الخميس 14 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

تحرير العقل المصرى.. نحو عقد أكبر مصالحة بين العلم والدين

حرف

- المصالحة لا بد أن نعمل عليها برؤى نقدية واضحة للرافدين

- لن ننهض إلا بجعل العقل منفتحًا على العلم والدين بلا تناقض

لدىّ قناعة تصل إلى مرحلة اليقين بأننا نستطيع أن نتفق تمامًا على ما لا نريده. 

وهى القناعة التى تنافس قناعة أخرى فى أننا لا نستطيع أن نتفق أبدًا على ما نريده. 

ترسخت عندى هذه القناعات مرتين على هامش الأحداث التى عصفت بمصر بعد أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١. 

فخلال الثمانية عشر يومًا التى ظل المصريون فيها بالشارع هاتفين ومعتصمين، كنا نتفق جميعًا- تقريبًا- على أننا لا نريد مبارك ولا نظامه ولا أيامه، وبعد أن تخلى الرئيس عن منصبه، وتحقق لنا مرادنا الذى اتفقنا عليه، اختلفنا على ما نريده فيما بعد مبارك. 

وفى ٢٠١٣ كان هناك شبه إجماع على أننا لا نريد أن تستمر جماعة الإخوان فى الحكم، ونزل المصريون يهتفون فى مختلف المحافظات يطالبون بسقوط حكم المرشد، وعندما تم خلع الإخوان فى ٣ يوليو ٢٠١٣، وقبل أن تبرد الهتافات فى حلوقنا، اختلفنا على ما نريده، بل أصبح البعض يشكك فيما جرى، وجرت توصيفات كثيرة مختلفة ومتباينة ومتناقضة له، وبعد أن كنا صفًا واحدًا، اختلفنا وتفرقنا وتم شق الصف، ليس بمشرط جراح، بل بساطور جزار. 

هذه القناعة يمكن أن تسير على أمورنا الصغيرة والكبيرة معًا، لا فرق بينهما أبدًا. 

عادت إلىّ ظلال هذه القناعات عندما كنت أتابع ما يدور فى مجتمعنا من جدل خلّفته وراءه ظاهرة «الطيبات»، التى أطلقها ضياء العوضى علينا فيما يخص ما يسمى التغذية العلاجية.. ثم مات، تاركًا خلفه مريدين ودراويش وحاملى راية لفكرته، مطالبين بتطبيقها ومهاجمين كل من يعترض عليها أو يرفضها. 

لو تحدثت مع المختلفين حول هذه الظاهرة- المؤيدين والمعارضين- وسألتهم عما يريدون، سيقولون لك إننا نريد أن نحارب الخرافة، ألا نستسلم للجهل، ويمكن أن يقولوا أيضًا ما يمكننا اعتباره شعارًا، وهو «تحرير العقل المصرى». 

يمكنا أن نتفق على هذا بسهولة، لكننا نختلف فيما نعنيه بتحرير هذا العقل، شكله، موضوعه، السجن الذى نريد أن نهدمه ونطلق العقل من بين أسواره.. الطريق الذى يجب أن نسلكه ونسير فيه. 

جرب فقط أن تقرأ أدبيات كل اتجاه فكرى أو سياسى فى مصر الآن، أو حتى قبل الآن، ستجد أن هناك حديثًا طويلًا عن ضرورة تحرير العقل واحترامه. 

لدينا فى مصر- ويمكن أن تقول إن هذا ينصرف أيضًا على عالمنا العربى- أكثر من صراع. 

لكن الصراع الأكبر الذى يشغلنا ليل نهار دون أن نجد فى نهاية نفقه أى ضوء، هو الصراع بين السلفيين والعلمانيين، وهو صراع لا يمكن أن ينكره أحد، فعلى محيطه تتحرك كل نقاشاتنا وحواراتنا وأفكارنا وشجارنا واقتتالنا. 

يرى السلفيون أنه لا بد من تحرير العقل المصرى من ضلالات العلمانيين، الذين يناصبون الدين العداء، ويصب كل ما يقولونه أو يقومون به فى خانة واحدة، وهى نفى الدين عن المجتمع، وفى هذا السياق يُلحقون بالعلمانيين كل الاتهامات التى تصل فى نهايته إلى الكفر الكامل، والعداء لله ورسله وكتبه واليوم الآخر. 

