تخت الست.. محمد شوقى: شيخ الأزهر هو من أقنع أم كلثوم بخلع الجبة والقفطان!
- مؤلف «فرقة الست»: القصبجى رأى فى أم كلثوم ابنته وحبيبته وتلميذته وشقيقته
- سيد سالم لم ير نفسه إلا عازفًا مع «الست»
- «كوكب الشرق» شاركت العازفين أفراحهم وأحزانهم لأنها اعتبرتهم أسرتها الثانية
- أم كلثوم حرصت قبل كل حفلة على ضبط «دوزان» الآلات بنفسها
أصدر الكاتب والباحث محمد شوقى مؤخرًا كتابه الجديد «فرقة الست»، عن دار «ديير» للنشر والتوزيع، الذى يتتبع فيه المسيرة الفنية لفرقة أم كلثوم عبر 3 أجيال من العازفين، الذين شكلوا جزءًا أصيلًا من تاريخ سيدة الغناء العربى.
يكشف الكتاب عن تفاصيل نادرة ومواقف إنسانية وفنية، ويضم 5 حوارات أجراها «شوقى» مع آخر جيل من العازفين الذين ما زالوا على قيد الحياة، ليقدم شهادة حيّة على تلك الحقبة الذهبية.
عن كتاب «فرقة الست»، وما يحمله من قيمة توثيقية، أجرت «حرف» الحوار التالى مع الباحث محمد شوقى.

■ كيف جاءت فكرة كتابك «فرقة الست»؟
- جاءت الفكرة منذ أكثر من عام ونصف العام عندما كنت أرى حفلات الست أم كلثوم وأستمتع بها، وكنت أنظر لفرقة أم كلثوم بكل عظمة وتقدير وهيبة، وأتساءل: «يا ترى مين لسه عايش فيهم؟»، وظل السؤال يلح علىّ كلما شاهدت حفلة للست، حتى تبلورت الفكرة مع صديق لى من دولة العراق يدرس الموسيقى فى دولة الكويت اسمه عبدالله الصيرى، وبالفعل شجعنى على هذه الفكرة بل وتحمس معى فيها، وكان لى بمثابة القلم الذى أكتب به، وجمعت فى البداية معلومات عن ٤٥ عازفً،ا ثم توقفت لندرة المادة التوثيقية، ولصعوبة العمل فى هذا الموضوع الذى يحتاج إلى تفرغ كامل وبحث كبير.
ولكن مع ازدياد شغفى وحبى لهذه الفكرة تفرغت بالكامل لها لمدة تزيد على ٦ أشهر، ما بين جمع وبحث وسماع حفلات واتصالات بكل من له صلة من قريب أو بعيد بأعضاء الفرقة وبحث فى الأرشيف الصحفى، وكلما اقتربت من تقفيل الكتاب يظهر لى عازف آخر وهكذا حتى وفقنى الله عز وجل.
■ بالتأكيد كتاب مثل هذا يحتاج لبحث ومراجع وغيرهما.. ما أهمها؟
- كانت المراجع هى أصعب ما فى الموضوع، ولكن بفضل الله حاولت أن أبحث من خلال الأرشيف الصحفى وتسجيلات حفلات أم كلثوم الإذاعية التى يُذكر فيها أسماء العازفون فردًا فردًا مع كل آلة موسيقية معه، أيضًا تواصلت مع الأستاذ مجدى فؤاد بولس عازف التشيللو فى فرقة الست الذى أمدّنى بمعلومات غزيرة عن العازفين وأفادنى بهوامش كثيرة وضعتها فى الكتاب، وأيضًا مع باقى العازفين الذين ما زالوا على قيد الحياة مثل عمر فرحات، وفاروق سلامة، وعبدالفضيل محمد، ورضا رجب، وأبناء بعض العازفين الذين رحلوا الذين ساعدونا كثيرًا فى جمع معلومات مختلفة.
■ كانت هناك نقلة من الفرقة المعممة إلى التخت العصرى الذى خلعت معه أم كلثوم الجبة والقفطان وارتدت أفضل الأزياء كما ذكرت.. من كان يعوق هذه النقلة من البداية؟ هل والدها فقط أم أن هناك أسبابًا أخرى؟
- لقد كانت رغبة والد أم كلثوم فى الحفاظ على الشكل التقليدى للإنشاد الدينى سببًا رئيسيًا فى تأخر ظهور التخت الموسيقى معها، رغم أنها كانت قد سجّلت بالفعل بعض الأغانى «المودرن» باستخدام آلات موسيقية بسيطة على الأسطوانات. ومع ذلك، ظل ظهورها أمام الجمهور يتم دون تخت موسيقى، مرتدية زىّ الإنشاد، وعندما سُئل والدها عن ذلك أجاب بأن هذا الزى يحميها، وهو ما كان يراه صوابًا فى ذلك الوقت.
