السبت 06 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

التنويرى العنيد.. صرخات أحمد عبدالمعطى حجازى لتجديد الخطاب الدينى

حرف

- تجديد الخطاب الدينى مهمة لا تنحصر فى جهد رجال الدين المستنرين بل يجب أن تكون من أولى مهام المفكرين والمثقفين ومنظمات حقوق الإنسان

- تجديد الخطاب الدينى لن يؤتى ثماره بدون إصلاح ثقافى مجتمعى

- تجديد الفكر الدينى كان مسعى أساسيًا فى مسيرة الثقافة العربية الإسلامية منذ فجر الإسلام

- لا أظن أنا ولا يظن أحد غيرى أن الدولة الوطنية تهم السلفيين أو أن الديمقراطية أو الوحدة الوطنية تهمهم

- تجديد الفكر معناه مراجعة ما نقوله ونردده ونتبعه بحكم العادة وبصرف النظر عن جدواه

كان المشهد لافتًا، لا يمكن لعين منصفة أن تتجاوزه. 

الدكتور على جمعة يجلس فى مواجهة الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى فى مناظرة يعقدها برنامج «البيت بيتك» بالتليفزيون المصرى فى يونيو 2009. 

كان البرنامج قد استضاف حجازى فى حلقة سابقة، وقال بين ما قاله إن الخطاب الدينى فى بعض جوانبه مساند للإرهاب، وهو ما أغضب الدكتور على جمعة مفتى الديار المصرية، الذى طلب مناظرة الشاعر حول ما قاله، وهى المناظرة التى خرجا منها وهما متفقان على أن هناك جوانب بالفعل من الخطاب الدينى تحتاج إلى تجديد، واختلفا على من يقوم بهذا التجديد. 

وقف على جمعة فى المناظرة على الطرف الآخر من كثير مما قاله حجازى، لكنه كان مستوعبًا لمنطلقاته فيما يريده، وقد أبدى على جمعة احترامه الشديد للمثقفين المصريين جميعًا، من سبق منهم ومن لحق، وترسخ فى وجدانى ووجدان آخرين أن حجازى يدافع عن الإسلام بعقل ومنطق ربما يفتقد إليه الدكتور على جمعة كثيرًا. 

بعد ما يقرب من أربع سنوات وفى 2013 كان الدكتور على جمعة يتحدث عبر برنامجه «والله أعلم» بقناة cbc، وهاجم المثقفين الذين أطلق عليهم العلمانيين المصريين، وقال إنهم خائبون خاسئون. 

وقف أحمد عبدالمعطى حجازى فى وجه على جمعة وكتب فى الأهرام فى 13 مايو 2013 مقالًا وضع له عنوانًا دالًا وهو «ضربنى وبكى». 

بدأ حجازى مقاله بقوله: حاول العالم الجليل- على جمعة- أن يمسك العصا من الوسط، فهو حائر بين الطرفين، هادئ ومنفعل، متشدد ومعتدل، يشتم العلمانيين ويعمم لتنال شتائمه من المثقفين المصريين بكل أجيالهم. 

حاول حجازى أن يفهم ما فعله على جمعة وما دفعه إليه، فقد بلغ الانفعال بالدكتور جمعة مداه، فيختنق صوته وتخضل عيناه. 

يقول: استغربت جدًا أن يلجأ هذا الرجل الفاضل لهذا الأسلوب الذى أدى فيه على الشاشة دور المجنى عليه، فى الوقت الذى كان ينهال بالشتائم المقذعة على المثقفين المصريين ويرميهم بالمروق والعمل على هدم الإسلام، ضربنى وبكى وسبقنى واشتكى، فالعلمانيون والمثقفون المصريون عامة لم يتعرضوا للدكتور جمعة، ولم يسيئوا إليه أو إلى غيره من رجال الأزهر، فإذا كان يخالفهم فى موقفهم من العلمانية، فقد كان عليه أن يجادلهم بالتى هى أحسن، أما أن يتهمهم بهدم الإسلام، فهذا إرهاب يتساوى فيه من يمارسه بعين دامعة ومن يمارسه بوجه ملثم ويد ملطخة بالدماء. 

ويمسك حجازى بالمشكلة التى رصدها فى كلام الدكتور جمعة، فلا شك أنه من حقه أن يدافع عن الأزهر، الذى يمثل الكثير لمصر والمصريين، لكن ليس من حقه أن يحول الأزهر إلى ذات معصومة محصنة، أو يوحد بينه وبين الإسلام، أو يعتبر النقد الموجه للأزهر موجهًا للإسلام. 

يحدد حجازى ما الذى يريده هو ومن خلفه العلمانيون والمثقفون المصريون، فعندما يطالب الأزهر بالعمل على تجديد الخطاب الدينى فهو لا يهاجم الإسلام أو يسىء إليه، وإنما يسىء إليه من يحبسونه فى العصور الوسطى ويغلقون باب الاجتهاد فيه ويمنعونه من الاتصال بالعصور الحديثة والاستجابة لروحها وفهم مطالبها والاعتراف بحقوقها. 

يدخل حجازى إلى المنطقة الساخنة فى اشتباكه مع الدكتور على جمعة، فيقول: يقول المفتى السابق للمثقفين المصريين فى حديثه التليفزيونى: لأنكم تتخذون نفس الخطة الخائبة الخائسة التى كنتم تفعلونها أواخر القرن التاسع عشر وفشلتم فشلًا ذريعًا ولم يخرج هذا الشعب من دينه. 

فهو- جمعة- يعتقد أن المثقفين المصريين الذين انحازوا للعلمانية فى فجر النهضة- أمثال أحمد لطفى السيد، وطه حسين، وقاسم أمين، وسعد زغلول، وعلى عبدالرازق الذى أفسد على الأزهر خطته لتنصيب الملك فؤاد خليفة- يعتقد أن هؤلاء المثقفين خائبون خائسون. 

ويعلق حجازى على ما قاله جمعة: ولا أدرى إن كان العالم الفاضل قد قصد أن يقول خائسون أم قصد أن يقول خاسئون، وسواء قصد الأولى ومعناها الفاسدون المنتنون، أو قصد الأخرى ومعناها الأنجاس المنبوذون، فقد أساء القول إساءة لا نرضاها له، ولا نقبلها منه ولا من غيره. 

ويسأل حجازى: هل يصدق الدكتور جمعة نفسه حين يقول إن هؤلاء المثقفين فشلوا فشلًا ذريعًا فيما حاولوه؟ 

ويجيب هو عن السؤال: الواقع الذى نراه ونلمسه هو أن مصر نهضت والذين فشلوا هم الذين حاربوا النهضة وحاربوا زعماءها من الحكام الطغاة وأذنابهم الذين تاجروا بالدين وسخروه لخدمة الطغيان، الدولة الوطنية قامت، والدستور أعلن، والانتخابات أجريت، والجامعة المصرية أصبحت حكومية، وطه حسين صار عميدًا لكلية الآداب، والمرأة المصرية خلعت الحجاب.

وقبل أن ينهى حجازى مقاله، قرر أن يعلم على جمعة درسًا مهمًا، قال موجهًا كلامه إليه: العلمانية ليست قرارًا ولكنها ثقافة، ونحن خرجنا عمليًا من العصور الوسطى، لكننا نعيش فى ثقافتها التى يتبناها الدكتور على جمعة ويشتمنا دفاعًا عنها، والدموع تكاد تطفر من عينيه. 

دفعتنى هذه الاشتباكات المتتالية بين الشاعر والفقيه، إلى البحث فى عقل أحمد عبدالمعطى حجازى ليس الشاعر فقط ولكن المفكر أيضًا، الرجل الذى يعطى للإسلام صورته الحقيقية، ويدافع عنه كما لا يدافع عنه الذين يصدرون أنفسهم لنا على أنهم حماة الدين وحراسه. 

لقد بدأ حجازى التجديد مبكرًا، ليس فى شعره فقط ولكن فى أفكاره أيضًا، وقد توقفت عند «إعلان باريس حول سبل تجديد الخطاب الدينى» وهو وثيقة مهمة أعتقد أن كثيرين لا يعرفون عنها الكثير. 

