مَن قال لكم إن المعركة انتهت؟.. العقل المصرى الوسطى فى مواجهة العقل الإخوانى المتطرف
- الجماعة موجودة بما تفعله من خلال وسائل الإعلام
- لن نستطيع أن نهزم الجماعة الإرهابية إلا بالتمكين للعقل المصرى السوى
على المقهى الذى اعتدت الجلوس عليه كل صباح، اقترب منى شاب مبتسمًا، استأذن فى الجلوس، رحبت به.
قال لىّ: عندى سؤال أريدك أن تجيبنى عليه بصراحة.
بابتسامة لا تقل تسامحًا عن ابتسامته، قلت له: لو كانت عندى الإجابة لن أخفيها بالطبع.
قال: أنا أتابعك فيما تكتب.. وما تقول فى البرامج التليفزيونية.. وما تقدمه على صفحاتك على السوشيال ميديا، والجزء الأكبر منه عن جماعة الإخوان.. ألا ترى أن هذه الجماعة تلاشت.. والمعركة معها انتهت.. لماذا تضيع وقتك ووقتنا فيما لا يفيد الناس؟
قلت له: ومن قال لك إن المعركة انتهت مع الجماعة الإرهابية؟
هز رأسه فى ثقة، وبدأ فى شرح وجهة نظره: ألستم تقولون إن ثورة ٣٠ يونيو قام بها الشعب ضد الجماعة.. خرج أكثر من ٤٠ مليون مواطن فى الميادين يهتفون بسقوط حكم المرشد.. وقد سقط حكم المرشد بالفعل بخروج محمد مرسى من قصر الاتحادية.. الذين أجرموا دخلوا السجون وصدرت ضدهم أحكام قضائية.. والجماعة الآن مشردة خارج البلاد أو مختفية ومستكينة داخل البلاد.. فلماذا نبذل كل هذا الجهد فى مواجهة جماعة ليست موجودة أصلًا؟
وقبل أن أرد عليه، وجدته يقول لى: واسمح لى.. إننى وكثيرون غيرى، وأعتقد أن هذا يصلك، نرى أن الهجوم على الجماعة أصبح مثل الشماعة الجاهزة التى تعلقون عليها كل المشاكل والأزمات التى نعانى منها، إننى أرى أن الجماعة التى لا وجود لها أصبحت مثل الحصن الكبير الذى تهربون إليه من مشاكل الواقع.. وفى هذا تضليل أعتقد أنه لا يليق بكم.

