الإثنين 14 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

من «أدب التنين».. زائر السهول لـ لى بى فو

حرف

لم يكن لى دالين يتخيل ولو فى أحلامه، أن تكون لديه ثلاث نساء.

والأكثر من ذلك أن يتزوج من امرأة مثل لوه تشيوإى.

وبعد سنوات طويلة مما حدث، كان الوشاح لا يزال معلقًا فى خزانة ملابسه، ذلك الوشاح الذى كان يومًا ما رمزًا لحبهما. 

كان وشاحًا طويلًا أبيض منسوجًا من خيوط صوف الغنم. ذلك الخيط الذى لا تجده إلا فى شينجيانغ، وقد اشترته لوه تشيوإى فى إحدى زياراتها إلى هناك لمشاهدة غابات الحور. 

كانت قد نسجته بيديها، واستغرقت فى ذلك أكثر من شهر. وكان الوشاح طويل ناصع البياض ناعم الملمس، يشعر من يرتديه وكأنه قطعة من الشال التبتى التقليدى. بيد أنها طرزت طرفيه بأوراق القيقب الأحمر، وقالت إنها علامة مميزة تخصها. 

حدث ذلك حينما كان لى دالين طالبًا بمرحلة الدراسات العليا. وبينما كان يتفقد الشتلات بأحد الحقول التجريبية فى موسم بداية الربيع، جاءت لوه تشيوإى من عاصمة المقاطعة إلى بلدة ميلنغ، وما إن وصلت حافة الحقل الذى يتفقده لى، حتى ألقت بالوشاح على رقبته. 

صادف ذلك عودة شتلات القمح للاخضرار من جديد، بينما لم يكن الثلج قد ذاب بعد. وكانت لوه تشيوإى ترتدى كنزة صوفية برقبة عالية بلون وردى داكن، وفوقها معطفًا شتويًا فضفاضًا يرفرف مع الريح، وقد أخذت تتقدم تحت أشعة الشمس، قبل أن تقف فى الحقل كما لوحة زيتية، وبدت له امرأة نبيلة وفاتنة. فأخذ يحدّق فيها بذهول، حتى دنت منه وألقت بالوشاح على رقبته. ثم أخبرته بأنها انتهت للتو من قراءة مقالة «حدسية غولدباخ» للكاتب شيوتشى. أما هو فلم يكن قرأ شيئًا عن «حدسية غولدباخ»، بل ولم يكن يعرف من يكون شيوتشى من الأساس، فاكتفى بالنظر إليها فى ذهول. ثم عرف لاحقًا أنها مقالة من أدب التقارير، وأنها تتحدث عن إنجازات عالم رياضيات اسمه تشن جينغ رون. 

كان الأمر أشبه ما يكون بحب هبط من السماء، بشكل مفاجئ كما الصاعقة. وفى ذلك اليوم، أكتفى لى دالين بالوقوف كالمغشى عليه، لا يعرف ماذا قال لها، وإن كان يذكر فقط أنها أحضرت له قربة للماء الساخن، وقالت: «سمعت أن معدتك ليست بخير، بإمكانك استخدامها للتدفئة ليلًا».

فسحبه مدير معهد العلوم الزراعية بالمدينة جانبًا وقال: ما الأمر يا فتى؟ ما أسعد حظك مع النساء! حتى تفوز بهذه الحسناء. عليك أن تتمسك بها.

وكانت تلك هى زيارتها الأولى لمعهد العلوم الزراعية، ومكثت به نصف يوم فقط. وعندما رغبت فى المغادرة بعد ظهر ذلك اليوم، خرج لى دا لين ليودعها فى محطة الحافلات. وكانت محطة حافلات ميلينغ تعج بالفوضى، وبالركاب الرائحين والغادين كقطعان الأغنام. وعندما رافقها إلى داخل المحطة، خشى أن يراه أحد من معارفه، فتعمد أن يحافظ على مسافة بينها وبينه. بيد أن لوه تقدمت بخطوات سريعة متعمَّدة، وأمسكت بذراعه، لتثير بفعلتها انتباه المحطين بهما. فقال لى دالين: لا داعى لهذا، نحن فى عاصمة المدينة. فما كان منها إلا أن رفعت رأسها عالية وقالت: ماذا بك، أنا لا أخشى شيئًا. وقبيل صعودها الحافلة، دنت من أذنه وقالت: I love you.