هذه الوثيقة كانت أحد مخرجات لقاء تشاورى عقد فى باريس يومى ١٢ و١٣ أغسطس ٢٠٠٣ حول السبل العلمية لتجديد الخطاب الدينى، وقد حضره ما يقرب من ثلاثين مفكرًا وباحثًا من جنسيات مختلفة، وكان من بينهم أحمد عبدالمعطى حجازى ضمن آخرين من مصر، كان منهم نصر حامد أبوزيد والأب يوحنا قلتة، والدكتور محمود إسماعيل والدكتورة زينب رضوان والشاعر حلمى سالم والمفكر جمال البنا. 

أوراق عمل هذا اللقاء التشاورى استهدفت الإجابة عن سؤال أساسى، وهو: كيف يمكن التوفيق بين العالم الحديث الذى بلغ من التطور العلمى والتكنولوجى والاجتماعى والسياسى والثقافى مبلغًا مذهلًا، وبين تراثنا الدينى والفكرى، دون أن نفقد خصوصيتنا الثقافية، ودون أن ننعزل عن الدنيا التى تجرى ونحن قاعدون؟ 

وخلص اللقاء التشاورى إلى مجموعة من النتائج جاءت على النحو التالى: 

أولًا: تجديد الفكر الدينى كان مسعى أساسيًا فى مسيرة الثقافة العربية الإسلامية منذ فجر الإسلام، ثم فى مدارس المعتزلة وابن رشد والتصوف وإخوان الصفا وغيرها من بؤر الاستنارة. 

ثانيًا: فى العصر الحديث شهد الفكر الدينى حلقات متتالية من اجتهادات المفكرين ومشاريعهم النهضوية بدءًا من حسن العطار ورفاعة الطهطاوى مرورًا بالأفغانى ومحمد عبده وليس انتهاء بطه حسين وعلى عبدالرازق وتلاميذهم المعاصرين. 

ثالثًا: تجديد الخطاب الدينى ضرورة ملحة، انطلاقًا من أنه مفصل جوهرى فى عبور الفجوة الواسعة التى تفصل العالم العربى والإسلامى عن العالم المتقدم. 

رابعًا: تجديد الخطاب الإسلامى ضرورة داخلية «عربية- إسلامية» عميقة، تنبع من رفض العرب والمسلمين لوضعهم المتردى فى العالم، وهى ضرورة لا صلة لها بمطالب بعض الدول الكبرى، حتى لو حدث تماس فى لحظة من اللحظات. 

خامسًا: تجديد الخطاب الدينى مهمة لا تنحصر فى جهد رجال الدين المستنيرين، بل يجب أن تكون من أولى مهام المفكرين والمثقفين ومنظمات حقوق الإنسان، انطلاقًا من النظر للإنسان باعتباره قيمة مركزية عليا، ومن أهمية تحكيم العقل فى كل شئون الحياة. 

سادسًا: ضرورة التمييز بين الإسلام وتاريخ المسلمين، فالتاريخ السياسى للمسلمين تاريخ بشرى حافل بما يوجب النقد والنقض. 

سابعًا: تجديد الخطاب الدينى عامل رئيسى فى تجديد الواقع السياسى والاجتماعى بأسره فى العالم العربى. 

ثامنًا: تجديد الخطاب الدينى لن يؤتى ثماره بدون إصلاح ثقافى مجتمعى ينطلق من الإيمان بنسبية المعارف، وبحقوق البشر فى الحوار والمساءلة، وهو ما يعنى خلق حالة فكرية اجتماعية سياسية شاملة. 

تاسعًا: أبرز المعوقات أمام تجديد الخطاب الدينى فى العالم العربى هو التوظيف السياسى للدين بواسطة الحكومات والجماعات المتطرفة وبعض الأحزاب السياسية لخدمة أهدافها الخاصة. 

خرجت من هذا اللقاء التشاورى ثلاثة اتجاهات أساسية فى تجديد الخطاب الدينى. 

الاتجاه الأول يرى أن القرآن فيه كل الإجابات، وأن قراءة سليمة صحيحة للدين ستكشف عن أن القرآن زاخر بمعانى التجديد والحرية والعقل والتقدم والعدالة والشورى واحترام الآخر.. فهو عقيدة وشريعة.

الاتجاه الثانى يقول بتاريخية النصوص، وضرورة الاجتهاد على كل مستويات قراءة النص، فالمعانى لا تعطى ذاتها للقارئ وإنما يتم استنباطها على ضوء التجربة التاريخية، حيث إن النص القرآنى ذاته استعمل خطاب التاريخ، ومن ثم تصبح كل قراءة ممكنة مرهونة بالتاريخ المعطى، حيث تتجلى ضرورة إخضاع التفسيرات الموروثة للنقد باعتبار أنها القراءة الخاصة بزمانها، وذلك على ضوء معاشنا الراهن ومعطيات حياتنا المعاصرة. 

الاتجاه الثالث يقوم على أساس الفصل بين «الدين» و«الفكر الدينى»، حيث الأول مقدس إلهى لا يمس، بينما الثانى بشرى يخطئ ويصيب ويتغير بتغير العصور والحاجات الإنسانية المتحولة، ويتفرع هذا التيار إلى فرعين. 

الأول يرى تجديد الفقه الدينى وأصوله منطلقًا من مرجعية القرآن وحده، مع ضبط الحديث والسُنة بمعايير القرآن الكريم.

والثانى يرى تجديد الفكر الدينى عبر إعادة تسليط الضوء على النصوص العمومية والعمل بها، دون النصوص الخاصة بحقبة زمنية معينة ومنطقة جغرافية بعينها أو مناسبة بذاتها.

أعتقد أن مشاركة أحمد عبدالمعطى حجازى فى هذا اللقاء التشاورى كانت من بين عوامل كثيرة دفعته إلى أن يخوض حملة صحفية وفكرية متواصلة لتجديد الخطاب الدينى، وهى الحملة التى بدأت مبكرًا، واستمرارها يؤكد لى أنه كان تجديديًا عنيدًا، لم يمل ولم ييأس من الدعوة التى يعتقد أنها فى صف الإسلام تمامًا. 

فى مكتبتى وجدت كتابًا مهمًا لأحمد عبدالمعطى حجازى كانت مكتبة الأسرة قد أصدرته فى العام ٢٠٠٢، جمع فيه الشاعر الكبير بعض مقالاته التى تتحدث عن الدين وتجديده، ومنحه عنوان «الدنيا والدين». 

كان الترتيب فى عنوان الكتاب مقصودًا، فالدنيا قبل الدين، والمعنى واضح، فالدين لم يأتِ إلا من أجل خدمة الدنيا، وإسعاد الناس وحل مشاكلهم. 

فى مدخل الكتاب يمكننا أن نصادف منهج أحمد عبدالمعطى حجازى فى التفاعل مع الدين، وفى الحديث عنه. 

يرى حجازى أن هناك من يعتقد أن الكلام فى الدين يجب أن يكون مقصورًا على علماء الدين، وأن غيرهم ممن يشتغلون بعلوم وفنون وحرف أخرى لا يحق لهم، ولا يجب عليهم أن يتعرضوا لهذا الموضوع، فالدين بالنسبة له ليس مجرد عقيدة مشتركة، وإنما هو أيضًا تراث من العلوم يحتاج من يتحدث فيه إلى التفرغ والتخصص حتى يكون الحديث مفيدًا مقنعًا. 

