سيرة لوحة
Girl with a Pearl Earring.. «الفتاة ذات قرط اللؤلؤ».. «موناليزا» الشمال
فى عالم الفن، كثيرٌ من اللوحات الشهيرة حول العالم، غير أن قليلًا منها اكتسب مكانةً أيقونية، وجمع بين الإعجاب النقدى الواسع، وبين الحضور الأليف فى الثقافات الشعبية، منها لوحتا «الموناليزا» و«العشاء الأخير» لليوناردو دافينشى، و«السماء المرصعة بالنجوم» لفينسينت فان جوخ..
هى اللوحات التى تستمد شهرتها الإضافية من موضوعاتها الملحمية، أو الشخصيات الاستثنائية التى تصورها، أو الأحداث الدرامية التى تكمن وراءها، إذ تصبح اللوحة حينئذٍ رمزًا يعبّر عن قصة أوسع وأشمل، ولوحتنا اليوم، واحدة من اللوحات الأيقونية التى لا تندرج تحت أى من هذه التصنيفات، فلوحة «الفتاة ذات قرط اللؤلؤ» الشهيرة لفنان العصر الهولندى الذهبى يوهانس فيرمير التى يصفها النقاد بـ«موناليزا الشمال»، لم تكن يومًا ضحيةً لعملية سرقة فنية مدوية كتلك التى تعرضت لها «الموناليزا»، ولم يكن فيرمير نفسه شخصيةً متقلبة المزاج أو معذبةً مثل فان جوخ أو مونك، بل كان رب أسرةٍ تقيًا وملتزمًا، وفى الوقت نفسه، يتسم موضوع اللوحة بالبساطة والغموض، إذ تخلو من أى سرديةٍ واضحة، أو ارتباط تاريخى شهير، فضلًا عن ذلك كله، لم يحظَ فيرمير ولا لوحته بأى تغطية إعلامية فى القرن السابع عشر، لأنه كان بعيدًا عن الشهرة أو الترويج لنفسه، مفضلًا الانزواء والعمل بعيدًا عن الأضواء.
كان فيرمير رسامًا دقيق الملاحظة ومتأنيًا فى عمله، فلم ينتج سوى ٣٦ عملًا فنيًا معروفًا طوال حياته، ولا يُعرف سوى القليل جدًا عنه، ولهذا أُطلق عليه لقب «أبوالهول فى ديلفت»، وتحمل لوحة «الفتاة ذات قرط اللؤلؤ» توقيعه، لكنها تفتقر إلى تاريخ محدد للرسم، ويعتقد المؤرخون أنه رسمها قرابة عام ١٦٦٥، الفترة التى أبدع خلالها مجموعة من اللوحات التى تشترك فى استخدام عنصر اللؤلؤ، وتصور فتاة شابةً، غامضة الهوية، فى مساحة ضيقة ومظلمة، وهى بيئة حميمية تركز انتباه المشاهد عليها وحدها، مما جعل البعض يظن أنها ربما تكون شخصًا زائرًا دائمًا لمنزل فيرمير.

ترتدى الفتاة غطاء رأس أزرق وذهبيًا، وسترة ذهبية تبرز من تحتها ياقة بيضاء، رغم أن هولنديات القرن السابع عشر لم يكن يرتدين أغطية الرأس، ما أضفى على الفتاة طابعًا شرقيًا، وكما فى عنوان اللوحة، ترتدى الفتاة قرطًا من اللؤلؤ، تبدو حباته كبيرة للغاية لدرجة تجعلها تبدو غير حقيقية، خصوصًا أن بعض الباحثين يقرون بأن فيرمير لم يكن ثريًا كفاية لتحمل تكلفة لؤلؤة حقيقية بهذا الحجم، وربما كانت قطعة من الزجاج المطلى، أو أن تكون من نسج خيال فيرمير، ورأى كثيرون أن فى هذه اللوحة دلالةً أعمق، تعكس الأوضاع الاقتصادية السائدة آنذاك، فبينما كانت اللوحات الشخصية «البورتريهات» فى ذلك العصر تهدف لغاية محددة، كإبراز ثراء أحد أفراد الطبقة النبيلة مثلًا، تظل الفتاة فى هذه اللوحة مجهولة الهوية، ما جعل البعض يظن أنه يشير بطرف خفى إلى أن الثراء أمرٌ ظاهرى زائل تمامًا كتلك اللؤلؤة التى تخطف أنظارنا لكنها غالبا ليست حقيقية فى الواقع.

لا تنشغل الفتاة فى اللوحة بأى عمل، ولا تبدو غافلة عن وجود المشاهد، بل نراها فى لحظة عابرة تدير فيها رأسها فوق كتفها لتلاقى نظرة المشاهد بعينين واسعتين تتألقان بلون بين الرمادى والأزرق، مما يضفى إحساسًا بالألفة، وشفتين متباعدتين وكأنها على وشك الحديث. ما دفع البعض إلى مقارنتها بشخصية لوحة «الموناليزا» لليوناردو دافينشى، ومع ذلك، لا تُعد «الفتاة ذات قرط اللؤلؤ» بورتريه، بل هى «ترونى» وهو مصطلح هولندى يشير إلى تصوير شخصية أو نمط معين من البشر وغالبًا يحتوى على تعابير مبالغ فيها، وأظهر بعض التحليلات الحديثة أن اللوحة لا تظهر خلفيتها اليوم كما كانت قبل ٣٦٠ عامًا، وظهر أن الفنان ربما وضع طبقة شفافة من اللون الأخضر فوق طبقة الأساس الداكنة، ومن المرجح أن الخلفية كانت تبدو فى الأصل ذات لون أخضر شفاف وعميق، يتسم بالنعومة واللمعان والصلابة، ما يولد تباينًا مع درجات لون البشرة الدافئة، ويترك تأثيرًا بصريًا أكثر حيوية وإشراقًا مما نراه فى اللوحة اليوم.

ورغم المكانة المرموقة التى يحظى بها فيرمر حاليًا، فإنه لم يكن معروفًا على نطاق واسع خارج مسقط رأسه خلال حياته أو فى العقود التى تلتها، ولم تصبح لوحة «الفتاة ذات قرط اللؤلؤ» معروفةً لعامة الناس إلا منذ عام ١٨٨١، حين عُرضت فى مزاد علنى بدار «فيندوهويس دير نوتاريسن» فى لاهاى، وأصبحت واحدة من أشهر أعماله مع مطلع القرن الحادى والعشرين، بفضل المعرض الجماهيرى الضخم الذى أقيم عام ١٩٩٥ فى المعرض الوطنى للفنون فى واشنطن، ونشر الرواية الأكثر مبيعًا «الفتاة ذات قرط اللؤلؤ» للكاتبة تريسى شيفالييه عام ١٩٩٩، التى تحولت إلى فيلم سينمائى رُشح لجائزة أوسكار عام ٢٠٠٣، من بطولة سكارليت جوهانسون وكولين فاريث.







