فقه الشماتة.. تفكيك تدين الجماعات المتأسلمة الزائف
- الإخوان يزعمون أننى ضد الدين أو أتهجم على القرآن أو أسىء إلى الرسول
- ننحاز إلى الإسلام الدين ولكننا نرفض أن تستخدم جماعات سياسية هذا الدين لتحكمنا
فى الصحيحين يروى سهل بن سعد الساعدى، رضى الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، التقى هو والمشركون فاقتتلوا.
فلما مال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه.
فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: أما إنه من أهل النار.
فقال رجل من الصحابة: أنا صاحبه.. وقد خرجت معه كلما وقف وقفت معه، وإذا أسرع أسرعت معه، فجرح جرحًا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه.
جاء صاحب هذا الرجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال له: أشهد أنك رسول الله.
سأله الرسول، صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟
فرد صاحبه: الرجل الذى ذكرت أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فخرجت فى طلبه ثم جرح جرحًا شديدًا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه فى الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه.
فقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة.
ويحكى لنا أبوهريرة، رضى الله عنه، أنه شهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل ممن يدّعى الإسلام: هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحه.
فقيل: يا رسول الله، الذى قلت إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل قتالًا شديدًا وقد مات.
فقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: إنه إلى النار.
فكاد بعض الناس أن يرتاب، وبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت، ولكن كان به جرح شديد، فلما كان من الليل لم يصبر على جراحه فقتل نفسه، فأخبر النبى، صلى الله عليه وسلم، بذلك فقال: الله أكبر، أشهد أنى عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالًا فنادى بالناس: إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة.
وقفت أمام هذه الواقعة كثيرًا، استعدتها أكثر من مرة، وقلت بينى وبين نفسى ما أبعد الناس الآن عن الهدى الحقيقى للرسول، صلى الله عليه وسلم، ربما لأنهم لا يقرأون، وإذا قرأوا فإنهم لا يتأملون فيما بين أيديهم، وإذا تأملوا فهناك من يزيف وعيهم ويحرف فهمهم ويدفعهم دفعًا إلى ما يريد، وفى الغالب ما يريده هذا يكون بعيدًا عن مقاصد الرسول، صلى الله عليه وسلم.
هنا يعلمنا الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن الحكم على الناس يجب ألا يكون أبدًا من ظاهر أعمالهم، فهذا صحابى شهد حربًا مع الرسول، صلى الله عليه وسلم، ورغم أن ما قدمه من قتال شديد يستحق الجنة، فإن الرسول- ولأنه رسول- أخبر أصحابه أنه من أهل النار، وهو ما حدث فقد مات منتحرًا.
خلال السنوات الماضية التى شهدت فيها مصر أحداثًا سياسية جسيمة، أصبحنا نعيش فى فتنة كبيرة، يلفنا ظلامها فلا نكاد نرى، وتأكدت هذه الفتنة بعد أن أصرت جماعة الإخوان الإرهابية على غيها وسارت فى طريقها مُخاصمة الدولة ومعادية للشعب وعاملة بكل ما تملك على إسقاط مؤسسات الدولة، من خلال أدواتها الإعلامية والسياسية.
أورثنا هذا الوضع استقطابًا مخيفًا، فأصبحنا فريقين يقتتلان سياسيًا وإعلاميًا.
فريق يمثل بالنسبة لى الدائرة البيضاء وهم أنصار الدولة المصرية، الذين صنعوا وأيدوا وناصروا مشروع ٣٠ يونيو، وهؤلاء الرؤية لديهم واضحة، فيما يجب أن تكون عليه الأمور، يعرفون أن دولتهم مستهدفة، ومؤسساتهم فى مرمى النيران، وأن هناك من يريد أن يهد البيت على رءوس من فيه، ولذلك لا يتوقفون عن رد العدوان وصد الأذى ومواجهة كل من تسول له نفسه أن يقترب من حمى هذا الوطن.
