الخميس 30 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

الجهاد الأكبر.. كيف نواجه كل هذا الجهل فى مجالنا العام؟

حرف

- حالة على الحجار لا تقول إن ما كان يقوله العوضى صواب

- السبب الأساسى فى هذه الحالة من الجهل العام هو تدهور التعليم

هنا وفى هذه الزاوية التى نلتقى من خلالها أسبوعيًا، قدمت اقتراحًا محددًا منذ شهور بإنشاء «هيئة قومية لمكافحة الجهل العام». 

وقتها كنت قد رصدت عدة نقاشات دارت فى المجال العام، وبدا منها أننا جميعًا نتحدث خلالها دون علم أو معرفة، لأننا أصبحنا نتناول الشئون العامة دون أن تكون لدينا معلومات كافية لتكوين رأى أو وجهة نظر، ولذلك يأتى كلامنا تعبيرًا عن حالة من الجهل العام، التى لا تليق بشعب كان فى يوم من الأيام مصدرًا للعلم ومنبعًا للمعرفة ليس لنفسه فقط ولكن للعالم كله. 

واقترحت تحديدًا أن تكون هذه الهيئة تابعة لمجلس الوزراء، تضم فى عضويتها متخصصين فى كل المجالات، يكون من وظيفتها أن تكون لديها مجموعات رصد سريعة للمعلومات الخاطئة التى يتم تداولها والآراء العبثية التى يدلى بها الناس عبر شبكات التواصل الاجتماعى، وترفع لجان الرصد ما تمسك به إلى أعضاء الهيئة، كل فى تخصصه، لدراسة الموضوع وإصدار بيان يقدم للناس المعلومات الصحيحة، على أن تقوم وسائل الإعلام المختلفة بنشر هذا البيان على نطاق واسع وفى أسرع وقت، حتى تطرد المعلومات الصحيحة المعلومات الباطلة، وتسحق الآراء الصحيحة الآراء العشوائية. 

ضاع هذا الاقتراح، كما ضاعت اقتراحات أخرى، أدراج الرياح، ربما لأنه لا أحد يقرأ، أو على أسوأ تقدير فإن من يقرأ لم يعد يهتم. 

كنت أعرف أن هذا الاقتراح مجرد حل سريع نواجه به ظاهرة جهل متفشية فى المجتمع المصرى، وذلك لأن علاجها من جذورها يحتاج إلى خطة تستغرق سنوات، تحاول تقصى أسبابها، ثم تتصدى لها لنصبح مجتمعًا يعرف كيف يحصل على المعلومات، ثم يجيد استخدامها لصياغة رأيه وتكوين وجهة نظره.. وهو ما يمكّننا من أن نصبح مجتمعًا قادرًا على مواجهة صعوبات الحياة ومشاكلها وأزماتها دون أن تتعقد أمورنا وندخل فى متاهة لا نعرف فيها الصواب من الخطأ.. ولا نستطيع التمييز بين الحق والباطل. 

لكن ولأننا عشنا فى متاهة حقيقية خلال الأيام الماضية، على هامش مناقشاتنا التى تناولت ما خلّفه وراءه الدكتور ضياء العوضى، وجدت أن الخطر أصبح مجسمًا أمامنا، ولا بد أن نضع الأمر على طاولة مناقشات جادة، فالأمر لا يتحمل الهزل، وإذا كنا نريد النجاة من هذه المتاهة فلا بد أن نستيقظ باختيارنا وقرارنا، لأن البديل هو أن نستيقظ على كارثة كاملة ومحققة. 

مات الدكتور ضياء العوضى، هو الآن بين يدى الله، له ما له وعليه ما عليه، لكن المشكلة أنه ترك وراءه حالة من الجدل التى كشفت أكبر عورة من عورات حياتنا، وهى عورة الجهل العام. 

عن نفسى أعتبر كل ما قاله ضياء العوضى عن نظام تغذيته الذى أطلق عليه اسم «الطيبات» مجرد وجهة نظر لطبيب، فكرة أمسك بها، بناها بخبرته، وقد يكون جربها على عدد من المرضى- مهما كان كبيرًا- ونال بعضهم الشفاء أو حصلوا على الراحة التى يسعون إليها، فتأكد لهم أن النظام صحيح، لكنه فى الوقت نفسه كان سببًا فى وفاة عدد من المرضى الذين امتنعوا عن تناول دوائهم، واكتفوا من الطعام بما كان يرشدهم إليه.. ما يؤكد أننا لسنا أمام نظام تغذية أو طريقة علاج خضعت للشروط العلمية من البحوث والتجارب السريرية والإقرار بصحتها من قبل خبراء متخصصين. 

