الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

من «أدب التنين».. شجرة الصفصاف الثامنة

حرف

الزوج يعمل فى مجال الجيولوجيا. ذهابه إلى رحلات عمل هو أمر معتاد ومألوف. يحمل -دائمًا- حقيبة على ظهره ويمضى. لم يكن يلتفت إلى الخلف عند خروجه من بوابة البناية. أما هى، فلم تكن توصله أبدًا إلى الباب. 

ذهب الزوج هذه المرة أيضًا. حينما صُفق الباب وراءه، كانت الزوجة تلملم الصحون من على مائدة الطعام، وعلى وجهها تعابير فاترة. وبعدما أُغلق الباب، تركت ما بيديها، واتجهت صوب الشرفة.

وقفت فى الشرفة رانية ببصرها إلى الأسفل. كان تحت الشرفة طريق على جانبه صف من أشجار الصفصاف الصينى. تيجان الشجر كانت ضخمة وخضراء، فعندما تحنى رأسك وتنظر إليها من البناية، لن تبدو لكَ كشجر صفصاف، بل كالخيم. فهى اعتادت على أن تنظر من الشرفة -صوب الشرق- إلى الشجرة الثامنة. ظلت تنتظر؛ لأنها تعلم، أنه بعد خمس أو ست دقائق، سيطل ظل زوجها من تحت شجرة الصفصاف تلك. إن باب بنايتهم يُفتح من ناحية لا تطل عليها الشرفات، فعند خروجهم من البوابة، يلفون حول المُجمع السكنى، متجهين صوب مدخل المترو، فلا مفر من المرور بشجرة الصفصاف الثامنة، والتى تحجب بعدها الرؤية نقطة الشرطة.

ليو شين وو
ليو شين وو

كان ينشرح قلبها، فى كل مرة تمد فيها بصرها، فترى زوجها فى المكان والزمان المقدرين. وخاصة حينما تلمح حقيبة الظهر المصنوعة من الخيش، والتى صممها زوجها، وصنعتها هى. كانت دائمًا تتمنى -سرًا- له كل خير. ولكنها لم يسبق أن أفصحت إلى زوجها عن ذلك المشهد السرى، حتى إن ابنها لم ينتبه له بتاتًا. 

وفى ذلك اليوم، كانت معتادة على الذهاب والوقوف فى الشرفة، ولكنها فجأة شعرت بقدر من الانزعاج، وكأنها لا تسطيع التأقلم مع شىء؛ لأن هيئة زوجها لم تلح ببطء. كان يتعين عليه أن يستقل المترو متجهًا إلى محطة قطار بكين، فمستحيل أن يغير طريقه، كيف لم يظهر أثره تحت شجرة الصفصاف الثامنة؟. وسط أمواج من القلق، أدركت مدى أهمية هذه النظرة -المعتادة- القصيرة والثابتة بالنسبة لها. 

لم تتمالك نفسها، حتى هرعت بالنزول إلى أسفل البناية، ولكنها وجدت البوابة خاوية. فساقتها قدماها تلقائيًا إلى شجرة الصفصاف الثامنة، وأخذت تتلفت حولها. هل يعقل أن الأرض قد ابتلعته أو طار فى السماء؟، فهذا غير معقول قطعًا. كانت على وشك أن تركض صوب نقطة الشرطة لتقديم بلاغ بأنه مفقود. وحينما عادت إلى شقتها، حدثها ابنها، ولكنها لم تسمع ما قاله، بل تسلل إلى أذنيها صوت «سرينة» الإسعاف الذى يدوى -مقتربًا ومبتعدًا- فى الشارع، وانفجرت غضبًا فى ابنها بلا مبرر، وكأن كان صدرها مثقلًا بحجارة.

ظلت فاترة الهمة لبضعة أيام متواصلة. تارة تسخر من نفسها، وطورًا تستنتج بالمنطق أن الوضع غير طبيعى، وبه شىء من الغموض. إلى أن ذات ليلة، تلقت -أخيرًا- اتصالًا من زوجها من مكان قصى، لم تمنع نفسها من أن تسأله: «أين ذهبت؟،كدت أموت من فرط القلق عليكَ؟». شعر زوجها بالغرابة لكل ما أفصحت به، فكيف تبدو ملامحها فاترة فى كل مرة يفترقان فيها؟، ولكنها فى نفس اللحظة تهرع إلى الشرفة لتتبعه بنظراتها وهو يمضى من تحت شجرة الصفصاف الثامنة.. خيم السكوت على المكالمة، ثم قال لها الزوج بصوت متأثر: «يالكِ من امرأة طيبة!. فى ذلك اليوم، وأنا خارج من بوابة البناية صادفت السيد وانغ، كانت وحدة عمله قد أرسلت إليه سيارة لإيصاله إلى محطة القطار، فجعلته يوصلنى معه، لم يخطر على بالك مثل هذا الأمر. أنا أعرف شجرة الصفصاف الثامنة. نعم، تلك الشجرة الثامنة. فهل سبق أن اخبرتك؟، فى كل مرة أعود فيها من رحلة العمل -لا تكترثى إلى عندما أدخل إلى البيت، وأبدو كرجل لا يبالى- فى الواقع، بمجرد أن تطأ قدمى عند هذه الشجرة، أشاهد بلهفة شرفة ونافذة بيتنا، وأحياناً أقف هناك لدقائق، وخاصة فى الليل، يجعل نور النافذة، الحب يتدفق فى قلبى لكما..».

