها وإعادة تركيبها بما ينفى عنها الانغلاق والتوهم، فصار الناس يتبادلون المصطلحات من دون أدنى جهد للإضاءة عليها ليتضح المقصود منها داخل سياق الكلام، حوارًا كان أو محاضرة، واثقين من أن الأمر مفهوم، بينما يختلف استقبال كلمة «شجرة» من شخص لآخر وفق مئات المتغيرات التى تجعل صورتى الذهنية والنفسية والجمالية عن «الشجرة» تختلف عن تصورات غيرى لها، فما بالك بمصطلحات أكثر تعقيدًا تحاول اختزال عوالم أشد تركيبًا وحساسية وعمقًا من كلمة «شجرة»؟!

من لا يجيد فن تفكيك المصطلحات وإعادة تركيبها لا يمتلكها، ولا يستطيع أن يمتلك رؤية تخصه، ولا يختلف كثيرًا عن شاب أجاد استخدام البندقية فصوّب بها على رأس رجل ليس عدوه، إنما هو عدو لعدوه الذى أقنعه بأنه عدو له، بينما هو ليس عدوه. التركيبة الفكاهية هنا مقصودة، لأن الأمر فى رأيى يشبه أغنية المطرب أحمد عدوية: «سبع لحاليح استلحلحناهم». إن لم نجتهد فى تفكيك المصطلحات، وإعادة فهمها بأنفسنا لن نمتلكها، وستظل علاقتنا بها علاقة «سبع لحاليح استلحلحناهم».

■ لماذا ترى أن الورش الأدبية مهمة، مع أن الكثير من النقاد يعتبرونها «مفرخة» لروايات وأعمال لا ترقى للمستوى المطلوب؟

- مبدئيًا لا أعرف المقصود بالمستوى المطلوب، ولكنى فهمت من استخدامك مفردة «ترقى» أنه أعلى من مستويات أخرى، وهذا لا ينفى أن يكون فوقه مستوى أكثر رقيًا! وبديهى أن يكون فى كل مستوى من هذه المستويات من يهتمون به، أو يطمحون للارتقاء عنه، هذه هى الحياة فيما يبدو لى. ولكن حتى إذا نجحت فى أن تحدد لى بمنتهى الدقة هذا المستوى المطلوب الذى ذكرته فى سؤالك ونسبته للنقاد الذين هاجموا الورش، فسيكون منتهى جهدك أنك حددت المستوى المطلوب من وجهة نظرك أو نظرهم، فما مصدر القوة الذى جعلك أو جعلهم يعتقدون أن ما يحددونه هو المستوى المطلوب؟ 

تعال خارج لعبة الكلمات، سواء كنت من المعتقدين بأن كلمة «ورشة» هى فى الأصل تحريف للكلمة الإنجليزية «Work Shop»، أو كنت ممن يظنون أن الأمر أعمق من ذلك، وأن الأصل فعل «ورش» أى أنجز الأمر بمهارة وسرعة وخفة، أريدك أن تعرف معى أن كلمة «خبير» فى الأصل لا تُطلق إلا على من وصل إلى نهاية طريق وعاد منها، وبالتالى يمكنه أن يقود الآخرين عبر هذه الطريق ويجنبهم مخاطرها، لكن هذا لا يعنى أن تتنوع حمولة كل واحد من هؤلاء الذين سيقطعون الطريق، سيحمل أحدهم الذهب، بينما يحمل آخر الفضة، وثالث سيمزج بين المعدنين، ورابع سيزخرف المعدنين بفصوص من الجوهر.

الخبرات خلاصات تجارب، والفرق بين الإنسان وبقية الكائنات الحية أنه قادر على تركيم الخلاصات، واستخلاص الحكمة والقواعد الحاكمة. أما استخدام هذه المعايير والقواعد فى الإنتاج فيختلف بلا شك من فرد إلى فرد، لمتغيرات كثيرة ليس مجال ذكرها هنا.

لن أقول إن هناك كليات مخصصة الآن لدراسة الإبداع والكتابة الإبداعية لأن عندى حساسية من المصطلحات، ولكنى لا أرفض أيًا من ممارسات نقل المعرفة والخبرة، شريطة أن نسمى الأشياء بأسمائها، وأن تخلو من الزيف والاستغلال.

