المؤرخ المغامر حسين مؤنس..
النبى محمد.. رؤية جديدة فى كتابة السيرة النبوية
كنت قد طرحت فى واحد من أحاديثى المباشرة عبر صفحتى العامة على الفيسبوك فكرة ضرورة تنقية التاريخ الإسلامى من روايات ليست دقيقة، عندما نتأملها نجد أنها تتنافى تمامًا مع روح الإسلام ومقاصده، وذهبت إلى أن نسبة كبيرة من التاريخ الإسلامى ليست دقيقة، ولا بد من نقدها واستبعادها من تراثنا.
كانت الدعوة فيما يبدو حادة ومقلقة لمن قرروا أن يريحوا عقولهم، فقامت الدنيا ولم تقعد، هاجت وماجت، ووجدت نفسى فى مرمى سهام النقد الذى وصل إلى حد التشكيك فى دينى، رغم أننى لم أكن أتحدث عن نص مقدس، فالتاريخ الإسلامى المكتوب من قبل المؤرخين لا تنصرف عليه عصمة القرآن الكريم ولا حجية السنة النبوية الصحيحة، لكن هناك من ينظر إلى التراث، أيًا كان نوعه أو درجة صدقيته، نظرة تقديس لا مبرر لها.

لم أدع أننى جئت بجديد، ففكرة تنقية التراث مطروحة منذ سنوات بعيدة، والمطالبة بقراءة التاريخ الإسلامى قراءة عصرية لم تتوقف، وعلى كثرة ما قرأت فى هذا السياق، إلا أننى لم أجد رؤية أوضح من رؤية الدكتور حسين مؤنس، الذى نادى بشكل قاطع وجازم بتنقية كتب التاريخ الإسلامى، والتصدى لكتابة السيرة النبوية برؤية جديدة.
فى العام ١٩٧١ وفى شهر سبتمبر صدر عدد مجلة «العربى» الكويتية رقم ١٥٤، ومن بين مقالاته مقال للدكتور حسين مؤنس عنوانه «اقرأ باسم ربك الذى خلق».
توقفت فى هذا المقال عند رؤية جريئة عبّر عنها الدكتور مؤنس ببساطة شديدة، فهو يقول: فى أيامنا هذه حلت سيرة تقليدية محل سيرة ابن هشام من حيث الذيوع بين الناس، وهى تلك السيرة التى كتبها محمد حسين هيكل، وإذا كانت سيرة ابن هشام تعرض السيرة كما رآها فقيه، فإن «حياة محمد»- صدر لأول مرة فى العام ١٩٣٥ لكن أثره لا يزال ممتدًا- التى كتبها هيكل تعرض السيرة كما رآها أديب معاصر، وكلاهما يختلف اختلافًا ظاهرًا عن المؤرخ وطريقته فى كتابة التاريخ.
بدا لى من ظاهر هذه المقارنة أن حسين مؤنس كمؤرخ لم يكن راضيًا لا عن سيرة ابن هشام، ولا عن السيرة التى كتبها محمد حسين هيكل، وهو ما أكده، فرغم تقديره للسيرتين، فإن السيرة الكريمة لا تزال تنتظر المؤرخ المنهجى الذى يكتبها بعيدًا عن الحدود الضيقة التى يلزم الفقيه بها نفسه والعاطفيات والأسلوبيات المغرقة التى تستهوى الأديب.
كانت لدى مؤنس رؤية واضحة فى الصورة التى يجب أن تكتب بها السيرة، وفى المؤرخ الذى يجب أن يتصدى لهذا العمل، والذى كان يجب أن يكون صادقًا.
أما كيف يكون صادقًًا، وما الذى يأخذه مؤنس على كتاب السيرة القديمة والحديثة فيجيبنا:
فى رأيى أن منهج المؤرخ الصادق هو وحده الكفيل بإظهار جلال السيرة النبوية الكريمة ونواحى عظمتها، فإن شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- شخصية فاتنة متعددة نواحى العبقرية، وكلما ازددت منها قربًا ازددت بها إعجابًا، لأن حقيقتها أبلغ من كل ما تستطيع أن تضيف إليها من الصفات من عندنا، وفى أحيان كثيرة لاحظت أن تكلف الناس فى إظهار التقى بالإغراق فى المديح يقلل من عظمة المشاهد، بل يسىء إليها، وهؤلاء المتكلفون فى الكلام والبلاغيات أشبه بمن يصيحون بعد سماع كل آية قرآنية بعبارات الاستحسان والتلذذ فيفسدون بصياحهم صمت التأمل فى معانى الآيات، ويخرجون على كل قاعدة من قواعد آداب السماع.