بعدما أغلقت الهاتف، اكتشفت أن ابنها يقف أمامها. سألها الولد: «أمى، لماذا تبكين ؟».

الظلام لوحة ساكنة وقصائد أخرى قصيرة جدًا

بينغ شين

كيف بوسعك أن تسمع،

حديث النجوم الكثيرة المتلألئة،

فى رحاب سماء ذات زرقة داكنة؟

فهم يتبادلون المديح والثناء،

وسط الصمت،

والضوء الخافت

على مرمى مساحة شاسعة متماوجة،

بجوار جزيرة معتمة،

صعد القمر،

فهنا، بداية ميلاده،

ومكان فنائه

كم يبدو الظلام

لوحة ساكنة؟

فهو كامن فى أعماق الروح،

وأغوار الكون،

وأماكن سكينة النور الساطع

المرآة،

تعكس ما أمامها،

لكن لو شعرت بالانزعاج،

فمن الأفضل أن تديرها وتمضى

على الأغصان الكثيفة أزهار ناضبة،

انطلق عصفور ضاربًا بجناحيه،

فتناثر لونها الأحمر وغمر الأرض،

أليست الحياة أيضًا لمحة خاطفة مماثلة لذلك المشهد؟

الأحلام هى الأصدق على الإطلاق

بوضوح وجلاء،

تخبرك،

عما كمن بروحك من أفكار وهموم مبهمة

يا بشر!

تبادلوا المحبة،

فكلنا مسافرو رحلة طويلة،

متجهين صوب نهاية واحدة.

كلنا أبناء الطبيعة،

مستلقين فى مهد الكون

أيها الشباب!

اجتهدوا فى رسم لوحة حاضركم بعناية،

من أجل ذكريات المستقبل

نور الروح،

يومض فى السكون،

ويخمد فى الصخب

الموت،

هو منتهى الصمت،

وكذلك راحة أبدية.

أشواك الورد،

كراهية لقاطفها،

ومصدر طمأنينة لذاتها.

ما يخلق أرضًا جديدة،

ليست تلك الأمواج المتلاحقة،

ولكن حبيبات الرمال الراكدة تحتها.

أيتها العشبة الهشة!

فلتشعرى بقدر من الفخر،

فوحده انتشارك واسع المدى قد زين العالم.

الشُهب،

تتدفق فى الفضاء،

قد تكون لحظة تأملها قصيرة،

ولكن نورها الخاطف يستقر،

مطولًا فى أعماق القلب.

القلب الساكن،

بوسعه دائمًا خلق عالم أعمق وأدق،

تحت أى ظروف.

أيتها الرياح!

لا تطفئى الشمعة التى أمسك بها،

فلا يزال بيتى فى نهاية ذلك الطريق المعتم القصى

أيها الشاعر!

فلتبق صامتًا

إن افتقارك للوحى

فى حد ذاته جمال مطلق

العيش فى فراق،

أيام ضبابية...

أما الوداع الأبدى،

أزهار شاحبة متساقطة

وانغ جوه چن: همس

تعالى،

سأبوح لكِ بسر،

لن أخبر به الغيوم،

وسأخفيه عن النجوم،

لكِ وحدك سأقوله.

لاحقًا،

نبتت لذلك السر،

أجنحة..

فغضبت،

ولكنها لا تدرى،

أن من أفشى السر ليس شخصًا آخر،

بل هى.

اقتباس للكاتبة جانغ آى لينغ

كاد أن يكون النضج الحقيقى هو،

أن تستمر فى حب شىء طالما أحببته،

دون إصرار على امتلاكه مجددًا

اقتباس للكاتبة سان ماو

حب ليس ضروريًا

ولكن فى غيابه تملك القلب وحشة،

والأيام الموحشة قاسية،

أوحده الحب،

وهو المؤلم؟

النجاة،

بعد حزن عظيم،

أفضل من التأرجح بين الحياة والموت،

لمساوم تلك الأحزان الصغيرة يوميًا