شخصيًا أميل أكثر إلى الورش القائمة على التفكير ومراجعة المفاهيم، وأفصل بينها وبين ورش تعليم قواعد اللغة والإملاء والنحو، وفنون التحرير ومهارات الكتابة، من قبيل: «كيف تضع حبكة؟» و«كيف تصنع شخصية؟»، كلها مفيدة ومطلوبة. أما مستوى الكتابة وقيمتها فأحاديث أخرى. 

■ تطرقت إلى ما يسمى «سطوة النموذج».. ترى كيف يكون التعامل مع النماذج المتعددة التى يُضرب بها المثل للكاتب الشاب؟

- «سطوة النموذج» هو مصطلح أسفرت عنه مناقشة قصيرة، لكن مكثفة، جمعتنى بنخبة من الأصدقاء المبدعين فى أحد مقاهى الإسكندرية، خلال إجازة قصيرة فى مصر، أثناء انشغالى بمنهج «اقتناص الخيال». كنا نتحدث عن إساءة التعامل المزمن مع مفهوم «الريادة» وإغفال جانبها التاريخى، ما يتسبب فى سطوة عابرة للتاريخ لأسماء بعينها فى مجالات بعينها، وكأنّ أبواب الإبداع فى هذه المجالات أُغلقت من بعدهم، ما يحرم الحراك الإبداعى من الكثير من التجديدات والإضافات. 

مشكلة هذه السطوة أن الجزء الأكبر منها يُصنع خارج النص وخارج الإبداع، من إعلاميين لا يقرأون ويحفظون عبارات مثل «الروائى الكبير» و«الشاعر القدير»، ويستحضرون أسماء محددة كلما دار الكلام عن لون من ألوان الإبداع، ليس تقديرًا لتجارب هذه الأسماء وإنما استسهالًا وجهلا منهم بوجود آخرين.

بينما الأصل فى الإبداع أنه لا يعرف النماذج إلا لتجاوزها. ولو أن كل كاتب رأى فى من سبقه نموذجًا مكتملًا لا عيب فيه، فما الفائدة من محاولة الكتابة إذن؟ هل نكتب لنكون مثل من قرأنا تجاربهم؟ فى ظنى أننا نكتب لنستكمل ما بدأوه، أو لنشتبك معه، أو لننقضه، أو- وهو أضعف الإيمان- لننير على ما أنجزوه. لذا، أدرجت «سطوة النموذج» ضمن العقبات التى أناقشها فى ورشة «اقتناص الخيال»، ووضعت مقترحات لتجاوزها.

■ ترى أن الإلهام شىء لا وجود له، وأن الكاتب يستطيع أن يكتب فى كل وقت.. لماذا؟

- من الصعب اختزال «الإلهام» فى أمر نرفضه أو نقبله، نقر بوجوده أو ننفيه، المطلوب أن نناقش مفهوم «الإلهام» لنفهمه، أن نفككه لنعيد تركيبه، مستعينين بما حصلنا عليه من مهارات ومعارف أثناء عملية التفكيك نفسها، بما قرأنا عنه فى اللغة والتاريخ وتجارب الآخرين ومواقفهم منه.

الأمر نفسه مع أفكار مثل طقوس الكتابة ومواعيدها، حتى لا تتحول هذه الأفكار إلى عقبات تحول دون نجاح المرء فى اقتناص الخيال بطريقته وطقوسه، وفى مواعيده المناسبة، وباستقباله الخاص لما يسميه الآخرون «إلهامًا» أو «دفقة شعورية» أو «تأثرًا» أو حتى «وحيًا».

الفكرة هى كسر أصنام المفاهيم والتحرر من سطوتها، ولا بأس أن يتعامل البعض مع الكتابة باعتبارها «إلهامًا» بالفعل كما تقول. لكن من الجيد أن يكون هؤلاء البعض قد تأملوا- ولو قليلًا- فى معنى «الإلهام» وماهيته، وكيف يعمل؟ ومتى يرتاح عن العمل؟