اعتبر د. حسين مؤنس أن السيرة النبوية ينبغى أن تكون خير معين للأمة على النصر والخروج من الأزمات
كان لدى حسين مؤنس اهتمام مبكر إذن بالسيرة النبوية التى لم يكن راضيًا عن كتابتها، لا عند المؤرخين القدامى ولا عند المحدثين، ولذلك لم يكن غريبًا عندما تولى رئاسة تحرير الهلال فى الفترة من ١٩٧٧ إلى ١٩٨٠، أن تحتل الموضوعات التى تعالج السيرة النبوية مساحة كبيرة، وكان لافتًا أن يخصص عددًا من المجلة هو عدد أغسطس ١٩٧٨ للحديث عن الرسول وسيرته، وكان عنوانه الأساسى «محمد.. رؤية جديدة»، وهو العدد الذى كتب فيه الشيخ الشعراوى والإمام الأكبر عبدالحليم محمود وكبار الكتاب، مثل توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود وعائشة عبدالرحمن وأنيس منصور ويوسف السباعى وخالد محمد خالد ومحمود على مكى، هذا غير كتابات الكتاب الكبار ممن رحلوا مثل طه حسين والعقاد وأحمد أمين وعلى عبدالرازق وأمين الخولى وزكى مبارك.
هذا واحد من الأعداد التاريخية فى الصحافة المصرية، وأعتقد أن وجوده فى متناول القراء سيكون شيئًا مهمًا، لكن ولأننا نتحدث عن حسين مؤنس وعن منهجه فى كتابة السيرة النبوية، ورغبته فى التجديد فى ذلك، وكذلك رغبته فى تنقية التاريخ الإسلامى، فإننى سأتوقف عند الافتتاحية التى كتبها لهذا العدد، وكذلك عن الدراسة التى كتبها ونشرها على عددين، وعرض فيها رؤيته الجديدة للنبى محمد، وكذلك للسيرة النبوية.
فى مقدمته التى وضع لها عنوان «رؤية جديدة.. لسيرة مباركة متجددة» يقول: رسمنا خطتنا على أن يكون العدد رؤية جديدة للسيرة النبوية، لهذا دعونا للاشتراك معنا فى الكتابة رجالًا أصحاب رؤية جديدة للحياة فى كل شىء: أدباء وفلاسفة ومفكرين لم يسبق لبعضهم أن كتبوا عن رسول الله، ولكن علمهم بالسيرة واسع وقلوبهم عامرة بالإيمان، وكان هدفنا من دعوة هؤلاء للكتابة أن نعرض السيرة العاطرة فى صورة تختلف عن الصورة التقليدية، أردنا أن نقدم للشباب الجديد شيئًا جديدًا، ولم نترك الرؤية التقليدية، فدعونا اثنين من أجلّ شيوخ الإسلام ومفكريه إلى الإسهام معنا، وقد فعلا مشكورين.
على كثرة من كتبوا عن الرسول من خلال زوايا جديدة، وعن السيرة النبوية بصورة غير تقليدية، إلا أن حسين مؤنس كان الأكثر دقة فى التعبير عنها، ربما لأنه كان صاحبها من الأساس، وربما أيضًا لأنه كان أكثر المؤمنين بها، فقد صاحبته خلال سنوات بحثه فى التاريخ الإسلامى لم تغادره، وهو يتنقل بين بلاد الله، حتى استقر فى القاهرة بعد طول سفر واغتراب.
يستعرض حسين مؤنس بعضًا من جوانب حياة الرسول وصراعاته لنشر دينه، حتى يصل بنا إلى مقصده، فقد كانت حياته- صلى الله عليه وسلم- رمزًا وعظة وعبرة تنفع المسلمين طوال تاريخهم لو أنهم تدبروها، ولقد كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن ينصر الدعوة نصرًا مؤزرًا فى الأسابيع الأولى لنزول الوحى، فيؤمن أهل مكة جميعًا، ثم يتفق العرب على الدخول فى الإسلام، ولكن الله تعالى عهد بالرسالة إلى الرسول، وتركه يخوض معركته مع البشر، لكى يتعلم الناس كيف يخوضون معاركهم، وكيف يثبتون على مبادئهم، فلا يتحولون عنها قيد شعرة، وكيف يعاملون الخصوم بالصبر والأناة والحلم وحسن الخلق والحجة البالغة، وكيف يواجهون العقبات بقوة العزيمة وعمق الإيمان وثبات القلوب، وفى تقدير الله عز وجل أن أمة الإسلام ستلقى فى تاريخها بعد محمد عقبات مشابهة لما واجه الرسول، وستجد نفسها فى المواقف ذاتها.
