الثلاثاء 20 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الأخوان «منصور».. البصمة السرية لـ«حمدى منصور» فى أغانى عبدالرحيم منصور

حرف

- آثر حمدى منصور الانزواء على نفسه عقب رحيل شقيقه الأكبر عبدالرحيم منصور

- كان حمدى منصور يكره القاهرة بقسوتها وزحمتها وطبيعة البشر فيها

لا نعرف كيف كانت ستسير الأمور، لو أن أمير الشعراء أحمد شوقى، كان له أخ يكتب الشعر فهـل كان سينال حظـه من الشهـرة، بجانب طغيــان شهـرة أحمد شوقى، وكيف كانت ستسير الأمور، لو أن الشاعر الكبير نزار قبانى، كان له أخ يقرض الشعر، فهل كان سينال حظه من الشهرة، التى نالها نزار قبانى، ولماذا التساؤل والأمثلة موجــودة، ففى مجــال الشعــر طغت شهـرة عبدالرحمن الأبنـودى على أخويـه جـلال وكـرم الأبنــودى، وكذلك طغت شهرة الشاعر فـاروق جويــدة على أخيــه الشاعر عبدالعزيز جويــدة، كذلك طغت شهــرة الشـاعــر الغنـــائى الفـذ، عبدالرحيـم منصـور على أخيــه الشاعــر حمـدى منصــور، فهـل الإبداع ميـراث لا يحب الوارث أن يقاسمه فيه وريث آخـر؟!

فى الوقت الذى كان «يعسكر» فيه عبدالرحيم منصور فى مبنى الإذاعـة والتليفزيون، يكتب أغانيه الحماسية، ليحفز الجنود على الجبهة، ليقاتلوا ضد إسرائيل فى حرب ٧٣، فيتلقف ما يكتبـه بليـغ حمـدى، ليلحنـه وتغنيـه وردة الجزائريــة، كان الشـاعر حمـدى منصـور، المولود فى ١٢ ديسمبر ١٩٤٩ بمحافظة قنـا، يقف على الجبهة يقاتـل مع الجنـود ضد العـدو.

التحق حمدى منصور بالجيش المصرى عام ١٩٦٧، وشهد أثنــاء خدمته العديد من المعـارك المهمة والفاصلة، حتى شهد نصر أكتوبر ١٩٧٣.

واجـه حمـدى منصور خـلال تلك الفترة، كما يقـول الصحفى أحمد بكرى، العديد من المواقف الصعبـة، التى أصابتــه بالانهيـار العصبى والنفسى، وأصابـت الشاعر بنكسة غريبـة، وذلك بجـانب إصابتـه باكتئاب حـاد، بعـد عودتـه من حرب أكتوبر، التى شارك فيها كجنــدٍ، أدى ذلك، كمـا يقـول الشـاعر فتحى عبدالسميع إلى انصرافـه عن كتابــة الشعـر.

ظل عبدالرحيم منصـور المولـود فى ١٥ يونيـو ١٩٤١، متربعـًا على عرش الشهرة، متفردًا بأغانيه، التى كتبها للعديد من المطربين، أمثــال وردة الجزائرية ونجــاة وفايـزة أحمد ومحمد منير وعمـرو ديــاب وعلى الحجــار ومدحت صالح وغيرهــم، حتى فى مجــال الغنـاء الشعبى كتب كلمات ألبوم «حظوظ» للمطرب الشعبى كتكوت الأمير.

ولم ينطفئ نجـم عبدالرحيم منصور، حتى بعد رحيله فى ٢٨ أغسطس ١٩٨٤، وعلى الرغم من أن حمدى منصور عاش بعده بسنوات، حتى رحل عن دنيانا فى ٢٢ يناير ٢٠٢٢، دون أن ينـال حظه من الشهرة، كأخيه عبدالرحيم منصـور، بالرغم من شاعريـة كل منهما، والتى يقول عنها الشاعر أمجد ريان «أعتقد أن خبرة أبيـه فى الحكى، والتى تشكل ثقافـة شعبيـة عريضـة، كانت السبب وراء شاعريــة الأخـويـن عبدالرحيم وحمـدى، وإن كان حمــدى قــد أخبرنى أن أمه حكـاءة من الدرجة الأولى، وكان لها محفوظ كبير من الشعر الشعبى والأدوار والمواويل، وأنها بالفعل كانت صاحبة تأثير كبير على أخيه، وعليه بامتداد حياتها».