يرفض حجازى هذا المنطق، ويذهب إلى أننا جميعًا نعرف مدى حساسية الموضوع، وما يتطلبه الكلام فيه من معرفة وحرص، لكننا نعرف أيضًا أن العقيدة الإسلامية ليست أسرارًا محجوبة، ولا فلسفة معقدة، وإنما هى أقرب ما تكون إلى الفطرة البسيطة، فلا حاجة للمسلمين بكهنوت أو برجال دين، وكل مسلم مطالب بأن يعرف دينه، مأمور بأن يسأل أهل العلم، وإن كان عليه فى كل حال أن يرجع إلى قلبه، لأن الحق فى نظر الإسلام هو التجربة الحية المختلجة فى الفؤاد، قبل أن يكون الكلام المسطور فى الكتب، فالحق هو ما يعيشه كل منا، ويحسه ويقتنع به، ولو كان مخالفًا لما يراه سواه، وهذا هو الحديث الشريف يقول «استفت قلبك ولو أفتوك». 

ويحدد حجازى وجهة نظره فى أحقيته فى الحديث عن الدين بمبررات واضحة على النحو التالى: 

أولًا: نحن الذين نتحدث فى الدين دون أن نكون من علماء الدين لا نجلس للفتوى، ولا نتعرض للتفاصيل التى ينبغى أن نتركها للمختصين، وإنما نتحدث فيما هو عام مشترك يهم الجميع. 

ثانيًا: نحن لسنا محتاجين لتخصص أو تفرغ حتى نطالب بفتح باب الاجتهاد، أو حتى ندرك أن العصر الذى نعيش فيه يحتاج إلى فقه جديد وإسلام معاصر، ولنطرح الأسئلة التى ظلت معلقة قرونًا بلا جواب. 

ثالثًا: لسنا مطالبين بأن ندرس الطب حتى يكون من حقنا التنبيه إلى وجود أطباء مزيفين، أو الهندسة حتى نطالب بإزالة المساكن العشوائية. 

ويجيب حجازى عن سؤال مهم وهو: لماذا نحتاج الدين؟ ولماذا نحتاح للحديث فيه؟ 

يقول: نحتاج للدين لأننا نحتاج لهذا الشعور العميق بالأمن والطمأنينة والغبطة والعدل والتقوى الذى نجده فى الدين، ونحتاج للحديث فيه لأننا نحتاج للإجابة لما يعرض لنا من أسئلة ومراجعة لما يقدم لنا من إجابات. 

ويحسم حجازى الأمر أكثر بقوله: نريد أن نتقدم دون أن نضحى بالدين، ونريد أن نتدين دون أن نتخلف أو نضحى بالعلم، أو نعيش فى البؤس والطغيان والخرافة.

ويدخل بنا إلى مساحة أرحب: فنحن نعرف أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، لكن هذه الصلاحية مشروطة بشرطين: 

أولًا: أن نتطور مع الزمن، وننتمى للعصر الذى نعيش فيه، ونتمثل حاجاته.

ثانيًا: أن نؤمن بأن التطور عقيدة إسلامية. 

يميل حجازى إلى أن التجديد الذى نحتاجه هو تجديد الفكر الإسلامى. 

فمن حقنا جميعًا أن نجدد الفكر الإسلامى حتى يتحقق الإسلام فى العصر، ويتحقق العصر فى الإسلام، وهذا هو معنى الحديث الشريف «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة دينها».

وينطلق حجازى إلى ذلك من حقيقة أن الإسلام ابتعد فى كل شىء عن التفضيل فى العقائد والعبادات والمعاملات، واكتفى بإقرار المبادئ العامة والمثل العليا، وجعل المسلمين أحرارًا فى تحديد الوسائل وتجديدها وتطورها حتى تتفق مع الحاجات المتجددة، وعلى هذا تكون مراجعة الماضى شرطًا لمواكبة الحاضر، ويكون المقياس الذى نحكم به على العمل ونقيمه بالرجوع إليه هو الاقتراب من الغاية، وليس اتباع أسلوب بالذات، وعلى هذا نطرح أسئلتنا الآن ونطلب الإجابة عنها. 

ويخترق حجازى جدارًا صلبًا عندما يقترب بالسؤال ممن يريدون أن يبتدعوا فى الإسلام سلطة دينية. 

يسأل: هل تتفق هذه السلطة مع مبادئ الإسلام، وهل تتفق مع روح العصر الذى نعيش فيه؟

ويسأل من يطالبون بتطبيق الشريعة ويختزلونها فى الحدود، فأيهما أسبق فى الإسلام.. الإصلاح أم التخويف؟ والأعمال أم المقاصد؟ والعدل أم الرحمة؟ 

ويسأل من يريدون أن يحصروا الاجتهاد فى المسائل التى لم تعرض للمسلمين من قبل.. فهل نكتفى بالكلام عن زرع الأعضاء وأطفال الأنابيب؟ أم يحق لنا أيضًا أن نراجع ما تجاوزه الزمن من اجتهادات القدماء. 

ويجيب حجازى بعمومية شديدة، يقول: لقد تجاوز الزمن كل فكر يخلط العلم بغير العلم، وكل فكر لا يتبنى الديمقراطية، وكل فكر يتناقض مع أى حق من حقوق الإنسان، وكل فكر يقوم على العزلة والتعصب، ويحرض على العنف والتمييز، وهذا ما ينبغى أن نتجاوزه نحن أيضًا ونتخلص منه، إننا نكشف بهذا عن وجه الإسلام ونعلى رايته.. فالإسلام أمامنا وليس وراءنا. 

فى كتابه «الدنيا والدين» يهتم حجازى بقضية تجديد الفكر الإسلامى، وإن كان يستسلم تمامًا لمصطلح تجديد الخطاب الدينى الذى هو أضيق كثيرًا من مصطلح الفكر الدينى، لكن فى النهاية يخلص لما يريد أن يمرره فى المجال العام من رغبة فى تجديد الإسلام. 

يرى حجازى أننا الآن أحوج ما نكون للتمييز بين المعرفة الدينية والمعرفة العقلية، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، لا لنفصل بين الدين والدنيا، فنحن فى الدنيا أحوج ما نكون أيضًا لضمير دينى يقظ يقف على رءوسنا فنحسن الظن ونحسن العمل ونتحلى بالصدق والجد والإخلاص والنشاط وطهارة القلب واليد والتكافل والتسامح والتصميم على الفوز بما نريد، نحن فى أشد الحاجة إلى هذا الضمير الدينى، على ألا نخلط الدين بالدنيا، فنفسد الدين والدنيا معًا. 

ويصف حجازى ما نعانيه بأننا ما زلنا دائبين على الخلط بين السياسة والدين، وبين الاقتصاد والدين، وبين العلم والدين، وبين الطب والدين، وبين الفن والدين، وأننا نشكك فى كفاءة العقل، ونحارب التفكير الحر، ونلجأ إلى الأمر والنهى، ونرتعب من النقد، ونرفض المناقشة، لم نعد نبحث عن الأشياء والأفكار والأعمال عن الصواب والخطأ، أو عن النفع والضرر، أو عن الجمال أو القبح، أو عن الربح والخسارة.

ويرصد حجازى أن السؤال الذى أصبحنا نطرحه دائمًا فى أى شىء هو: حلال أم حرام؟ 

ويتأمل فى هذه المسألة: كأن الدين سابق على الحياة، وكأن رسالته أن يصادر على المطلوب، والعمل يكون أولًا صوابًا أو خطأ، نفعًا أو ضرًا، ثم يكون بعد ذلك حلالًا أو حرامًا. 

القاعدة عند حجازى أن الحياة سابقة على الدين، لكن الخطاب الدينى يجعل الحكم الدينى الذى لا يتغير سابقًا على التجربة التى تتغير فى كل لحظة، ويقيد الحياة البشرية بسلسلة من الأحكام الصارمة الموروثة عن عصور لم يعد باقيًا منها فى حياتنا إلى الأطلال والأشباح، ومن هنا يحاول بعضهم تبرير الطغيان بالدين، ويحاول بعضهم تبرير الإرهاب بالدين، ويستعين بعضهم بالدين فى ترويج الخرافة والشعوذة، وفى محاربة العقل وإشاعة الكآبة والتعصب والكراهية. 

