الإثنين 09 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

اليوبيل الماسى.. أسرار وأخبار مشروع عظيم اسمه «كتاب اليوم»

مصطفى وعلى أمين
مصطفى وعلى أمين

- «مذكرات دوق وندسور ملك إنجلترا السابق» كانت الإصدار الأول لـ«كتاب اليوم»

- كتاب «عاشق القرن العشرين» ما هو إلا سرقة كاملة لكتاب «قصة ملك.. مذكرات دوق وندسور»

- نُشرت المذكرات تحت عنوان «قصة ملك.. مذكرات دوق وندسور ملك إنجلترا السابق»

فى العام 1944، كانت المفاوضات تعمل فى كل أنحاء العالم لإنهاء ووقف الحرب العالمية الثانية «١٩٣٩- ١٩٤٥»، ذلك الخراب والتطاحن والصراع الذى كاد أن يشمل الكرة الأرضية كلها، وكانت مصر تقع تحت بند الحماية من دولة بريطانيا العظمى، أحد أطراف الحرب الكبرى.

فى ذلك العام، ومع بوادر انتهاء الحرب، اشتعلت الخلافات بين القوى الوطنية المصرية، وكان حزب الوفد، بقيادة الزعيم مصطفى النحاس، هو رأس الحربة فى ذلك الوقت، بعيدًا عن وقائع أحداث 4 فبراير 1942، تلك الأحداث التى تلاعب بها الملك فاروق أيما تلاعب، لكى يسجّل نقطة سوداء فى تاريخ النحاس باشا، ولكن وطنية الأخير المفرطة كانت تمنع كل تلك التأويلات المغرضة، ومن ثم كان القصر الملكى، والاحتلال يبحثان عن أبواق تعمل على أن يكون صوت «القصر- الاحتلال» موجودًا وعاليًا ومؤثرًا، لذلك تسارعت أقلام، وتم تأسيس صحف ومجلات تقدم نفسها لكى تشغل ذلك الدور المرتقب، وهذا لا يمثّل اتهامًا لبعض كتّاب، بقدر ما يشكّل رأيًا محايدًا بعد ثمانين عامًا من الأحداث التى دفعت العقاد ذاته أن يدافع عن الإنجليز فى مواجهة الألمان.

فى ذلك الوقت، أسس الأخوان مصطفى وعلى أمين جريدة «أخبار اليوم» لكى تكون بوقًا واضحًا وعاليًا دون أى مواربة للقصر الملكى، وللملك فاروق، ولكل المستبدين فى ذلك الوقت، وعلى رأسهم دولة محمود فهمى النقراشى باشا، صاحب جريمة فتح كوبرى عباس فى مظاهرات الطلبة عام ١٩٤٦، وكذلك دولة محمد محمود باشا صاحب الحكومة الحديدية، وأحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى، وصاحب المغامرات العاطفية الفاسدة فى حاشية الملك، واستهلت الجريدة بداية عملها، بكتابة سلسلة مقالات لمصطفى أمين تحت عنوان: «لماذا ساءت العلاقات بين القصر والوفد؟.. آداب السلوك أمام الملوك»، وكانت المقالات عبارة عن تصفية حسابات قديمة كانت حدثت بين مصطفى أمين ومصطفى النحاس باشا، عندما كان الأول عام ١٩٤٢ رئيس تحرير مجلة «الاثنين والدنيا»، وكتب مقالًا يحيى فيه الملك فى عيد جلوسه، وبعد سلسلة فقرات تمدح الملك فاروق، جاءت عبارات مثل: «إن الملك فتح قصره لكل الأحزاب، ولكل الزعماء، فليس للملك حزب، لأن مصر كلها حزبه، وليس له رجال، لأن المصريين كلهم رجاله»!!، وجاءت فقرة أخرى أكثر فجاجة تقول: «إن لى أن أرى ملكًا حرًا يحب الأحرار ويكره الطغيان، ملكًا شابًا يشعر بإحساسنا، ويتألم لآلامنا»، وهكذا تم ترصيع المقال، بل سلسلة المقالات بعبارات من هذا النوع الذى لم يُرض الرقابة، فحذفها، ويزعم مصطفى أمين فى أول مقالاته بـ«أخبار اليوم» فى العدد ٤ بتاريخ ٢ ديسمبر ١٩٤٤ أن الذى حذف الفقرات، كان مصطفى النحاس، الذى كان الحاكم العسكرى للبلاد، وهكذا سارت المقالات، وصارت الجريدة، تنتصر للملك فى كل صولاته وجولاته، حتى اليوم الأخير قبل إزاحته من البلاد، كان مصطفى أمين معه فى مدينة الإسكندرية، وكان محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير مجلته «آخر ساعة» ينوب عنه فى مقر قيادة الثورة فى يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢، ويحاول أن يمنع نشر خبر استقالة نجيب الهلالى من الحكومة، ولكن كان قد سبق السيف العزل، وبالفعل كان الهلالى قد قدم استقالته للملك، وحدث ما حدث، ونشرت الصحف الخبر فى اليوم الثانى، رغم مقاومة رجال مصطفى أمين.

