المتربصون.. عن المسافة بين حرية الكلام وحرية التعبير
- حرية الكلام ممنوحة ومكفولة للجميع ليس بأمر السلطة ولكن لأنها طبيعة بشرية
كنت حاضرًا ضمن المشاركين فى افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، عندما أخبرنا الرئيس عبدالفتاح السيسى بتأكيده ضرورة فتح المجال أمام الحوار الموضوعى الذى يشمل الرأى والرأى الآخر فى إطار من الاحترام والتفاهم.
كما كنت حاضرًا فى أكثر من فعالية رئاسية، تحدث فيها الرئيس عن ضرورة تمكين الرأى الآخر، رغبةً فى إثراء المجال العام، وفى كل مرة كان يؤكد أن ما يلح عليه ليس رفاهية، بل ضرورة، يحتاجها المجتمع المصرى فى ظل التحولات الداخلية والإقليمية التى يشهدها، والتى تفرض عليها تحديات يجب أن يواجهها الجميع وهو كتلة واحدة صلبة، لأن رهان من يريدون كسر شوكة مصر هو أن نتفتت ونتفرق ونتصارع وندخل فى حرب أهلية، إن لم يكن بالفعل فبالكلام.
فى المرة الأخيرة، فى افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، كان كلام الرئيس مختلفًا، وذلك لأنه بنى دعوته لضرورة الحوار بناءً واضحًا وضع له مقدمات منطقية، وهى المقدمات التى تدعم ضرورة الحوار وموضوعيته.
فقد أشار أولًا إلى أنه يعلم يقينًا ما يتحمله المواطن المصرى من أعباء، ويدرك أن تحسين مستوى معيشة هذا المواطن وتخفيف معاناته يظل فى مقدمة أولويات الدولة، والشاغل الأول فى كل قرار يصدر عن الدولة.
معاناة المواطن وقدرته على التحمل بضرورة تقديم تضحيات للحفاظ على الدولة تجعله فى حاجة لأن يعبر عن رأيه، ويقول ما يراه، وأن يكون هناك من يتحدث بلسانه ويعبر عنه وينقل ملامح معاناته وتضاريس تحمله إلى صانع القرار حتى يضعه فى اعتباره عندما يفكر فى إصدار أى قرار، خاصة أن قرارات متلاحقة تصدر الآن تمس حياة الموطن ومستوى معيشته وتفاصيل يومه.
وضع الرئيس توصيفًا دقيقًا لما تواجهه مصر، فهو يشير إلى أننا واجهنا معًا خلال السنوات الماضية تحديات استثنائية وتحملنا جميعًا مسئولية الحفاظ على وطننا، فى ظروف بالغة الدقة والتعقيد.
الإشارة هنا واضحة إلى العقد الاجتماعى الجديد الذى جاء به الرئيس، فعندما يقول: تحملنا معًا.. فهو يقصد ما يقوله تمامًا.
عندما تولى الرئيس المسئولية قال: كل ما أملكه هو العمل، وكل ما أريده منكم هو العمل.
دائمًا ما يضع نفسه والشعب المصرى فى صفٍ واحدٍ، يدرك أنه لا يستطيع العمل بمفرده، وأنه بدون المواطنين فإن شيئًا لا يمكن له أن يتحقق على الأرض، ولذلك فهو كثيرًا ما يتوجه بالشكر للمواطن الذى هو سر الاستقرار وضمانة الاستمرار.
كان الحدث- افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية- مناسبًا جدًا، لأن يقول الرئيس: نحن نقترب من مرحلة جديدة، فإن ما تحقق من بناء وإصلاح يفرض علينا أن نواصل المسيرة بنفس القدر من المسئولية والحكمة لبلوغ غايتنا.
لم يكن ما شهدنا افتتاحه مجرد مقر جديد لوزارة الدفاع، فهو أكبر من ذلك بكثير، إننا أمام فلسفة كاملة جديدة، تترجم مصر بها رؤيتها وقوتها وقدرتها على صناعة المستحيل، فالمستحيل لم يعد مصريًا أبدًا.
فمقر القيادة الاستراتيجية يعكس تطور الفكر المصرى فى بناء مؤسساته الحديثة، لا نتحدث عنه أنه المقر الأكبر فى العالم فقط، فالمسألة لا تقاس بالحجم، ولكن تقاس بالأهداف والغايات والقدرة على تحقيقها والوصول إليها.