فعلى الرغم من أن الوسط الفنى، كما يقول الشاعر عبدالرحيم طايع، كان يعرفه تمام المعرفة من خلال أخيــه الشاعر الغنائى ذائع الصيت، إلا أنــه لم يدنــه منه ولم يحفل به، لا فى حياة أخيه ولا بعده، فظل حبيس الغيوب.

فإذا قلنـا إن كتابــة الأغنية شغلت الشاعـر عبدالرحيم منصـور، الذى لم يهتم بإصدار دواوينه الشعريــة، باستثنـاء ديوان وحيد، قدمه فى أواخر الستينيات، وطبعه على حسابه، هو ديوانـه الأول «الرقص على الحصى»، وديــوان آخــر طُبع بعـد وفاتـــه بعنــوان «رباعيــات الموت والميــلاد»، فمــا الذى شغــل الشاعر حمدى منصور، وجعله لم يقدم طوال مسيرته الشعرية غير ثلاثة دواوين هى «الولـد» و «ما على العاشـق مـلام» و «ع البـاب شِتـا»؟

يقول الشاعر فتحى عبدالسميع «لقد فضَّل حمدى منصور البقاء فى مدينة قنا، وربما كان ذلك موقفًا من وحشية العاصمة، وربمـا لأنــه يفتقـد، بحكم طبيعتـه الوديعــة، ما جعله ينكمش أمام فكرة الرحيــل إلى مدينة الضـوء المبهر. ولا شك أنـه دفع ثمن ذلك، وقد حُرِمَ من تلك المكانة لأنـه أعطى ظهره للعاصمة، وابتعـد عن تكتـلات الوسط الثقافى بكل ما فيها من أنانية وقسـوة وجحـود، لكن المشكلة الأساسية فى تقديـرى (الكلام لفتحى عبدالسميع)، هى توقفـه الغـريب والعجيب عن الكتابة»!

وعن توقفه تقول ابنته، الشاعرة والكاتبة الصحفية مى منصـور، التى تتسـاءل: كيف لـه أن يتحلى بكل هذا الصمت، والحديث يضج بداخله؟! 

آثر حمدى منصور الانزواء على نفسـه، عقب رحيل شقيقه الأكبر عبدالرحيم منصـور، أوقف عقارب الزمن عند تاريخ ٢٨ يوليو سنة ١٩٨٤، ورفض أن يحضر جنازته أو يأخذ عزاءه. بعدها كان يسافر من قنا إلى القاهرة، لينظر إلى شرفته المغلقة، كان يقضى يومــه يتردد على جميـع الأماكن، التى اعتـادا أن يجلسـا فيهـا معًا، ليشتم رائحتـه فى كل شبر وكل مجلس، ثم يذهب ليقضى الليـل حتى الصباح بالسيدة زينب أو الحسين، ويعود إلى قنــا محملًا بجـرح أكبر مما غـادر بـه، كان يجـد راحته فى النـوم، فكان ينام كثيرًا، ربما هربًا من مواجهة الواقع. انطـوى عن العالـم تدريجيًـا، حتى صنع عالمـًا لنفسـه، يجلس فيــه وحيـدًا، ويستأنس بنفسـه وبكتاباتـه، ربمـا وعى لماهيـة الحيـاة، وعرف أنها بلا قيمة، وأقـل من اهتمامـه، لذا قـرر أن ينتظـر، ظـل ينتظـر الرحيـل، ينتظر الدار الأبدية، ينتظر اللقاء، لقــاء الأحبـة، الذى تمناه كثيرًا ٣٨ عامًا ظل فيهم حمدى منصور ينتظر صامتًا راضيًا ومستبشرًا باللحظة.