لكن ما الذى يأخذه عبدالمعطى حجازى على الخطاب الدينى، ويدعوه إلى تعزيز الرغبة فى تجديده؟ 

يقول: الخطاب الدينى الراهن مسئول مسئولية مباشرة عن شرور كثيرة نعانى منها، مثل ضعف الثقة فى النفس، والانسحاب أمام الآخرين، والارتداد إلى الماضى المظلم، والوقوع من جديد أسرى لما كنا نبذناه وهجرناه من أفكار وعادات ونظم، واليأس الذى يهاجم شبابنا ويقطع عليهم الطريق، ويدفع جماعات منهم إلى العنف والانتحار والغيبوبة والشعور بالعدمية واللا مبالاة وتراجع الانتماء الوطنى أو تراجع العمل به، والاستجابة السهلة لما يستهدف النيل من وحدتنا الوطنية، والخوف من الحرية، وضيق الصدر إزاءها، والزهد فى المشاركة العامة، وتحقير المرأة، واستباحة المال العام. 

وتحت عنوان «تجديد الخطاب الدينى.. نعم ونعم» يقول حجازى: حتى نفهم المقصود بتجديد الخطاب الدينى فهمًا صحيحًا يجب قبل كل شىء أن نميز بين الدين من ناحية والخطاب الدينى من ناحية أخرى، بين الإيمان الثابت الراسخ المتغلغل فى النفوس والأعماق، والعقلية التى تنتج عن هذا الإيمان وتجسده فى أفكار ومبادئ وقيم وأعمال وتصرفات. 

فنحن نحتاج إلى الدين ونمتثل له، ونحرص عليه، ونؤمن بصحة تعاليمه، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، لكننا لا نستطيع أن نمتلك الدين، ونتمثله حتى يمتزج بكياننا، ونعمل به إلا بأن نجتهد فى فهمه وتفسير نصوصه وتعيين مقاصده، وهذا هو الخطاب الدينى الذى يجب علينا أن نراجعه بين حين وحين، وأن نعيد النظر فيه، وننقده، وننقيه مما تجاوزه الوقت واستنفذته الحاجة، ومما يدخله ويختلط به من أخطاء وأوهام تباعد بينه وبين العصر، وتمنعه من التعبير عن حقيقة الدين، والترجمة عن مقاصد الشريعة. 

ويزيدنا حجازى إيضاحًا لما يريده. 

فالدين عنده هو الوحى المنزل كما يتمثل فى القرآن والسُنة الصحيحة التى تفسر القرآن وتفسر آياته، وتجسدها فى النبى المرسل، أى فى الإنسان المصطفى المعصوم، وهو حلقة الوصل بين السماء والأرض، أو بين الله والمؤمنين، محمد بن عبدالله هو النبى الرسول الناطق بكلام الله، كما كان المسيح عيسى بن مريم هو ذاته كلمة الله. 

أما الخطاب الدينى فهو الجهد البشرى الخالص الذى نبذله لنتلقى الدين، ونتمثله، ونجسده فى حياتنا الفردية والاجتماعية، فنحن نضبط النصوص ونفسرها ونبحث فى أسباب نزولها ونستخرج ما تتضمنه من معانٍ ومبادئ نحولها إلى تصورات ومفاهيم، وأوامر ونواه وأحكام وقوانين، ونظم وتقاليد مستعينين فى ذلك بما نعرفه عن التاريخ والمجتمع والديانات واللهجات والنحو والصرف والأدب والبلاغة. 

 الذين أغلقوا باب الاجتهاد وضعوا نهاية لكلام الله ولفهم كلامه وحولوا الخطاب الدينى من اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ ويستدعى إعادة النظر والمراجعة والتجديد إلى حقيقة كاملة نهائية

ويختصر حجازى ما يريد أن يقوله بأن الدين هو الحقيقة الكاملة أو هو الله، لأن كلام الله هو عمله، وذاته هى صفاته، أما الخطاب الدينى فهو العلم المحدود المتغير الذى نحاول أن نقترب به من الحقيقة الإلهية، هو الإنسان، أى هو الثقافات المختلفة والاجتهادات المتباينة والحاجات التى تتغير وتتطور باختلاف الزمن وتوالى العصور. 

ويصل بنا حجازى إلى المعضلة التى نعانى منها لا نزال. 

يقول: هناك فارق بين الحقيقة الإلهية والمعرفة الإنسانية النسبية، وهو فارق يتضح لنا مما قاله الإمام الشافعى «لو أعطى العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ ما أودعه الله فى آية من كتابه، لأنه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أنه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنما يفهمه كل بمقدار ما يفتح عليه. 

لكن الذين أغلقوا باب الاجتهاد- كما يرى حجازى- وضعوا نهاية لكلام الله، ولفهم كلامه، وحولوا الخطاب الدينى من اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، ويستدعى إعادة النظر والمراجعة والتجديد، من جهد إنسانى ناقص محدود متغير إلى حقيقة كاملة نهائية، فإذا ناقشت رأيًا قديمًا، أو اقترحت فهمًا جديدًا اتهموك بالكفر، وفرقوا بينك وبين زوجك، وحرضوا عليك الغوغاء. 

من بين المقالات المهمة التى نشرها أحمد عبدالمعطى حجازى فى كتابه «الدنيا والدين» مقال بعنوان «لنكن كالقدماء.. مجددين». 

يضع حجازى فى بداية مقاله ما يمكننا اعتباره نظرية خاصة بالتراث، يلخصها بقوله: حين يكون التراث مجرد قيد محكم نكون نحن مجرد آلات صماء، أما إذا كان روحًا ملهمًا، وأفقًا رحبًا يتسع لكل قادم، وخبرة مفتوحة على كل اجتهاد، فهو يحيا بنا ونحن نحيا به. 

ويزيد النظرية إيضاحًا، فالذين يجمدون التراث ويغلقون النص على وجه واحد يوافق رأيهم أو مصلحتهم مضطرون لتجاهل كل ما تطور فى حياتنا، وكل ما جد فيها منذ ظهر النص إلى اليوم، فالرجل هو الرجل الذى يعيش منذ ألف عام، والمرأة هى المرأة، والعلم هو العلم، والسياسة هى السياسة، والاقتصاد هو الاقتصاد. 

ويوضح حجازى أكثر، فقد كان القدماء يفكرون فى إطار الظروف والأوضاع التى عاشوا فيها، وكانوا يجتهدون فى الإجابة عن أسئلة جماعة من البشر تعيش فى زمان بالذات، ومكان بالذات، فإذا أردنا أن نكون أوفياء للقدماء وأمناء على تراثهم، فعلينا أن نفعل مثلهم وأن نفكر فى إطار من الظروف المحيطة بنا، وأن نجيب عن أسئلة العصر الذى نعيش فيه. 

ويضيف حجازى: نحن أمام طريقين، أن نكون إضافة للقدماء، أو نكون عالة عليهم، أن نقلدهم تقليد المسوخ والقردة والببغاوات فنردد ما قالوا ونحاكى ما فعلوا، أو نواصل سعيهم فى الطريق إلى الحقيقة التى لا يستطيع أحد أن يقول إنه وصل إليها، وأحاط بها، أو استنفذها، أو قال فيها القول الفصل والكلمة الأخيرة. 

ويستند حجازى فيما يريده إلى فكرة واضحة، وهى أن الحقيقة الكاملة ليست فى حوزة أحد، ولا فى استطاعة أحد، ولهذا نظل نجتهد فى الوصول إليها، أو الوصول إلى ما نستطيع الوصول إليه منها. 

كانت هذه أفكار عبدالمعطى حجازى فى سنوات بداية الألفية، لكنه لم يترك القضية، عاد إليها فى العام ٢٠١٥ عندما دعا الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى تجديد الخطاب الدينى، فبدأ حجازى فيما يمكن تسميته حملة متواصلة وهبها جميعها لفكرة التجديد. 

فى ٢١ يناير ٢٠١٥ يكتب حجازى مقالًا بعنوان «نعم نحتاج لثورة دينية» منطلقًا من الدعوة التى طالب بها رئيس الجمهورية فى احتفاله مع علماء الدين بالمولد النبوى الشريف.

