الخميس 11 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

المهمة المفقودة.. أين ذهبت كتيبة مثقفى 30 يونيو؟

حرف

- مصر أمامها تحديات وتحتاج لصاحب كل صوت حقيقى وصاحب كل قلم مبدع

تعددت الأسباب التى دعت المصريين فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ للخروج مطالبين بإسقاط حكم المرشد. 

كان لدى كل فئة من فئات الشعب التى خرجت تهتف ضد جماعة الإخوان ما جعلها على قناعة تامة بأن مندوب الجماعة فى قصر الاتحادية يجب ألا يستمر يومًا واحدًا فى الحكم، بعد أن أصبح الشعب المصرى على حافة الحرب الأهلية بسبب أفعال جماعته. 

يمتلك الشعب المصرى خبرة تاريخية لا تتوافر لغيره، هذه الخبرة تجعله قادرًا على الفرز، فيعرف ما هو الخطر الحقيقى الذى يهدد وجوده، والخطر الزائف الذى يدعى البعض أنه قادم، فيتحركون بجدية فى مواجهة الأول، ويتعاملون باستهانة وسخرية من الثانى. 

كان المصريون يعرفون ما يحدث من حولهم دون أن يُرشدهم أحد. 

فقد عرفوا بهذه الخبرة أن خطر وجود الإخوان فى الحكم حقيقى، وأن السكوت عليه وتمكينه من الاستمرار، لا يعنى إلا شيئًا واحدًا، وهو أننا جميعًا نتجه إلى التهلكة.. التى فيها المهلكة الكبرى. 

لا يستطيع أحد أن يقول إن ثورة ٣٠ يونيو ملكه وحده، أو إنه من صنعها بمفرده، فقيمة هذه الثورة الحقيقية أننا جميعًا وعلى قلب رجل واحد قمنا بها.. صنعناها بأيدينا، وكان يجب أن نحرسها بعيوننا. 

لو فتشت فى ذاكرة كل مصرى الآن ستجد حتمًا فيها مشهدًا أو أكثر من مشاهد الثورة كان صانعًا لها ومشاركًا فيها. 

ولو طلبت من أحدهم الحديث، ستجد لديه ذكرى أو أكثر، كان فيها فاعلًا أو شاهدًا، ولو أتيح للجميع أن يكتبوا مذكراتهم، فإن الثورة ستحتل جزءًا مهمًا من أحداثها. 

فى قلب هذا المشهد الأسطورى الذى صنعه المصريون بأيديهم، كانت هناك كتيبة مبادرة ومقاتلة فى الوقت نفسه، لم تكتفِ بالكلام، رغم أن الكلام سلاحها الوحيد، ولكنها قررت أن تتحرك على الأرض، تنفذ ما لديها من أفكار، تكون قدوة عملية للآخرين. 

هذه الكتيبة كانت كتيبة مثقفى مصر من كتاب ومفكرين ومبدعين وفنانين ورسامين وصحفيين التى كسرت طوق الصمت، وقررت أن تعلن اعتصامها فى مقر وزارة الثقافة بشارع شجرة الدر بالزمالك، وتعلن عن أنها لن تُنهى اعتصامها قبل أن يرحل النظام. 

لم يكن الاعتصام رمزيًا، ولا مجرد صرخة احتجاج عابرة، وليس تجمعًا صغيرًا، يرسل من خلاله المثقفون صوت احتجاجهم على ما يحدث من الإخوان، ولكنه كان حركة منظمة ومرتبة وضع أصحابها لها هدفًا وسعوا إلى تحقيقه بدأب وكفاءة. 

لم يكن اعتصام المثقفين الذى بدأ فى ٥ يونيو ٢٠١٣ عملًا انفعاليًا، أو رد فعلى لحظيًا على تعيين وزير ثقافة إخوانى لم يكن يعرفه أحد لا داخل المثقفين ولا خارجهم، بل كانت له مقدماته الضرورية التى كان حتميًا أن تقود إليه، ولم يكن اختيار وزير إخوانى لأهم وزارة فى مصر، وهى وزارة الثقافة، إلا القشة التى قصمت ظهر البعير كما يقولون. 