وفى مساء تلك الليلة، شعر بسخونة تسرى فى أذنيه من رائحة تلك المرأة، حتى فارق النوم جفنيه. وأخذ يسأل نفسه مرارًا: هل أنه حُلم؟ أما الوشاح، فقد طواه بعناية ووضعه بجانب وسادته، وجعل يمد إليه يده بين الحين والآخر يستمتع بملمسه الناعم.

وبعد سبع سنوات، انتهت هذه القصة وافترقا. وأخذت لوه تشيوإى معها جميع ما يخصها، حتى ابنتهما صاحبة السنوات الست.

ولم تترك له سوى الوشاح، فقط لأنه سبق وارتداه من قبل.

كان زواج لى دالين من لوه تشيوإى بترتيب من أستاذه البروفسور وو. 

ففى طفولته، كان أقصى أحلامه أن يظفر بتناول خبز المانتو غير المحشو. وفى ذلك الحين، كانت أقصى أمانى ابن فلاح مثله أن ينعم بتناول المانتو فى وجباته الثلاث. وحينما أصبحت لديه طموحات لاحقًا، صار يحلم بتحقيق ما تناقلته الأجيال فى أساطير ميلينغ الشعبية: أن تحمل نبتة القمح الواحدة اثنتى عشرة سنبلة، حتى ينعم جميع الأهالى بتناول المانتو. وفى حقيقة الأمر، أنه شبع فى طفولته من خبز البطاطا الحلوة، حتى عافه. وبعد إعادة العمل بنظام امتحانات القبول الجامعى، اختار طواعية الالتحاق بالمعهد الزراعى.

وخلال تلك السنوات، كان لى دالين أكثر طلاب المعهد الزراعى «الذى تغير اسمه لاحقًا إلى جامعة العلوم الزراعية والتكنولوجيا» اجتهادًا وصبرًا على المشقات. وباستثناء أوقات النوم والطعام، كان يقضى يومه إما فى قاعة الدرس أو فى المكتبة، ونادرًا ما كنت تراه يتسكع فى الأسواق أو يذهب إلى قاعات الرقص مثل بقية زملائه، وفى ظل انتشار «موضة الرقص» بين الشباب آنذاك، حتى إنك كنت ترى كثيرًا من الطلاب يرددون أثناء مشيهم إيقاعات الرقص: واحد اثنان ثلاثة أربعة.. واحد، اثنان اثنان ثلاثة أربعة واحد.. فى الوقت الذى لم تطأ فيه قدما لى دالين قاعة رقص من قبل. كلا، بل دخلها مرة واحدة. وكان ذلك ليلة عيد الشباب فى الرابع من مايو ذلك العام، حين أصرّ زملاؤه على اصطحابه معهم بالقوة إلى قاعة الرقص. وبينما كان الجميع يرقصون على أنغام الموسيقى، ظل هو جالسًا فى ركن بعيد، بجانب كومة من قشر بذور دوار الشمس التى خلّفها زملاؤه. ولم يطلبه أحد للرقص، وهو أيضًا لم يجرؤ أن ينهض ليطلب من أى زميلة للرقص معه، وما إن دقت التاسعة، حتى فر هاربًا. 

ولم يكن ذلك بسبب شخصيته الانطوائية فحسب، فعلى الرغم من عدم رغبته فى الاعتراف بذلك، إلا أنه كان يشعر فى أعماقه بشىء من الدونية. وقد كان شابًا قصير القامة، ذا بشرة سمراء، تعلو جبهته تجاعيد عميقة، بوجه يشبه ثمرة القرع. وبالمقارنة بأقرانه، كان يعتقد أنه مجرد «بطة قبيحة». ولهذا كان نادرًا ما يشارك زملاءه فى الأنشطة الجماعية. 