يقول حجازى: استخدم السيد الرئيس فى حديثه مع هؤلاء السادة لغة قوية منذرة عبّر فيها عن خطورة ما نحن فيه، وخطورة ما نحتاج إليه، واعتبر الثورة الدينية مطلبًا عاجلًا ملحًا نكون به، ولا نكون بغيره فى الدنيا، ويحاسبنا الله على موقفنا منه واستجابتنا له أو عدم استجابتنا يوم الحساب، هكذا وجّه خطابه للدكتور أحمد الطيب، ولمن معه من رجال الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية فقال لهم: والله لأحاججكم يوم القيامة، فقد أبرأت ذمتى أمام الله.. لأنه لا يمكن أن يكون هناك دين يتصادم مع الدنيا كلها.

يرى حجازى أن رئيس الجمهورية لم يبالغ فيما قال، ولم يستخدم كلمة زائدة، ولم يضع كلمة فى غير محلها، فالإسلام -كما يقدمه الذين يزعمون أنهم يدعون إليه ويجاهدون فى سبيله- يتصادم الآن مع الدنيا كلها. 

بدأ السيسى- كما يرصد حجازى - فتبنى الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى، لكنه أدرك أخيرًا أن ما نحتاج إليه ليس مجرد خطاب جديد، وإنما نحتاج لأصول جديدة نعرفها بالعقل قبل النقل ونقيمها على أساس من المقاصد والغايات، ونحترم فيها قانون التطور، ونلبى فيها مطالب البشر التى تتغير من مكان لآخر ومن زمان لزمان، أى نحتاج لثورة نخلص فيها الإسلام مما ألحقته به قرون التخلف وعصور الطغيان وأساطير الأولين والآخرين.

وعليه فلا شك فى أننا ننتظر من رجال الأزهر أن يكونوا هذا المرجع المأمول، وأن يكون لهم الدور الأول فى هذه الثورة الدينية، التى أصبحت بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت، وأن ينهضوا بما لم ينهضوا به من قبل. 

ويواصل حجازى فى ٢٨ يناير ٢٠١٥ بمقاله «نعم نحتاج إلى ثورة دينية»، بقوله: ليس جديدًا أن نتحدث عن تجديد الخطاب الدينى، فهو مطلب قديم تبناه الرسول ذاته وطالب المسلمين بتبنيه فى حديثه الذى يقول فيه «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام لهذه الأمة مَن يجدد لها دينها».

يتأمل حجازى هذا الحديث الشريف فيجده حافلًا بمعانٍ لم نكن ننتبه لها من قبل، وأول ما نفهمه من هذا الحديث أن الإسلام دين للمستقبل، فضلًا عن أنه للماضى والحاضر، إنه تراث نعتز به ونرجع إليه ونهتدى بهديه، لكنه فكر مفتوح واجتهاد دائم، نصحح به الماضى ونتقدم فى ضوئه نحو المستقبل، فالحياة الإنسانية لا تتوقف عن الحركة ولا تكف عن التطور والتغير، والتاريخ الإنسانى ليس كما كان يتصوره القدماء دورة حياة تبدأ وتشب وتشيخ وتموت، ولكن التاريخ تقدم مستمر، وخبرات تنضج شيئًا فشيئًا، ويكمل بعضها بعضًا، وهو عصور تأتى بعد عصور ويتحقق فيها ما لم يكن ممكنًا أن يتحقق من قبل.

ولا شك أن هذه المعانى- كما يقول حجازى - كانت حاضرة حية فى حياة المسلمين الأوائل التى انتشر فيها الإسلام وازدهر وأسس ملكه وبنى حضارته، لكنها تراجعت وغابت حين أصبح الحكم طغيانًا، والدين تجارة، والحياة قهرًا وإذعانًا، عندئذ أدار المسلمون ظهورهم للمستقبل وتنازلوا حتى عن الحاضر وفقدوا مكانهم فيه، وتخلوا عنه للذين زاحموهم ولجأوا إلى الماضى يبكون على أطلاله ويناجون الأسلاف الراحلين ويحاولون اللحاق بهم فلا يدركون حتى الغبار.

يرسم حجازى خريطة للوضع القائم الذى لا بد من الثورة عليه، فيقول: إن البشر يسألوننا ونحن لا نجيب، والبشر يتحررون من نظم العصور الوسطى، ويسقطون الدول الدينية، ويضعون حكامها المتألهين فى المتاحف، ويفصلون بين الدين والسياسة، ويقيمون دولهم الوطنية على أسس من روابطهم الدنيوية ومصالحهم المشتركة، فالجماعة الوطنية أو الأمة فى هذه الدول بمبادئها ومصالحها وحياتها التى تتطور على الدوام هى مصدر السلطة، وهى الحكام والمحكومون، لكن الخطاب الإسلامى لا يزال ينظر لهذه التطورات مبهوتًا غير مصدق، ولا يزال يقف أمامها مترددًا متلعثمًا يتظاهر بقبول الدولة الوطنية لكن بشرط ألا تكون مدنية، لأن السلطة فى الدولة المدنية للجماعة الوطنية أو للشعب، والخطاب الإسلامى السائد حتى الآن يريد أن تكون السلطة فى هذه الدولة لرجال الدين، وإن لم يستخدم هذا التعبير، لأن الإسلام لا يعرف السلطة الدينية المستقلة، وإذن فليس فيه رجال دين، وإنما هم علماء كما يقولون عن أنفسهم، نسألهم عما نريد معرفته من أمور ديننا فيجيبون دون أن تكون لهم سلطة يفرضون بها ما يريدون.

ويستكمل حجازى رؤيته فى مقال «الثورة الدينية أو داعش» وينشره فى ٢٥ فبراير ٢٠١٥. 

أعاد حجازى قراءة الكلمة التى وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسى لأصحاب الفضيلة علماء الأزهر الشريف فى الاحتفال الذى حضره معهم بمولد الرسول، وحدثهم فيه عن حاجتنا لثورة دينية طالبهم بأن يقوموا بها وإلا فسوف يشكوهم لله ويحاججهم أمامه يوم القيامة. 

رأى حجازى رئيس الدولة يطالب بتجديد الخطاب الدينى ويلح فى هذا الطلب، ثم رآه يرفع النبرة وينتقل من المطالبة بتجديد الخطاب إلى المطالبة بالثورة الدينية، وهذا فى حده ثورة لم يكن يتوقع أن تبدأها السلطة، وإن لم يستغربها، لأن السلطة القائمة إنما جاءت بثورة على جماعة فاشية خلطت الدين بالسياسة، وعملت على إسقاط الدولة الوطنية وتحويلها إلى ديكتاتورية دينية تضمن فيها بقاءها فى السلطة إلى ما شاء الله. 

يقول حجازى: بعد ثورة يونيو وسقوط ديكتاتورية الإخوان الدينية وانتخاب عبدالفتاح السيسى رئيسًا للجمهورية ودعوته رجال الأزهر لتجديد الخطاب الدينى، ودعوته بعد ذلك لثورة دينية تعيد للدين مكانه الحقيقى فى قلب المؤمن، وتحميه من أن يكون سلطة يمارسها البعض، أو سلعة يتاجر بها البعض، أو مظهرًا يستخدم للتمييز بين المواطنين، وتمنع من استخدامه ضد العلم أو ضد الفن أو ضد حقوق الإنسان وغيرها من صور النشاط والتعبير التى لا يصحح فيها الخطأ بالمنع والمصادرة، وإنما يصحح بالحوار والمناقشة والاحتكام للعقل والمنطق والقيم التى يعترف بها الجميع أو يمكن أن يعترف بهم الجميع، من المهم أن نتوقف عند معنى التجديد. 