من هذه النقطة تحديدًا تكتسب السيرة النبوية أهميتها عند حسين مؤنس، فهو يرى أنها ينبغى أن تكون خير معين للأمة على النصر والخروج من الأزمات.
يقول: لو نظرت فى أحوال العرب والمسلمين وما يواجهونه من ظروف قاسية، وحاولت أن تبحث لهم عن طريق يفضى بهم إلى السلامة من هذه الظروف، فإنك ستجد هذا الطريق قطعًا فى الرسول- صلى الله عليه وسلم-، ومن رأيى أن نقرأ السيرة اليوم فى مصادرها الأولى، أى دون أن يجرى فيها ابن هشام- أدخل على السيرة تغييرات كثيرة نعتبرها كبيرة - قلمه فيترك ما لا يرضيه، ويثبت ما شاء مما انتهى إليه حديثه من رواة متأخرين.
وبوضوح يضيف مؤنس: لنقرأ السيرة فى كتب الأصول، فلو فعلنا ذلك فستتجلى لنا عن نور جديد، وسنعرف محمدًا- صلوات الله عليه- فى ضوء جديد، وسنرى إدراكًا جديدًا يعيننا على المسير فى طريقنا اليوم. ولكن هذا يقتضى منا أن نفهم السيرة فهمًا جديدًا.
يضع حسين مؤنس أمامنا هذا الفهم الجديد للسيرة من خلال ملاحظات محددة.
فقد تعود الرواة والمؤرخون القدامى أن يسردوا سيرة النبى سردًا مرسلًا دون تقسيم أو بيان للمعنى الذى يستتر وراء كل حلقة من حلقاتها، والسيرة النبوية ليست مجرد سرد لأحداث حياة النبى- صلى الله عليه وسلم- وإنما حلقاتها عظات ودروس وعبر، وإذا قرأها الإنسان دون أن ينتبه إلى ذلك فاتته حكمة السيرة كلها.
يقول: لا أقصد تلك الأحداث القصيرة التى تعود خطباء الجمعة أن يرددوها على مسامعنا للاستشهاد بها على صدق ما يريدون قوله فى خطبهم التقليدية، وإنما أقصد المراحل الفاصلة فى هذه السيرة التى تعد أمثلة لما سيمر على الأمة من أزمات، فإذا نحن وعينا حكمتها فى السيرة، نفعنا هذا الوعى فى السير بأمتنا الإسلامية فى ظروفها، وما ستتعرض له من ابتلاءات فى طريق التوفيق والسلام والرخاء.
كتابة السيرة النبوية برؤية جديدة لم تكن مجرد فكرة عند حسين مؤنس، ولكنها كانت مشروعًا، وقد عمل عليها بالفعل، وهو ما يبدو فى دراسته التى بين أيدينا، وأعتقد أنه طرق أبوابًا لم يطرقها أحد من المؤرخين التقليديين، رغم أن المعلومات التى يستعين بها فى محاولته موجودة ومتوفرة لكنها مهجورة.
والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة يمكننا أن نمسك بها لديه بسهولة.
فهو ينتقد المؤرخين الذين عادة ما يبالغون فى تصوير سوء الظروف التى أحاطت بمحمد- صلى الله عليه وسلم- فى طفولته وصباه، فصوروه فقيرًا محتاجًا.
يقول مؤنس: ما كان الرسول فى يوم من أيام حياته فقيرًا ولا محتاجًا، وإنما نعتمد فى تصوير أحواله فى طفولته وصباه وشبابه الباكر على ما قاله الله سبحانه وتعالى فى سورة الضحى مخاطبًا رسوله الكريم «ألم يجدك يتيمًا فآوى، ووجدك ضالًا فهدى، ووجدك عائلًا فأغنى»، أى أنه كان يتيمًا فآواه جده ثم عمه، ووجده ضالًا فهداه وحماه من الضلال والموبقات، وأعده للرسالة الكريمة، ووجده عائلًا فأغناه بالتجارة.