ولو راجعنا المعارك الفكرية والثقافية لقرن مضى، سنجد أن التكفير لحق بقاسم أمين عندما أعلن عن انحيازه للمرأة، من خلال كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، وحاصر على عبدالرازق عندما أصدر كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، ونال من طه حسين عندما أصدر كتابه «فى الشعر الجاهلى»، وحطم مشروع منصور فهمى الذى ناقش أوضاع المرأة فى الإسلام من خلال رسالته للدكتوراه التى نالها من السوربون، وتم نفى محمود أبورية عندما عمل على دراساته فى «الحديث المحمدى» و«أضواء على السنة المحمدية»، وتم التنكيل بمحمد أحمد خلف الله عندما قدم دراسته عن «الفن القصصى فى القرآن»، ولم يتوقف الأمر عند حدود التنكيل به، بل تم منع أستاذه أمين الخولى من التدريس فى الجامعة، وتم تدمير مدرسة التفسير الأدبى للقرآن التى كانت تعمل من خلال قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة. 

وما حدث مع هؤلاء حدث مثله مع مفكرين شهدنا على ما جرى لهم، جرى تكفير توفيق الحكيم عندما كتب أحاديثه مع الله فى جريدة الأهرام، وتم إجباره على تغيير عنوان مقالاته من «حديث مع الله» إلى «حديث إلى الله»، فلا يحق لأحد أن يتحدث مع الله، حتى لو كان هذا من باب الخيال. 

توفيق الحكيم
توفيق الحكيم

طارد المتطرفون فرج فودة فقتلوه، وحاولوا ذبح نجيب محفوظ، ولم يهدأ لهم بال إلا بعد أن أجبروا نصر حامد أبوزيد على أن يغادر مصر بعد أن صدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، وتم حصار الكاتب والباحث خليل عبدالكريم بسبب دراساته عن التاريخ الاجتماعى لمجتمع الصحابة، وحتى الآن لا يسلم الدكتور يوسف زيدان، فهو متهم طوال الوقت لا لشىء إلا لأنه يفند ويناقش ويعارض ما استقر عليه الفكر السلفى. 

نصر حامد أبو زيد
نصر حامد أبو زيد

دفع هؤلاء جميعًا- وغيرهم كثيرون بالطبع- من المفكرين ثمنًا باهظًا، ليس من استقرارهم وأمنهم الشخصى، ولكن من سمعتهم، فقد تمت أكبر عملية تشويه لهم فى تاريخنا الفكرى، رغم أن منهجهم -من وجهة نظرهم- كان يقوم على الإعلاء من شأن العقل، وعدم استسلامه لما ورثناه من أسلافنا، فنحن قادرون على التفكير لزماننا، كما كان السابقون قادرين على التفكير لزمانهم. 

على ضفة النهر الأخرى المواجهة لهؤلاء، سنجد هؤلاء المفكرين يتهمون المتمسكين بالفكرة السلفية بالجهالة والاستسلام للجمود، ويطالبون بتحرير العقل المصرى من الخرافات التى لحقت به، جراء سيره المستسلم لأفكار هؤلاء وخطبهم ووعظهم وسلوكهم ومشروعهم عن الدين وفيه، وهو المشروع الذى يرونه مجرد مشروع استغلال للدين لا لخدمته، ويطالبون بنفيهم تمامًا، ففى حديثهم- أى حديث لهم مهما كان صغيرًا أو كبيرًا- خطر داهم على المجتمع وتطوره وتحديثه. 

غالى شكرى
غالى شكرى

المشكلة أن هذا الدين بمعناه المطلق والنسبى، أيضًا، هو ضحية هذا الصراع، فما بين أيدينا فى الحقيقة ليس إلا دينًا مشوهًا تمامًا، لا نكاد نتعرف عليه، ولا يمكننا أن نحكم على ما يخصه وما يتشكل منه، فهل هو الدين الذى جاءنا من عند الله؟ أم أنه من نتاج البشر الذين يتصارعون حوله؟ وكل طرف يتعامل معنا على أنه يتحدث باسم الدين الصحيح الحق، وما عداه يجدف فى حق الله وفى حق دينه. 