وفريق يمثل عندى الدائرة السوداء، وهى الدائرة التى يتحرك خلفها كل عناصر جماعة الإخوان من نعرفهم ومن لا نعرفهم، من يعلنون عن أنفسهم ومن يتخفون ويعيشون بيننا، ومعهم من تحالف معهم بحثًا عن مصلحة ما، أو رغبة فى تحقيق مكسب ما، أو حتى وجد نفسه مقتنعًا بموقف الجماعة فانحاز إليها، وهم أيضًا يعرفون جيدًا ما يريدون، ويعملون بدأب شديد لتحقيقه، ورغم مرور ما يزيد على ١٣ عامًا على ما جرى فى ٣٠ يونيو فإنهم لم يكفوا أذاهم عن الدولة.. وأعتقد أنهم لن يفعلوا ذلك.
من اليوم الأول وأنا أقف فى الدائرة البيضاء، مناصرًا لمشروع ٣٠ يونيو ومنحازًا للدولة المصرية ومؤسساتها، أعلنت ذلك أكثر من مرة، وها أنا أعلنه الآن.
وحتى تتضح الأمور أكثر فإننى أقول إنى انحيازى الكامل للدولة المصرية ولمشروع ٣٠ يونيو، لأنه قام فى الأساس على نفى جماعات التأسلم السياسى من المجال العام فى مصر.
إننا ننحاز إلى الإسلام الدين، ولكننا نرفض أن تستخدم جماعات سياسية هذا الدين لتحكمنا وتتحكم فينا وتستعلى علينا وكل ذلك وهى تتحدث باسم الله، رغم أن الله برىء منهم ومما يفعلون، فالله لا يقبل أبدًا أن يتحدث أحد باسمه، فما بالنا والذين يتحدثون باسم الله يكذبون عليه وعلينا؟
ولأننى أقف فى هذه الدائرة ومنذ البداية، فلم ألتفت لما يقوله عنى الإخوان، ولا أهتم بما يتهموننى به فى قنواتهم الفضائية، أو تروجه لجانهم الضالة المأجورة، فهم خصوم وأعداء فى معركة واضحة لا لبس فيها، وليس معقولًا أن ألتفت لما يروجه عنى الخصوم والأعداء، فهم يفعلون ذلك من باب الكراهية، ورغبةً فى هزيمتى وإيقافى عما أقوم به.
دعك من الهجوم المباشر، ودعك من السباب والشتائم، وترويج الشائعات، رغم أنهم يفعلون ذلك من باب الابتزاز الشخصى، معتقدين أنهم عندما يحاصروننى بذلك فإننى ومن الطبيعى أن أؤثر السلامة، فلا داعى لكل وجع الدماغ هذا، لكنهم لا يعرفون أننى مؤمن بقضيتى ولن أخضع لمثل هذا الابتزاز.
المقرف- والكلمة صحيحة ودقيقة- هو ما تفعله الجماعة من خلال قياداتها الإعلامية ولجانها التابعة عندما يحرفون التصريحات ويقتطعونها من سياقها، ليصدروا للناس معنى معينًا أو مقصدًا خاصًا، فيحرضون الناس على الهجوم علىّ، ويستخدمون فى ذلك أننى ضد الدين أو أتهجم على القرآن أو أسىء إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، رغم أن أكبر دليل على أننى منحاز إلى الدين وإلى الدفاع عنه أننى أقف فى مواجهة هذه الجماعة الضالة.
المشكلة ليست عندى فى هذه الدائرة السوداء العدوة والمعادية، ولكن فى الدائرة الثالثة والتى أتعامل معها على أنها رمادية إلى حد كبير.
من يتحركون داخل هذه الدائرة يقفون على حرف، لا يميلون إلينا ولا يميلون إليهم، وهؤلاء تحديدًا يتم الصراع عليهم لاستقطابهم، وقد لعبت الجماعة وإعلامها ولجانها على من ينتمون إلى هذه الدائرة خلال السنوات الماضية، فى محاولة لا تهدأ أبدًا لتشكيكهم فى كل شىء.