لم يزعجنى ما قاله الشاب المبتسم الذى اعتقد فى لحظة خاطفة أنه ألقمنى حجرًا، وأنه ليس لدىّ ما أقوله ردًا على كلامه، لكننى طلبت منه أن يصبر معى قليلًا حتى تتضح الأمور أمامه وأمامى.
وقبل أن أتحدث معه، قلت له: هل تعرف لماذا وصلت إليك وإلى غيرك هذه الصورة بالتحديد؟
حاول الإجابة، فقلت له: لأننا نحن السبب فى ذلك، هذا ما كنت ستقوله.
وافق على ما سمعه، فقلت له: الأمر يختلف تمامًا عما تراه أنت ويراه غيرك.
بدأت فى توضيح الأمر كما أرى، وكان الشاب منصتًا مما شجعنى على مواصلة كلامى.
قلت له: لقد قامت الثورة على الإخوان بالفعل فى ٣٠ يونيو، لم تكن تهدف إلى القضاء عليهم ومحو وجودهم من المجال العام فى مصر، لكنها قامت ضد فصيل سياسى وصل إلى السلطة باستخدام كل الأدوات التى لا علاقة لها بالديمقراطية، فقد اعتمدوا على الصفقات السياسية تارة، واستخدموا أدوات الترهيب تارة أخرى، جاءهم تمويل من الخارج ليستعينوا به فى معركتهم الانتخابية، ورفعوا فى وجوهنا الدين ليؤثروا فى قرار الناخبين، ولعلك تعرف أنهم قالوا إن مَن سيختار محمد مرسى رئيسًا فهو يختار الإسلام وستكون الجنة من نصيبه.
الثورة قامت بالأساس على هذا الفصيل، ليس لأنه فشل فى إدارة أمور البلاد فقط، فقد استشعر الناس أنه فصيل بلا كفاءات، وهو ما دفعهم إلى أن يدخلوا فى صدام مع كل فئات المجتمع، وتحولت مصر إلى كرة نار، أرض غير مستقرة، فقد توالت الأزمات بين الجماعة وبين الجيش والشرطة والقضاة والمحامين والإعلاميين، وزاد الأمر عندما أعلن محمد مرسى إعلانه الدستورى فى نهاية نوفمبر ٢٠١٢، وهو الإعلان الذى صادر من خلاله كل السلطات ووضع نفسه فوق كل المؤسسات، ومُكنت جماعته من أن تكون الحاكمة بأمرها، فلا أحد يراجعها ولا أحد يحاسبها.. أدرك المصريون أن هذا النظام فقد صلاحيته تمامًا.
الأكثر من ذلك أن المواطنين عندما اعترضوا على هذا الإعلان الدستورى، وذهبوا ليتظاهروا أمام قصر الاتحادية وقرر بعضهم أن يعتصم هناك، قامت الجماعة من خلال ميليشياتها بوحشية كاملة بفض الاعتصام، ووقائع ذلك لا تزال موجودة وموثقة، ويستطيع مَن يريد أن يطلع عليها أن يعود فقط إلى «يوتيوب» والمواقع الإلكترونية، ليرى رأى العين ما الذى فعلته الجماعة فيمن اعترضوا عليها مجرد اعتراض سلمى، لا قوة تسنده ولا سلاح يدعمه.
رسخ فى يقين المصريين فى هذه اللحظة أنهم ليسوا أمام رئيس دولة مفروض أن يمثل كل المصريين، ولكنهم أمام رئيس عصابة هى جماعته، فقرروا أنه لا يمكن أن يحكم مصر بلطجى يستخدم بلطجيته فى قمع معارضيه وتعذيبهم وتلفيق التهم لهم، بل ولا يتورع عن قتلهم بدم بارد.

تعالت أصوات المصريين منذ هذه اللحظة تطالب برحيل الإخوان عن السلطة، لم يكونوا يتحدثون عن محمد مرسى كثيرًا، لأنهم كانوا يعرفون أنه ليس إلا مجرد مندوب للجماعة فى قصر الاتحادية، ولذلك فالمشكلة ليست فيه، ولكن فى جماعته، ولذلك لا بد لهذه الجماعة أن ترحل.
فى مقابل هذه الدعوات تعنتت الجماعة، تمسكت بالسلطة، سخرت من المعارضين، وبدأت ترهبهم للدرجة التى وصلت إلى التهديد المباشر، صفوت حجازى أحد داعمى الجماعة قال إن مَن سيرش محمد مرسى بالماء سنرشه بالدم، وصرخ طارق الزمر من أمام مسجد رابعة العدوية بأنهم- يقصد المصريين- يهددوننا بـ٣٠/ ٦، ونحن نقول لهم إننا سنسحقهم جميعًا.
كان لا بد للثورة أن تقوم، وقد قامت بالفعل، ولم تستبعد الإخوان، بل دعت ممثل حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان لحضور اجتماع القوى السياسية فى ٣ يوليو ٢٠١٣، فقد كانت هناك رؤية أن يشارك الجميع فى كتابة خارطة طريق للمستقبل، وكان هناك كرسى لجماعة الإخوان، لكن سعد الكتاتنى رئيس حزب الحرية والعدالة رفض المشاركة، وهو الرفض الذى أعلنت به الجماعة عن أنها خصم للمصريين جميعًا، ووضعت به نفسها فى خانة العدو.
كان يمكن للجماعة أن تصمت، أن تخضع لإرادة المصريين، لكنها قررت أن تواجه وتقاوم وتشن حربًا إرهابية مكتملة على الدولة بمؤسساتها وشعبها.
استطاعت الدولة، من خلال جيشها وشرطتها وشعبها أيضًا، توجيه ضربات مؤلمة وموجعة للجماعة، قطعت يدها وكفت أذاها وطاردتها فى كل مكان، على أمل أن تنتهى الجماعة، وتخرج من حياة المصريين إلى غير رجعة، وكان هذا هو أمل الجميع.