ويقسم حسين مؤنس الفترة التى قضاها الرسول فى مكة بعد نزول الوحى إلى ثلاث فترات، وذلك حتى تتضح عبرة كل فترة للمسلمين فى كل زمان ومكان، وقد قسمها على النحو التالى:
رأى أن مؤرخى السيرة القدماء لم يوفقوا فى صياغة السيرة النبوية بصورة تجعل منها درسًا مفيدًا للناس
الفترة الأولى ومدتها تقدر بحوالى عامين، تبدأ من البعثة وتنتهى بدخول الرسول بيت الأرقم ودعوته فيه.
الفترة الثانية وهى فترة بيت الأرقم، ومدتها ثلاث سنوات، وتنتهى بعد إسلام عمر بقليل، ويذهب الكثيرون إلى أن عمر دخل الإسلام فى العام الثالث للبعثة، ولكن التحقيق الدقيق دل على أن ذلك كان فى العام الخامس للبعثة، أما الذى أسلم فى العام الثالث فكان حمزة بن عبدالمطلب- رضى الله عنه-.
الفترة الثالثة هى فترة الدعوة العلنية والصراع مع قريش وقد دامت ثمانى سنوات، من الخروج من بيت الأرقم إلى هجرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة.
وعندما ينتقل مؤنس للحديث عن الفترة المدنية، يقدم لها بأن مؤرخى السيرة القدماء رغم اجتهادهم الشديد لم يوفقوا إلى صياغة السيرة النبوية فى صورة تجعل منها درسًا واقعيًا مفيدًا للناس، وموجهًا لخطوات المسلمين، وللتدليل على وجهة نظره فإنه يعيد صياغة الفترة المدنية من وجهة نظره.
صياغة تاريخ الرسول- صلى الله عليه وسلم- فى المدينة تعتبر درسًا عمليًا لما يريده حسين مؤنس فى رؤيته الجديدة لكتابة السيرة، وكان هذا بعضًا مما قدمه فى هذا الإطار.
وصل رسول الله المدينة نهارًا من مكة ضحى الإثنين ١٢ من ربيع الأول للسنة الأولى للهجرة، ٢٤ من سبتمبر ٦٢٢ ميلادية، وعليه فإن الفترة المدنية بالحساب الميلادى أقل من عشر سنوات، وعشر سنوات فى حساب الأحداث فى تلك العصور فترة قصيرة جدًا، ولكن محمد أكمل فيها رسالته على نحو لا يكاد يصدق.
فقد وصل إلى قباء ضاحية المدينة الجنوبية فى صحبة أبى بكر، وصل وحيدًا تقريبًا إلى بلد لا يعرف عنه إلا معلومات تحصلت له بالسماع فى الغالب، وكان عليه أن يحيط إحاطة كاملة بهذا البلد وظروفه وأهله، ثم يؤسس الجماعة الإسلامية من عناصر كانت قبل وصوله متعادية متنافرة.
كان عليه أن يؤلف بين قلوب لم تعرف الألفة قبل ذلك، وألف بينها بالفعل، وكون منها جماعة متجانسة متعاونة يجمعها إيمان واحد قوى عميق بالإسلام، ثم تمكن من تحويل هذه الجماعة إلى دعاة نابهين متفقهين يدعون لدين الله الحنيف، فى الوقت نفسه الذى تحولوا فيه إلى قوة عسكرية مجاهدة، رسم لها خطط عمل عسكرية نفذت بدقة تدعو إلى العجب والإعجاب معًا.
وقبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى كانت أمة الإسلام فى جزيرة العرب قد تحولت إلى قاعدة لأكبر قوة معنوية وعسكرية عرفها التاريخ.
يتوقف مؤنس هنا ليتساءل، وأعتقد أنه كان يوجه أسئلته لمؤرخى الإسلام، يقول: كيف كان من الممكن أن يتم هذا بدون تخطيط دقيق؟ وكيف يقال إن الحضارة الإنسانية لم تعرف التخطيط إلا فى العصر الحديث؟ فماذا يكون التخطيط إذا لم يكن تخطيط محمد هو نموذجه الأكمل؟
ويتهم مؤنس أصحاب السيرة من القدماء بأنهم لم يهتموا بأن يعملوا من السيرة درسًا للناس يفيدون منه فى كل زمان ومكان، ولأن مؤرخيها من المحدثين أهمهم فى المكان الأول أن ينشئوا لأنفسهم مجدًا على حساب سيرة سيد المرسلين.