وبالرغم من ذلك، كان الطالب الأثير لدى البروفيسور وو. وكان صاحب الأداء الأفضل بين طلاب قسم العلوم الزراعية، وخاصة فى السنة الثالثة، إذ كان الطالب الوحيد فى المعهد آنذاك الذى نُشرت له مقالة فى مجلة جمعية علوم التربة الأمريكية Soil. Science Society of America Journal، وتم إدراج بحثين له فى تقارير الاستشهاد بالمجلات العلمية الدوليةJournal Citation Reports JCR، الأمر الذى أعلى من شأن المعهد الزراعى بوجه عام. ولم يقتصر الأمر على اختيار البروفيسور وو، الذى عين للتو نائبًا لرئيس الجامعة له كطالب دراسات عليا يشرف عليه، بل إن جامعة كولومبيا وجهت له الدعوة للدراسة بها. الأمر الذى دفع زملاءه إلى الشعور بالدهشة، كيف لشخص مثله لا يملك أى علاقات أن ينشر مقالات علمية بهذه الدوريات الدولية المرموقة؟ بيد أن الأمر الذى لم يكن يعلمه هؤلاء جميعًا، أنه تقريبًا كان يقضى إجازاته بمعهد البحوث الزراعية بمدينة ميلينغ. وبرعاية من أحد أخواله من درجة بعيدة، تمكن من العمل بذات المعهد كموظف منتدب «يحصل على الوجبات دون الراتب». وبالطبع كان ذلك بفضل رعاية ودعم البروفيسور وو. وكان البروفيسور وو قد تواصل شخصيًا مع مدير المعهد، وطلب منه أن يخصص للى دالين قطعة أرض بمساحة ١١٠ أمتار مربعة تقريبًا لإجراء البحوث فى مجال سلالات القمح. 

أما البروفيسور وو فكان شخصًا مميزًا، صريحًا ومباشرًا. اسمه الكامل وو تيان دوه، وكان خبيرًا وطنيًا معروفًا فى مجال الذرة الشامية. وكان يكتب مقالاته باسم مستعار هو وو يونغ «وو عديم النفع»، مستعينًا بمعنى القول المأثور «المثقف عديم النفع». وخلال فترة الثورة الثقافية، تعرض للاضطهاد من قبل طلابه بسبب اسمه «عديم النفع»، حيث اتهموه بالانهزامية. وبعد دمج المعهد الزراعى مع معهد الغابات لاحقًا، تم نفيه إلى هواى يانغ، وهناك تشارك «حظيرة أبقار» مع البروفيسور لوه هواى جين، الأستاذ بمعهد الغابات، فكانا يأكلان ويقيمان ويعملان معًا. وبعد عودتهما إلى المدينة، أصبحا صديقين مقربين، وكان يلتقيان مرة أسبوعيًا للعب الشطرنج. أما لوه تشيوإى، فكانت الابنة الوحيدة للبروفيسور لوه هواى جين.

وفى كل مرة يلتقيان، كان البروفيسور وو يتحدث مع صديقه عن أحوال الجامعة. وما إن يأتى على ذكر طلاب الدفعة الحالية حتى يهز رأسه قائلًا: أصحاب مستوى متدنٍ، وتأسيس متدنٍ». بيد أنه كان ما إن يسترسل فى الحديث، حتى يذكر تلميذه النجيب لى دالين. وعند ذكر لى دالين، كان لا يتمالك نفسه ويكيل له من المدح والثناء، قائلًا: إنه حقًا نابغة عصره وعلامة زمانه.

لى بى فو
لى بى فو

وما إن يشتد حماسه، حتى يلقى بقطع الشطرنج ويصيح بأعلى صوته: فتشوا فى تسعة وأربعين جامعة للعلوم الزراعية على مستوى البلاد، كم طالبًا تمكن من نشر مقالاته بالدوريات الأمريكية؟ وكم منها نُشرت بمجلة علوم التربة الأمريكية، هذه المجلة العلمية المرموقة ذات السمعة العالمية. 

ورب كلمة قالها صاحبها عن غير قصد، وقعت فى عقل وقلب مستمعها. وكانت لوه تشيوإى التى تصب الشاى لأبيها وصديقه سمعت أكثر من مرة ثناء البروفيسور وو على تلميذه. حتى ألفته أذناها قبل أن تبصره عيناها. وذات مرة، وبينما تصب لهما الشاى، قال لها البروفيسور وو متعمدًا: شياو تشيو، إذا رغبت فى الزواج يومًا ما، لتختارى رجلًا مثل هذا العالم. حينذاك أحمر وجه لوه تشيوإى من شدة الخجل.