لكن ما جرى أن الجماعة لم تنتهِ، وليس هذا فشلًا وقعت فيه الدولة فى حربها معها، فالأمر أكبر وأكثر من ذلك، فالجماعة لم تكن تحارب الدولة المصرية وحدها، ولكنها كانت مدعومة فى حربها من دول إقليمية وأجهزة مخابرات دولية وتنظيم دولى وفر لها كل الإمكانات التى نعرفها والتى لا نعرفها من أجل أن تستمر.
وفرت هذه الدول لعناصر جماعة الإخوان الهاربة ملاذات آمنة، دعمت تأسيس قنوات فضائية ومواقع إلكترونية ومنظومة سوشيال ميديا، وجعلت من كل ذلك سلاحًا موجهًا إلى قلب الدولة المصرية بهدف أساسى هو إرباكها وإنهاكها، تمهيدًا للعودة مرة أخرى.
هذه المنظومة التى اعتمدت عليها الجماعة، والتى توفر لها تمويلًا هائلًا، لا تزال تعمل حتى الآن، وهى أداة رهيبة لنشر الأكاذيب والترويج للشائعات وفبركة الوقائع، وكل ذلك للتشكيك فى كل ما تنجزه الدولة المصرية، والهدف من وراء ذلك هو إشاعة مناخ تشاؤمى وإفقاد المصريين الثقة، ليس فى قيادتهم فقط ولكن إفقادهم الثقة فى قضيتهم وفى ثورتهم التى قاموا بها.

قد لا تكون الجماعة موجودة بجسدها الذى نعرفه من خلال مؤسستها التى كان يقف على قمتها مكتب الإرشاد وما يتفرع عنه من مجلس شورى الجماعة والشعب والأسر وخلافه، ولكنها موجودة بتأثير ما تفعله من خلال وسائل الإعلام، هذا إذا سلمنا بأن أعضاءها الموجودين فى مصر ولا يطلون برءوسهم المزعجة لا يعملون ويواصلون أذاهم، وإن كان ما لدىّ من معلومات يشير بوضوح إلى أنهم لا يزالون على عهدهم مع الجماعة يعملون ويجتمعون ويتواصلون ويحاولون نشر الشائعات وزعزعة استقرار المجتمع وأمنه.
كل هذا لا يمكن معه أن نقول إن الجماعة انتهت، فهى ليست مشروعًا مصريًا ولكنها مشروع دولى وظيفى تستخدمه قوى دولية، ليس لإحكام السيطرة على مصر وحدها، ولكن للتحكم فى دول المنطقة أيضًا، وهو ما يفسر لماذا دعمت دول إقليمية ثورة المصريين على الإخوان، فالجماعة خصم لهذه الدول كما هى خصم لمصر.
قلت للشاب الذى كان يواصل الاستماع إلىّ: هل تعرف لماذا يردد الناس وأنت منهم أن الجماعة انتهت ولا يوجد داع لأن نحاربهم ونخصص لهم كل هذا الوقت فى الإعلام؟
استفسر عن السبب بهزة بسيطة من رأسه.

قلت له: ببساطة هذه حيلة إخوانية.. أداة من أدوات تأثيرهم النفسى على الرأى العام، فهم يريدون أن يصلوا إلى هذه النتيجة من باب الخداع، أن يعتقد الناس أن الجماعة انتهت، لم يعد لها وجود، ولا تملك أى تأثير، ومع ذلك لا تزال الدولة تحاربها وتنبش فى تاريخها، وكأنها مظلومية جديدة تريد أن تحصدها الجماعة، هذا من جانب، أما الجانب الأهم فإن الجماعة تريد أن ينصرف الناس عن جرائمها وعن كل ما تفعله ضد مصر، فى محاولة للهروب من مسئوليتها عن كل الخراب الذى نعانى منه.
استوقفنى الشاب وقال: لكن ليس معنى هذا أن نصنع من الإخوان شماعة نعلق عليها كل إخفاق وكل أزمة وكل مشكلة؟
قلت له: قد يكون عندك بعض الحق.. لكن مؤكد أنه ليس لديك كل الحق فيما تقول.. فالدولة بعد الثورة بدأت فى حربين كبيرتين، الأولى كانت حربًا على الإرهاب الذى وقفت الجماعة وراءه، حتى لو أنكرت ذلك، والثانية كانت حرب بناء، فقد تسلم الشعب المصرى بعد ثورته على الجماعة دولة مهترئة لا بد من بنائها من جديد، وفى طريق البناء من الطبيعى أن تكون هناك بعض الإخفاقات التى لا يمكن أن ينكرها أحد، فنحن أمام عمل بشرى فيه الصواب والخطأ.