«الأوكتاجون» لمن لا يعرف اكتسب اسمه من تصميمه المعمارى الشبيه بالمثمن، فهو يتكون من ثمانية مبانٍ مثمنة الشكل، تمثل الفروع الثمانية للقوات المسلحة، ويتكون المقر من ١٠ مبان، ٨ منها خارجية واثنان داخليان، ويحتوى كل مبنى على ثمانية جوانب متصلة ببعضها البعض، مع ممرات متصلة بقلب المبنى الرئيسى الذى يقع فى المنتصف، ويوجد مبنيان وزاريان مركزيان يقعان فى وسط الهيكل ثمانى الأضلاع، وكلاهما متصل ببعضه وبقية المبانى الخارجية الثمانية بواسطة ممرات طولية.
ويضم الأوكتاجون ستة مراكز هى: مركز البيانات الاستراتيجية الموحدة ويحتوى على جميع بيانات مؤسسات الدولة، ومركز التحكم للشبكة الاستراتيجية وينظم عمل الجهاز الإدارى للدولة، ومركز إدارة وتشغيل المرافق الحكومية ويختص بكل وكالات ومرافق الدولة، ومركز التحكم فى شبكة الاتصالات ويضمن استقرار الاتصالات على الصعيد الوطنى، ومركز الطوارئ والسلامة ويدير خدمات الطوارئ وخدمات الأمن الميدانى، ومركز التنبؤات الجوية ويقوم بتجهيز مركز الدفاع فى حالة أى كوارث طبيعية.. هذا غير عدد من المستودعات التى تؤمن احتياجات الدولة من البضائع الاستراتيجية.
هذا المقر العسكرى الهائل ليس إلا جزءًا من مؤسسة كبيرة تضم أماكن عبادة ونوادى وفنادق ومدارس وملاعب ومشاريع سكنية ومراكز تسوق ومستشفيات ومجمعات للخدمات المدنية والإدارية.
هذا الإنجاز الهائل الذى شهده الجميع كان مناسبة ليعلن الرئيس أننا أمام مرحلة جديدة تدخلها الدولة جميعها، ولذلك أكد أهمية فتح المسئولين قنوات التواصل المباشر مع المواطنين، والاستماع الجيد لآرائهم وإمدادهم بالمعلومات الحقيقية حتى تكون الرؤية موضوعية ومبنية على بيانات مدققة.
وحتى نصل إلى تحقيق هذه الغاية التى جعلها الرئيس هدفًا له وللجميع، فقد كانت له توجيهات محددة، دفع بها إلى الحكومة للعمل عليها وتنفيذها على وجه السرعة.
من بين هذه التوجيهات نتوقف عند ما قاله بخصوص الإعلام.
قال الرئيس: فتح المجال أمام الحوار الإعلامى الموضوعى، الذى يشمل الرأى والرأى الآخر، لإثراء النقاش وبناء الوعى، فى إطار من الاحترام والتفاهم، وفى هذا الصدد أوجه السيد وزير الدولة للإعلام بالتنسيق مع الجهات والهيئات الإعلامية والصحفية المعنية بعقد اجتماع سنوى، مبدئيًا يوم ٣ ديسمبر من كل عام، تحت رعاية رئيس الجمهورية لمراجعة أوضاع الإعلام المصرى، ومناقشة التحديات والفرص والخروج بتوصيات عملية لتطويره بصفة مستمرة.
رأيت وأنا أسمع خطاب الرئيس رد الفعل على ما قاله بخصوص الإعلام، كان هناك تفاعل إيجابى للغاية مع ما رسمه الرئيس من خريطة يمكننا أن نعتبرها خارطة طريق جديدة يمكن أن تمنح الإعلام نفسًا جديدًا، ورئة يستطيع من خلالها التنفس على رقعة أوسع من تلك التى يتحرك عليها الآن.
لقد كانت هناك محاولات سابقة لمناقشة أوضاع الإعلام فى مصر، حدث هذا فى جلسات الحوار الوطنى، وفى اللجنة التى شكلها رئيس الوزراء ووضعت تقريرها الشامل عن أوضاع الإعلام بما يعانيه وما يريده، ورغم أنها كانت محاولات جادة ومخلصة بذل المشاركون فيها جهدًا كبيرًا، إلا أنها لم تسفر عن شىء يمكن ترجمته على أرض الواقع، خاصة فى ظل تشابك أوضاع الإعلام وتعقيداته.
قبل أسابيع كنت مشاركًا فى اجتماع مع السيد وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، ومن بين ما قلته، فى هذا الاجتماع، إننا فى حاجة إلى مؤتمر عام تشارك فيه أطراف العملية الإعلامية جميعها، سعيًا لتوصيف دقيق لأوضاع الإعلام، فبدون توصيف دقيق لن يكون لدينا أى علاج صحيح، وهذا هو المنطق الذى لا بد أن نفكر به من الآن.