إننى أعمل منذ سنوات على مشروع، أعتقد أنه يقترب من مرحلة الاكتمال، وهو رصد لما قدمه المفكرون العلمانيون من اجتهادات يمكن أن نعتبرها مسارًا مهمًا من مسارات تجديد الخطاب الدينى، وقد لاحظت وأنا أعمل على تجارب هؤلاء، أنها جميعًا لم تسلم من النقد، ومن محاولات الطمس والتشويه والنفى والاتهام بكل ما يتناقض مع الدين، بعضهم استسلم وأوقف مشروعه، وبعضهم قرر أن يستكمل طريقه مهما كان الثمن الذى يمكن أن يدفعه؛ ليثبت أن ما يقوله صحيح وحق ويصب فى مصلحة الدين. 

وقد خرجت بقناعة واضحة- بالنسبة لى على الأقل- وهى أن آفتنا الحقيقية التى نعانى منها ليست- كما قال نجيب محفوظ- النسيان، ولكن آفتنا على وجه التحديد التعصب. 

إننا نأخذ على من نسميهم السلفيين أو المتزمتين أو المتجمدين أو الرجعيين أنهم متعصبون لأفكارهم، لا يتنازلون أبدًا عن آرائهم وأفكارهم، يعتبرون أن ما لديهم هو الحق المطلق، وما يقوله غيرهم هو الباطل المطلق، يتعالون بما لديهم على الآخرين، ولا يقبلون نقاشًا أو نقدًا لما يقولونه على منابرهم أو فى كتبهم. 

لكن التجربة تخبرنى بأن هذه الآفة نفسها تمرح فى عقول المفكرين العلمانيين الذين يطالبون بتحرير العقل، وجعله أكثر قدرة على ممارسة دوره فى النقد، إنهم هم أيضًا متعصبون لآرائهم وأفكارهم وما يقولونه، ويعتبرونه حقًا مطلقًا، وما يقوله الآخرون باطلًا مطلقًا، بل يتعالون بما لديهم على الآخرين. 

مصطفى محمود
مصطفى محمود

المصيبة التى يعانى منها الفكر فى مجتمعاتنا، أننا نعانى من ثنائية واضحة. 

التعالى بالإيمان من قبل السلفيين. 

والتعالى بالعقل من قبل العلمانيين. 

وبين التعاليين تضيع الحقيقة، ويتوه الناس الذين يكتفون مما يقرأون بالبحث عن طريق يسلكونه، يكون بسيطًا وممهدًا ليعيشوا حياة مناسبة لا قلق فيها ولا توتر، بعيدًا عن تعقيدات الجدل الفكرى الذى يتحول إلى جدل عقيم معظم الوقت.. فهؤلاء يحتاجون لمن يكون رفيقًا بهم ويعبر بهم إلى مرفأ آمن، فيكفيهم ما يجدون فى الحياة من عنت ومشقة. 

كنت أتابع ندوة مسجلة يتحدث فيها الناقد والكاتب الكبير غالى شكرى، ووجدته يطرح سؤالًا مهمًا عن ماهية التنوير، ما هو، وكيف يمكن التمكين له فى مجتمعنا؟ 

طرح غالى شكرى رؤيته، وطرح المشاركون فى الندوة التى كان يتحدث فيها أفكارهم، وقالوا ما لديهم، تتفق معه أو تختلف، لكن هذا هو رأيهم. 

وجدتنى أقف على بعد خطوة من هذا الحديث لأكتشف أننا لدينا ما يمكن اعتباره مهزلة. 

فكلمة «التنوير» ليست حكرًا على أحد. 

السلفيون لديهم رؤيتهم فى التنوير، أطلقوا علينا منذ سنوات كتابات وخطبًا أطلقوا عليها «التنوير الإسلامى»، وهو تنوير بالنسبة لهم يتم من خلال الدين. 

وفى الوقت نفسه نجد لدى العلمانيين تأكيدًا أنهم مَن يقدرون وحدهم على رفع راية التنوير وقيادة كتائبه. 

وتحول التنوير فى لحظة إلى معنى يتصارع عليه المختلفون، وكل طرف لديه المعنى الخاص به، والطريقة التى يعتقد أنها متفردة، والقادرة على إنقاذ الناس وهدايتهم، ومرة ثانية نجد التنوير يتم عند السلفيين بالدين، ويتم عند العلمانيين بالعقل. 