سألت الشاب الجالس أمامى: هل تعلم جريمة الإخوان الحقيقية؟
قال لىّ باستسلام: زدنى.
قلت له: جريمتهم أولًا أنهم سخّروا كل إعلامهم لتشويه كل عمل يجرى على الأرض، حشدوا المعلومات الخاطئة حول كل مشروع تقوم به مصر، فقد كان هدفهم أن يصل للناس أنه لا شىء يحدث على الأرض، ورغم كذبهم المكشوف والمفضوح، إلا أن إلحاحهم على ما يقولون جعل كثيرين تهتز ثقتهم فيما يحدث على الأرض، ضخموا من المشاكل وهونوا من الإنجازات، وبدأوا فى حرب تشويه لكل مَن يعمل، بل بدأوا فى عمليات اغتيال معنوى لكل من يقول كلمة حق فيما يحدث، فقد كان هدفهم الواضح هو إسكات الجميع، حتى ينفردوا بالساحة ليقولوا هم ما يريدون.
وقلت للشاب الذى بدا أنه كان متأثرًا بدعايات الإخوان: إننى على قناعة كاملة بأن جماعة الإخوان لو كانت غير موجودة فى مصر، لو أنها لم تظهر من الأساس، لكانت مصر الآن دولة متقدمة سياسيًا واقتصاديًا، لكن هذه الجماعة عطلت الدولة وأعاقتها ووقفت فى طريق تطورها السياسى والديمقراطى، ولو أنها انسحبت من الساحة السياسية ولم تدخل فى حرب استنزاف واضحة ضد الدولة بعد ثورة ٣٠ يونيو، كنا نستطيع أن نتجاوز الوضع المتردى الذى وجدنا أنفسنا فيه، والذى كشفت عن ملامحه ثورة يناير.
إن المعركة مع هذه الجماعة لم تنتهِ بعد، وأعتقد أنها لن تنتهى بسهولة، وذلك لأنها تملك عقلًا إجراميًا متطرفًا، والتطرف هنا ليس دينيًا فقط، ولكنه تطرف سياسى أيضًا.

صحيح أن الدولة من خلال أجهزتها ومؤسساتها الصلبة، سواء فى الجيش أو الشرطة، استطاعت أن تقلم أظافر الجماعة إلى حد بعيد، لكن لن نستطيع أن نهزم الجماعة الإرهابية إلا بالتمكين للعقل المصرى السوى والمستقيم والوسطى، ذلك العقل الذى لا يأخذ من الدين وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، ولا يتشنج باسم الدين رغم البُعد الكبير بينه وبين الدين الصحيح.
إننا نمتلك وعيًا كاملًا بخطورة فكر هذه الجماعة على الدولة المصرية، ويبقى أن يكون هذا الوعى هو الذى يحكم الشعب المصرى كله فيما يتعلق بالجماعة ورجالها وأهدافها وما تريد أن تنفذه على الأرض، ساعتها لن تتمكن الجماعة من دخول مدينتنا مرةً أخرى، وهو الهدف الذى تعمل من أجله بكل ما تملك.

شعرت بأن الشاب الذى سألنى عن نهاية المعركة قد بدأ فى الاقتناع ببعض ما قلته، ووجدته يقول: معنى ذلك أن الطريق لا يزال طويلًا فى الحرب ضد هذه الجماعة؟
قلت له: هذا صحيح تمامًا.. المهم ألا ننسى وألا نغفل وألا نتجاهل الخطر.. ففى الوقت الذى نستسلم بأنهم انتهوا سنجدهم ينقضون علينا من جديد.. وهو ما لا تريده أنت ولا أريده أنا ولا يريده أحد من الشعب المصرى كله.