قد تكون توقفت عند وصفى «وزارة الثقافة» بأنها أهم وزارة فى مصر؟ 

وقبل أن تتعجب، سأقول لك إن هذه الوزارة هى الأهم على الإطلاق، لأنها المسئولة عن بناء وعى المصريين، فبلد بلا وعى هو ضائع تمامًا، وأعتقد أن دفع الإخوان بوزير منهم قلبًا وقالبًا كان له هدفه الواضح، فقد كانوا يعرفون أن السيطرة على الثقافة هى البداية الحقيقية للسيطرة على مصر كلها، وأن إمساكهم بمفاتيح الوعى هو إمساك بدفة السفينة يوجهونها حيث يشاءون. 

كان المثقفون المصريون يعرفون أن هذا هو الهدف، فلم يصبروا عليه، ولم يجلسوا فى بيوتهم وعلى مقاهيهم وفى ندواتهم ومؤتمراتهم لينتظروا ما الذى يمكن أن تسفر عنه الأحداث، بل قرروا أن يكونوا جزءًا من الحدث، حتى لا يجدوا أنفسهم فى مهب ريح عاتية فى لحظة لا يقدرون على دفعها. 

لقد وثّق عدد من الذين شاركوا فى اعتصام المثقفين تجربتهم، وأعتقد أن لدينا كتابًا مهمًا جدًا كتبه المخرج المسرحى الكبير عصام السيد هو «اعتصام المثقفين.. الطريق إلى ٣٠ يونيو»، وهناك كتابات متناثرة فى صحف ومجلات عن هذا الاعتصام دوّنها من شاركوا فيه، وقد قمت باستضافة عدد ممن شاركوا فى الاعتصام وصنعوه فى برنامجى «الشاهد» بموسميه عن ٣٠ يونيو، وقمت بتسجيل شهاداتهم، وأعتقد أن هذه الحلقات تمثل مرجعًا مهمًا لكل من يريد أن يعرف ما الذى جرى فى ٣٠ يونيو وما قبلها. 

يمكننى من هذا الرصد العابر أن أضع يدى على الملمح الأول من ملامح المهمة المفقودة لكتيبة مثقفى ٣٠ يونيو. 

كنت أنتظر من كل مشارك فى هذا الاعتصام أن يقوم بتوثيق تجربته فى كتاب مستقل، وأقول ذلك لأنهم قادرون عليه، يستطيعون من خلال أدواتهم أن يقدموا لنا كتابات دقيقة ومفصلة، لا تهتم برصد الأحداث فقط، ولكن بترتيبها وتحليلها وتفسيرها ومعرفة دلالاتها، بما يمثل كنزًا معرفيًا يستعين به المصريون على المعرفة الكاملة بالخطر الذى تمثله الجماعة الإرهابية، وهو الخطر الذى يجعلنا نقف أمامهم كسد منيع وحجر عثرة، حتى لا يعودوا مرة أخرى إلى مدينتنا، لأنهم لا يتوقفون عن محاولاتهم للعودة مرة أخرى. 

قد يستهين البعض بتوثيق ما جرى، وقد يقلل البعض من قيمة هذه الكتابات والتسجيلات، لكننى أعتبرها بمثابة التطعيم الحى والحقيقى للذاكرة الوطنية. 

كنت أتحدث مع أحد الشباب عن ثورة ٣٠ يونيو، وقلت له عندما خرج المصريون فى الثورة، استوقفنى وقال لى: تقصد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١؟ 

قلت له: لا.. بل أقصد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣. 