مصطفى وعلى أمين

سلسلة كتاب اليوم

فى ١ مارس ١٩٥١، صدر كتاب يحكى مذكرات دوق وندسور، التى نُشرت فى مجلة «آخر ساعة» التى كانت تصدر عن مؤسسة «أخبار اليوم» لصاحبيها مصطفى وعلى أمين، وكان ذلك حدثًا مدويًا، لأن المذكرات كان لها ذيوع عالمى، وشهرة ذائعة فى كل الأوساط الصحفية، وهى تحتوى على ألبوم صور لملك إنجلترا، ومقدمة صغيرة بقلم الرجل الذى ترك العرش من أجل امرأة، وفى مقال قصير كتبه الراحل ياسر رزق فى «جريدة الأخبار»- ٢٧ يوليو ٢٠١٦- بمناسبة الاحتفال بمرور ٦٥ عامًا على صدور سلسلة كتاب اليوم، وذكر فيه المبالغ الضخمة التى دفعتها دار «أخبار اليوم» فى ذلك الوقت، لكى تحصل على حقوق نشر مذكرات الملك المثير، الذى كان قد باع حقوق نشر تلك المذكرات لمجلة «لايف» الأمريكية، وجريدة «الساندى إكسبريس» الإنجليزية، و«لفرانس سوار» الفرنسية، وحصل ملك إنجلترا على نصف مليون جنيه إسترلينى آنذاك، ودفعت مؤسسة «أخبار اليوم» أكبر مبلغ تدفعه صحيفة عربية للحصول على حقوق نشر أول كتاب فى سلسلة، ظلّت تقدم الجديد والمهم حتى الآن.

وكان نشر تلك المذكرات فى مؤسسة «أخبار اليوم» مطلبًا لدى كثير من الجهات والأفراد والشخصيات ذات الحيثيات الأدبية والفكرية والسياسية فى مصر والعالم العربى، وبدأت المؤسسة تتلقى خطابات كثيرة لحجز نسخ من الكتاب، الذى تحدد سعره بـ«عشرة قروش»، وجدير بالذكر أن المذكرات صدرت دون أن يكتب عليها اسم مترجم كما هو كان وما زال سائدًا وطبيعيًا، ولكن مترجمها الأصلى كان أنيس منصور، وكتب بعد ستين عامًا أنه هو صاحب الترجمة، وكان هذا أمرًا معروفًا فى الأجواء الصحفية آنذاك، لأن اسم أنيس منصور كان صغيرًا أو قل مبتدئًا، وكان تصريحه المتأخر ذلك فى ٢٠ يناير ٢٠١١ بجريدة «الشرق الأوسط».

وكانت مؤسسة «أخبار اليوم» تصدر فى ذلك الوقت عددًا من الإصدارات الصحفية المهمة، وهى «أخبار اليوم» الأسبوعية، ثم جريدة «الأخبار» اليومية، ثم «آخر ساعة» الأسبوعية والمصور، وكانت المؤسسة مدرسة كاملة فى الصحافة، وكانت قد استقطبت أهم الكتاب فى ذلك الوقت، وعلى رأسهم الكاتب محمد التابعى الذى كان يملك مجلة «آخر ساعة» من قبل، ومحمد حسنين هيكل الذى اكتسب خبرة واسعة فى الصحافة من محمد التابعى وعلى ومصطفى أمين، وترأس تحرير مجلة «آخر ساعة» فيما بعد، وأجرى تحقيقات وحوارات وتغطيات سياسية عالمية جديرة بالإعجاب، وكان يكتب فى إصدارات المؤسسة كتّاب كبار ومرموقون مثل توفيق الحكيم وسلامة موسى وإبراهيم المصرى وصلاح ذهنى وإسماعيل مظهر وعباس محمود العقاد.