ولولا ضغط المحبين والأصدقاء المقربين وإقناعهم له بضرورة التغيير، لما حدث التحول. فقد لعب كل من أمين بك المهدى، وعلى بك البارودى، ومصطفى بك رضا، ومحمد بك البابلى، إلى جانب شيخ الأزهر الشريف الدكتور مصطفى باشا عبدالرازق، دورًا بارزًا فى إقناع الشيخ إبراهيم البلتاجى بضرورة التحول إلى تخت موسيقى. وكان عبدالرازق عونًا للأسرة منذ وصولها إلى «مصر المحروسة»، ليُسهم فى فتح الطريق أمام أم كلثوم نحو مرحلة جديدة من مسيرتها الفنية.
■ قلت إن العازفين كانوا يفتخرون بعملهم مع الست لكن هناك من ترك الفرقة.. لماذا؟
- العازفون فى فرقة الست كانوا يتباهون كونهم فى فرقة الست أم كلثوم بالفعل، حتى أن عازف الكمان الأشهر أحمد الحفناوى قال وهو عائد من رحلة المجهود الحربى من باريس «أنا حاسس إننا كتيبة ورايحة تحارب عشان مصر.. الست أم كلثوم دى جيش بحاله».
ولكن كان هناك بعض العازفين ينسحبون من فرفة الست، وذلك لأسباب بعيدة عن الاختلاف بينهم، فمنهم من ترك الفرقة للعمل بالخارج مثل محمد نصر الدين، ونجيب رزق الله، وحمدى الحريرى، ولم تقف أم كلثوم عائقًا أمام أى فرصة عمل لأى عازف، إلى جانب أن هناك من العازفين من اعتزل نهائيًا مثل محمود الحفناوى، أو بعض الاختلافات النادرة الحدوث مع الست أم كلثوم، وهذا أمر وارد.
■ سيد سالم والقصبجى فقط هما اللذان لم يقبلا العزف مع غير أم كلثوم مع أنها كانت تتيح للعازفين المشاركة فى فرق أخرى.. لماذا؟
- محمد القصبجى كانت له خصوصية كبيرة فى حياة الست أم كلثوم وليس فى فرقتها فقط، فهو معلمها وأستاذها كما كانت تتحدث دائمًا عنه وهو أول من صنع مجدها الفنى من خلال أغنيات تعد علامات عظيمة فى مسيرتها الأولى مثل «إن كنت أسامح، ليه تلاوعينى، وما دام تحب، ورق الحبيب»..
وهو أيضًا المؤسس الأول للفرقة، إلى جانب حبه الكبير لها الذى لا يخفى على أحد فى العالم كله، فهو الموسيقار الكبير الذى تتلمذ على يده كبار الفنانين، ومع ذلك كان الجلوس على مقعده ماسكًا عوده وراء أم كلثوم هى متعته الكبيرة، فقد كان يراها ابنته وحبيبته وتلميذته وشقيقته فى آن واحد، وكان يشعر بأن واجبه نحوها ألا يتركها ما دام على قيد الحياة .
هذا إلى جانب أن القصبجى لم يكن فقط ملحنًا، بل كان أحد أمهر عازفى العود فى ذلك الوقت، وله أساليب عزف حديثة أدخلها، ووجوده خلف الست كعازف لا يقلل منه، بل يبرز موهبته وتمكنه فى عزف هذه الآلة.
أما سيد سالم فقد كان لا يرى نفسه إلا مع الست أم كلثوم، وقد حاول الكثير من المطربين والمطربات أن يضموه فى فرقهم، ولكن لم يجد نفسه إلا مع فرقة الست.
ومن شدة حبه للست كان يحفظ كلمات كل أغنية حتى إذا نسيت الست كلمة من كلماتها يسعفها مباشرةً بها، فقد كان بمثابة الحارس الأمين لها.
■ من الغريب أن القصبجى كان فى قمة مجده وقبل أن يكون ضمن تخت الست.. لماذا فى رأيك؟
- الموسيقار محمد القصبجى كان لا يعزف فى أى فرقة إلا مع أم كلثوم، فهو لم يجد نفسه إلا معها، ولا يتصور أن تغنى الست من دونه، وهذا ما حدث منذ أول حفلة لها حتى آخر حفلة، وكان هذا الموسيقار الفذ عبقريًا فى العزف على العود، وكان يرى أنه لا يوجد من يستحق أن يعزف خلف أم كلثوم إلا هو.
■ من الملاحظ أن هناك تحولات طرأت على فرقة الست عبر السنين.. ما أهمها فى رأيك؟
- التحولات التى طرأت على فرقة الست كانت تحولات كلها تطور وتقدم فى مراحل مختلفة مع الآلات الموسيقية مثل زيادة عدد آلات الكمان، كونها الآلة الأكثر أهمية فى الفرقة ثم آلة التشيللو، إلى جانب إدخال آلات موسيقية جديدة مثل الجيتار فى أغنية «أنت عمرى» والأوكورديون فى «سيرة الحب» والبيانو فى «أراك عصى الدمع» والساكسفون فى «فات الميعاد» والأورج فى «أقبل الليل»، وكل هذا زاد من تطور الفرقة وعدد العازفين .