وكان ذلك العصر عصر القراءة بامتياز. وكانت الفتيات آنذاك تتمتعن بـ«روح» يقظة وثقافة عالية. وكان فتى أحلام الفتيات اللاتى ولدن لعائلات مثقفة أمثال لوه تشيوإى، أو لتقل معيار الحب لديهن اختيار شخصيات الكتب التى يقرأنها وليس الشخصيات الواقعية. 

كانت مقالة «حدسية غولدباخ» للكاتب شيوتشى قد نشرت للمرة الأولى فى العدد الأول من مجلة «أدب الشعب»، قبل أن تنشر تباعًا فى صحيفتى «الشعب» و«النور»، وتحدث ضجة كبيرة على مستوى الصين. وأصبحت المعادلة ١=٢ حديث الناس فى كل أنحاء البلاد. لكن ما المقصود بقولهم ١=٢ ؟ لم يستطع أحد أن يجيب عن ذلك بوضوح- بمن فيهم الكتاب أنفسهم. كان ذلك أشبه بمتاهة، أو بتعويذة سحرية، لن يستطع حلها إلا «الخارقون». هكذا حتى بدأ الشغف بمعرفة بطل العمل يسيطر على الفتيات، وبدأن يسألن بجنون عن بطل المقالة تشن جينغ رون، وبدأت آلاف الرسائل الغرامية تتدفق إلى بكين، فياله من بطل انتزع «لؤلؤة التاج»!

وقرأت لوه تشيوإى مقالة «حدسية غولدباخ» آنذاك بعدد صحيفة «النور». فأشعلت كلمة «حدسية» نار ولهيب الشوق فى قلبها الشاب. وكانت تضع العدد المنشور بها المقالة إلى جانب وسادتها، ولا تتوقف عن قراءتها مرارًا وتكرارًا، بل ولم تكن تتمالك نفسها وكانت تقرأها بصوت عال فى غرفة نومها، وفى كل مرة يشتد تأثرها بها تذرف عيناها الدموع وتصرخ.. ولكن بكين بعيدة جدًا. هكذا حتى بدا له تشن جينغ رون بطل «حدسية غولدباخ» شخصية غامضة صعبة المنال. وفى المقابل تجد إلى جوارها شابًا عالمًا، وقد يكون عالمًا فى المستقبل باحثًا فى سلالات القمح، فلماذا لا؟

يمكن القول بأن مقالة «الحدسية» هى التى جمعت بينهما. وصادفت زيارة لوه تشيوإى للى دالين الثانية فى موسم تفتح سنابل القمح. وكان لى دالين يعمل حينها على استنباط سلالة هجينة من القمح تعرف بـ«ميلينغ رقم ٧»، وقد سبق له استنباط سلالات من «ميلينغ رقم ١» حتى «ميلينغ رقم ٧»، منها ما يقاوم الانحناء وما يقاوم الآفات وما يزيد من وزن الحبة. قبل أن يعمل على استنباط سلالة جديدة باسم «هوانغ هواي-١»، وهى سلالة من نوع نبتة القمح ذى السنبلتين، والتى قيل إن إنتاجيتها يمكن أن تتضاعف أكثر من الضِعف. بيد أنه عندما كان على وشك استنباط هذه السلالة، وقعت كارثة. سيأتى ذكرها لاحقًا.

وفى زيارتها الثانية إلى ميلينغ، حملت لوه تشيوإى سلة من الفواكه، ومعها قلبها الذى ظل مضطربًا طويلًا، قبل أن ينعم مؤخرًا بالسكينة والاستقرار. جاءت إلى هنا مدفوعة بـ «الحدسية»، وها قد أصبح لها أخيرًا «حدسيتها» الخاصة. وبامتلاك هذه الطالبة الجامعية بقسم اللغة الصينية «حدسيتها»، بإمكانها أن تتحدى العالم كله من أجلها. وفى حقيقة الأمر، لم تكن لوه تشيوإى فى بداية الأمر معجبة بلى دالين. كانت محاطة آنذاك بالكثير من المعجبين الساعين لودها.. فى مقابل لى دالين قصير القامة، ذى الوجه الذى يشبه حبة القرع، صاحب الملامح الجامدة. قبل أن تجد نفسها أخيرًا أسيرة لعينيه ولتأثير «حدسية غولدباخ». 