وعلى الرغم من أن مى منصـور كشفت عن سبب من أسبــاب انزواء والدهــا الشــاعر حمدى منصور لشعــوره بالفقد، بعـد رحيــل شقيقه عبدالرحيم منصــور، إلا أنهــا تركت العـديــد من علامات الاستفهام بقولها «كيف يبدو بما عليه من هدوء وتماسك، بينما يحمـل بداخلــه ألف جرح يئن، حمم وبراكين تغلى ليل نهار»؟

فى العدد الصـادر بتاريخ ٢٩ مارس ٢٠٢٢ من مجلة «صبـاح الخيـر»، كتبت مى منصــور بعد رحيـــل حمــدى منصــور قالت «فى نهـــار ١٩٧١، داخــل شقــة عبدالرحيـم منصـــور بالمهندسين، كان حمدى منصــور كما تقول مى قد وصل لتـوه من الصعيد الجوّانى، وبعد السلام والتحية، أخذ عبدالرحيم يحكى لحمدى، أنه يريد كتابة أغنية عاطفية لإحدى المطربات ولكنــه يريد الابتعــاد عن الشكل التقليدى للأغنية العاطفيــة آنذاك، والتى كانت تتغــزل بعيـون الحبيبة وشعرهــا، يريد أن يخلق قالبــًا حديثـــًا وغير مستهلك، قــال عبدالرحيــم ما قاله ثم انصرف لتحضير الإفطــار، وترك حمدى وحيــدًا على الطاولـة، ومعه قلم وعلبة سجائر، قطع حمدى العلبة ليستخدمها كورقة، وكتب عليها...

«جابلك إيه يا صبية، حبيبك لما عاد

جابلى عقد وجلابية، وقاللى كفاية بُعاد

جابلك إيه يا صبية حبيبك لما عاد

جابلى قلب أخضر على كفه، وقال لى كفاية بُعاد».

خرج عبدالرحيم منصــور بعد تجهيز الفطــار، فلم يجد حمدى، لم يجد سوى تلك الورقة التى قرأها، وكاد أن يجن من روعة وخفة الكلمات، وكان حمدى قد غادر المدينة المزدحمة، عائدًا إلى مدينته الصغيرة قنـــا، التى كان يشعر بالدفء فى شوارعها ويحبهــا كثيـرًا، ولولا وجود عبدالرحيم فى القاهرة، لما وطـأت قدمـاه شوارعهـا.

حاول عبدالرحيم الاتصـال بحمـدى حتى يكمّــل الأغنيــة، ولكنـه لم يتوصل إليه، فأكملها هو ولحنها سيد إسماعيل وغنتها عايدة الشاعر، وبينما كان حمدى «الكلام لمى» يستمع كعادتــه ذات يــوم لإذاعــة الأغانى، منتظــرًا أجــدد أعمال عبدالرحيـم، سمع الأغنية وأعقبها صوت المذيع الذى قال إن الأغنية من كلمات عبدالرحيم منصور، فَطار حمدى منصور فرحـًا، وجال فى شوارع قنا، يُسمع الناس ما كتب عبدالرحيم بصوت عايدة الشاعر.

وعن سـر انزواء الشاعر حمدى منصور، قال الشاعر دسوقى الخطارى، وهـو صديق مقـرب للشاعر، وعلى صلــة بأسرتــه، أن السر عنـد السيــدة «نعمة»، والسيــدة نعمـة هى زوجــة الشاعر حمدى منصو ورفيقة دربـه، وأم بناتــه الأربع «منى- منار- مى- شامة». 

وبالعــودة لما كتبته مى منصـور، نقـرأ أنــه عندما قـرر عبد الرحيم منصــور أن يتــرك قنـــا ليعيش فى القاهرة بشكل دائم، وبالتالى ترك حمدى منصور، الذى كان يكره القاهـرة بقسوتها وزحمتهـا وطبيعة البشــر فيهـا، التى لا تتمـاشى مع طبيعــة حمــدى، كتب حمدى خطابـًا لعبدالرحيم قال فيه...

