الإثنين 08 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مقتطفات من قصائد الشاعرة جويس منصور

حرف

على الرمل الأبيض زنجيّةٌ ميّتةٌ

على الرمل الأبيض زنجيّةٌ ميّتةٌ

بلا أفكار ولا رائحة ولا ثياب

بين فخذيها يتسلّل الريحُ

تضغط الشمس شفاهًا حارقة

فوق خاصرتها المرضوضة

فوق عينيها المفتوحتين

جيئةً وذهابًا يترصّد الموجُ الخبيثُ

لذّتَها!

لا تأكلوا أطفال الآخرين

لا تأكلوا أطفال الآخرين

لأن لحومهم ستجيف فى حلوقكم الممتلئة

لا تأكلوا أزهار الصيف الحمراء

لأن نسغها دم أطفال مصلوبين

لا تأكلوا خبز الفقراء الأسود

لأنه خصّب بدموعهم الحامضة

وقد يتأصل فى أجسامكم المتمددة

لا تأكلوا علّ أجسامكم تذبل ثم تموت

خالقة على الأرض حدادًا الخريف!

اِفتح أبوابَ الليل

اِفتح أبوابَ الليل

تر قلبى معلّقًا

فى الصِوان الذكىّ برائحة الحـب

معلّقًا بين ملابس الفجر الوردية

مقروضًا بالعثّ، الأوساخ والسنوات

معلقًا بلا ثياب، سلخه الأملُ سلخًا!

قلبى ذو الأحلام الغرامية

لا يزال حيًا!

وأنا مضطجعة فوق فراشى

وأنا مضطجعة فوق فراشى

أرى وجهَك منعكسًا فى الجدار

جسدَكَ البلا ظل الذى يبّث الرعبَ فى جسدى

تـَتابعَ رهْزِكَ المسعور والإيقاعىّ

تقطيباتَ وجهك التى يفرّ منها كل أثاث الغرفة

إلا الفراش المثبّت بعَـرَقى الكذوب

وأنا التى تتحسّب بلا غطاء بلا أمل

الغَصّة!

الذباب على الفراش

على السقف فى فمك

على عينيك

نائمًا فوقهم الشرشفُ حتى الرقبة

يأَيُّها العاجزُ الماكرُ الأمّىّ

اترك لى حياتى

لا تفرغ بطنى

ظلُّكَ بلا فم

غرفتُكَ بلا باب

عيناكَ بلا نظرة

بلا رأفة بلا لون

خَطـَواتَك التى تتوجه

دون أن تـترك أثرًا

صوب النور ذى الأصوات اللجوجة

الذى هو جحيمى!

أنّى تذهب

أذهب

الرأس مُجلـْبَبٌ بالدموع

أنّى تـُصلّ

أصلّ

يا ليأس هذه الجدران النائمة

شعبُك سيكون شعبى

فراشُك أملى الوحيد

إلهك سيكون إلهى

وسرّتـُك

مَجْثمى

لأن جلدَكَ وحده أسود.

رأيتك بعينى المغلقة

تتسلق حائطَ أحلامك المذعور

زلّت قدماك بالطحلب النائم

عيناك تشبّثتا بالمسامير المتدلية

بينما كنتُ أنا أصيح دون أن افتح فمى

من أجل أن يبوح رأسُك لليل!

تقبـّل صلواتى

اِبلع أفكارى الـدنسة

طَهّـِرنى! لعلّ عينى تـُفـتحان

لعلهما يـشوفان ابتسامةَ السفاحين الباطنة

وعندما يتمّ تطهيرى

اصلبنى يا يهوذا!

فتحتُ رأسكَ

حتى أقرأ أفكارَكَ

قضمت عينيكَ

حتى أذوق نظرتَكَ

شربت دمَكَ

حتى أتعرّف على رغبتكَ

ومن جسدك المُقـْشعر

عملتُ غذائى.

امرأةٌ واقفةٌ فى منظرٍ عار

النورُ الفجّ على بطنها المقـبّـب

امرأةٌ وحيدة امرأةٌ ثرية بلا فجور ولا صدر

امرأة تـُصيّتُ احتقارَها فى أحلام بلا ضـجة

سيكون الفراشُ جحيمَها.

الظل المحمول

أحياة فاترةٌ فى عين الشائخين

مؤلمةٌ فى عين الموتى

ومحتلـّو الغد الذين لا جدوى منهم

يرتسم ظلّهم سلفًا فى الضباب المؤخـّر النـَّبـْر

أى برج أن ندافع

أى رواق أن نتجنّب

أرى رماحًا منتصبة فوق قبرى

سيولًا حجرية

رمادًا يجرؤ على الأنين

لهيبٌ شرّيرٌ يـَلـْعَجُ على السجادة يديك اليمنى

ثمّة فواتُ أوان على الدوام فى عين اليائسين

سيّما أنّ الأمر

يتعلق بالانتظار.