كان ذلك فى يوم أحد فى الثلث الأخير من شهر أبريل، بينما بدأت الأجواء تميل إلى الدفء. وكانت لوه تشيوإى ترتدى فستانًا من الطراز الذى بدأ ينتشر مؤخرًا، وقميصًا قصير الأكمام باللون الأزرق الفاتح كضوء القمر، وتنورة زرقاء تزينها نقط سوداء صغيرة. بينما يتدلى شعرها الطويل على كتفيها، وهى تمشى بخطوات رشيقة، كما زهرة السوسن، تمشى بدلال يعكس أنوثة طاغية. 

وعندما ذهب مدير المعهد لينادى لى دالين، ربت على كتفه قائلًا: هيا بسرعة، لقد جاءت فتاة العاصمة ثانية، أرى أن الأمر قد تم.

وعند لقائهما، كان لى دالين قد خرج لتوه من حقل القمح حافى القدمين، حتى إنه لم يجرؤ على النظر إليها، فاكتفى بانحناءة قائلًا: جئت؟

فردت لوه تشيوإى بعفوية وثقة: اليوم يوم أحد، جئت لرؤيتك.

وصادف ذلك اليوم أن كانت الشمس مشرقة، والطقس معتدلًا، وكان طقسًا مثاليًا لتلقيح القمح الهجين. 

وقال لى دالين بتردد: إذن، أنت.. وأنا على أن أذهب لتلقيح القمح.

فشعرت لوه بأن الأجواء من حولها غامضة، فقالت بدافع الفضول: هل يمكننى الذهاب معك؟

فى الحقيقة ليس هناك ما يستدعى المشاهدة. رد لى دالين.

حينذاك تمايلت لوه بدلال وهزت خصرها وقالت: أرجوك، دعنى أذهب معك وبإمكانى مساعدتك.

تمايلت بدلال وجاذبية خاصة، أرتجف لها قلب لى دالين الذى رد قائلًا:

«حسنًا، كما تشاءين، هيا بنا».

وفى طريقهما إلى حقل القمح، سألته لوه تشيوإي: كيف تتم عملية التلقيح؟.

«القمح من النباتات ذاتية التلقيح بطبيعتها، ولضمان انتقاء النباتات الأبوية المناسبة، يجب أن يتم التقيح يدويًا». أجاب لى دالين.

فسألته وقد احمر وجهها خجلًا: وكيف يتم التهجين؟

«نبدأ بإزالة السلالات التى تحمل الصفات الذكورية». أجاب

«أى سلالات تقصد؟».

«السلالات ذات الصفات الذكورية».

فأشتد احمرار وجنتيها من شدة الخجل وتابعت: وكيف تزال السلالات الذكورية؟

حينذاك خطر بالها فجاة ما يتعلق بـعملية «الإخصاء».

«يحتوى ساق القمح على ثلاثية أسدية وأنثى واحدة. نقوم بداية بإزالة الأسدية، ثم نغلف الزهرة بكيس ورقى، ونعلّق عليها بطاقة تعريف، ويتم عزلها عن بقية النباتات. وخلال يوم إلى ثلاثة أيام، نقوم بالتلقيح، وبالطبع يجب اختيار أفضل عضو تذكير...» قال لى دالين.

وهل يمكن القيام بالتلقيح فى أى وقت بعد تفتح النباتات؟ سألت لوه تشيوإي.

أكثر فترة لنشاط الزهرة يستمر عشرين دقيقة فقط. قال لى دالين.

وما إن ذكر نشاط الزهرة حتى ألقى نظرة خاطفة على لوه تشيوإى.

فغيرت لوه الموضوع قائلة: سمعت أحدهم يقول إنك عازم على أن يأكل جميع أبناء البلاد خبز المانتو، أليس كذلك؟

فرد لى دالين بشىء من الخجل: لنقل إنها مجرد أمنية، أمنية فقط.. فقد تجرعت مرارة الفقر فى صغرى.