لا يكتفى مؤنس بالاتهام، ولكنه يقدم درسًا عمليًا للتدليل على ما يقوله، وتحديدًا فى سرد تفاصيل ما قال به الرسول فى المدينة، وهو الكلام الذى أعتقد أنه سيكون جديدًا بالنسبة لكثيرين.
يمكن أن نترك حسين مؤنس يتحدث قليلًا دون أن نقاطعه.
يحسب الناس أن محمدًا وصل إلى المدينة فوجدها منظمة مرتبة مستعدة للسير تحت رايته، وصاحبنا ابن هشام الذى يتحدث عن الحرب والعداوة بين أهل المدينة قبل هجرة الرسول، يتحدث عقب وصول الرسول مباشرة عن الوحدة والإخاء، وتحول هذا البلد إلى جماعة من الإخوة الأشقاء لا يعكر صفوهم إلا شراذم لا تذكر من اليهود والمنافقين.
وهو لا يذكر شيئًا عن الجهد البالغ الذى بذله الرسول لكى يصل إلى هذه النتيجة الباهرة مع قوم- هم العرب- عرفوا على مدى تاريخهم بأنهم أشد الناس ولعًا بالتفرق وعداوة بعضهم لبعض.
إن «المدينة» لم تكن مدينة عندما هاجر إليها الرسول، كانت واحات متفرقة فى سهل فسيح يطلق عليه سهل المدينة، واللفظ معرب من السريانية «مدينتنا» أى مساحة واسعة يسكنها قوم تجمعهم ظروف ومصالح واحدة.
فى هذا السهل الذى يقوم على جانبيه مرتفعان من البازلت الأسود يسميان بالحرتين أو اللابتين، كانت تتناثر واحات منها قباء ويثرب والسنح وسلع، وكانت قبائل الأوس والخزرج والمجموعات اليهودية الكبيرة تسكن واحات خاصة بها، كل واحة فيها أطم، أى حصن، وحوله أرض مزروعة، وأرض للمرعى، هى منازل القبيلة أو مجالها.
وبين مجالات القبائل كانت هناك مساحات واسعة غير مسكونة، كانت أرضًا غامرة أى غير مزروعة أو مسكونة، وكانت تشق هذا السهل وديان جافة فى الصيف ومعظم العام، وكانت تحمل الماء فى الشتاء، ولكنها كانت تفصل أجزاء المدينة بعضها عن بعض مثل وادى «مذينب» ووادى «رانوناء» ومجتمع الأسيال.
لم تكن هناك إذن «مدينة» تسمى «المدينة» الذى أنشأ هذه المدينة هو رسول الله، ولهذا سميت بمدينة رسول الله، لأنها من صنعه وثمرة عمله، لأنه عندما استقر فى منازل بنى عدى بن النجار فى دار أبى أيوب الأنصارى بدأ يعمل فى تحويل هذا الجزء من سهل المدينة إلى مركز عمرانى اجتماعى سياسى تنشأ حوله المدينة.
وبالفعل أنشأ مسجده وجعل منه مسجدًا ومجمعًا للمسلمين، واتخذ حجراته التى عاش فيها فى جانب من صحن المسجد، فأصبح المسجد مركزًا سياسيًا كذلك، ثم تخير جماعة من رؤساء المهاجرين والأنصار توسم فيهم الكفاية والقدرة على العمل والتنفيذ، فجعلهم أهل مشاورته والمنفذين لما يجد من مشروعات وخطط، فنشأت حوله مدرسة ليربى أفرادها ليكونوا رجال دولة وقيادة عسكرية وتنظيمًا سياسيًا واجتماعيًا.
وأمر الرسول بأن يمد طريق مبلط من المسجد الجامع غربًا حتى يصل إلى جبل سلع، فتم هذا الطريق. واختار موضعًا فى شرقى المدينة كان مغطى بالأعشاب والصخور، ونبات برى يسمى الغرقد، فأمر بتسويته وتمهيده، وأنشأ فيه مدفنًا للمسلمين سمى ببقيع الغرقد، ومد الطريق من بقيع الغرقد إلى المسجد، بهذا أصبح فى المدينة طريق واسع مستعرض يمتد من شرقها إلى غربها.