لقد صدقت الفنان «على الحجار» عندما تحدث وهو يؤدى واجب العزاء فى العوضى، فقد سار على نظامه ١١ شهرًا، وشفاه الله من أمراض وعلل كثيرة كان يعانى منها، وتعجبت ممن هاجموه أو تجاوزوا فى حقه، إنه يتحدث عن نفسه هو، عن تجربته هو، عما وجده هو، وما قاله يخصه وحده، ولا يمكن أن نجلده بكل هذا العنف، لأنه فى النهاية يتحدث عن حالته، وأعتقد أن فنانًا مثل على الحجار لا يمكن أن يسهم فى الترويج لخرافات، فهو لم يكن يعرف العوضى شخصيًا، ولم يتعامل معه وجهًا لوجه، بل تابعه عبر فيديوهاته التى كان ينشرها عبر السوشيال ميديا.. وقد تكون هذه مصيبة أخرى تستحق النقد والمناقشة. 

وفى الوقت نفسه صدقت ما قيل عن حالة الطبيبة التى استجابت لما قاله ضياء، فتوقفت عن تناول علاجها وهى تعانى أعراض الخلل فى الغدة الكظرية، فخلال ٤٨ ساعة فقط، وبعد توقفها عن الدواء ماتت، ولم يستطع أحد أن ينقذها، حتى عندما قال لهم العوضى: أعطوها علاجها مرة أخرى، كان كل شىء قد انتهى. 

حالة على الحجار لا تقول إن ما كان يقوله العوضى صواب، وحالة الطبيبة لا تقول لنا إنه خطأ. 

ما كان يقوله مجرد اجتهاد، لا يمكن أن نعممه، ولا يمكن أن نعتبره الصواب المطلق الذى يجب أن نسير خلفه، فكل حالة لها ظروفها الخاصة، وكل مريض له علاجه الذى يناسبه، وقد لا يناسب فى الوقت نفسه مريضًا آخر يعانى نفس المرض. 

أعتقد أننا لو تعاملنا مع ما قاله العوضى بهذه الطريقة، لما تحول إلى أسطورة، ولما نظر إليه البعض على أنه عالم وخبير، بل هو مجرد صاحب وجهة نظر، فى النهاية تخصه، لكننا لا يجب أن نقر له بأنه يملك الحق المطلق. 

ضياء العوضى

وقد تسألنى عن الحرب الدائرة الآن بين مريدى ودراويش ضياء العوضى الذين يقتربون من جعل قبره مقامًا يحجون إليه، والذين يعارضونه ويعتبرونه دجالًا ومخرفًا ونصابًا، وكل طرف يحاول أن يثبت صحة موقفه وصواب رأيه، بل ويتم تبادل الاتهامات والشتائم والسباب فى المجال العام. 

ببساطة سأقول لك إن سبب هذه الحرب الدائرة هو الجهل الذى أصبح عامًا ولا شىء غيره. 

وللأسف الشديد فإن الجهل الذى أتحدث عنه هو جهل لدى الجميع.. لدى من ينحازون للعوضى ومن ينحازون ضده. 

فى الأدبيات التى تعرف الجهل، تصفه بأنه نقيض العلم، وفى اللغة هو انتفاء المعرفة أو عدم الإدراك. 

ولا يتوقف الجهل عند هذا المعنى فقط، فهو يشمل الحمق وسوء الخلق والسفه والغفلة والتصرف بغير هدى، وأعتقد أن هذه الصفات جميعها وجدنا لها تجليات فى حالة الجدل حول العوضى ونظامه الغذائى، فقد مُورس فى المناقشات حوله كل أشكال الجهل بلا استثناء، وإذا أردتم دليلًا على ذلك، فليس عليكم إلا أن تستعيدوا مرة ثانية ما كتبه وما قاله مؤيدوه ومعارضوه، لم ينج فريق فى الحقيقة من الجهل وتبعاته. 

لقد وقعنا جميعًا فى الجهل البسيط إذا بدا من يتحدثون بمظهر عدم المعرفة بما يخوضون فيه، وهؤلاء طرحوا أسئلة بائسة، مثل من سأل هل نأخذ الدواء أم نتوقف عنه؟ وهل نأكل كل شىء أم نسير خلف العوضى ونمتنع عن أكل ما يطالبنا أن نلفظه ونرفضه؟ 

ووقعنا كذلك فى الجهل المركب، فكثيرون ممن يتحدثون يتبنون ما قاله العوضى، أو يرفضونه، يفعلون ذلك دون أن يكون لديهم علم بالأمر، وهم فى حديثهم يحاولون الإيحاء بأنهم عالمون ببواطن الأمور، فالجاهل المركب هو من يعتقد أنه عالم وهو ليس كذلك على الإطلاق. 

