الإثنين 27 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ناظم الفصوص.. شعرية الوعى وإعادة إنتاج الحقيقة فى ديوان عماد غزالى

حرف

- تكتسب الصورة الشعرية فى الديوان وظيفة تتجاوز الإيحاء البلاغى فهى لا ترافق الفكرة بعد اكتمالها وإنما تشارك فى إنتاجها

- ديوان «ناظم الفصوص» لا يقوم على جمع قصائد تتجاور داخل غلاف واحد

- الوعى يمثل المركز الذى تنتظم حوله البنية الشعرية فى هذا الديوان

لا يستسلم ديوان «ناظم الفصوص» لقراءة تعبر قصائده واحدةً بعد أخرى؛ لأن بنيته الداخلية تنزع إلى وصل النصوص بخيط فكرى يزداد وضوحًا كلما اتسعت القراءة، فالقصائد، على اختلاف موضوعاتها وأصواتها، تعود باستمرار إلى مجموعة محدودة من الأسئلة الكبرى، حتى ليبدو الديوان أقرب إلى مشروع شعرى يتأمل الإنسان وهو يعيد النظر فى أدوات إدراكه للعالم، وما يلفت الانتباه منذ الصفحات الأولى أن عماد غزالى لا ينشغل بتمثيل الواقع بقدر انشغاله بالطريقة التى يتكون بها الوعى داخل هذا الواقع، وكيف تنشأ الحقائق.. ولماذا تكتسب بعض السرديات سلطة البقاء، بينما تتوارى أخرى فى هامش الذاكرة.

تمنح هذه الرؤية الديوان تماسكًا يتجاوز وحدة الموضوع إلى وحدة التفكير، فالتاريخ، والأسطورة، والذاكرة، والزمن، واللغة، ليست موضوعات مستقلة تتوزع عليها القصائد، وإنما هى عناصر تدخل فى شبكة واحدة، تتبادل وظائفها باستمرار، حتى يغدو كل عنصر منها مدخلًا إلى الآخر، ولهذا لا يتعامل الشاعر مع الحدث التاريخى بوصفه واقعة منقضية، ولا مع الأسطورة باعتبارها أثرًا من آثار المخيلة القديمة، وإنما يعيد إدخالهما فى حركة الحاضر، حيث تستأنف الأسئلة القديمة حضورها داخل التجربة الإنسانية المعاصرة.

ومن هذا المنطلق تكتسب الصورة الشعرية فى الديوان وظيفة تتجاوز الإيحاء البلاغى؛ فهى لا ترافق الفكرة بعد اكتمالها، وإنما تشارك فى إنتاجها، وتدفعها إلى آفاق جديدة من التأويل، لذلك تتأسس كثير من القصائد على صورة مركزية واحدة تتكاثر دلالاتها مع تقدم القراءة، فيتحول المجاز إلى وسيلة للتفكير، وتغدو اللغة نفسها حقلًا لاختبار الأسئلة التى يثيرها النص، أكثر من كونها أداة لصياغة الإجابات.

وانطلاقًا من هذه الخصوصية، تحاول هذه القراءة تتبع البنية الفكرية والجمالية التى تنتظم قصائد الديوان، من خلال الوقوف عند جدلية الوعى والأسطورة، وتمثلات التاريخ والزمن، ثم الكيفية التى يتحول بها المجاز إلى أداة لإنتاج المعرفة، وصولًا إلى الكشف عن الرؤية الشعرية التى تمنح هذه النصوص وحدتها العميقة، على الرغم من تنوع موضوعاتها ومساراتها التعبيرية.

يفتتح عماد غزالى ديوان «ناظم الفصوص» من منطقة يندر أن تبدأ منها القصيدة؛ إذ يغدو الوعى نفسه مادتها الأولى، ومنذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أن التجربة لا تُبنى على انفعال عابر، بل على تأمل طويل يضم الفلسفة والتاريخ والأسطورة والذاكرة فى نسيج واحد، لذلك لا تُقرأ القصائد بوصفها تعبيرًا عن تجربة شعورية فحسب، وإنما بوصفها محاولة متواصلة لاختبار المعرفة عبر الشعر، وتكشف قصيدة «صاحب الرقصة» منذ سطورها الأولى عن هذا المنحى؛ فالسؤال الذى يفرض نفسه ليس سؤال الحكاية، وإنما سؤال الحقيقة التى تنتج الحكاية وتمنحها سلطة البقاء، لا ترد الحقيقة فى القصيدة بوصفها معطى جاهزًا، وإنما وهى تتشكل داخل خيال الجماعة، حيث تمتزج بالرغبة والخوف والحاجة إلى التصديق، فتبدأ الأسطورة فى احتلال المساحة التى تركها اليقين، لذلك يبدأ النص بإعلان بالغ الدلالة، يقول الشاعر:

كلُّهم يرتعبون من الحقيقةِ العارية

كلُّهم يبحثون عن حكايةٍ خرافيةٍ محبوكةٍ

تملأُ الفراغَ الأصلى

ذلك الفراغَ الذى خلَّفَهُ الإنكارُ العميق

ثم يواصل الراوى اعترافه الكاشف «كان من السهل تمامًا علىَّ نسجُ القصةِ التى يتداولونها الآن» قبل أن يبلغ ذروة المفارقة بقوله:

أنا رجلُ الحكايةِ الواحدةِ المستمرَّة

رجلُ الانبعاثِ من رقدةِ الموت

ليست هذه العبارات وصفًا لمدّعٍ يصنع معجزة، وإنما تشريح دقيق للكيفية التى تنتج بها الجماعات يقينها الجمعى، فالأسطورة هنا لا تُفرض من الخارج، لكنها تنبع من حاجة الجماعة إلى ملء الفراغ الذى يتركه غياب اليقين، ومن ثم تتحول الشخصية المتكلمة إلى نموذج ثقافى يتجاوز فرديته ليجسد كل سلطة تستمد شرعيتها من قدرة السرد على تحويل الوهم إلى يقين متداول، بهذا المعنى، لا يقف النص عند حدود نقد الخطاب الدينى أو السياسى أو الاجتماعى، وإنما يتجه إلى البنية العميقة التى تجعل الإنسان مستعدًّا دائمًا لاستبدال الحقيقة بالسردية الأكثر قدرة على الإقناع، ومن هذه النقطة يبدأ الديوان كله فى بناء منطقه الداخلى؛ فالشاعر لا يثق فى الوقائع قبل أن يخضعها لاختبار التأمل، ولا يطمئن إلى البداهات قبل أن يفتش فى الطبقات التى تسترها اللغة والعادة، لذلك تصبح القصائد اللاحقة امتدادًا لهذا السؤال المؤسس، حيث يتخذ الوعى صورًا متعددة، لكنه يظل منشغلًا بإعادة مساءلة ما يبدو ثابتًا؛ ففى «طرقة صامتة» يتحول الخوف من الجمود إلى خوف من توقف الوعى نفسه، ويعبر الشاعر عن ذلك بقوله «أخافُ أن يثبتَ صوتى وتتكلَّسَ ملامحى»، ثم ينتهى إلى الصورة المكثفة فى قوله:

أخافُ أن أصيرَ تحتَ وطأتِها الثقيلةِ

محضَ تمثالٍ

من دمٍ ولحم

فالتمثال هنا ليس رمزًا للصمت وحده، بل استعارة لإنسان فقد قابلية التحول، وأصبح أسير صورة واحدة عن ذاته، ولهذا يتجاور هذا النص مع قصيدة «الوسواس» التى يعلن فيها:

حاولتُ مرارًا... 

أن أرى النملةَ بعين النملة... 

أرى الماءَ بعين الماء

ثم يعترف بأن ذلك مستحيل؛ لأن «ليس ثمة كائنٌ يمكنه أن يعيرنى عينيه» قبل أن يكشف عن وجود ذلك الكائن فى الداخل «يسكنُ فى... يسكنُ فى النقطةِ الأبعدِ عنى» وهنا يبلغ المشروع الشعرى إحدى أكثر لحظاته تركيبًا؛ فالمعرفة ليست انتقالًا إلى الآخر، بل هى رحلة مستمرة نحو منطقة مجهولة داخل الذات نفسها، وهى منطقة تظل أبعد من كل ما يظنه الإنسان قريبًا منه، ومن ثم يغدو الوعى حركة لا تستقر؛ لأن الذات لا تكتمل أبدًا، وإنما تعيش فى حالة مراجعة متصلة لما تظنه يقينًا، وتتبلور هذه الرؤية بصورة أوضح فى قصيدة «المحك»، حيث يرفض الشاعر أن تكون المحاكاة غاية للفعل الإنسانى، فيكتب:

المحكُّ فى الحياة إذن

هو أن نحتكَّ

أن تنتقلَ إلينا عبر الاحتكاك الطاقةُ

ثم يختم القصيدة بإعلان شديد الدلالة «لى بصمتى الخاصة/ فى كلِّ فعلٍ.. وفى كلِّ قول» إن الاحتكاك هنا هو الشرط الحقيقى لتكوين الذات؛ لأنه يفتحها على التجربة دون أن يذيب خصوصيتها، وهكذا يتحول الديوان إلى دفاع مستمر عن فرادة الإنسان فى مواجهة النسخ والتكرار، وعن حق الوعى فى إنتاج صيغته الخاصة للعالم، لذلك تبدو قصائد الديوان جميعها وكأنها حلقات فى مشروع معرفى واحد، ينتقل من تفكيك الأسطورة إلى مساءلة الذاكرة، ومن نقد التقليد إلى الدفاع عن حرية الإدراك، ومن زعزعة الحقائق المستقرة إلى اقتراح حقيقة أكثر تواضعًا وأشد اتصالًا بالتجربة الإنسانية، ومن هنا تنبع القيمة الجمالية لهذا الديوان؛ إذ لا يستمد قوته من كثافة الصورة وحدها، بل من قدرته على تحويل الشعر إلى أداة للتفكير، بحيث يصبح كل مجاز نافذة على سؤال فلسفى، وكل استعارة اختبارًا جديدًا لإمكانات الوعى فى اكتشاف العالم وإعادة بنائه.

لا يدخل التاريخ فى ديوان «ناظم الفصوص» بوصفه مستودعًا للأحداث أو مرجعًا للوقائع، وإنما يحضر باعتباره مادة خامًا يعيد الوعى الشعرى تشكيلها وفق قوانينه الخاصة، فتغدو الشخصية التاريخية وسيطًا للكشف عن أسئلة الإنسان المعاصر أكثر من كونها هدفًا فى ذاتها. ومن هنا تتجاوز قصائد مثل «الصفحات بعد الأخيرة من تاريخ الجبرتى» و«الصفحة الأخيرة من بدائع الزهور» و«ثبات التواريخ» حدود الاستدعاء الثقافى إلى بناء رؤية ترى أن التاريخ الحقيقى يتشكل داخل فعل الكتابة ذاته. ففى قصيدة «الصفحات بعد الأخيرة من تاريخ الجبرتى» يتكلم المؤرخ بصوت معاصر يكشف مأزق المثقف أمام السلطة، فيقول:

بنو جلدتى يتهموننى

يرون أننى مشدودٌ برباطٍ غير مرئىٍّ

لكنَّه وثيق/ بهؤلاء الفرنسيس

ثم يفسر فعل الكتابة بقوله:

فما عساه يكون ذلك التأريخُ للأفعال والأقوال

ذلك التسجيلُ المكتوبُ

لكلِّ حدثٍ يومًا بيومٍ يمرُّ

قبل أن يبلغ ذروة الموقف الأخلاقى حين يقرر «وأنَّ صاحبَ الصفةِ لا يمكن شراؤه» إن الشاعر لا يعيد إنتاج شخصية الجبرتى كما استقرت فى الذاكرة الثقافية، وإنما يستخلص منها جوهرًا معرفيًا يتمثل فى استقلال الشاهد عن السلطة التى توثقها الكتابة. لذلك يصبح المؤرخ نموذجًا للضمير الذى يملك القدرة على رؤية ما تعجز الجماعة عن رؤيته، لأن فعل التدوين هنا يسبق انتصار الوقائع نفسها. ومن اللافت أن هذه الرؤية تتجاور مع قصيدة «الصفحة الأخيرة من بدائع الزهور»، حيث يربط الشاعر بين امتلاك القلم ودفع ثمن الحقيقة، فيكتب قائلًا:

حتى سلبونى دارى وبستانى وراحلتى

ثم لم يلبثوا

أن رفعوا قلمى على مرأى من الناس

وعلَّقوه

على باب مصر

فالقلم فى هذا السياق لا يؤدى وظيفة التدوين فحسب، بل يتحول إلى علامة على السلطة الرمزية التى يخشاها المستبد أكثر مما يخشى السلاح. ومن ثم يتبدى التاريخ فى الديوان صراعًا دائمًا بين الذاكرة التى تحفظ الوقائع والقوة التى تسعى إلى احتكار تأويلها، وهو ما يمنح القصائد بعدًا ثقافيًا يتجاوز حدود المناسبة التاريخية إلى مساءلة موقع المثقف داخل المجال العام. ويتسع هذا التصور حين ينتقل الشاعر إلى مساءلة الزمن نفسه بوصفه بناءً ذهنيًا أكثر من كونه حركة فيزيائية، ففى «تعليق صوتى مصاحب للفيلم» يفتتح النص بقوله:

قبل وجودنا لم يوجد العالم

كانت هناك أرضٌ وكانت سماءٌ

لم يشهد عليهما أحدٌ

كأنَّ شهادتنا

هى جواز مرور العالم إلى التشيؤ

ثم يتأمل العلاقة بين الذاكرة والصورة قائلًا:

أما الصورةُ

فابنةُ الحقيقةِ الصلبةِ العارية

ومشنقةُ التصور

وهنا يقترب الديوان من سؤال فلسفى بالغ العمق يتعلق بطبيعة الوجود نفسه؛ فالعالم لا يكتسب حضوره إلا عبر الوعى الذى يشهد عليه، بينما تؤدى الصورة، على الرغم من دقتها، إلى تضييق مساحة الخيال لأنها تثبت ما كان قابلًا لتعدد الاحتمالات. ومن ثم تصبح الذاكرة الشعرية أكثر قدرة على إنقاذ التجربة من التسجيل الآلى، لأنها لا تحفظ الوقائع، وإنما تحفظ إمكانات تأويلها. وتتجلى هذه الفكرة من زاوية أخرى فى قصيدة «ثبات التواريخ»، حيث ينسج الشاعر السيرة العائلية داخل الأحداث الكبرى، فيجاور بين ميلاد الأفراد وتحولات التاريخ السياسى، فتتجاور عبارات مثل «فى العام ١٩٦٢.. وُلدتُ أنا» مع الإشارات إلى الحروب والاحتلال والرحيل والتحولات الوطنية. وبهذه التقنية يزعزع الشاعر الفاصل التقليدى بين التاريخ الكبير والتاريخ الشخصى؛ إذ لا تبدو الأحداث الوطنية إطارًا خارجيًا لحياة الإنسان، وإنما تصبح جزءًا من نسيج تكوينه النفسى والوجودي. فالزمن، وفق هذا التصور، لا يسير فى خط مستقيم، بل يتشكل من دوائر متداخلة، تتقاطع فيها الذاكرة الخاصة مع الذاكرة الجمعية، ويصبح كل تاريخ عام تاريخًا شخصيًا بصورة من الصور. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها فى قصيدة «آلة لقياس الزمن»، حيث يتحول الزمن إلى تجربة شعورية خالصة، فيقول:

حين أصغيتُ إلى ذاتى

اتسع الوقتُ

ثم يقابلها بقوله:

حين أصغيتُ إلى ذواتهم

ضاق علىّ الوقتُ

قبل أن ينتهى إلى أمنية وجودية مؤثرة، فيقول:

لو عدتَ يا أبى لبعض الوقت

سآمر الزمن بالتباطؤ الذى يسبق التوقف

وهنا يغادر الزمن معناه الكرونولوجى ليصبح مقياسًا لدرجة الامتلاء الوجودى؛ فالدقائق لا تُقاس بحركتها على الساعة، وإنما بقدرتها على احتواء التجربة الإنسانية. ومن ثم يتكشف البناء الكلى للديوان بوصفه محاولة متصلة لتحرير الإنسان من استبداد الزمن الخطى، وإعادة إدخاله فى زمن داخلى تتجاور فيه الذكرى والرؤية والتأمل والحدس. لذلك لا تبدو قصائد ديوان «ناظم الفصوص» منفصلةً عن بعضها، بل تتساند فى إنتاج رؤية شعرية ترى أن المعرفة تبدأ من مراجعة التاريخ، وأن الذاكرة تصبح أكثر خصوبة كلما تحررت من سلطة الوقائع الجامدة، وأن الشعر يظل المجال الأقدر على تحويل الزمن من سجل للأحداث إلى أفق دائم لإعادة اكتشاف الإنسان والعالم.