ومن المسجد وسط منازل بنى عدى بن النجار مهد طريقًا يصل إلى قباء جنوبًا وإلى واحة السنح شمالًا، وبهذا تحول سهل المدينة إلى مدينة فعلًا، فإن الناس أخذوا يبنون على جانبى الشارعين الرئيسيين، وقسمت الأرض «دورًا» أى قطعًا كبيرة، أقطع الرسول لكل من احتاج من الصحابة دارًا، فكانت هناك دار طلحة، ودار الزبير، ودار الحارث بن عبيد الله.
وكان الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد اتفق مع الأنصار على أن له الحق فى التصرف فى كل أرض غامرة لا تتبع أحدًا، فأخذ يعطى من هذه الأراضى واشترط التعمير، أى البناء والزرع، فأقبل الناس يبنون ويزرعون، واتصلت الواحات ببعضها، فتحول السهل إلى مدينة الرسول- صلى الله عليه وسلم-.
اهتم رسول الله بإقرار الأعراب، كان يريد أن ينقل الناس من حياة التنقل البدائية إلى الاستقرار، ولهذا كان يدعو الناس إلى ما سمى بالهجرة أى الانتقال من البداوة إلى الحضارة، وكان ينهى من يستقرون أن يعودوا إلى البداوة، لأنه كان يعرف أن الحضارة مرتبطة دائمًا بالاستقرار، وهذا جانب من فكر الرسول الحضارى لم يلتفت إليه أحد من مؤرخى السيرة.
ومن دلائل صدق نظرته العمرانية اهتمامه بـ«الغراسات»، وهو ما نسميه اليوم بالسياسة الزراعية، فقد كان يشجع أصحابه على الغرس، ويبارك لمن ينشئ منهم حائطًا أى أرضًا مزروعة عليها سور، وكان يستحب من أصحابه زرع البر «القمح» والفواكه والنخيل، وكان يقول إن من زرع فى الأرض نخلة كانت له روضة فى الجنة.
وكان يعنى بأعمال العمران، كان وادى «مذينب» يعوق المواصلات داخل المدينة، فأتاه رجل وقال: هل أقيم لك معبرًا، لقد تعلمت ذلك فى أرض فارس، فقال له الرسول إنه إن فعل ذلك فله من الأرض ما أحب، وأقام الرجل وبنى معبرًا أى قنطرة على الوادى، فأعطاه الرسول ما طلب من الأرض.
وكان يحب البناء المحكم، كان لا يميل إلى التأنق فى المسكن، ولكنه كان يحب البناء الحسن، بنى واحد من أصحابه بيتًا حسنًا وكانت فى رحبة الدار بئر، فلما زاره الرسول فيها طلب إليه أن يبنى البئر بالآجر، ويجعل لها حافة من حجر، وأن يجعل إلى جانبها حوضًا من حجر أيضًا، وأن يملأ الحوض كل يوم ويغطى البئر.
وضع حسين مؤنس يده على جانب من سيرة الرسول، لن أقول إن أحدًا لم يذكره، لأن حسين عاد إلى كتب السيرة الدقيقة والصحيحة، وأخذه منها بما يعنى أنه كان موجودًا طول الوقت، ولكن يمكن أن نقول إن أحدًا لم يهتم به، فقد أرادوا تصوير الرسول لنا على أنه كان النبى المحارب فقط، وحجبوا أجزاء أخرى كانت فى حياته.
وحتى يؤكد أن الرسول قام بإعمار المدينة، فإنه يواصل بحثه، يقول: أنشأ الرسول من مجموعة واحات بلدًا واحدًا زاهرًا، وقد تضاعف سكان المدينة أيام الرسول أكثر من عشر مرات، ولم نسمع رغم تلك الطفرة السكانية بمشاكل أمن أو إسكان أو تموين.