وفوق الجهل البسيط والجهل المركب، فقد وقع الجميع فى الجهالة، عندما قررنا أن نسلك سلوكًا سواء بطاعة العوضى أو الخروج عليه دون علم، فمن ساروا خلفه فعلوا ذلك وهم معصوبو الأعين، ومن فارقوا طريقه فعلوا ذلك أيضًا وهم لا يملكون رأيًا محددًا، اللهم إلا أن ما يقوله لا يمكن أن يكون صحيحًا. 

قد يكون السبب الأساسى فى هذه الحالة من الجهل العام هو تدهور التعليم، فمنذ عقود والتعليم فى مصر يتراجع بدرجة كبيرة، تبددت قيمة العلم، ولم تعد لدينا القدرة على تحصيل المعرفة من منابتها الأساسية، فتحولنا إلى مجتمع يمكن قيادته بسهولة نحن الوجهة التى يريدها من يتحدث إلينا، فلم تعد لدينا قدرة على النقد وفرز ما نستمع إليه، ما يجعلنا طوال الوقت أسرى لأفكار ونظريات وأقوال وتقوّلات لا تصب فى النهاية فى مصلحتنا، لكننا نسير نحوها دون عقل أو منطق أو حتى مجرد تفكير. 

على الحجار

الخلل فى التعليم نعرفه جميعًا، ونعرف كذلك كيف نعالجه، فالأمر يحتاج لإرادة وإمكانات، ولن يستقيم لهذا المجتمع حاله إلا إذا انصلح تعليمه. 

لكن علينا أن نفهم سبب ما نعانيه الآن من فوضى فى النقاش، علينا أن نعرف لماذا تنتشر الخرافات ويستجيب لها الناس؟ لماذا تتحول رؤية خاصة لصاحبها لا يملك أن يؤكدها ولا يملك غيره أن ينفيها إلى نظرية علمية؟ ثم ندخل حولها فى نقاش سرمدى لا ينتهى. 

أعتقد أن سبب ذلك هو فساد المجال العام. 

وحتى نفهم حكاية فساد المجال العام هذه، فلا بد أن أعود بكم إلى العام ١٩٦٢، وتحديدًا إلى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألمانى الشهير «يورجن هابرماس». 

فى كتابه «التحول الهيكلى للمجال العام» وضع هابرماس رؤيته فيما يسميه «نظرية المجال العام»، التى يعتبرها علماء الاجتماع واحدة من أهم الركائز فى الفكر السياسى والاجتماعى فى عالمنا المعاصر. 

قدم هابرماس تعريفًا للمجال العام بأنه فضاء وسيط يقع بين الدولة التى تمثل السلطة العامة، والمجتمع المدنى «هو تعبير عن الحياة الخاصة للمواطنين رعايا الدولة»، وهو عبارة عن مكان يجتمع فيه الأفراد لمناقشة القضايا التى تهم الصالح العام بكل حرية وعقلانية. 

وحتى يكون المجال العام ناحجًا فى مجتمع ما، فلا بد أن تتوافر له مجموعة من الخصائص، من أهمها أنه يجب أن يكون متاحًا لجميع المواطنين، وأن يتم تجاهل المكانة الاجتماعية فى النقاش، فلا تهم رتبتك أو ثروتك، بل قوة الحجة المنطقية هى التى تسود، ولا بد أن يتم تغييب الرقابة أو التهديد من قبل السلطة بكل أشكالها. 

ويرصد «هابرماس» تشكل المجال العام فى العالم، من خلال مرحلتين. 

المرحلة الأولى وهى مرحلة الصعود من خلال المجال العام البورجوازى.. وظهر فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فى مقاهى لندن، ومن خلال الصالونات الأدبية الفرنسية، والجمعيات الفكرية فى ألمانيا، حيث كانت هذه الأماكن مراكز للنقد السياسى ضد الحكم المطلق، وأسهمت فى نشوء الفكر الديمقراطى. 

أما المرحلة الثانية فهى التدهور، وهو التدهور الذى جرى من خلال إعادة الإقطاع، فقد بدأت السلطات المختلفة وعلى رأسها السلطات السياسية والاجتماعية والدينية فى التحكم فيما يدور فى المجال العام من نقاشات. 