شعرية المجاز المعرفى وتحولات الذات

يلفت الانتباه منذ القراءة الأولى أن المجاز يحتل موقعًا محوريًّا فى بناء قصائد الديوان، فالصورة عند عماد غزالى لا تأتى بعد اكتمال الفكرة لتكسوها ثوبًا بلاغيًّا، وإنما تتولد الفكرة من داخلها، وكأن القصيدة تفكر بلغتها قبل أن تعلن معناها. لهذا تتكرر فى الديوان صور كبرى تستوعب حركة النص كاملة؛ فكل قصيدة تكاد تنتظم حول مجاز رئيس لا يلبث أن يتشعب إلى شبكة من العلاقات والإيحاءات، حتى يغدو البناء الشعرى قائمًا على نمو الصورة من الداخل أكثر من اعتماده على تراكم التشبيهات أو الزخارف البيانية، ففى قصيدة «المايسترو» لا يكتب الشاعر عن قائد أوركسترا بقدر ما يصوغ استعارةً للمبدع وهو يوازن بين سلطان النظام وضرورة الابتكار، يقول:

عينتُ النوتةَ الأصليةَ كما لم يعِيها أحدٌ...

لكنَّ تلك الدقةَ الشديدةَ جعلتنى...

مثلَ واحدٍ من العامة، فالدقةُ فخٌّ

ثم يصل إلى لحظة المراجعة الحاسمة، فيقول:

أبتكرُ قليلًا كلَّ حينٍ...

أبتكرُ داخلَ هذه النوتةِ لا خارجَها

ولا يطرح النص هنا معارضةً بين الأصالة والتقليد، بل يبلور تصورًا أكثر تركيبًا، يجعل الإبداع فعلًا ينشأ من استيعاب النظام إلى الحد الذى يسمح بتجاوزه من داخله. فالمجاز الموسيقى لا يحيل إلى الموسيقى ذاتها، وإنما إلى قوانين المعرفة الإنسانية؛ إذ لا يولد الجديد من الفراغ، وإنما من إعادة ترتيب البنية القائمة وإعادة توزيع طاقاتها الكامنة. ومن هنا يكتسب فعل الابتكار معناه الأخلاقي، لأنه يقوم على مسئولية الفهم قبل رغبة الاختلاف، ويغدو الإبداع ممارسةً واعيةً لحرية منضبطة، لا قطيعةً مجانية مع التراث أو مع الخبرة السابقة.

ويمتد هذا المنطق المجازى إلى قصيدة «المفرد والجموع»، حيث تتحول العلاقة بين الفرد والجماعة إلى سؤال أنطولوجى يتعلق بإمكان التميز داخل البنية الاجتماعية. يقول الشاعر:

هو يشكو التشابه...

لكنه مشاركٌ فى الانخراط

ثم يبلغ خلاصة الرؤية بقوله:

لكنَّ الآخرين أيضًا يحلمون...

نعم

وهنا بالضبط الفارق الحقيقى يكمن...

هم جميعًا يفكرون بالطريقة ذاتها

لكنهم يحلمون؛ فردًا فردًا

وتكشف هذه الصياغة عن أحد أهم ملامح المشروع الشعرى فى الديوان؛ إذ لا تُختزل الفرادة فى امتلاك أدوات مختلفة أو أفكار غير مسبوقة، وإنما تُرد إلى الكيفية التى يعيد بها الفرد تشكيل تجربته الخاصة داخل العالم المشترك. فالحلم، فى هذا السياق، ليس هروبًا من الواقع، بل هو المجال الوحيد الذى تستعيد فيه الذات خصوصيتها بعد أن تذيبها الجماعة فى أنماطها المستقرة. ولهذا لا ينظر الشاعر إلى الجموع بوصفها خصمًا، وإنما باعتبارها شرطًا ضروريًا لظهور المفرد؛ فكل فرادة لا تُختبر داخل الجماعة تبقى إمكانًا نظريًا، بينما تكتسب معناها الحقيقى عبر الاحتكاك المستمر بالآخرين، وهو المعنى الذى سبق أن مهدت له قصيدة «المحك» حين جعلت الاحتكاك أصلًا لتكوين الخبرة الإنسانية. وهكذا تتساند القصائد فى بناء شبكة مفهومية واحدة، يعيد كل نص فيها إضاءة الآخر من زاوية جديدة.