وجاءت فكرة «كتاب اليوم» كتتويج لذلك الجهد الصحفى الكبير، واحتشد الأخوان مصطفى وعلى أمين لمواصلة نجاح المؤسسة بقوة، فقررا إصدار تلك السلسلة الرائدة فى صناعة الكتاب كما يتراءى لهما، إذ تولى إخراجها الفنى الفنان الكبير حسين بيكار الذى كان قد وصل إلى درجة رفيعة فى تصميم الصحف والمجلات، وكانت المؤسسة فى ذلك الوقت هى الوحيدة فى الشرق الأوسط التى تجمع بين طباعة الروتوغراف وطباعة الروتاتيف، ويعرف الفنيون بأن ذلك الجمع لم يكن ساريًا ومعمولًا به إلا فى مؤسسة «أخبار اليوم»، وكان لا بد أن يكون اختيار الإصدار الأول له حضور قوى على المستويين المحلى والعربى، وكان اختيار «مذكرات دوق وندسور ملك إنجلترا السابق»، هى التحدى الأكبر فى أن تكون الإصدار الأول، وذلك كانت له أسباب قوية، أولها أن قصة الدوق وندسور بكل تفاصيلها، مثيرة للدهشة والفضول، أما السبب الثانى، فالقصة من الممكن أن ترمى بظلالها على وضع الملك فاروق فى ذلك الوقت، واعتبرها البعض- فى الكواليس- أنها مقارنة لصالح الملك فاروق، الذى كان، رغم الحوادث الكونية التى تلم بمصر، قادرًا على إدارة البلاد بشكل عاقل، أما الفريق الآخر ففسرها بأنها كانت نوعًا من مقاومة الملك، أو ترشيده، وذلك من خلال القصة التى تتعلق بملك مغامر وعادل وعاشق فى الوقت نفسه، وبالتالى تقديم صيغة الحكم فى إنجلترا، باعتبارها واحدة من صيغ الحكم الرشيد فى ذلك الوقت، حسب المؤرخين والساسة والحكام، فالملك كان -فى إنجلترا- يملك ولا يحكم، للدرجة التى تجعله مواطنًا ليس عاديًا، ومن هنا نشرت المذكرات التى ترجمها أنيس منصور فى جريدة «الأخبار» كما ذكر هو، أو فى جريدة «أخبار اليوم» كما ذكر رجب البنا وياسر رزق فى مقاليهما عن الكتاب، وأثناء نشر المذكرات أحدث ردود أفعال عديدة ومختلفة لدى قراء الصحيفة الأوسع انتشارًا آنذاك، ونمى إلى علم البعض أن تلك المذكرات جاءت كنوع من تقليب الأوضاع عليهما، واستدعت جهات الأمن على ومصطفى أمين للتحقيق معهما للوقوف على المغزى الذى يقف خلف نشر هذه المذكرات، إذ كانت تنشر تحت عناوين ترمى على وضع الملك فاروق بشكل عام، ولكن بعد التحقيق خرج الأخوان دون أى عقاب أو إدانة، وكان ذلك بمثابة دعاية أولى للكتاب الذى صدر فى طباعة جديدة تمامًا، وأنيقة بالنسبة للنشر فى ذلك الوقت، وبعشرة قروش، فى أول مارس عام ١٩٥١.