إننى أشفق على من ينتمون إلى هذه الدائرة، لأنهم يتعرضون يوميًا إلى ما يشبه عملية غسل المخ، فيجدون أنفسهم يسيرون خلف دعايات كاذبة وهم لا يعرفون أنها كذلك، ويجدون أنفسهم متورطين فى ترندات مصنوعة أو جروبات مغرضة وهم يعتقدون أن هذه الترندات بريئة والجروبات شريفة، وأفضل تعبير يمكن أن نصف به هؤلاء أنهم «يهيصون مع الهيصة».
لقد قلت أكثر من مرة وعن قناعة إن جماعة الإخوان بما فعلته خلال ما يقرب من مائة عام، أفسدت الحياة فى مصر، ولا أتحدث عن السياسة فقط، ولكننى أتحدث عن الدين أيضًا.
لا شك عندى أن الجماعة أفسدت دين الناس، وشوهت تدينهم.
منذ أيام كنت أستعيد حوارًا بين الشيخ خالد عبدالله الذى تحول فجأة إلى إعلامى وقدم برنامجًا بعد وصول الإخوان إلى الحكم وكان مناصرًا تمامًا للجماعة، مع الشيخ أبى إسحاق الحوينى.
الحوار لا يزال موجودًا على اليوتويب يمكن أن ترجعوا إليه لتسمعوه بأنفسكم.
قال خالد للحوينى: هل كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، طول الوقت هو الشخص المتسامح الذى يدعو إلى المحبة، أم كان هناك وجه آخر؟
كان السؤال بالنسبة لى من نوعية الأسئلة الإيحائية، التقط الحوينى الطعم، وبدأ يتحدث عن أن النبى لم يكن متسامحًا دائمًا، وأنه كان يغضب وأنه أمر بقتل خصومه.
تعجبت من هذا الطرح، لقد دخل الرسول، صلى الله عليه وسلم، معارك عديدة مع خصومه، وفى سيرته كثير من أخبار مواجهته لمعارضيه، وقد أمر بقتل بعضهم بالفعل، لكن كل هذا كان من دواعى مواجهته معهم لإعلاء شأن دينه، ولذلك فإن استعادة هذه الوقائع بالصورة التى كانت عليها لم يكن بريئًا أيضًا، فقد كان الإخوان يخططون لقتل معارضيهم، وأرادوا أن يدفعوا أمام الناس ما كان يفعله الرسول، صلى الله عليه وسلم، مجردًا من سياقه.
سعت الجماعة فى تحقيق هدفها ذلك إلى الإساءة إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، أمعنت فى حجب وجهه المتسامح الرحيم، وراحت تقنع الناس أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يهجو معارضيه ويسبهم ويلعنهم وأنهم يفعلون مثله، رغم أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يكن سبابًا ولا لعانًا، ولكن كان رحمة مهداة، فهل هناك إجرام أكبر من هذا؟.. يسعون إلى تشويه صورة الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقط من أجل تحقيق أهدافهم الرخيصة.
كان خالد عبدالله نفسه وعدد من دعاة عصر الإخوان يمعنون فى التأكيد على أن السباب والشتائم لا حرج فيها ولا على من يقوم بها، وكانوا يستشهدون على ذلك بآيات من القرآن يحرفونها عن مواضعها، وللمرة الثانية هل رأيتم إجرامًا أكبر من هذا فى حق الدين؟
فى البداية كان يفزعنى أن أحدهم وهو- كما يدّعى- يدافع عن الدين وعن الإسلام وعن الله وعن القرآن وعن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأجده يستخدم أحط الشتائم ويتجرأ فيخوض فى أعراض الناس.