ربما لهذا استقبلت ما قاله الرئيس عن عقد مؤتمر سنوى للإعلام بإيجابية شديدة.
وقد تسأل عن الاختلاف الذى يمكن أن نشهده فى هذا المؤتمر عما سبق من جلسات ولجان دارت فيها مناقشات جادة بخصوص الإعلام.
سأقول لك: الأمر سيكون مختلفًا بالتأكيد.
فالدعوة، هذه المرة، من الرئيس مباشرة، وسيكون المؤتمر تحت رعايته، أى أنه سيكون متابعًا لكل خطواته، ولن يكون منتظرًا فقط تقريرًا يُرفع إليه.
عندما يتحدث الرئيس فهو يقرر، فكلام الرئيس قرار، ما يعنى أن هناك قرارًا رئاسيًا يخص الإعلام، وليس على مكونات العملية الإعلامية إلا أن يستغلوا ذلك لعرض تفاصيل الأوضاع التى تشكل خريطة العمل الإعلامى بدقة ووضوح، حتى يتم وضع الجميع أمام مسئولياتهم.
لقد تابعت تعليقات كثيرين على ما قاله الرئيس.
لن ألتفت لكلام المتربصين، وهؤلاء تعرفونهم جيدًا، فهم يستقبلون كل ما يصدر عن الرئيس بشكل سلبى، ويحولونه عن الغاية التى يريدها، وذلك بهدف إفساده وتفريغه من مضمونه والانحراف بمحتواه، فندخل فى دائرة مفرغة من النقاش والحوار والجدل، لا تنتهى إلا لتبدأ ولا تبدأ إلا لتنتهى، دون أن نصل من وراء ذلك كله إلى أى شىء.
هناك أصحاب مصلحة فى إفساد كل شىء فى مصر، هؤلاء الذين يناصبون النظام، الذى على رأسه الرئيس السيسى، العداء، ولذلك فإنهم لا يرون فى كل ما يقوله أو يفعله أى شىء إيجابى، ومن المنطقى ألا نلتفت إلى هؤلاء، لأنهم حتى لو استخدموا العقل فى صياغة ما يقولونه، ووضعوه على جناح المنطق، فعلينا أن نتأكد أن عقلهم شرير ومنطقهم فاسد، ولا يجب أن نتبعهم فى شىء مما يقولونه.
أقول ذلك لأن هناك بالفعل من بيننا من لا يزالون مخدوعين بكلام وطرح خصوم الوطن الذين يتحدثون إلينا من منصات خارجية ممولة، ولا هم لهم ليل نهار إلا تحريف الكلم عن مواضعه، وتحميل كلام الرئيس ما لا يقصده أو يعنيه أو يطيقه، يفعلون ذلك لأنهم يحترفون صناعة الفتنة، باعتباره الطريق الوحيد القادر على تفتيت هذا الوطن وإنهاكه وإرباكه تمهيدًا إلى إسقاطه.
لقد كان الرئيس واضحًا فيما يريده، فهو يريد حالة من الحوار التى تقوم على تمكين الرأى والرأى الآخر، وذلك لخلق حالة من الوعى لدى المواطنين تقوم على الاحترام والتقدير المتبادل، فالدعوة لحوار وليست لتنازع بالآراء، والفارق كبير بينهما بالطبع.
فالحوار مهما كان حادًا، لا يخسر فيه طرف الطرف الآخر، ولا يسعى فيه طرف إلى فرض وجهة نظره على الطرف الآخر، إن لم يكن بالترغيب فبالترهيب، لا يمكن أن يكون بين المتحاورين إذا انطلقوا من أرضية واحدة أن يتخاصموا أو تتشكل العلاقة بينهما على أرضية العداء.
أما التنازع بالرأى فهو أمر آخر تمامًا، إنها حالة من الاقتتال بالكلمات، يسعى كل طرف إلى قهر الآخر وجعله تابعًا، لا مكان فى هذا التنازع لتفاهم أو الوصول إلى مناطق وسط، وذلك لسبب بسيط هو أن هناك طرفًا يعتقد أن لديه الحق ويملك الحقيقة.. وعلى الآخرين أن يخضعوا له دون نقاش.
لقد تركت أمثال هؤلاء خلفى، وتوقفت عند من لا يتربصون بدعوة الرئيس، ومنهم من يرى أن الحل لكل مشاكل الإعلام وأزماته والوصول به إلى تطور مستمر، كما يقول الرئيس، هو الحرية، فلو منح الإعلام الحرية لزالت كل مشاكله، ولما أصبحنا فى حاجة إلى عقد مؤتمرات أو تشكيل لجان، بل لن نكون فى حاجة من الأساس للنقاش حول أزمات الإعلام، لأنه لن تكون هناك أزمات مع الحرية.