لـسان الحرباء

سآتى عندك فى اليوم الأربعين

لأنّ أعضائى يبيّضُها غيابُك

أنا مُتضوّرةٌ لأعدائك

يَـشِينُنى ضعفى

إزاء حركات تمارُجٍ

متفعون افعوانًا شرهًا

لكنت على قاب قوسين من الانتشاء

لو لم يكن لى خوف من التقاط الرماد

فى بطن أمـّى

فى تجاويف تلاطم الموج

فى بُوز الكنيسة

المتلألئ!

وحش جميل

المرض ذو الشوارب العائمة

يترصّدنى

كلّما تتلاقى عيناى أسفل المائدة

يده الموسيقيّة الطويلة

تختبئ بين نهدى

وتخنق الدُمّلة

فى البيضة

أنفى يسيل وكأنه مجرى

شعرى يتساقط حزنًا

ونـَتانة الإذلال الطوعى

تعذّبنى

أفخاذى تطير عاليًا

محارٌ مفتوح، فراء أملس

داعيًا الثغورَ الطرية

المقصّاتَ وأحصنةَ البحر ذات المخالب النهمة

ليتقاسموا ملذّاتَهم

ابتساماتَهم، اقفاءَ أكمامِهم

وأزرارَ شبابِهم

المُتقيّحة!

إنّها تـَثْلج يا قناعًا جميلًا

والسجّاد الذى لا يُسْبَر، صمتُه الساخر

يغلق عـينيكَ الحجريتين

ذا أنا أبكى لكن ما الفائدة

امرأة شائخة فى الثلاثين

دوامة النعاس تثبّت شعرى على عنقى

الثلج يتساقط مريضًا والعطش يسـيّر

أصابعَهُ الطويلة المزيّنة بالريـش

فوق جسدى

أصرّ أسنانًا هـائجةً مِن أن يُعرَفَ أمرى

لم يبق سوى جدار بينى والداء

سوى حجر

مغطى بآخر الأوراق!

دعنى أحبك 

دعنى أحبك

فإنى أحبُّ طعمَ دمِكَ الكثيف

أحتفظ به لوقت طويل فى فمى الأدرد

حرارته تحرقُ بلعومى

أحبُّ عَـرَقَـكَ

أحبُّ مداعبة إبطيك المتصببتين بهجةً

دعنى أحبّك

دعنى ألعق عينيك المغلقتين

دعنى أفقأهما

بلسانى المدبب

مالئةً بلعابى المُظفّر تجويفيهما

دعنى أعميك!

 

أنا عارية

أنا عارية

والمَنـُونُ تغرّد

عارية تحت شعرى المنتشر

وعيناك الـشهوانيتان

المحاطتان بطلى المِـينا

تكتـشفانى!

أنا عارية

وغـَيْهَبُ ناصفةِ اللـّيلِ اللا محدود

يفزعنى

لأن أحلامى المرصّعة

فـى رأسى البدين

تتخلى والمَنـُونُ تغرّد!

الدِرْع

لو أمطرت الحرب فوق تلاطم الموج والسواحل

لذهبتُ لملاقاتها مسلّحةً بوجهى

معتمرةً نحيبًا جـسيمًا

لتمددتُ منبطحةً

فوق جناح قاذفة القنابل

ولأنتظرتُ

لو احترق الأسمنت على الأرصفة

لأتّبعتُ مسارات القنابل بين تكشيرات الجموع

ولألتزقتُ بالأنقاض

مثل خصلة شَعر على عارٍ

لحرستْ عيناى نطاقات الدمار الممدّدة

لسكتتْ إلى جانبى جثثٌ

لها بصيصُ شمسٍ ودمٍ

لخُضْنَ سائلَ الحياة الـبشرية الحلو

ممرضات فى قفّازات من الجلد

ولاشتعل المحتضرون

وكأنهم قصور من القش

لغطستْ الأعـمدةُ

وثغا النَجْمُ

بل لأُبْـتِلعت سراويلُ الصوف

فى الفضاء الفسيح؛ فضاء الخوف

ولضحكتُ حتى تبدو نواجذى بنفسجيةً

من الانتشاء الحماسى الهستيرى الخصب

لو أمطرت الحرب فوق تلاطم الموج والسواحل

لذهبتُ لملاقاتها مسلّحة بوجهى

معتمرةً نحيبًا جسيمًا!

وداعًا أيّتها الأراضى البائدة

رمادى هو الفجر

تحت أهداب حبيبى

رمادى هو العقل

عندما يسدّ

الأسلُ الأسود الملتف

المدخلَ

وسخٌ وغيابٌ

اللهيب المتحدّر أدراج الريح

كامد هو النهر

الأطلنطى مُمتـَص

الصمت ينوب عن الصمت

إنّها ساعة زوال الوهْم!