«قفلنا الدار

بعد ما راح وهجر الدار

قفلنا الدار

بعد ما كنا قسمنا اللقمة، والضحكة وهم المشوار

قفلنا الدار

بعد ما شلته فى عنيا طول المشوار 

قفلنا الدار

بعد ما عمرى اديتهوله، ورماه فى النار

قفلنا الدار». 

بعد أن وصلت هـذه الكلمات إلى عبدالرحيم منصور، من أخيه حمدى منصور، أكملها وقدمها لبليغ حمدى، فلحنها وغناها محمد رشدى، على أنها من كلمات عبدالرحيم منصور.

بعد هــذه السباحـة وقراءة ما بين السطـور، فيما كتبت مى منصور، يصبح لا حاجــة لســؤال السيــدة نعمـة عن سـر انـزواء حمدى منصور، فالسؤال الواجب طرحه، أجابت عليه الابنـــة فعبدالرحيم منصور كان بالنسبة لحمدى منصور، الإذاعـة التى تـروج أشعــاره، وتخـرج من خلاله إلى النور، وكان حمدى منصـور راضيًـا بمــد عبدالرحيــم بالأفكـــار، ولا يــرى فى ذلك اعتداء على حقه، ويتضح ذلك فى رده القـاطع على من يحــاول الوقيعة بينه وبين عبدالرحيم فقد كان (كما تقول مى حمدى منصور) يغضب جـدًا لو أن شخصا أثار هذا الموضوع، وكان يقول بكل حب «حمدى وعبدالرحيم واحد، لا فرق بينهما، أغانى عبدالرحيم بتاعتى وكلماتى كلها بتاعة عبد الرحيم».

وحسب كلام مى، أن أغانى كثيرة جدًا تعاون فى كتابتها حمدى منصور مع عبدالرحيم منصور مما يجعلنـا نقــول، أن رحيـل عبدالرحيـم منصـور، كان السبب الـرئيسى فى انـــزواء حمــدى منصور، فلم تعد أفكاره ترى النور من خــلال عبدالرحيم، الذى كان بالنسبة له يعتبر الصحيفة التى تنشر وتروج كلماته، ولم يستمتع بسماع بعض كلماته، التى كان يمد بها عبدالرحيم وهى تُغنى بأصـــوات كبـار المطـربيـن، وبهــذا تكون الأسئلـة الكثيـرة، التى صنعهـا حمدى منصور بصمته قـد تبددت، وأن ربـاط الكلمـة، هـو الخيط الذى جمع بين الأخوين حمدى وعبدالرحيم منصـور، والذى انقطع برحيــل عبدالرحيم منصـور، ثـم رحيــل حمـدى من بعــده بـ ٣٨ عامًا عاشهــا حمــدى فى عزلـة، حتى إن التجربـة الوحيدة له مع محمد منير، لم تظهر للنور، على الرغـم من أن منير كان يتغنى بكلمات أغنية كتبها حمدى منصور فى جلساته الخاصة، والتى تقول كلماتها... 

«صلت... صليت وراها 

غنت.. غنيت معاها 

صرخت... توهت فى حشاها 

صبحت هى العشيقة 

وانا العاشق هواها».

وعندما حـاول منير، عن طريق مدير أعمالـه، أن يتصل بحمـدى منصور ليطلب منه أن يكمل الأغنية ليقدمها منير، رفض حمدى منصور، ربما كان رفضه بسبب رحيل عبدالرحيم، حتى لا يُقال أن حمـدى منصـور استغل فرصـة رحيــل عبدالرحيم، ليجلس مكانـه على عرش كتـابـة الأغنيـة، وربما لم يحب حمدى منصور الظهـور، حتى لا يُقـال إن وجــود عبدالرحيم كان سببًا فى التعتيم عليه.