وتزداد كثافة هذا المجاز المعرفى فى قصيدة «السباق» التى تبدو للوهلة الأولى مشهدًا عبثيًا لرجل يجرى فى الاتجاه المعاكس داخل مضمار رياضى، غير أن البناء السردى يكشف تدريجيًا أن المشهد يمثل تاريخ الأفكار أكثر مما يمثل سباقًا فعليًا. يقول الشاعر «وأجرى.. فى الاتجاه المضاد» ثم بعد سنوات من العقوبة يكتشف أن «اللاعبين يدورون فى الاتجاه الذى اقترحتُه قديمًا» بينما يُلقى بشخص آخر فى السجن لأنه كرر الفعل نفسه، قبل أن يختم النص بعبارة لافتة «بعد سباقين تم تعليقهما يتعدل الاتجاه» ولا يحتاج القارئ إلى كثير من الجهد ليدرك أن الشاعر يصوغ هنا قانونًا ثقافيًا يتكرر فى تاريخ الفكر؛ فالفكرة الجديدة تُقابل أولًا بالرفض لأنها تخلخل النسق القائم، ثم تتحول مع الزمن إلى قاعدة جديدة، قبل أن يعاد إنتاج الدورة ذاتها مع كل محاولة للتجاوز. ومن ثم يغدو السباق مجازًا لحركة الحضارة نفسها، ويصبح تغيير الاتجاه نتيجةً لتراكم المغامرات الفردية التى دفعت أثمانها قبل أن تتحول إلى وعى جمعى. وهذا التحول من الواقعة الجزئية إلى القانون الكلى هو ما يمنح المجاز فى الديوان طابعه المعرفى؛ إذ لا يتوقف عند حدود الصورة، وإنما ينتهى دائمًا إلى استخلاص بنية فكرية أوسع.

ويبلغ هذا المسار ذروة نضجه فى قصيدة «نهرٌ يجرى» حيث تتخذ الذات من النهر صورةً لكيانها الداخلى، يقول الشاعر:

مشكلتى مع أعماقى التى تخفى أكثر مما تبين...

مع الأسرار والجثث التى لا تطفو

ثم تعلن فى النهاية:

وأنا كنهر...

أعلم أن بداخلى مآكيل كثيرة،

وأننى أنا ذاتى مأكولٌ بعد حين

وهنا يتحرر المجاز من وظيفته الوصفية تمامًا، لأن النهر لا يعود موضوعًا للتأمل، بل يتحول إلى صيغة معرفية لفهم الإنسان بوصفه كائنًا يحمل فى أعماقه طبقات من الذاكرة والرغبة والخسارة لا تنكشف كاملة أبدًا. إن الجريان المستمر لا يعنى الصفاء، بل يعنى حمل الرواسب والأسرار والاحتمالات جميعها نحو مصير واحد، وهو ما يجعل صورة النهر خاتمةً منطقية لمسار طويل من المجازات التى شيّدها الديوان. فمن المايسترو إلى المفرد، ومن السباق إلى النهر، ينجح عماد غزالى فى بناء منظومة رمزية متماسكة تتجاوز حدود البلاغة التقليدية، وتؤكد أن المجاز فى الشعر الحديث لم يعد زينةً لغوية، وإنما أصبح إحدى أهم أدوات التفكير، ووسيلةً لإعادة اكتشاف العالم من خلال إعادة اكتشاف اللغة ذاتها.

