الخميس 23 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

قَتَلَنَا.. أم قَتَلْنَاه؟.. الغامض والواضح والفاضح فى قضية الدكتور ضياء العوضى

حرف

- فى أيامه الأخيرة امتنع عن تناول الطعام والشراب بشكل كامل اللهم إلا شربة ماء صغيرة عندما يشعر بالعطش

رحم الله الدكتور ضياء العوضى.. وسامحه على كل ما قدمت يداه. 

هذا هو كل ما نملكه له الآن بعد الإعلان عن وفاته فى أحد فنادق دبى بدولة الإمارات العربية المتحدة. 

التقرير الطبى الصادر عن السلطات الإماراتية أكد أن الوفاة جاءت طبيعية بسبب جلطة بالقلب، ولا توجد أى شبهات جنائية، حدثت الجلطة بعد إغلاق غرفته على نفسه، وإشعار ممنوع الإزعاج الذى ظل على بابه لما يقرب من ٤٨ ساعة، وظهوراته الأخيرة شاحبًا نحيفًا ومتحدثًا عن نظام غذائى يجربه على نفسه، يمتنع فيه عن تناول الطعام والشراب بشكل كامل، اللهم إلا شربة ماء صغيرة عندما يشعر بالعطش، كل ذلك يقول إنه ربما كان هو مَن قاد نفسه إلى حتفه. 

لكن ولأننا أسرى للدراما بكل أشكالها، فقد حاول البعض الإيحاء بأنه ربما يكون تعرض لمحاولة اغتيال، مستندين لما قاله هو، من أنه إذا مات فلا بد أن يعرف الناس أنه قُتل، وهو ما لا يعد دليلًا أبدًا على صحة ما يقوله، خاصة أننا- وبتحليل خطابه فى فيديوهاته الكثيرة- لا يمكن أن نثق كثيرًا فى أنه كان إنسانًا طبيعيًا، وأعتقد أن خبراء الطب النفسى لديهم تشخيص واضح لما كان عليه هذا الرجل الذى ملأ الدنيا وشغل الناس قبل وفاته. 

بالنسبة لى- كما هو بالنسبة لكم أيضًا- لا يمكننا أن نتعامل مع وفاة ضياء العوضى على أنها حدث عادى، لما تركته خلفها من إشارات ودلالات علمية وثقافية يجب أن نتوقف أمامها بمزيد من التفكير والتأمل. 

لن أبالغ إذا قلت إن قصة العوضى- منذ تحوله من أستاذ تخدير وعناية مركزة بكلية الطب جامعة عين شمس إلى متخصص فى التغذية بنظام «الطيبات»، الذى اخترعه وروّج له، وظهوره عبر شبكات التواصل الاجتماعى متحدثًا عن نظرياته، ثم ظهوره عبر حوارات ممتدة مع عدد من الإعلاميين وبعضهم له اسم وشهرة وتأثير، أسهمت فى إكسابه شرعية وبعض المصداقية- لم تكن إلا قصة كاشفة وفاضحة لكثير من عورات المجتمع المصرى التى باتت واضحة أمامنا إلا أننا نتجاهلها ونتغافل عنها. 

ضياء العوضى من مواليد العام ١٩٧٩، من عائلة أكاديمية، التحق بكلية طب عين شمس وتخرج فيها بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ليتخصص فى التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، وواصل مسيرته الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا مساعدًا، وفى العام ٢٠٢٣ ترك العمل الجامعى، ليصبح وجهًا مألوفًا ومعروفًا على شبكات التواصل الاجتماعى، متحدثًا عما اعتبره اختراعًا لنظام غذائى يعالج المرضى به دون الحاجة إلى أدوية. 

لم يحدث التحول فى حياة ضياء العوضى فى العام ٢٠٢٣، قبل سنوات- وتحديدًا فى العام ٢٠١٧- توقف عن ممارسة تخصصه الأساسى فى التخدير والعناية المركزة، وبدأ العمل فيما يمكن تسميته «التغذية العلاجية»، وهو نمط الممنوع فيه أكثر من المسموح به. 

بعد وفاته بأيام استمعت لتسجيل مطول من أحد مَن تم شفاؤهم على يد الدكتور العوضى.. قال إن هذا حدث بالفعل. 