يا لها من فكرة رائعة، حقًا فكرة عظيمة. قالت.

وتابع لى دالين فى عجالة: فى طفولتى، كنت أتمنى تناول خبز المانتو، ولم أكن أجرؤ على تمنى شىء سواه.

فزاد كلامه من حماستها، فاستدارت بسرعة وقالت: سمعت أن هناك فى جنوب الصين يوان لونغ بينغ المُلقب بـ«أبو الأرز الهجين»، وبإمكانك أن تصبح مستقبلًا «أبو القمح».

فأحمر وجهه وقال بتردد: لا أجرؤ على ذلك، لا أجرؤ، بل وليس هناك وجه للمقارنة بينى وبينه، فأنا أقل منه بكثير.

ثم استسلمت لوه تشيوإى حينها لخيالها الواسع، وغرقت فى التفكير فى أن حبيبها وزوجها المستقبلى سيصبح «أبو القمح» فى الصين، فما أسعد حظها به! ثم أهدته نظرة مليئة بالود وقالت بصوت مرتفع: ولماذا لا؟ إذا أردت العمل، فلتعمل على أن تكون الأفضل على الإطلاق، لتكن «أبو القمح»، نعم أنت «أبو القمح» فى الصين مستقبلًا، لماذا تعوزك الجرأة فى الاعتراف بذلك؟».

فأختار لى دالين الصمت، بل وأخفض رأسه. فظنت لوه تشيوإى أن هذا تواضعًا منه، فهو إنسان متواضع جدًا، وهذا ما أعجبها فيه.

وبعد دخولهما حقل القمح، كانت لوه تساعده وتمد له الملاقط حينًا، وتقرب منه معدات التلقيح حينًا آخر، وخلال ذلك كانت أيديهما تتلامس بين الحين والحين، فيغلبهما شعور وكأنهما تعرضا لصدمة كهربائية، حينذاك تملك لوه شعور غريب يصعب وصفه بالكلمات. 

وفى ذلك اليوم، لم يكن بالحقل سواهما. وكانت الشمس مشرقة وسط غيوم تتهادى فى صفحة السماء. وصادف ذلك موسم تفتح نباتات القمح، والهواء مشبع برائحة ذكية تحمل أنفاس التزواج بين النباتات. فسألته: «هل تحبنى؟ أجاب: أوه. تابعت: وهل تعجبك تنورتى؟ أجاب: أوه. فقالت: إما أن تقول جميلة أو غير ذلك، ما هذا التأوه؟ فقال: «جميلة. جميلة جدًا». 

وفى تلك الليلة، لم تغادر لوه البلدة، وأقامت بمعهد البحوث الزراعية.

والتزم لى دالين بالتعامل مع الموقف بحذر، ورتب لها الإقامة بغرفة كانت تسكنها عاملة قامت بإجازة الليلة. وبما أنه كان يعلم أنها ابنة أستاذ جامعى، وأنها حريصة على النظافة، فقد اشترى لها خصيصًا طست جديدًا لغسل الوجه وصابونة برائحة ومنشفة وغيرها من اللوازم الشخصية. بيد أنها جاءته عند التاسعة مساء، وقالت بوجه محمر: لن أبقى بهذه الغرفة لحظة واحدة، الفراش رائحته كريهة.

فأخذ لى دالين يحدق فيها مذهولًا، وهو لا يدرى ماذا يقول لها. بينما ألقت هى بنفسها فوق المقعد وقالت بصوت خفيض: ما رأيك أن نتحدث سويًا، وأقضتى ليلتى هنا معك؟ فألتفت لى إلى الخلف حيث سرير يتسع لشخص واحد، ثم خفق قلبه بشدة. وتابعت هى قائلة: يا لها من ليلة هادئة!

فقال: نعم هى ليلة هادئة.

أنصت إلى قلب الليل النابض، غناء الحشرات الليلية، وخفقان القلوب، وهى تحصى النجوم نجمة نجمة، والنجوم تحصى خفقان القلوب.. هل تعرف لمن هذه الأبيات؟

فرد: لا أعرف

فقالت: أنا

أبيات جميلة.