وكنت أسأل: كيف يستقيم هذا مع أخلاق الإسلام، وأخلاق الرسول، صلى الله عليه وسلم، وما جاء فى القرآن العظيم؟
خرجت من هذه المفارقة الواضحة أن من ينتمون إلى هذه الجماعات ومن يسيرون على طريقهم لا يمكن أن يكونوا متدينين حقيقيين، ولا يمكن أن يكونوا قد عرفوا الرسول، صلى الله عليه وسلم، على حقيقته، ولا يمكن أن يكونوا قرأوا كلامه أو عرفوا سيرته، لأنهم لو عرفوا ذلك ما سلكوا هذا السلوك أبدًا.
وخرجت من هذه المفارقة أيضًا أن هؤلاء جميعًا سواء كانوا من عناصر جماعة الإخوان الإرهاربية أو ممن يتحالفون معها أو حتى من الذين خدعوا فيها وبها، لا يمكن أن يكونوا تربية الإسلام ولا تربية الرسول، صلى الله عليه وسلم، فالفارق كبير جدًا بين الإسلام والإخوان وبين الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبين حسن البنا.
لقد هال كثيرين الهجمة الشرسة التى تعرض لها الصديق العزيز أحمد موسى بعد أن تعرض لوعكة صحية، وهال كثيرين أيضًا حالة الشماتة التى بدت فى كلام من هاجموه، وتساءلوا: هل يمكن أن يشمت إنسان فى مرض إنسان آخر، رغم أننا جميعًا معرضون للمرض ومعرضون للموت؟ فكل هذه أشياء من سنن الله فى الأرض، وهل يضمن إنسان أنه لن يمرض فيشمت فى مرض شخص آخر، أو يضمن أنه لن يموت فيشمت فى موت شخص آخر؟
أعتقد أن الشماتة التى أبداها كثيرون ممن ينتمون إلى الجماعة ومن تأثروا بأفكارها تؤكد أن الأمر لا دين فيه، الخلاف سياسى، لكنهم يغلفونه بغلاف دينى حتى يمنحوه شرعية وتأييدًا من عند الله.
الشماتة ليست جديدة، فهم لا يشمتون فى أشخاص يمرضون أو يموتون فقط، ولكنهم يشمتون فى الشعب نفسه إذا ما تعرض لمشكلة، ويشتمون فى الدولة إذا ما تعرضت لأزمة، حتى أصبحت الشماتة عندهم فقهًا يعلمونه لأتباعهم ويحرضونهم عليهم.
لا ألوم كثيرين ممن يقعون فى فخ جماعة الإخوان الإرهابية الآن، بل إننى ألتمس لهم العذر، وأعرف أنهم يومًا ما سيعرفون الحقيقة، ويكتشفون أن ما تقوله لهم ليس إلا أكاذيب يتبع بعضها بعضها.
ولذلك فإننى أعيدهم مرة أخرى إلى ما قاله الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن المقاتل الذى قاتل إلى جواره، ورغم ذلك قال إنه فى النار.
يحسب كثيرون أن الجماعة على حق، وأن من يعملون فى صفوفها على حق أيضًا، بل يزكونهم عند الناس، ولا يدرون أن هؤلاء قد يكونون من أهل النار، وهم حتمًا سيكونون من أهلها، فلا أحد يسعى بالفتنة ويقتل الناس ويشوه سمعتهم ويفترى عليهم ويكون مقبولًا عند الله.
ويحسب كثيرون أننا لسنا على حق، ويحكمون علينا أحكامًا باطلة، ويبذلون جهدًا خارقًا لتشويه كل ما نقوم به، ولا يدرون أننا بإذن الله سنكون من المقبولين عنده، لأننا نعمل من أجل وطننا، ندافع عنه، ولا نرضى له أن يحكمه ضالون مضللون أو تتحكم فيه عصابة باسم الدين.
إننى لا أبتغى رضا الناس، بل أبتغى رضا الله، الذى سنقف أمامه جميعًا يوم القيامة ليفصل بيننا بالحق، وهو يوم لا أخاف منه أبدًا، بل يجب أن يخاف منه من زيفوا دين الناس وزوروا تدينهم ودفعوهم إلى كل هذه الكراهية التى لن يسامحهم الله عليها أبدًا.