تحدث المريض السابق بامتنان شديد ومحبة للعوضى. 

قال إنه كان يعانى من أمراض كثيرة جعلت منه أشلاء إنسان، وإنه ظل لسنوات طويلة يتردد على الأطباء فى مختلف التخصصات، إلا أنه لم يبرأ من آلامه، لكن عندما دلته صديقة على طريق ضياء العوضى، خلال أسابيع قليلة شفى تمامًا مما كان يعانيه. 

أتوقع أن آخرين سوف يسلكون نفس مسلك المريض السابق، سيخرجون علينا بتأثير وفاة طبيبهم الغامضة، ليتحدثوا عن أياديه البيضاء وكراماته ومعجزاته فى علاجهم.. لكن ذلك لن يؤثر كثيرًا لأن صاحب المعجزة المزعومة لم يعد موجودًا، توقف بفعل الموت عن الأفكار التى كان يبثها ليل نهار، بصيغة أنها الحق المطلق، الذى يجب أن يتبعه كل من يريد العيش دون ألم. 

فى مواجهة هذه الموجة من الدفاع عن العوضى، هناك موجة أخرى يتحدث أصحابها كضحايا لما قاله ونشره وروّج له، فهناك من ماتوا بالفعل بسب اتباع نصائحه ووصاياه. 

الأزمة الكبرى فى هذه القضية أن ضياء العوضى كان يصدق ما يقوله، فهو لم يكن نصابًا، وهذا لا يعفيه من المسئولية عما أحدثه، وذلك لسبب بسيط هو أنه كان مضللًا كبيرًا فيما قاله. 

ولكم أن تتخيلوا أن يجلس الناس أمام طبيب بل أستاذ فى كلية الطب، ويستمعوا منه توجيهاته التى يقول لهم فيها: افطروا نوتيلا ولا تقتربوا من الفول، اشربوا العصائر المعلبة ولا تشربوا العصائر الطبيعية، ولا تشربوا ماءً إلا للضرورة، امتنعوا عن تناول الفاكهة والخضار، خاصة الورقيات، تناولوا السكر بأى كمية فهو مفيد، ولا تمتنعوا عن التدخين لأنه تنفس طبيعى، ولا تأكلوا الفراخ ولا تتناولوا البيض لأنه يسبب الكوابيس، قاطعوا البلح والتمر والتين والعنب والموز والمهلبية وقمر الدين بالماء والبطيخ والكنتالوب والبرتقال، إياكم والأسماك بكل أنواعها، ولا تأكلوا الجمبرى والسبيط والبلطى والبورى والبطارخ. 

شق ضياء العوضى طريقه بنفسه، لجأ إلى الطريقة السهلة، فمن بدايات العام ٢٠٢٣ وهو يتحدث عبر حساباته على شبكات التواصل الاجتماعى، حتى تحول بما يقوله إلى ترند، وكان طبيعيًا أن يصبح نجمًا يسعى الناس إليه. 

هنا لا بد أن نعلّق الجرس فى رقبة من حولوه من مجرد طبيب يتحدث عن نظام غذائى يساعد فى العلاج من وجهة نظره، إلى خبير صاحب ثقة وثقل. 

تمت استضافة العوضى من قبل بعض مقدمى البودكاست، ولم يُحدث أثرًا كبيرًا، لكن المصيبة الكبيرة كانت عندما استضافه الإعلامى الكبير محمود سعد فى حوار مطول، منحه من خلاله فرصة كبيرة لم يكن يحلم بها. 

الفرصة التى أتحدث عنها لم تكن فى مجرد ظهوره وحديثه بأريحية عما يعتقد أنه صحيح، ولكنها كانت فى ظهوره مع محمود سعد الذى يمكن أن تختلف مع كثير مما يقدمه، إلا أنك لا تستطيع أن تختلف عليه، فهو إعلامى استطاع خلال السنوات الماضية أن يصبح رمزًا وأيقونة، ولن أبالغ إذا قلت إن محمود منح العوضى مصداقية وشرعية كان يفتقد إليها، وإن كثيرين بدأوا يستمعون إليه باهتمام وإنصات شديد، بعد أن وجدوا محمود يجلس إليه ويستمع إلى ما يقوله مندهشًا ومصدقًا ومؤمنًا بكل ما يقوله. 