هذا الطرح من الناحية النظرية صحيح تمامًا، لا يستطيع أحد أن يرفضه أو يتجاوزه أو يفتأت عليه، وذلك لأن الإعلام بالفعل لا يستطيع أن يعيش إلا فى مجال عام يمنحه الحرية الكاملة لأن يعمل ويعرف وينشر ويناقش ويجادل ويختلف ويخطئ ويصحح، ويتقدم ويتراجع، بما يضمن له أكبر حالة من المرونة فى أداء عمله.
لكن على المستوى العملى فإن أزمات الإعلام فى مصر الآن أكبر من حصرها فى افتقاد الحرية.
ربما لأن الحرية التى يتحدث عنها البعض باعتبارها الحل السحرى لكل مشكلات الإعلام قد أصابتها هى الأخرى تشوهات كثيرة، أصابت معانى بلا حصر فى حياتنا بعد اختلال المعادلات الذى جرى فى أعقاب ثورة يناير، وهو اختلال لا يمكن لأحد أن ينكره، والمزعج أن أحدًا حتى الآن لم يتوقف أمامه بالبحث والدراسة على الأقل لنفهم بدقة ما حدث ويحدث.
إن الحرية التى يتحدث عنها البعض فى تجلياتها على الأرض تتحول إلى فوضى.
والفوضى هى العدو الأول والأكبر لوطن يريد أن يستقر.. وأعتقد أن كل المنصات المعادية لمصر لا تعمل إلا من أجل نشر الفوضى، وذلك من خلال نشر المعلومات المفبركة وتسريب الشائعات الملغمة وزرع الفتنة من خلال الآراء المنحرفة.. فهل نتحدث عن الحرية التى تتيح لهؤلاء ولغيرهم أن يواصلوا تنفيذ مخططهم.
لقد تحدث الرئيس عن الحوار الموضوعى.
وأعتقد أننا فى حاجة إلى الاتفاق على ملامح وحدود هذا الحوار الموضوعى.
فى اعتقادى أن هناك فارقًا مهمًا بين حرية الكلام وحرية التعبير.
حرية الكلام ممنوحة ومكفولة للجميع ليس بأمر السلطة، ولكن لأنها طبيعة بشرية، فمن حق كل إنسان أن يتكلم، أن يقول ما يريد، أن يتلفظ بما شاء، على أن يكون ذلك فى حدوده الضيقة بين أهله وأصدقائه وزملاء عمله.
لكن عندما يتحول الحق فى الكلام إلى الحق فى التعبير فلا بد أن تكون هناك ضوابط ومعايير محددة.
إن آفتنا التى نعانى منها هى أن هناك خلطًا بين حرية الكلام وحرية التعبير، وأعتقد أن منصات السوشيال ميديا هى المسئولة عن هذا الخلط، فمن حقك أن تقول ما تريد، لكن ليس من حقك أن تنشره وتجعله أمام الناس جميعًا، لأنك بنشر كلامك تؤثر فى آخرين.. وهنا المشكلة.
مشاكل الإعلام ليست فى افتقاده للحرية فقط.
مشاكله معقدة ومتشابكة.. من يعملون فى الإعلام يعانون، مهنيًا واقتصاديًا ونفسيًا واجتماعيًا.. مستلزمات الإنتاج فى حاجة إلى نظر.. منظومة الإعلانات تحتاج إلى إعادة ترتيب.. قوى المجتمع الضاغطة على الإعلام فى حاجة إلى مراجعة نفسها.
وقد تكون المشكلة الأكبر الآن هى أن الإعلام أصبح أسيرًا لمجموعة من الأسئلة عما يريده الآخرون من الإعلام، فنسأل ما الذى تريده السلطة؟ وما الذى يريده رجال الدين؟ وما الذى ينتظره الفنانون ولاعبو الكرة والمثقفون والأدباء وعمال اليومية والمرأة والشباب وجيل زد؟
يبدأ الإعلام فى التطور عندما لا ينشغل بمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، ويبدأ فى البحث عن وظيفته التى يجب عليه أن يقوم بها، وأن يبحث، كذلك، عن الموارد والإمكانات التى تمكنه من القيام بدوره، ودون ذلك فهو عبث ودوران فى حلقات مفرغة لن تنتهى.
المشوار أمامنا طويل.. المهم أن نبدأ بداية صحيحة، وأن نعتبر مبادرة الرئيس لمناقشة سبل تطوير الإعلام فرصة.. والأهم من ذلك ألا نضيع هذه الفرصة، كما ضيعنا غيرها من فرص.