ونشرت السلسلة بعد ذلك كتابات لمجموعة مهمة من الكتّاب الكبار، مثل كتاب «المرأة الجديدة» لتوفيق الحكيم، و«عمالقة وأقزام» لمصطفى أمين، و«كيف تحكم مصر» لعلى أمين، و«ضرب الإسكندرية فى ١١ يوليو» لعباس محمود العقاد، و«ليالى فاروق» لمصطفى أمين، وكتابات لمحمد التابعى ويوسف جوهر وإبراهيم المصرى وإبراهيم جلال، وجدير بالذكر أن السلسلة لم تخل من الغرض القديم الذى أحاط بالأخوين على ومصطفى أمين، وترصدا لكل من هم ضد الملك، وعلى رأسهم مصطفى النحاس باشا، ففى يونيو ١٩٥٢، صدر كتاب «هكذا تحكم مصر» لعلى أمين، وفيه سب وقذف وإدانات «بالكوم» له، وكان النحاس باشا فى ذلك الوقت خارج الحكم منذ إقالته بعد حريق القاهرة فى ٢٦ يناير ١٩٢٦، ولم يدخر على أمين أسلوبًا تهكميًا وعدوانيًا إلا واستخدمه فى الكتاب، ولم يمتنع عن التعرض لزوجته زينب الوكيل، وقد زعم أنها هى التى تدير البلاد، وتتحكم فى اختيار الوزراء، وكانت الصور فى الكتاب أكثر إهانة للنحاس باشا من الكلام المكتوب، ومن المعروف أن النحاس الوطنى الأول فى مصر، كان العدو الأول للملك، ولا ننسى أن مصطفى أمين نشر كتابًا فى السلسلة تحت عنوان «عمالقة وأقزام»، ومدح فيه كل أعداء الشعب، بداية من محمد محمود باشا، وإسماعيل صدقى باشا، وأحمد حسنين باشا، وجدير بالذكر أنه أصدر كتابًا بعد قيام ثورة يوليو بقليل وزعم أنه كان من خصوم الملك الأشداء، واللافت للنظر أن الأخوين مصطفى وعلى أمين استعانا بالعقاد استعانة كبرى، ونشرا له فى خلال عامين خمسة كتب وحده، هى: «عمرو بن العاص»، و«ضرب الإسكندرية فى ١١ يوليو»، و«إبليس»، و«أبوالأنبياء»، و«عبقرية المسيح»، كما أنه كتب مقدمات لبعض الكتب الصادرة عن السلسلة، مثل كتاب «من يوميات الجبرتى»، لإبراهيم جلال بك، ومن المعروف أن العقاد كان أشد أعداء حزب الوفد، بينما الدكتور طه حسين لم ينشرا له كتابًا واحدًا، رغم أنه كان أكثر الكتاب والمفكرين إنتاجًا، ولكنه كان أحد المؤيدين لحزب الوفد، وكان وزيرًا فى حكومة الوفد، تلك الحكومة التى كانت تعارض الملك فى كل مساراته.

وبعيدًا عن الغرض السياسى الذى كان يريد تحقيقه الأخوان على ومصطفى أمين، فالمذكرات بالفعل كانت مجموعة حكايات شائقة ومفيدة فى الوقت ذاته، وفيها كشف حساب معلن وواضح لحقبة مركبة من تاريخ المملكة البريطانية، تلك المملكة التى ينص دستورها على أن الملك يملك ولا يحكم، والملك وعائلته مجرد رموز للدولة، عليهم واجبات، أكثر من أن تكون لهم حقوق، فالمواطن العادى يستطيع أن يفعل أى شىء دون أن يشعر به أحد، ودون أن يحاسبه أو يحاكمه أو يقاضيه أى أحد، بينما الملك أو الأمير، كلاهما لا بد أن يحسب حركاته وأنفاسه، لأن كل واحد من شعب المملكة، له الحق فى إبداء رأيه فيما يسلكه الملك أو الأمير، ومن هنا جاءت الجملة، وسمعها دوق وندسور مئات المرات فيما بعد التى، وهى: «اذكر مركزك ومن أنت؟»، وجاءت تلك الجملة عندما عاد ولى العهد من الحرب فى فبراير ١٩١٩، بعد أربع سنوات قضاها فى ميادين القتال، ليحيا ككل الشبان المسرحين من الجيش ليبحث عن مستقبله، وكانت أمنيته أن يعمل ضابطًا فى حرس الملك، ولكن الوالد- الملك نفسه- رفض ذلك بشدة، وعلى الفور تم تعيينه سفيرًا جائلًا ينوب عن الملك فى شكر جنود الإمبراطورية فى شتى البلاد.