بدا هذا الأمر واضحًا أمامى فى الجدل الهائل حول ما كان يقوله ضياء العوضى، لكن كان هناك تطور هائل، فقد خلط الاتجاهين معًا، السلفى والعلمانى فى مزيج واحد. 

فهو أستاذ دكتور فى كلية الطب جامعة عين شمس، أى أنه خارج من دائرة العلم التى لا يستطيع أن يشكك فيها أحد، يحشر بين كلماته مصطلحات إنجليزية، يتحدث عن بحوث ودراسات وتجارب. 

وفى الوقت نفسه لا يتردد فى أن يقدم ما يعتبره علمًا على جناح آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وهو فى اعتقادى ما أدى إلى أن يتبعه كثير من الناس، فهو خلطة جديدة يتجاور فيها العلم والدين ببساطة خالت على الناس فصدقوها. 

الحقيقة أن ضياء العوضى لم يكن خلطة جديدة تمامًا فى هذا السياق. 

سبقه إليها الدكتور مصطفى محمود، الذى وضع عنوانًا واضحًا لخلطته التى كان يقدمها عبر التليفزيون المصرى، وهى خلطة «العلم والإيمان»، وإن كان الإنصاف يقتضينا أن نقول إن مصطفى محمود يختلف بشكل كبير فى صياغة خلطته عن ضياء العوضى. 

فمصطفى محمود كان يقدم خلطته المبتكرة على سبيل العرض، لم يكن يتبنى ما يقدمه من آراء على وجه اليقين، أو أنها حكم مطلق يجب أن يأخذ به الناس، لكن العوضى كان يتحدث بيقين، ما يقوله هو الصحيح الكامل والتام والمطلق، وقد يكون هذا بتأثير حالة العقل المصرى. 

ففى عصر مصطفى محمود كانت لدى هذا العقل بقايا من قدرة نقدية ومقدرة على الفرز، كما كان هو ابن الشك. 

أما فى عصر ضياء العوضى، فالعقل المصرى تقريبًا بسبب ما تراكم عليه أصبح سلفيًا جامدًا متجمدًا لا قدرة عنده لا على النقد ولا على الفرز.. كما أن العوضى هو ابن اليقين الذى شكلته التكنولوجيا ودعمته حالة العقل الكسولة والمتكلسة. 

إننا جميعًا نريد تحرير العقل المصرى، لكن هل هناك اتفاق على ماهية هذا التحرير؟ 

أعتقد أننا مختلفون تمامًا فى مقاصدنا وأهدافنا، حتى فى معنى تحرير العقل، ولذلك حتى نخرج من هذه الورطة، فلا بد أن نقوم بعقد أكبر عملية مصالحة بين العقل والدين، وهى المصالحة التى لا بد أن نعمل عليها برؤى نقدية واضحة للرافدين، لا لرافد واحد منهما دون الآخر، أن ننبذ التعصب من طريقة تفكيرنا، وألا ننحاز لأنفسنا ولِمَ نعتقد أنه صحيح، فمؤكد أن لدينا جميعًا قصور لا بد من إصلاحه. 

ليس من حق أحد أن ينفى الدين تمامًا من حياتنا، فهو ليس ديكورًا يضعه الناس فى حياتهم، بل هو احتياج نفسى، قبل أن يكون تكليفًا من السماء. 

وليس من حق أحد أن ينفى العلم ويعتبر أنه عالة على البشرية، يبعد الناس عن ربهم ويجعلهم يتعالون عليه، فلا سبيل لأى نهضة أو تقدم دون العلم. 

أعرف مفكرين كبارًا حاولوا التوفيق بين الدين والعلم، لكنها للأسف الشديد تحولت من محاولات توفيقية إلى محاولات تلفيقية، ما أضر العلم والدين فى آن واحد. 

أعرف أن المهمة صعبة، تحتاج إلى عقول حرة فى الأساس، لكنها مهمة، لأننا لن نستطيع أن ننهض أو نخرج من مأزقنا الحضارى إلا بجعل العقل منفتحًا على العلم والدين بلا تناقض ولا تضاد ولا صراع. 

فهل نستطيع أن نفعل ذلك؟ 

أتمنى.