فالدعوة لتجديد الخطاب الدينى- كما يذهب حجازى- فهمت فهمًا سطحيًا بقصد أو دون قصد، فالتجديد فى نظر البعض يتحقق بوضع مفردات حديثة محل مفردات قديمة، والتجديد فى نظر البعض الآخر يتحقق بالنص وحده ولو خالفه نص آخر بدلًا من أن يكون عقلية جديدة نقرأ بها كل النصوص ونفهمها على أساسها، وهناك من اعتبر التجديد نوعًا من الإحياء والاستعادة، وقد رأى بعض السادة أن تجديد الخطاب الدينى يتحقق بضبطه، وذلك بأن يضع المسئولون فى المؤسسات الدينية قواعد يلتزمها من يتصدون للخطابة أو للفتوى، وربما ظن البعض أن التجديد ليس أكثر من استخدام العامية فى الأحاديث الدينية محل الفصحى، ولا شك أن هناك كتابات أخرى عالجت هذه المسألة بما تستحقه من العلم والشعور بالمسئولية. 

كان حجازى فيما يبدو متعجلًا، يقول: غير أن شيئًا لم يتحقق حتى الآن فى الطريق لتجديد الخطاب الدينى، مناهج الدراسة فى المعاهد الأزهرية لم تتغير، وردود الأفعال الصادرة من مؤسساتنا الدينية على الجرائم التى يرتكبها الإرهابيون باسم الإسلام هى ردود الأفعال الموروثة، إنهم يبرئون التاريخ الإسلامى من حرق المخالفين، مع أن الوقائع المنسوبة لبعض الخلفاء معروفة ومشهورة وهم حريصون على تقديس الماضى أكثر من حرصهم على تأمين الحاضر وبناء المستقبل. 

ويتساءل حجازى: هل يتفق تجديد الخطاب الدينى مع تدليل الخطاب السلفى وإفساح المجال له ولمن يمثلونه دون أن يكونوا مؤهلين علميًا، ودون أن يكونوا ملتزمين فكريًا بخطاب دينى جديد يتفق مع حاجاتنا الراهنة؟ 

ويجيب حجازى: لا أظن أنا ولا يظن أحد غيرى أن الدولة الوطنية تهم السلفيين، أو أن الديمقراطية أو الوحدة الوطنية تهمهم، بالعكس مواقفهم دليل واضح على أن ما يربطهم بالإرهابيين أكثر وأقوى مما يربطهم بنا، معنى هذا أننا لسنا جادين فى الدعوة لتجديد الخطاب الدينى، فضلًا عن أن نكون جادين فى القيام بثورة دينية.. لكن الثورة الدينية آتية لا شك فيها.. لأن البديل هو نهايتنا.. إما الثورة.. وإما داعش.

وفى مقاله «الثورة الدينية.. أو الانقراض» الذى نشره حجازى فى ٤ مارس ٢٠١٥، يطرح سؤاله: لماذا أؤكد أن هذه الثورة الدينية قادمة ولا يخالجنى فى ذلك أى شك أو ارتياب؟

ويجيب: إن حياتنا التى ركدت قرونًا طويلة كانت انحطاطًا شاملًا فى كل مجال، فحالها لا ينصلح إذا غيرنا أوضاعنا فى مجال وتركناها كما هى فى مجال آخر. 

يشير حجازى إلى أننا ثرنا على دولة الإحوان التى لم تأتِ من فراغ، وإنما جاء بها الطغيان، والأمية، والجوع، والفساد. 

ولذلك فلا بد أن تستمر الثورة لنخلص أيدينا وأعناقنا ورءوسنا من هذه الأغلال، وإذن فالثورة الدينية آتية لا ريب فيها، لأن ثقافتنا عامة وثقافتنا الدينية خاصة- ثقافة متخلفة تتعارض مع الثورة السياسية التى قمنا بها ولا تتفق مع مطالب العصر الذى نعيش فيه، نحن نعيش فى عصر الجماعة الوطنية، والدولة المدنية، والنظم الديمقراطية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، ومؤسساتنا الدينية والمشتغلون بها والقائمون عليها يعيشون فى عصر الدولة الدينية، والتمييز الدينى، والسمع والطاعة، والتحريم والتحليل.

ويشير حجازى إلى أنه ينتظر من مؤسساتنا الدينية أن تراجع مواقفها السابقة من مسألة الخلافة، وأن تصدر بيانًا أو فتوى تغلق به هذا الباب الذى يدخل منه الإرهابيون، وتقول للمسلمين، إن الخلافة ليست ركنًا من أركان الدين، وليست حاجة من حاجات العصر الذى نعيش فيه، بل هى نظام سياسى كان يصلح للعصور الوسطى، وقد حلت محله الدولة الوطنية فى العصور الحديثة، لكن هذه الفتوى لم تصدر حتى الآن، بل نحن نرى أن مؤسساتنا الدينية تبتعد عن العصور الحديثة بقدر ما نحتاجه نحن للاقتراب منها، وأنها تتراجع للوراء بقدر حاجتنا لأن تتقدم إلى الأمام.

ويختم حجازى مقاله بقوله: إننا مهددون بالانقراض أو بوضع لا يختلف كثيرًا عن الانقراض، لأننا لا نستخدم عقولنا كما يستخدم الآخرون عقولهم، ولا نستثمر ثرواتنا كما يستثمر الآخرون ثرواتهم، ولا نُنمى طاقتنا لنعرف ما نجهله وننتفع بما لم نكن ننتفع به، بل نحن نبدد طاقتنا ونفقد ما استطعنا أن نحصله فى القرنين الآخيرين من ثقافة العصر الحديث وعلومه وفنونه، ونرجع القهقرى إلى ما كنا عليه فى عصور الظلام ونحن إذن مهددون بالانقراض، ولأننا مهددون بالانقراض فالثورة الدينية آتية لاريب فيها. 

بعد ما يقرب من عام ونصف العام يعود أحمد عبدالمعطى حجازى إلى قضيته، ويطرح هذه المرة فى ٢٢ يونيو ٢٠١٦ سؤالًا مهمًا هو: «لماذا فشلنا فى تجديد الخطاب الدينى؟».

يقول: الواقع الذى نعيشه يتطور كل يوم، ويتغير ويتبدل، والخطاب الدينى هو هو يعمل خارج الواقع، وخارج التاريخ، لا يتطور، ولا يتغير، ونحن بينهما نتمزق ونفقد وعينا بأنفسنا، لا نعرف لأيهما ننتمى، ماضٍ متخيل أو متوهم يشدنا إليه أسلافنا بخطابهم الموروث، وحاضر مستعار منقول عن الآخرين نستورد مظهره، ونرفض جوهره، ننشئ دولة مستقلة لا نستطيع أن نحدد هويتها أو طبيعتها، هل هى دولة دينية أو إسلامية، كما يقول شيخ الأزهر ومن يتفقون معه؟ أم هى دولة وطنية مدنية، كما نقول نحن، أو كما نريد أن تكون؟ هل نحن مصريون كما نسمى أنفسنا أحيانًا، أم نحن مسلمون فى ناحية، ومسيحيون فى ناحية أخرى؟ وبصراحة أكثر مسلمون وذميون؟

ويضيف: ولأن الخطاب الدينى السائد يتناقض مع الواقع الراهن الذى نعيشه، ولأن هذا الخطاب يحشر أنفه فى كل قضية، وفى كل مجال، فالخطوات التى نخطوها فى الطريق إلى حضارة العصر خطوات مرتبكة مترددة متعثرة، لا نتمكن فيها من تحقيق مكاسب نهائية حاسمة، وإنما هى غارات كغارات البدو نقوم بها فى بعض المراحل، أو عندما يشتد الجوع، أو تتهيأ الفرصة، ثم نتقهقر بعدها ونعود إلى حيث كنا قبل أن نخطو أول خطوة.

وفى عتاب يقول حجازى: قد يظن البعض وقد أصبح تجديد الخطاب الدينى مطلبًا مُلحًا، وقضية يومية مطروحة، أن حاجتنا لتجديد الخطاب الدينى اكتشاف جديد لم نعرفه من قبل، غير أن المهتمين بتاريخنا الحديث، وما طرح فيه من أسئلة، وما رفع من شعارات، يعرفون أن تجديد الخطاب الدينى كان مسألة مطروحة منذ أوائل القرن التاسع عشر. 