وهنا قال له والده: «إنك أسعد حظًا منى، فقد أتاحت لك الحرب أن تعرف الناس وتعيش عيشة الشعوب، لا عيشة الملوك والأمراء، ولكن لا تظن أن اختلاطك بالشعب يعنى أن تعيش حرًا طليقًا، كما يعيش أفراد الشعب، اذكر دائمًا ما هو مركزك ومن أنت؟».

ولأن ولى العهد كان نزقًا منذ طفولته، ومتمردًا على الحياة الملكية دائمًا، يقول بعد سماعه تلك النصيحة: «.. ولكن من أكون أنا؟، إن فكرة أننى لست مثل غيرى من الناس، ووجوب ارتفاعى عن مستوى الشعب لمجرد أننى أمير، كانت فكرة لا تروقنى على الإطلاق».

ولكنه لم يستطع أن يرفض قرار المملكة، ولا يغضب أباه الملك، فقبل منصبه وهو فى غاية القلق، ولكنه بدأ يمارس مهامه، ويخطب بين الناس بحماس شديد، وكلما زادت زياراته فى أنحاء البلاد، تأكد له أن فن الخطابة أرقى مراتب الإنسانية، وكان يعتقد أنه بعيد عن تلك المرتبة، ولذلك كان يستعين بنصائح الساسة الكبار التاريخيين، وكتب له تشرشل يقول: «إذا كان عندك فكرة مهمة تريد أن تثيرها فى خطابك فلا تحاول أن تكون ماهرًا أو قادرًا، استعمل شاكوشًا، واضرب الشاكوش على مسمار الفكرة، ثم عد ثانية واضرب المسمار على رأسه، وإذا أردت أن تقرأ خطابك يجب أن تقرأه علنًا، اقرأ خطابك ببطء وإمعان، ولا تحاول أن تخفى الورق عن أنظار الناس».

وكان ولى العهد يسمع إلى كل نصائح الساسة والأدباء والأسقف وغيرهم باهتمام شديد، ولكنه لم يكن دقيق الالتزام بتلك النصائح، فمثلًا كتب له مرة وزير الداخلية خطابًا مهمًا، ولكن بعد أن قرأه، اكتشف أنه خطاب جاف جدًا، فراح يعدل فيه، ويضيف ويمحو، حتى اقتنع به تمامًا، وعندما ألقى خطابه بين الناس، كانت التجربة ناجحة تمامًا، وأزالت قدرًا من الرهبة فى مواجهة الجماهير.

المذكرات تنطوى على قصص وحكايات وأخبار مدهشة عن أسرار المملكة وطريقة الحكم، ومحاولة العائلة المالكة أن تظهر فى هيئات متكلفة، وذلك يشكّل قدرًا كبيرًا من القسوة، عائلة كاملة تتحرك بإحساس يطارد أفرادها، بأنهم مراقبون، من أصغر سلوك، حتى أكبر حدث فى البلاد، عائلة ليست حرة على الإطلاق فى المراسم وصلاة الكنيسة والسير فى الشارع، للدرجة التى وجه كثيرون اللوم إلى «الدوق وندسور» عندما سار فى الشارع، وفى يوم ممطر، وكان يحمل مظلة تقيه من الأمطار، فثار الناس وتساءلوا: «كيف يسر الأمير وولى العهد على قدميه وبدون سيارة، ويحمل مظلة بنفسه ولا يجعل أحدًا من الحراس يحملها له»، واعتبر المنتقدون ذلك السلوك بمثابة إهانة يوجهها رمز البلاد إلى مواطنيه.