تبدأ خصوصية اللغة فى ديوان «ناظم الفصوص» من اقتصادها الشديد، فعماد غزالى لا يراكم المفردات طلبًا للزخرف، ولا يندفع إلى بناء الصورة عبر كثافة الوصف، وإنما يختار ألفاظًا محدودة، ثم يضعها فى سياقات تجعلها قابلة لإنتاج معانٍ تتجاوز معناها القاموسى، ولهذا يندر أن تصادف فى الديوان كلمة تؤدى وظيفة إخبارية خالصة؛ فالمفردة تكتسب قيمتها من موقعها داخل الجملة، ومن علاقتها بما يسبقها وما يليها، حتى يصبح البناء اللغوى نفسه جزءًا من التجربة الشعرية، ويظهر ذلك بجلاء فى قصيدة «اسأل القرية» حين يقول:

لغةً

المفردةُ فيها لا تشيرُ إلى الشىء

بل هى الشىء

ولا تبدو هذه العبارة وصفًا لقرية متخيلة بقدر ما تكشف عن التصور الذى يحكم لغة الديوان كلها؛ فالشاعر لا ينظر إلى الكلمة بوصفها علامة تحيل إلى الواقع من خارجه، وإنما يتعامل معها باعتبارها جزءًا من تكوينه، ومن هنا يغدو فعل التسمية فعلًا من أفعال الوجود؛ لأن اللغة لا تأتى بعد العالم لتصفه، وإنما تشارك فى تشكيل صورته داخل الوعى، وليس من المصادفة أن يعقب ذلك بقوله:

ومثلما تشكّل الكونُ من كلماتِ الإله

تشكّلت القريةُ

من كلام أهلها الشجريين

فالإحالة هنا لا تستدعى المرجع الدينى على سبيل الزينة الثقافية، وإنما تؤسس لفكرة ترى أن الوجود واللغة يصدران عن فعل واحد، وأن الكلمة تمتلك قدرة الإنشاء قبل أن تمتلك قدرة الإخبار، وبهذا يقترب الشاعر من رؤية تجعل اللغة وسيطًا بين الإنسان والعالم، لا وعاءً محايدًا تنقل من خلاله الأفكار.

ويزداد هذا الوعى بطبيعة اللغة وضوحًا فى الطريقة التى يصوغ بها الجملة الشعرية؛ فالجملة عند عماد غزالى لا تتجه مباشرة إلى غايتها، بل تتقدم عبر تردد مقصود، واستدراك، وتعديل، كأنها تفكر فى معناها أثناء تشكله، ويتبدى ذلك فى قصيدة «المجبول هكذا» إذ يفتتحها بقوله:

جُبلتُ على هذا...

جُبلتُ على أشياء كثيرة

ثم تتوالى العبارات:

أمشى نصف خطوة

وأعدو نصف مسافة

وأقطع نصف مشوار

قبل أن يصل إلى قوله:

وما لدىَّ من أنصافٍ

لا يغنى شيئًا

واللافت أن لفظة «النصف» لا تؤدى هنا وظيفة كمية، وإنما تتحول إلى بؤرة دلالية تنتظم القصيدة كلها، فالتكرار لا يُستخدم لتوكيد المعنى، بل لبناء إيقاع داخلى يشعر القارئ بأن التجزُّؤ أصبح صورة للوجود نفسه، ومع كل عودة إلى الكلمة يزداد معناها اتساعًا؛ فهى تنتقل من وصف الحركة إلى وصف التجربة الإنسانية بأكملها، ومن ثم لا يعود النقص حالة عارضة، بل يصبح طريقة فى إدراك العالم، وهو ما يفسر النهاية التى لا تقدم خلاصًا، وإنما تترك الذات فى مواجهة ما تبقى منها وما أفلت منها فى آن واحد.