اندهش من إجابتى، وسألنى ببساطة تصل إلى مرحلة السذاجة: وهل كانت هناك ثورة فى ٢٠١٣؟ 

اندهشت أكثر من قوله، صحيح أنه كان صغيرًا فى الثورتين، كان عمره فى الأولى ٤ سنوات، وفى الثانية كان عمره ٦ سنوات، لكنه الآن عمره ١٩ سنة، فكيف له أن يعرف أن هناك ثورة جرت فى ٢٠١١، ولا يعرف أن هناك ثورة أخرى أكبر وأبقى فى ٢٠١٣؟

دعك عن هزاره وما قاله، عندما شرحت له ما الذى جرى فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، والأسباب التى دعت المصريين إلى الخروج على جماعة الإخوان، التى اقتنع بها- قال عابثًا: وهو الشعب فاضى للدرجة دى.. كل سنتين يقوم بثورة؟ 

فالأهم عندى هو ما الذى يجرى فى وعى هؤلاء الشباب، وما الذى يعرفونه على وجه التحديد عن ثورة ٣٠ يونيو؟ 

قد يفرح أنصار ٢٥ يناير بهذه الإجابة، وقد يقولون: انظروا، إن الشباب لا يعرف من الثورات إلا ثورة ٢٥ يناير، لأنها كانت ثورة حقيقية، أما ٣٠ يونيو فليست كذلك. 

لكن ليست هذه قضيتى، فما أريد إيضاحه أن كتيبة المثقفين التى شاركت فى ثورة ٣٠ يونيو، لم تقم بما تستحقه ثورتهم، لم يكتبوا أو يتحدثوا عنها بالقدر الذى يليق، لم يشغلوا صفحات السوشيال ميديا التى يدمنها الشباب بحديث عما جرى عليهم وما جرى منهم، على عكس من شاركوا فى ٢٥ يناير ويتعصبون لها.. رغم أنهم شاركوا أيضًا فى ٣٠ يونيو، لكنهم انقلبوا على أعقابهم.. وبدأوا يوجهون لها السهام لأسباب تخصهم.. وهى أسباب لا بد أن تكون محل نقاش. 

لقد فعل المثقفون المصريون ومن شارك منهم فى ثورة ٣٠ يونيو مثلما فعل المصريون جميعًا، اعتقدوا أن المعركة مع الجماعة الإرهابية انتهت تمامًا ببيان ٣ يوليو الذى أعلنه وقتها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح السيسى نيابة عن الشعب المصرى كله، ولم يعرفوا أن هذا البيان لم يكن إلا خاتمة لمعركة وبداية لمعركة جديدة وطويلة وممتدة ومتجددة. 

فلم يكن للجماعة التى ثار ضدها المصريون أن تهمد أو تستسلم أو ترضح أو ترضى بالمصير الذى كتبه المصريون عليها، بل أعادت تنظيم صفوفها وبدأت من جديد فى إطلاق مدفعيتها الثقيلة ضد الشعب المصرى كله. 

جلس المثقفون، كما جلس المصريون إلا قليلًا منهم، فى مقاعد المتفرجين، ينتظرون نتيجة المعركة التى بدأت بالفعل بين الجماعة الإرهابية من ناحية وبين الجيش والشرطة من ناحية أخرى، فعلوا ذلك معتقدين أن هذه المعركة ليست معركتهم، رغم أنهم لو أنصفوا فى الحكم والقول لعرفوا أنهم كان يجب أن يكونوا فى قلب المعركة، ويجب ألا يغادروها أبدًا. 

لقد حددت الدولة المصرية موقفها، وأعلنت للجميع عن أن لديها معركة ثلاثية الأبعاد. 

البُعد الأول هو البقاء، وأعلنت عن أن جيش معركة البقاء هو القوات المسلحة والداخلية، وقرروا أن يقفوا فى وجه الإرهاب بكل قوة، حتى يحولوا بين جماعات الإرهاب التى انتشرت مثل النار فى الهشيم وبين أن تعود للسيطرة مرة أخرى على مقدرات البلد ومقدراتها. 

البُعد الثانى كان هو البناء، وكانت هذه معركة مؤسسات الدولة المختلفة.

فقد خرجت الدولة من سنوات حكم مبارك التى ختمت بثورة ٢٥ يناير، ودولة الإخوان التى ختمت سريعًا بثورة ٣٠ يونيو منهكة ومتعبة ومدمرة تمامًا، وتحتاج بنيتها التحتية إلى ثورة أخرى، ومعركة كبرى تبدأ فى بناء ما تهدم وترميم ما تبعثر واسترداد ما فقدناه. 