■ كانت أم كلثوم حريصة على أن تحضر حفلات زفاف وعزاءات العازفين كأنها تقول لهم إنها مدينة لوجودهم.. كيف ترى هذا؟
- حضور أم كلثوم فى مناسبات أعضاء فرقتها كان نابعًا من جانب إنسانى قلّما يُسلّط الضوء عليه.
فقد اعتبرت هؤلاء العازفين أفرادًا من أسرتها، لا مجرد أعضاء فى فرقة موسيقية، وحرصت على مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، بل وكانت تتدخل فى مشاكلهم الخاصة وتساعدهم على حلها، معتبرة إياهم أسرتها الثانية.
ويخصص الكتاب فصلًا كاملًا لرصد هذه المواقف الإنسانية التى جمعت بين «الست» وأعضاء فرقتها، حيث حرصت على الوقوف إلى جانبهم فى مختلف الظروف، حتى عند وفاة أحدهم كانت تتودد إلى أسرته وذويه بالدعم المادى والمعنوى. وما ورد فى هذا الكتاب ليس إلا نماذج قليلة من مواقف إنسانية كثيرة جسّدت عمق العلاقة التى ربطت أم كلثوم بفرقتها.
■ كانت أم كلثوم تتفقد الآلات قبل العزف.. هل كانت ملمة بها إلى هذا الحد؟
- كانت أم كلثوم ملمة تمامًا بالنغمات والآلات الموسيقية، إذ تعلمت منذ صغرها العزف على العود، ما منحها وعيًا كاملًا بدور كل آلة فى التكوين الموسيقى. وكانت تحرص قبل كل حفلة على ضبط الآلات فيما يُعرف بـ«الدوزان»، وتحب الجلوس مع عبده صالح ليس فقط لتفقد الآلات، بل أيضًا لتستمع وتدخل فى حالة «السلطنة».
وكانت شديدة الحرص على أن تُضبط جميع الآلات على آلة القانون تحديدًا، بينما تركت مسألة تغيير النغمات للعازفين أنفسهم باعتبارهم أهل الاختصاص.
كثيرًا ما شهدت حفلاتها ارتجالات موسيقية من بعض العازفين، وهى ارتجالات كانت تزيد من تفاعل الجمهور وتحظى باستحسان «الست». ومن أبرز الأمثلة ما قدّمه سيد سالم، عازف الناى، فى أغنية «بعيد عنك» حين تفرد بعزف صولو الناى الذى أصبح لاحقًا مادة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعى، لترد عليه أم كلثوم بدهشة وإعجاب قائلة: «إيه ده؟». وهو ما يعكس انفتاحها على كل ما هو جميل ومبدع فى عالم النغمات، وترحيبها الدائم بالابتكار الفنى.
■ بذل بعض الساسة جهودًا للجمع بين عبدالوهاب وأم كلثوم فى ستينيات القرن الماضى من خلال «إنت عمرى» لكنك أوردت أن هناك عازفين لهم الفضل فى هذا اللقاء؟
- يُعد الموسيقار أحمد الحفناوى، عازف الكمان الأشهر فى فرقة أم كلثوم، همزة الوصل التى جمعت بين «الست» والموسيقار محمد عبدالوهاب فى أغنية «أنت عمرى» عام ١٩٦٤، بعد محاولات عديدة بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضى. وقد نجحت هذه المحاولات أخيرًا بفضل تدخل الزعيم جمال عبدالناصر، وكان الحفناوى هو الوسيط الفعلى، إذ توجه إلى مكتب عبدالوهاب ليجد بين يديه كلمات أحمد شفيق كامل الشهيرة «إنت عمرى»، التى شكّلت نقطة الانطلاق لهذا اللقاء الفنى التاريخى.
من أكثر العازفين صعوبة فى إيجاد معلومات عنهم؟
- كان هناك العديد من العازفين الذين لم تتوافر عنهم أى معلومات أو حتى صور يمكن أن تفيد فى إعداد الكتاب، لكن مع مرور الوقت والبحث المتواصل تمكّنا من الوصول إلى قدر كبير من هذه التفاصيل.
ومن بين هؤلاء، على سبيل المثال، عازف الإيقاع محمود رحمى فى عشرينيات القرن الماضى، وعازف التشيللو حسين حلمى فى ثلاثينياته، إلى جانب عدد كبير من العازفين الذين ظهروا فى فترات زمنية مختلفة، فقد كان نادرًا أن تجرى معهم حوارات صحفية أو إذاعية أو تليفزيونية، وهو ما جعل مهمة التوثيق أكثر صعوبة.
غير أن ما ورد فى عدد مجلة «الكواكب» الصادر فى فبراير 1965، الذى تناول لقاءً مع 25 عازفًا من وراء «الست»، شكّل نقطة انطلاق مهمة، إذ كان ذلك التحقيق الصحفى بمثابة بداية العمل الدءوب على هذا الكتاب، وفتح أمامنا أبوابًا واسعة للمعرفة والتقصى عن هؤلاء العازفين الذين أسهموا فى صنع تاريخ أم كلثوم الفنى.