وعندما اختار قلب الدوق وندسور واليس سمبسون، التى وقع فى غرامها على الفور، وكانت متزوجة، ولكن الأمريكان وشعب المملكة لم يعتبرا ذلك فعلًا خاصًا ولا فرديًا، ولكن كان لكل واحد من البلدين إبداء الرأى فى ذلك الأمر الخاص، ما جعل الدوق يكتب ويتساءل قائلًا: «إننى بدأت أسأل نفسى: هل أنا ملك من الطراز الذى يريدونه، ألست حرًا فى أن أتمتع ببعض الاستقلال!، إننى، كما تعلم، من طراز يختلف عن طراز أبى، وأعتقد أنهم كانوا يفضلون أن يكون ملكهم شبيهًا بأبى ..»، لذلك بدأت نزعات التخلى عن الحكم تطارده، حتى يستطيع أن يعيش بمنأى عن كل تلك المطاردات التى تخنقه، ولكنها مطاردات فى إطارات ملكية فخيمة، وتمثّل المذكرات نوعًا من المغامرات الحيّة، تلك المغامرات التى جاءت على نحو فنى وأدبى مبهر، وكتبها وندسور تحت إلحاح الضمير، لكى يخبر العالم كله بأن تلك السعادة المعلنة تخفى قدرًا من التعاسة التى لا يعرفها إلا من عاشها وعانى منها.

نشرت المذكرات تحت عنوان «قصة ملك.. مذكرات دوق وندسور.. ملك إنجلترا السابق»، وبعد خمسة وثلاثين عامًا، أى فى يوليو عام ١٩٨٤، نشرت «أخبار اليوم»، وفى السلسلة ذاتها «كتاب اليوم»، كتابًا تحت عنوان «عاشق القرن العشرين»، وتصدّر اسم عبدالرحمن فهمى الكتاب، دون أن يفصح الغلاف عن أى ملاحظات تقول عن ذلك الظرف الذى دفع المؤسسة لنشر ذلك الكتاب، رغم أن الكتاب صدر فى حياة مصطفى أمين، صاحب مؤسسة أخبار اليوم فى زمن صدور كتاب المذكرات، وكذلك فى حياة أنيس منصور المترجم الأصلى للمذكرات، وفضلًا عن تغيير العنوان، وذلك تشويه له، وتأويل صحفى وثقافى ركيك، إلا أن الكتاب الجديد الذى لم نعرف من غلافه، هل هو ترجمة أم تأليف أم إعداد أم تلخيص؟، ولكننا عندما نتصفح الكتاب سنجده سطوًا كاملًا على المذكرات، وتشويهًا لتبويبات الكتاب القديمة، ومحاولات مستميتة لوضع لمسات مزيفة، وغير مفيدة بالمرة، بل إنها لمسات تعانى من حذلقات بائسة، لإبراز أى جهد والسلام، ولكن الجهد الواضح فيما يسمى بـ«عاشق القرن العشرين»، هو جهد النقل الحرفى، أى نقل مسطرة، ثم الإضافات الإنشائية التى توضع فى مقدمة الفقرات، ولا تفعل سوى أنها تشوّه التبويب القديم والبديع.

وكذلك كانت الطبعة الأصلية للكتاب، تحتوى على ألبومات من الصور للملك وللحبيبة، ولعدد من أفراد العائلة المالكة، تلك الصور لم تظهر فى الطبعة المشوهة إطلاقًا، فالكتاب عبارة عن حالة سطو تامة، وتشويه سيئ كذلك، وهنا لا بد أن أوضّح أن عبدالرحمن فهمى الذى ظهر على غلاف الكتاب، ليس عبدالرحمن فهمى الأديب، ومؤلف روايات «فى سبيل الحرية والدائرة وسوزى والذكريات والعود والزمان..»، وكان عضوًا فى الجمعية الأدبية مع صلاح عبدالصبور وعزالدين إسماعيل وغيرهم، وأيضًا ترأس تحرير مجلة «القاهرة» فى إصدارها الأول عام ١٩٨٦، وأنا أنفى ذلك عن عبدالرحمن فهمى الأديب، لأن كل القوائم المنشورة لمؤلفاته، لم تحمل عنوانًا يشى بكتاب اسمه «عاشق القرن العشرين»، وجدير بالذكر أنه الكاتب الصحفى عبدالرحمن فهمى الناقد الرياضى لجريدة «الجمهورية»، حيث إنه ذكر مذكرات وندسور فى إحدى مقالاته، وهنا لا بد أن يوضح لنا ذلك اللغز الذى يختفى خلف كل تلك العناصر المريبة، التى تعنى بأن كتاب «عاشق القرن العشرين»، ما هو إلا سرقة كاملة لكتاب «قصة ملك.. مذكرات دوق وندسور».

فى الأسبوع المقبل إن شاء الله، نستكمل سلسلة «حديث المصادرات».