أحقًا جميلة؟

نعم، جميلة.

فسألته: وهل أنت من هذه البلدة؟

نعم، على مسافة تسعة كيلومترات من مركز المدينة.

وممن تتكون أسرتك؟

أمى رحلت، وبقى والدى.

وكيف صحته؟

بخير، فقط قدماه ليستا على ما يرام.

ولم لا تعالجه؟ سأبحث له عن طبيب، لنأخذه إلى عاصمة المقاطعة للعلاج.

ركبته مصابة بالبرد المزمن، ومع تقدم سنه أصبح من الصعب علاجها.

وهل تحرص على زيارته؟ 

فهز لى دالين رأسه وقال: ليس كثيرًا، أزوره فى الأعياد والمناسبات فقط.

واصلًا الحديث، حتى بدأت لوه تشيوإى تشعر ببعض التعب، فأراحت جسدها على كتفه، ثم قالت بصوت رقيق: هل اغتسلت؟ هيا أذهب لتغتسل.

ثم جلسا على حافة السرير، واقتربت منه أكثر فأكثر، وقالت بصوتها الرقيق: احضنى، مسموح بالحضن فقط.

طوقها لى دالين بذراعيه بخجل، حتى بدا كالدُب الأبله، بينما يشعر بداخله بشىء من التردد والخوف. أما لوه تشيوإى فاقتربت منه بجرأة وهدوء، تعانقا وإن التزم كلامهما بالتحفظ، ولم يدم العناق طويلًا. أخذت تعدل ثيابها ثم قالت: سألقى عليك أبياتًا من قصيدة. ثم بدأت تلقى عليه أبياتًا من قصيدة للشاعر الروسى بوشكين:

ما زلت أذكر تلك اللحظة الرائعة

حين ظهرتِ أمامى

مثل بشارة وامضة

مثل طيف يشع جمالًا

قلبى يخفق بوله شديد

والشوق فى أعماقى

والحياة، والحب

ما إن انتهت حتى سألته: هل أعجبتك؟

«جميلة، حقًا جميلة».

ثم تابعت لوه تشيوإى: بعد انشغالك طوال اليوم، لتنم أنت فوق السرير، وأنا يكفينى الاتكاء.

بل تنامين أنتِ فوق السرير، وأنا سأبحث عن مكان آخر.

الوقت متأخر الآن، لا داعى لإزعاج الآخرين، لتتكئ قليلًا.

استندا إلى بعضهما البعض، وظلا متقاربين ومتداعبين، هكذا حتى غلبهما النعاس وهما متكئان على السرير. وفى تلك الليلة، وفوق ذلك السرير الذى يتسع لشخص واحد، كان لى دالين يحتضن لوه تشيوإى على استحياء، وهو يشعر بأنه يحتض ثمرة من الجنة. بينما يردد فى نفسه: ما أجمله من حضن!

وعندما انتصف الليل، لف الصمت المكان، ولم يُسمع سوى همس الحشرات خارج الغرفة. ثم غفت لوه تشيوإى وهى تستند إلى ذراعه، بينما خاصم النوم جفنى لى دالين. وكان ضوء القمر يتسلّل عبر النافذة، رقيقًا كالمرآة المائية. وتحت ضوء القمر الخافت، أزاح لى دالين الغطاء برفق، واستدار نحوها. وأخذ يتنفس عبير شعرها ودفءَ أنفاسها، وملامحها الهادئة، ثم أخذ يتأمل جسدها من أعلى إلى أسفل، حيث وجهها الأبيض الناصع وعنقها الرقيق، ثديها النافر وقدميها الرشيقتين.. ثم راح يتأملها مرارًا وتكرارًا، حتى خُيل إليه أنه يعيش حالة من النشوة لا عهد له بها. 

وبعد زواجهما، سألها لى دالين بشىء من عدم الثقة، ما الذى أعجبها فيه؟ وهو لم يكن حينها سوى ابن فلاح بسيط، فما الذى أعجبها فيه؟ ففكرت لوه تشيوإى قليلًا ثم قالت بجدية:

بريق عينيك.

وفى حقيقة الأمر، لم يكن هذا كل ما أعجبها فيه.