هذه كانت نقلة كبيرة فى مسيرة ضلالات العوضى، لم يناقشه محمود مناقشة جادة، ربما لأنه يفتقد الأدوات التى تمكنه من ذلك، لم يستعن بخبراء فى الطب والتغذية ليردوا عليه، ساعتها كان سيعتبر الناس ما يقوله العوضى مجرد وجهة نظر تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، لكنه قدمه وكأنه يمتلك الخبرة والكفاءة والجدارة، وكأنه صاحب أبحاث ودراسات وتجارب، رغم أنه لم يكن أى شىء من هذا كله. 

لقد ارتكب الإعلام خطيئة كبرى فى الترويج لخرافات وضلالات ضياء العوضى، وأعتقد أن هذا السلوك الإعلامى يحتاج إلى وقفة، ليس بهدف منعه، فأنا لست مع المنع أبدًا، ولكن على الأقل ترشيده، وجعله أكثر احترافية، حتى لا يقع الناس فى الفخ. 

ولست أدرى الآن بماذا يشعر محمود سعد، أو كيف ينظر إلى نفسه فى المرآة، وهو يرى آثار ما قام به، عندما قدم العوضى بكل هذه الثقة للناس؟ 

أعتقد أنه ليس سعيدًا بما فعله، وكل ما أتمناه ألا يكون لا يزال على موقفه منه من أنه أعجوبة من أعاجيب زمانه. 

لقد تعاملت مؤسسات الدولة مع ضياء العوضى بما يليق مع ما كان يروجه من معلومات لا أساس لها ولا أصل، حققت معه نقابة الأطباء وقامت بشطبه، وقامت وزارة الصحة بإغلاق عيادته، وكان الهدف من ذلك حماية الناس مما كان يفعله بهم، وما كان يرشدهم به، وهو قول واحد كان طريق الهلاك. 

لقد كانت معركة هذه المؤسسات مع العوضى معركة العلم ضد الخرافة، ومعركة مَن يعرفون مصلحة الناس مع مَن يضلهم ويضللهم. 

لكن ولأننا نعيش فى مجتمع معظمه ليس سويًا علميًا وأخلاقيًا إلى درجة كبيرة، فقد لجأنا إلى نظرية المؤامرة لتفسير ما حدث مع العوضى على مستويين: 

المستوى الأول: الهجوم عليه من خبراء ومتخصصين وأصحاب دراية طبية حقيقية، وذلك فى اعتقادى لأننا مجتمع لا يحب العمل ولا يحتفى به، ونسعى خلف مَن يردد كلامًا خرافيًا بشرط أن يكون منمقًا ومختلفًا وغير مطروق قبل ذلك. 

والمستوى الثانى: كان فى الإجراءات التى أخذتها المؤسسات ضده، بزعم أن ذلك تم لصالح أصحاب شركات أدوية. 

أليس العوضى يطالب الناس بالاستغناء تمامًا عن الدواء؟

أليس يقول لهم اكتفوا بالغذاء؟ 

أليس يخبرهم بأن الجسم قادر على التعافى والتشافى من تلقاء نفسه ولا يحتاج لأى عوامل مساعدة خارجية؟

إذن فلا بد أن تكون شركات الأدوية تحركت ضده، لتنتهى من صداعه، لأنه يمثل خطرًا عليها. 

لقد سلك المجتمع هذا السلوك لأنه الأريح بالنسبة له، ولأنه كذلك يعانى من عجز شديد فى تصوراته عما يجب ولا يجب، فكثيرون تحت ضغط الأمل فى الشفاء يتبعون كل قائل حتى ولو كان خرافيًا، بنظرية «قد يكون لديه الشفاء»، وهى نظرية يسندها الجهل الشديد، فلا مكان لأى علم من أى نوع فيها. 

من الوهلة الأولى بدا لى ضياء العوضى شخصًا يعانى من أزمات نفسية عديدة، رأيت نموذجه كثيرًا فيمن يتحركون حولنا، هؤلاء الذين يعتقدون أنهم يفهمون أكثر من الآخرين، ولأنهم كذلك فإن المجتمع كله يحاربهم، ويريد أن يقضى عليهم، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحدث العوضى عن زملائه الذين قاطعوه وتوقفوا عن التعامل معه. 