ظل هابرماس الذى توفى فى مارس ٢٠٢٦ عن عمر وصل إلى ٩٦ عامًا يراقب نظريته، وقد تأكد أن المجال العام تعرض إلى ما يمكن تسميته «الفساد العام»، وقد حدد أسباب هذا الفساد فى الآتى: 

أولًا: سيطرة وسائل الإعلام التجارية، حيث تحول الجمهور من مشاركين ناقدين إلى مستهلكين سلبيين، وذلك بسبب سيطرة أنماط الترفيه والمعلومات الجاهزة على أداءات وسائل الإعلام. 

ثانيًا: العلاقات العامة والدعاية، فقد أصبحت المؤسسات الكبرى والحكومات تستخدم التلاعب بدلًا من الحوار العقلانى لتشكيل الرأى العام. 

ثالثًا: تداخل الدولة والمجتمع، حيث تدخلت الدولة فى الشئون الخاصة، وتدخلت المصالح الخاصة فى شئون الدولة مما خنق المساحة المستقلة للنقاش. 

سعى هابرماس مبكرًا إلى جعل النقاش فى المجال العام حوارًا مثاليًا، ووضع مواصفات لهذا النقاش بأن يكون المتحدث مؤمنًا بما يقول، وأن يستند الكلام إلى وقائع صحيحة، وأن يتم الالتزام بالمعايير الأخلاقية والاجتماعية المتفق عليها. 

فهمنا لهذه النظرية ولما جرى عليها مع تعاقب العقود يمكن ببساطة أن يجعلنا نفهم ما الذى جرى فى مجتمعنا، ولماذا تحول النقاش حول ما كان يقوله ضياء العوضى إلى فوضى عارمة وعارمة. 

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى بامتداداتها العديدة هى المجال العام فى حياتنا، فهى أكبر ساحة نقاش على الإطلاق، وللأسف الشديد فقد فسد هذا المجال العام، لأن النقاش من خلاله لا يخضع لا لشروط هابرماس ولا لأى شروط غيرها، فكل مواطن يملك مساحة فى المجال العام يستطيع أن يقول ما يريده بصرف النظر عما إذا كان صحيحًا أم خطأ. 

زاد من فساد المجال العام الذى هو ساحة نقاشنا أننا لا نقول رأينا ونمضى، ولكننا نتعصب له غاية التعصب، بل ونسعى بكل الطرق إلى إثبات أن وجهة نظرنا هى الصحيحة، ما حوّل ساحات المجال العام إلى مساحات للاقتتال والعراك والتشابك، فلا أحد يريد أن يلتزم بالصدق والمعرفة فيما يقوله، الجميع يعتقدون أنهم علماء وعارفون ببواطن الأمور، ما أودى بنا إلى حافة الهاوية. 

كان يمكن أن يظل ما يقوله ضياء العوضى محدودًا ولا تأثير له، لو أنه مارس عمله من خلال عيادته الخاصة، وتحدث بما يريده لمن يترددون عليه من المرضى، لكن عندما انتقل ما يقوله من عيادته إلى ساحات التواصل الاجتماعى تحول إلى فتنة، وأصبح محلًا لنقاش عام، والمؤسف أن من دخلوا إلى هذا النقاش لم يلتزموا بمعاييره، بل أصبح كل مواطن يقول ما يعتقد أنه صحيح، فتاه منا الحق وأصبحنا أسرى للباطل. 

إننى لا أدعو إلى التوقف عن النقاش، ولا أدعو إلى إغلاق المجال العام، ولكننى متحمس إلى إصلاحه، العودة بساحات النقاش لتكون مساحة يلتزم فيها الجميع بأصول الحوار، أن يكون ما نقوله علميًا، وإن لم تكن لدينا معرفة بموضوع ما، فلا أقل من أن نصمت، ونستمع لمن يملكون العلم والمعرفة. 

إننا نحتاج إلى جهاد، يمكننى وصفه بالجهاد الأكبر، يبدأ بأن نتعلم لنواجه الجهل العام الذى أصبح متفشيًا فى كل شىء من حولنا، وأن نجمح أنفسنا فلا نشارك فى حوار دون أن نكون مؤهلين لننخرط فيه، أعرف أن هذا أمر صعب للغاية، لكن على الأقل يمكننا أن نبدأ.. ومهما كان الطريق طويلًا، فإننا فى النهاية سنصل.