ويستعين الشاعر، فى مواضع كثيرة، بالفعل بوصفه عنصرًا بنائيًّا يضفى على اللغة طابع الحركة والاستمرار، ففى قصيدة «آلة لقياس الزمن» تتكرر الأفعال «أصغيتُ- اتسع- ضاق- يتلاعب» لتنتقل التجربة من ماضٍ يستعاد إلى حاضر يعاش داخل القصيدة، وليس الأمر مجرد اختيار صرفى؛ لأن الفعل عند عماد غزالى يحمل العبء الأكبر فى تشكيل الدلالة؛ فهو الذى ينقل الزمن من حالته المجردة إلى تجربة محسوسة، ويمنح الأفكار الفلسفية حركة لا تفقدها بعدها الإنساني، ولهذا تبدو الجملة قصيرة فى مواضع كثيرة، لكنها تظل مفتوحة على ما بعدها؛ لأن الفعل يجرُّ معه سلسلة من الاحتمالات التى لا تتوقف عند حدود العبارة، ويقود ذلك إلى ملاحظة أخرى تتصل بندرة الصفات فى هذا الديوان إذا قيست بحضور الأفعال والأسماء؛ فالشاعر يفضل أن يجعل الحركة هى التى تكشف طبيعة الأشياء، بدلًا من أن يصفها بصفات جاهزة، وهو اختيار ينسجم مع رؤية ترى أن العالم يتحدد بما يفعله أكثر مما يتحدد بما يوصف به. ومن خلال هذه الخصائص جميعها تتشكل لغة لا تستعرض قدرتها البلاغية، ولا تنصرف إلى الإبهار اللفظي، وإنما تبنى دلالتها بالتدرج، عبر مفردات مألوفة تعاد صياغة العلاقات بينها حتى تكتسب طاقة إيحائية جديدة، ولهذا تبدو قصائد الديوان قريبة من القارئ فى ظاهرها، لكنها لا تمنحه معناها دفعة واحدة؛ فكل قراءة تعيد ترتيب الصلات بين الكلمات، وتكشف إمكانًا جديدًا فى الجملة ذاتها، وهنا تتجلى إحدى السمات الأبرز فى تجربة عماد غزالى؛ إذ تصبح اللغة شريكًا فى إنتاج الرؤية، لا وسيلة للتعبير عنها بعد اكتمالها، ويغدو بناء الدلالة نتيجة مباشرة للطريقة التى تنتظم بها المفردة داخل النسيج الشعرى، لا للمعنى المعجمى الذى تحمله فى أصلها.

تكشف القراءة السابقة أن ديوان «ناظم الفصوص» لا يقوم على جمع قصائد تتجاور داخل غلاف واحد، ولكنه يتأسس على رؤية تنتظمها جميعًا، مهما تباعدت موضوعاتها وتعددت مداخلها؛ فكل قصيدة تعيد الاقتراب من السؤال نفسه عبر طريق مختلف، مرة من التاريخ، وأخرى من الأسطورة، وثالثة من الذاكرة أو اللغة أو المجاز، غير أن هذه المسارات تلتقى عند رغبة واضحة فى مساءلة الكيفية التى يدرك بها الإنسان العالم، قبل أن يسعى إلى تفسيره أو إصدار الأحكام عليه.

وتبين الدراسة أن الوعى يمثل المركز الذى تنتظم حوله البنية الشعرية فى هذا الديوان؛ فمن خلاله يعاد النظر فى الحقائق المستقرة، وتختبر السرديات المتوارثة، ويستعاد التاريخ خارج يقينه الجاهز، كما تتحول الصورة الشعرية إلى أداة للكشف لا إلى وسيلة للتزيين، وتغدو اللغة مجالًا لإنتاج الدلالة، لا وعاءً محايدًا لنقلها، ولهذا جاءت القصائد متساندة فى بناء أفق معرفى واحد، على الرغم من اختلاف شخصياتها وأقنعتها وأزمنتها.

ويبرز من خلال هذه القراءة أيضًا أن عماد غزالى ينتمى إلى ذلك النمط من الشعراء الذين لا يفصلون بين التجربة الفكرية والتجربة الجمالية؛ فالفكرة لا تسبق القصيدة، ولا تأتى بعدها، وإنما تتخلق داخل حركتها اللغوية، وفى أثناء تشكل صورها وعلاقاتها الداخلية، ومن هنا يكتسب المجاز قيمته؛ لأنه يوسع حدود الإدراك، ويفتح أمام المعنى احتمالات لا تستطيع اللغة المباشرة أن تبلغها.

وعلى هذا الأساس يغدو ديوان «ناظم الفصوص» تجربة شعرية تتجاوز الانشغال بالحدث أو التأمل العابر، لتقدم رؤية للوجود قوامها الشك المنتج، والبحث الدائم، ومراجعة المسلمات، وهى رؤية تمنح الديوان مكانته داخل الشعر العربى المعاصر، بوصفه نصًّا يراهن على طاقة الشعر فى إعادة بناء المعرفة، بقدر ما يراهن على قدرته فى إنتاج الجمال.