لم يفكر العوضى لحظة واحدة فى سبب ما فعله زملاؤه من الأطباء، لم يتخيل أنهم اكتشفوا فساد بضاعته، ولذلك ظل يطعن فيهم وأنهم لا يفهمون ما يقوله، وأن الزمن وحده سيكون كفيلًا بأن يجعلهم يصدقونه بعد ذلك. 

فى جلسة التحقيق معه فى نقابة الأطباء، وطبقًا لشهادة أحد الذين حضروا، فإن العوضى لم ينكر شيئًا مما قاله، بل أكده وتمسك به، لكنه دخل بهم فى مساحة تؤكد أنه كان مريض بارانويا، لقد قال لهم إن كل الأنبياء كان لهم معارضون، ولم يفهم الناس الأنبياء إلا بعد سنين، ثم إنه مثل جاليللو، الذى رفض الناس ما قال به فى البداية ثم تأكدوا بعد ذلك أنه كان على حق. 

العوضى يخرج بما قاله من دائرة الطبيب والأستاذ المساعد فى كلية الطب، إلى دائرة أخرى يسكن فيها المدعون، ولا فرق فيها بين مَن يدعى النبوة ومَن يدعى العلم، فهما فى الضلال سواء، وكان طبيعيًا أن يجد مَن يقف فى مواجهته، ويقول له قف عندك ولا تتقدم أكثر من هذا، لأن ما تقدمه كان يعنى خرابًا كاملًا. 

الحالة التى كان عليها ضياء العوضى كانت تؤهله أكثر لأن يكون شيخ طريقة يتبعه فيها ألف أو ألفان، خاصة أنه كان يدمج بين العلم والدين، وكان يسعى من خلال نظامه الغذائى «الطيبات» إلى أن يصل بالناس إلى حالة روحانية خاصة، وكأنه كان يقول إنه صاحب رسالة، ولأنها كانت رسالة مدعاة ومزعومة، فقد كان طبيعيًا أن يكون فيها ما يدعو إلى السخرية، فهو يطالب الناس بألا يسموا ابنهم كريم لأنه لن يكون رجلًا، ويستكثر على إنسان أن يصاب بالسكر لمدة تسع سنوات، لأنه فى النهاية ليس النبى أيوب حتى يختبره الله بالمرض كل هذه السنوات. 

لقد كشفتنا قضية ضياء العوضى ونهايته التى ستظل غامضة، فمهما كان ما سيعلن من أسباب وفاته، فإن الناس لن يصدقوا إلا ما يريدون تصديقه. 

فضحتنا هذه التجربة، وأظهرت عيوبنا، فنحن مجتمع لا نؤمن بالعلم ولا نحترمه، نستريح للخرافات، ونسير خلف أصحابها دون تفكير أو سؤال، ظهرنا كأسرى لنظرية المؤامرة فى كل شىء، لا نستخدم عقولنا إلا لتأكيد ما يريحنا فقط، أما ما يجعلنا نبذل مجهودًا، فنحن لا نميل إليه ولا نريده. 

لقد سمعت ممن كانوا يتابعون حالة ضياء العوضى- هو حالة فى النهاية لا أكثر- أن الشىء الوحيد الذى يمكن أن يغفر له ما ارتكبه من خطايا أن يكون مات بسبب نظامه الغذائى الذى كان ينصح الناس به، ساعتها لن يكون نصّابًا، بل كان يصدق ما يقوله، لكن ساعتها أيضًا سنسأل عمن سيدفع ثمن من أضيروا بسببه ودفعوا حيواتهم ثمنًا لخرافاته.؟ 

دم ضياء العوضى الآن أصبح متفرقًا بين سؤالين: 

هل قتلناه نحن عندما حاصرناه وهاجمناه وجعلناه يترك البلد ويرحل، وهو ما كان سببًا فى حصاره نفسيًا، فلم يتحمل ما وصل إليه فاستسلم تمامًا؟ 

أما أنه هو الذى قتلنا عندما أشاع هذه الخرافات فانكشفت بسببها سوءاتنا؟ 

أعتقد أن كلًا من الأمرين حدث.

فقد قتلنا ضياء العوضى.. لكن قبل أن نقتله كان هو قد سبقنا وقتلنا.