وقد بدأت مؤسسات الدولة فى هذه المعركة على الفور، دون أن تنتظر نهاية معركة البقاء، ولو فعلت ذلك ما لامها أو عاتبها أحد، لكنها كانت تسابق الزمن، كانت تريد إسكات صوت الجماعات الإرهابية والإعلاء من صوت البنّائين فى كل كل مكان. 

البُعد الثالث الذى لم يكن يقل أهمية أو خطورة عن البُعدين الأول والثانى كان هو الوعى.. المعركة الأخطر فى بين المعارك الثلاث، فدون وعى لا يمكن لنا أن نحسم لا معركة البقاء، ولا معركة البناء. 

كانت معركة الوعى هى معركة المثقفين المصريين الأولى والأخيرة، لم يطلب أحد منهم أن يحملوا السلاح ويذهبوا إلى الجبهة لمواجهة الإرهاب، ولم يطلب منهم أحد أن يحملوا أدوات البناء للمشاركة فى ترميم ما تهدم، كل المطلوب منهم كان أن يكتبوا ويتكلموا من أجل أن يعرف الناس خطورة ما يواجهونه، وأن يفهموا ما تتعرض له مصر من تحديات داخلية وخارجية. 

ورغم أنهم كان يمكن أن يفعلوا ذلك بسهولة، لأنهم يملكون الأدوات التى تمكنهم منه بسهولة، فإنهم فى مجملهم تقاعسوا، وجلسوا يشاهدون من بعيد ما يحدث، فى انتظار ما ستسفر عنه المعركة. 

الأخطر من سكوت المثقفين المصريين واعتصامهم بالصمت أن كثيرين منهم فُتنوا فى أمر ما جرى، تراكمت عليهم الغيوم بفعل الدعاية المضادة للثورة فارتبكوا، وتحولوا إلى ما يشبه الطعنات فى ظهرها، وبدلًا من أن يصبحوا معاونين لها، تحولوا إلى عبء كبير عليها. 

كان هناك ما هو أخطر، لقد اختار فصيل من المثقفين المصريين أن يكونوا فى صف الثورة من اللحظة الأولى، ومع تتابع الأحداث تمسكوا بها أكثر، كانوا على ثقة أنهم يقفون فى الجهة الصحيحة، كتبوا وتحدثوا ودافعوا، وهؤلاء تعرضوا لأكبر حملة تشويه وتشكيك فيما يفعلون، وبدلًا من أن يجدوا مناصرة من المثقفين الآخرين، بدأ هؤلاء فى التعالى عليهم واتهامهم بما ليس فيهم، وكأنهم لم يكتفوا بأن تفقدهم الثورة، ولكن قرروا أن يفقدوها مناصريها المقتنعين بها مرة بابتزازهم سياسيًا وفكريًا.. ومرات بتشويههم معنويًا. 

فيما يرتبط بالوطن لا توجد فرص ضائعة. 

وإذا كنا فقدنا كثيرًا من المثقفين المصريين فى معركة الوعى، فإننا يمكن أن نعوض ما فات، فمصر الآن أمامها تحديات أكبر، وتحتاج لصاحب كل صوت حقيقى، وصاحب كل قلم مبدع. 

يمكننا أن نعوض ما فات. 

نعوضه بأن نكتب عما جرى، أن نضع أمام أبناء الأجيال القادمة حقيقة ما حدث، فهم أحوج ما يكونون إلى ذلك، يجب ألا نتركهم فى مهب الريح، تتلقفهم أيدى العابثين والمزورين. 

ونعوضه بأن نفيق من غفلتنا، ألا تأخذنا الفتنة، وأن نعى أن لدينا وطنًا يحتاج إلى أن نكون بجواره، لا نتركه لمن يطلقون عليه الشائعات، ولمن يحاولون تثوير الناس بالباطل، فما نمر به نتاج تراكمات كثيرة، ولن نخرج منها إلا إذا كان لدينا وعى كامل بها. 

فهل نتحرك؟ 

أم نظل ملتزمين بالصمت بعيدًا عن معركتنا الحقيقية؟ 

كل ما أتمناه أن نتحرك الآن.. وأن نتحرك بسرعة.