وقبل أن يصل إلى الإجابة عن سؤاله: لماذا فشلنا فى تجديد الخطاب الدينى؟ 

 الذين ينكرون على البهائيين حقوقهم التى يكفلها لهم الدستور إرهابيون والذين يمنعون المسيحيين من بناء كنائسهم أو ترميمها إرهابيون والذين يخرجونهم من ديارهم ويخيرونهم بين الهجرة والموت إرهابيون

يقول: هناك من يظن أن الإرهابيين هم وحدهم الذين يخرجون علينا وعلى الدولة بالسلاح، يلغمون الطرق، ويفخخون السيارات، ويهاجمون رجال الشرطة والجيش، وهذا ظن سيئ يخلط فيه أصحابه بين الإرهاب والأدوات والوسائل المستخدمة فى الإرهاب، فمؤكد أن الذى يحمل السلاح ضد الدولة والمجتمع إرهابى، لكن الذى يعتدى على قوانين الدولة، ويمتهن رموزها، ويسقط شعاراتها إرهابى كذلك، الذين ينكرون على البهائيين حقوقهم التى يكفلها لهم الدستور إرهابيون، والذين يمنعون المسيحيين من بناء كنائسهم أو ترميمها إرهابيون، والذين يخرجونهم من ديارهم ويخيرونهم بين الهجرة والموت إرهابيون يؤدون فى الإرهاب دورًا معلومًا هو إثارة الفوضى، وإسقاط هيبة الدولة، والخروج على القانون، وتحريض الناس، وإعدادهم للالتحاق بمعسكر العنف والإرهاب.

ثم يعيد طرح السؤال: لماذا فشلنا حتى الآن فى تجديد الخطاب الدينى؟

ويجيب: لأن تجديد الخطاب الدينى أصبح تهمة يسمونها «ازدراء الأديان». 

يواصل حجازى كتاباته عن تجديد الخطاب الدينى فى العام ٢٠١٦ فيكتب فى ٢٩ يونيو عن «قراءة الواقع قبل قراءة النصوص». 

يقول: نحن نظن أو كثيرون منا أن تجديد الخطاب الدينى لا يتطلب إلا بعض المواعظ الحسنة، وبعض الفتاوى المتساهلة التى نوفر بها للمسائل التى جدت فى حياتنا غطاءً دينيًا، كالفوائد المصرفية، وتولى المرأة بعض المناصب، وزرع الأعضاء، ولهذا نتجه بطلبنا إلى علماء الأزهر، لأن الفتوى الدينية هى تخصصهم العلمى وهى نشاطهم المهنى الذى يمارسونه، بما يملكونه من نصوص موروثة هى ذاتها النصوص التى نشكو من تحجرها وعجزها عن التجاوب مع روح العصر والإجابة عن أسئلته، لكن هؤلاء السادة يتحايلون أحيانًا على هذه النصوص التى تختلف فيما بينها، وتحتمل أكثر من قراءة ويستخرجون منها ما يريدون أو يريده السائل طالب الفتوى، خاصة إذا كان صاحب جاه أو سلطان.

ويضيف: تجديد الخطاب الدينى بهذه الطريقة لا يمكن أن يتحقق، لأن الخطاب الدينى ليس مجرد نصوص محايدة ننطقها بالمعنى وبعكس المعنى، وإنما هى تعبير عن عقلية، وهى نتاج لعصر مضى وانقضى وأصبحنا فى عصر آخر له مطالبه وله خبراته والتزاماته العملية والأخلاقية، التى يجب أن تكون هى مدخلنا فى فهم الواقع وفهم النصوص وليس العكس، فنحن لن نفهم الواقع ولن نجيب عن أسئلته بخطاب دينى نكتفى بترقيعه أو ترميمه، وإنما نحتاج لخطاب دينى جديد يبدأ من التسليم بما جد فى الواقع من حقائق انتقلنا بها من عصر إلى عصر آخر، فلا بد من الاعتراف بها والانطلاق منها.

فى العام ٢٠١٧ يعتبر حجازى أن تجديد الخطاب الدينى مسألة حياة أو موت، ويعتبر أن الكل مسئول عن هذه المسألة، وهو ما جاء فى مقاله بعنوان «كلنا مسئولون عن تجديد الخطاب الدينى»، وكتبه فى ١٩ يوليو، ليؤكد أن كل مؤسسات الدولة مسئولة عن تجديد الخطاب الدينى وليست المؤسسة الدينية وحدها، لأن الخطاب لا يتجدد بفتوى دينية، وإنما يتجدد باحترام الأفكار والمبادئ والقواعد التى وصلت إليها البشرية المتحضرة فى هذه العصور الحديثة وإحلالها محل الذى تخلف وتحجر وفقد قيمته وأصبح قيدًا وعبئًا يمنعنا من التفكير والحركة.

وفى ١١ أكتوبر ٢٠١٧ يكتب حجازى مُعتبرًا أن «تجديد الخطاب الدينى تجديد للإسلام». 

وفى ذلك يقول: تجديد الخطاب الدينى معناه تجديد علاقتنا بالدين، وبدلًا من أن تكون هذه العلاقة محاكاة للذين عاشوا فى العصور الماضية تصبح فهمًا جديدًا يتجاوب فيه جوهر العقيدة مع حاجات العصور الحديثة وقيمها الإنسانية، ونحن نعرف أن فى كل عقيدة جوهرًا وشكلًا.

من هذا المنطلق يطالب حجازى بتجديد الخطاب الدينى، ليس فقط لأن تجديده يحررنا ويفتح أمامنا طرق الحياة فى هذا العصر ويلبى حاجتنا للشعور بأن مطالبنا الدنيوية لا تتعارض مع عقيدتنا الدينية، ولكن لأن تجديد الخطاب الدينى بالإضافة إلى ما سبق، يجدد الإسلام ويمكن له أن يحيا فى هذا العصر حياة جديدة. 

ويعود حجازى فى ٢٥ أكتوبر ٢٠١٧ ليسأل: تجديد الخطاب الدينى.. لماذا؟

ويتساءل ربما بحيرة: هل نحن على يقين من إدراكنا الأسباب التى تدعونا لتجديد الخطاب الدينى وتجعل هذا التجديد مطلبًا حيويًا وشرطًا جوهريًا للخروج من أزماتنا الخانقة التى تحاصرنا فى كل مجالات حياتنا التى انقلبت أوضاعها خلال العقود الستة الماضية رأسًا على عقب، وما زلنا فى هذه الأزمات نتدافع بالمناكب لاهثين يطلب كل منا النجاة بنفسه ولا نتوقف لنرى ما حدث لنا ونعرف أسباب هذا الذى حدث ونتائجه ونراجع مواقفنا ونحدد مسئوليتنا المشتركة ونتعلم من أخطائنا؟

فعل حجازى ذلك لأنه رأى أن هناك من يشكك فى حاجتنا إلى التجديد، استعرض ما جرى لنا تاريخيًا، وما جرّته تصرفاتنا على معنى الإسلام الذى أصبح غريبًا، ليقول لمن لا يدرك ذلك إن تجديد الخطاب الدينى أصبح ضرورة.. لا مجرد رفاهية. 

وحتى يؤكد جدية ما يقوله، يكتب فى ١ نوفمبر ٢٠١٧ أنه ليس بالفتوى وحدها يتجدد الخطاب، فهناك من يتصورون أن تجديد الخطاب الدينى لا يتطلب إلا بعض الفتاوى التى يمكن أن يوفق فيها أصحابها بشىء من التسامح بين النصوص التى يرجعون إليها وبين الأسئلة والاستفسارات التى تتصل بالحياة الشخصية أو بالقضايا العامة، وبناءً على هذا التصور يصبح تجديد الخطاب الدينى مفردات متناثرة، ووظيفة يمكن أن تتحول إلى سلطة تختص بأدائها جهة بالذات.