يسأل مؤنس: كيف حقق الرسول ذلك كله؟
ويجيب: هذه مسائل لم يمسسها أحد ممن يزعمون أنهم يعرفون السيرة أحسن معرفة، ولا أدرى كيف لم يفكروا فيها وهى من أعظم الدلائل على عبقرية محمد، فقد حقق هذه النتائج الباهرة بأسلوب سهل ممتنع، فقد كان يحل المشاكل بالنظر السديد والعقل الراجح والنظر البعيد، فكانت الجماعة تهاجر إلى المدينة فيخصص الرسول لها الأرض التى تبنى فيها مساكنها، وكان كبار الصحابة القريبين من الرسول يرشدون الناس إلى طريقة إنشاء الدور، فيقوم الناس ببناء دورهم بأيديهم، وكانوا ينبهون إلى أن عليهم أن يدبروا طعامهم، فيزرعون قطعة من الأرض ويربون شياهًا وأعنازًا، فإذا سكنوا بظاهر المدينة أى فى أطرافها اتخذوا الجمال والخيل، وكانت تقدم لهم المعونة فى ذلك حتى يستقروا، ولم يكن يسمح لأحد بأن يظل عاطلًا أو عالة على غيره، فقد كان الرسول يكره الكسول والمتراخى، وكان يبغض التسول إلا إذا كان الإنسان عاجزًا تمامًا عن العمل، ومع هذا فقد كان يفضل أن يظل هذا العاجز فى بيته ويأتيه الناس بطعامه دون أن يخرج إلى الطريق ليتسول.
ويعترض حسين مؤنس من يقول إن الرسول أنشأ دولة فى المدينة وكان هو رأس هذه الدولة.
يقول: هذا غير صحيح على إطلاقه، لأن الرسول لم ينشئ دولة، بل أنشأ جماعة متآخية متعاونة تقوم على عقيدة وقواعد أخلاقية، لم يكن فى المدينة أيام الرسول هيئة حاكمة ولا دولة، لم يكن هناك موظفون، لأن الناس كانوا يقومون بما يطلب إليهم من عمل على سبيل التطوع، لأنهم كانوا يخدمون أنفسهم بذلك فى الوقت نفسه.
ويضيف: الرسول كان نبى الله وهادى الجماعة وموجهها ومعلمها ومبشرها ونذيرها وسراجها المنير، ومن الخطأ أن نقول إن محمدًا كان رجلًا سياسيًا، لأن السياسة تلجأ إلى الكذب والخداع أحيانًا، وهذا لا يجوز فى حق الرسول، ولا يصح أن يقال «محمد القائد»، لأن القيادة العسكرية وظيفتها تخريب العدو وتدميره، ورسول الله لم يكن يخرب عدوًا أو يدمره، كذلك ليس من المناسب أن يوصف الرسول- صلى الله عليه وسلم- بأنه دبلوماسى، لأن الدبلوماسية فيها خداع ونفاق وكذب وتحايل، وحاشا للرسول أن يدخل فى شىء من ذلك.
كان يرسم صورة مختلفة للرسول لا يريدها المستشرقون وأبناء الجماعات المتطرفة وكتّاب السيرة
الدراسة التى قدمها حسين مؤنس فى هذين المقالين اللذين نشرهما فى عددى أغسطس وسبتمبر ١٩٧٨ من مجلة الهلال، لم يكونا وحدهما اجتهاده فى مسألة النظر إلى السيرة النبوية برؤية جديدة، صحيح أنه ختمهما بقوله: هذه أمثلة قليلة من الرؤية الجديدة للسيرة النبوية، نقدمها إلى القارئ حتى يرى أننا على حق عندما قلنا إننا فى حاجة إلى أن ننظر إلى السيرة نظرة جديدة ونفهمها على ضوء علمنا فى عصرنا هذا، ونكتبها على نحو يؤكد بالفعل أن الرسول وسيرته بالفعل سراج منير يضىء للمسلمين الطريق فى كل عصر من العصور.
لكن هذا لم يمنعه من أن يدخل هذا المجال أكثر من مرة، بل إنه أصدر كتابًا مهمًا هو « دراسات فى السيرة النبوية» استكمل فيه مشروعه الذى للأسف الشديد لم ينتبه له كثيرون، ولن أبالغ عندما أقول إنه كان هناك من حجب مشروع الدكتور مؤنس عن عمد، لأنه كان يرسم صورة للرسول- صلى الله عليه وسلم-، لا يريدها كثيرون سواء من المستشرقين أو كتاب السيرة أو أبناء الجماعات المتطرفة التى رسمت صورة للرسول تخدمهم أهدافها وتحقق أغراضه، ولذلك لن تجدوا ما كتبه حسين مؤنس مشهورًا أو مطلوبًا.