يرفض حجازى هذا التصور ويقول: نحن فى أشد الحاجة لتجديد الخطاب الدينى، نريد خطابًا دينيًا يدافع عن الدولة الوطنية وعن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتجديد الخطاب الدينى ليس اختصاصًا وظيفيًا أو مهنيًا ولكنه واجب وطنى يشارك فيه الجميع، وتجديد الخطاب الدينى لا يكون بإصدار الفتاوى بل بفكر جديد نميز فيه بين أمور الدنيا وبين أمور الدين.

ولا يغادر حجازى العام ٢٠١٧ إلا وهو يكتب بشكل واضح فى ٢٩ نوفمبر أن الخطاب الدينى الراهن هو أصل الداء. 

وبجرأة شديدة يقول: إذا كنا نريد أن نضع أيدينا على الفاعل الحقيقى، فهو الخطاب الدينى المسموم الذى فشلنا حتى الآن فى الخروج منه وفى الوصول إلى خطاب دينى جديد يجسد قيم الحرية، والعقلانية والتسامح، والإخاء الإنسانى، والعدالة التى تزخر بها ينابيع الإسلام الأولى كما تزخر بها الينابيع الأولى فى كل الديانات والثقافات الإنسانية.

ويتساءل: ما الذى يقوله الخطاب الدينى الموروث الذى لم نستطع أن نخرج من أسرِه حتى اليوم؟ 

ويجيب: إنه يقول ما يقوله السلفيون، والإخوان، وإخوان الإخوان، وغيرهم من جماعات الاسلام السياسى، سواء ما كان يحمل منها السلاح وما يتظاهر بالاستغناء عنه، لأن حمل السلاح فى نظر هذه الجماعات فرض كفاية، وليس فرض عين، فإذا حمله البعض أناب عن البعض الآخر وأغنى، هؤلاء وهؤلاء يكرهون الدولة الوطنية كراهية التحريم ويطالبون فى السر والعلن بهدمها وإحياء الخلافة، أى إحياء الحكم المطلق الذى يعتبرونه تطبيقًا للحاكمية والحاكمية لله، أما الديمقراطية التى هى الأساس فى الدولة الوطنية فهى حكم الشعب، وإذن فهى فى نظرهم شرك وتقليد للكفار. 

 

يقترب حجازى أكثر من الخطاب الذى يعتبره أصل الداء، فيقول عنه: الخطاب الدينى الموروث يعلن الحرب على المختلفين ويسميها جهادًا فى سبيل الله، والمختلفون الذين يحاربهم هذا الخطاب ليسوا أتباع الديانات الأخرى فحسب، بل هم أيضًا أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، السنة يحاربون الشيعة، والشيعة يحاربون السنة، والجميع يحاربون الجميع، وهو خطاب لا يعترف إلا بنفسه، فهو مع الماضى ضد الحاضر، ومع النقل ضد العقل، وهو لهذا يصادر التفكير الحر ويحارب الخلق والإبداع والتجديد ويعتبرها كلها إلحادًا وزندقة، وهذا الخطاب الدينى الذى تدين به جماعات الإسلام السياسى بوجوهها المختلفة وأقنعتها المتعددة لا يرى فى المرأة إلا كائنًا نجسًا مخلوقًا للنشاط النجس، سواء كان ذلك بعقد قانونى، أو كان سرقة واغتصابًا، فإذا كان هناك عقد فالمرأة فراش ومطية، وإذا لم يكن عقد فهى أحبولة الشيطان. 

فى ١٢ فبراير ٢٠٢٠ يسأل أحمد عبدالمعطى حجازى فيما يبدو يائسًا بعد كل الكتابات التى كتبها فى مسألة تجديد الخطاب الدينى خلال السنوات الماضية: هل آن أوان تجديد الفكر الدينى؟

وهو سؤال طرحه بمناسبة مؤتمر عقده الأزهر الشريف تحت عنوان «تجديد الفكر والعلوم الإسلامية». 

يقول حجازى: عنوان المؤتمر يثير الشعور بالتفاؤل، لأنه يتحدث عن تجديد الفكر، وتجديد الفكر معناه مراجعة ما نقوله ونردده ونتبعه بحكم العادة وبصرف النظر عن جدواه ومعقوليته واتفاقه واختلافه مع الواقع الذى يتطور ويتغير بصورة دائمة ومع أهداف الشريعة ومقاصدها التى لا تتصادم مع حقوق الإنسان وحريته المسئولة، وإذا كان تجديد الفكر يعطينا الحق فى مراجعة ما نحن فيه فهو يفتح لنا باب الاجتهاد للوصول إلى إجابات للأسئلة التى يطرحها الواقع الذى لا نستطيع أن نتعرف عليه إلا فى مناخ يسمح بطرح السؤال وتقديم الجواب الذى يفسح المجال لأسئلة جديدة وإجابات جديدة، وبهذا يتجدد الفكر ويتطور الواقع، ومن هنا نشعر بالتفاؤل حين نرى مؤتمرًا عالميًا يقيمه الأزهر تحت هذا العنوان الذى يتحدث عن تجديد الفكر والعلوم الإسلامية.

لم يكن التفاؤل مطلقًا، فهناك ما يخيف حجازى دائمًا، ولذلك قال: لكننا ننظر فى هذا العنوان فنراه عنوانًا جامعًا يتسع لكل شىء ويحتاج لتضييق أو تحديد أو تفسير نعرف منه أى علوم يقصدها، وإلا فالعلوم الإسلامية عقائد وشرائع، وأصول وفروع، عقل ونقل، تفسير وحديث، ومذاهب وفرق.. هذه العلوم لم يدخلها جديد يذكر ولم تخضع لمراجعة طوال الأعوام الألف التى مضت من القرن العاشر الميلادى إلى الآن.. فهل تتجدد فى مؤتمر ينعقد فى يومين اثنين؟

لم يفقد أحمد عبدالمعطى حجازى شغفه ولا اهتمامه بقضية تجديد الخطاب الدينى. 

يعلن بوضوح فى ٤ يونيو ٢٠٢٥ أن «تجديد الفكر الدينى فريضة»، ويقدم لرؤيته التى يمكن أن نعتبرها شاملة بقوله: إننا فى حاجة دائمة للدين، ولكى نلبى حاجتنا للدين يتوجب علينا أن نعرفه على النحو الذى يستطيع به الدين أن يلبى حاجتنا له، أى أن يجيب عن أسئلتنا التى تتجدد على الدوام، ونحتاج فيها أو فى بعضها لإجابات تتفق مع تعاليم ديننا أو لا تتعارض معها. 

ويضيف: فإذا كانت هذه الأسئلة تتجدد فى هذه العصور الحديثة التى تتجدد فيها الحياة، وتتطور على الدوام، فلا بد لها من إجابات تتجدد على الدوام، وهى إجابات لا تتاح إلا لمن عرف الإسلام بعمق وإخلاص فى أصوله وفروعه، فى نصوصه الأولى، وفيما قدمه المسلمون بأجيالهم المتتالية فى فهمها وتفسيرها، وفى الإجابة عما تطرحه من أسئلة، والتمييز فيها بين المطلق والنسبى، بين الحكم ومصادره، وبين المقاصد التى تظل مقاصد، والوسائط التى تتحول مع تحولات الزمان والمكان لتظل وفيّة للمقاصد فى كل وقت وكل ظرف. 

ويضع لنا حجازى خلاصة ما يريده فيما يتعلق بتجديد الخطاب الدينى كله، بقوله: نحن مسلمون.. والإسلام ليس دين الماضى وحده، وإنما هو دين للحاضر وللمستقبل، كما كان دينًا للماضى، ولا شك أنه سيستفيد بالحاضر والمستقبل، لأن تجاربه ستتوالى ومعارفه ستزداد، وهو روح تنفعل بها روح المسلم، فتتجلى وتتألق، ويتجلى بها الإسلام ويتألق، والمعنى الذى يجب أن نفهمه من هذا هو أن الإخلاص للحاضر والمستقبل هو حاجة من حاجات الإسلام، ويترتب على هذا أن تجديد الخطاب الدينى فرض يفرضه الإسلام نفسه على من يعتنقونه، وليس فقط حاجة للمسلمين.