الرغبة والقدرة.. آفة حارتنا الكبرى فى «برشامة»
الفيلم لا يسىء إلى الدين ولا يتجرأ على الثوابت ولا يهدد العقيدة
أنصح به أن نُبعد الدين عن مشاهداتنا فلا يمكن لفيلم أن يهدم الدين
ما رأيكم أن نشاهد معًا فيلم «برشامة» بعيدًا عن الجدل السطحى الذى يريده بعض الغيورين النظريين على الدين؟
قبل أن أحدّثكم عن الزاوية التى أعتقد أنه من المهم النظر منها إلى هذا الفيلم، قد يكون من حقك أن أقول لك لماذا أصف مَن خرجوا يعارضونه ويطالبون بمنعه من العرض وشطبه من الذاكرة ومقاطعة صنّاعه، وربما محاكمتهم، بأنهم غيورون سطحيون على الدين؟
الغيرة على الدين شىء محمود بالطبع، لا يمكن أن نلوم أحدًا عليه، بل هى غيرة مطلوبة ومرغوبة، لكن عندما تكون فى محلها، وليست محاولة لاكتساب شعبية سياسية، أو وسيلة لتحقيق مكاسب شعبوية، أو رغبة فى اقتناص سلطة دينية تتم ممارستها على مجتمع متدين بطريقته التى لا يرى فيها أى بُعد عن الدين، حتى لو كان فى سلوكه بعض الانحراف.. وفى حديثه بعض التجاوز.. وفى تصرفاته بعض الزلل.
إعلان الجهاد ضد فيلم سينمائى لا يمكن أن نعتبره من بين ما يُرضى الله، خاصة أن هذا الفيلم مهما كانت قوته وتأثيره، فإنه لا يمكن أن يهدم الدين، أو يسبب فتنة للناس فى دينهم فيصرفهم عنه، أو يخلخل عقيدتهم فيجعلها فاسدة، والعياذ بالله.
«برشامة» فى النهاية ليس إلا مجرد فيلم، شاهده الناس فى دور العرض السينمائية، ثم على المنصات، ضحك من ضحك واستاء من استاء، وانتهى الأمر، ثم انصرفوا إلى حياتهم يمارسون طقوسهم الحياتية والدينية دون أن يحول بينهم وبين ما جاء فى الفيلم من عبارات أو إفيهات، فما جاء فى الفيلم ليس إلا غيضًا من فيض ما يردده المصريون يوميًا فى حياتهم عن الدين.. ولم يتوقف أحد عنده، أو يعتبره خروجًا على العقيدة، أو طعنًا فى الإسلام.
مما جرى قبل ذلك وعلى خريطة الصراع بين التيارات الدينية وأهل الفن والإبداع، أعرف أن هذه المعركة ستطوى كما تم طى غيرها، لن يحدث شىء، وسيظل الفيلم باقيًا، فلن يستطيع أحد أن يمنعه، ولو فرضنا أن القنوات امتنعت عن عرضه، فلن تفعل ذلك المنصات الجديدة، ولو فرضنا أن المنصات استجابت، فسيظل الفيلم معروضًا عبر اليوتويب، وستظل «ريلزاته» موجودة على «فيسبوك»، و«تويتر» و«إنستجرام»، و«تيك توك».
ففى عالم الشاشات المفتوحة أصبح المنع مستحيلًا، ولا يمكن لأحد مهما كانت قوة قراراته أن يفرض على الناس شيئًا، أو يمنع عنهم شيئًا.
قد يقول من أعلنوا الجهاد ضد الفيلم إنهم يعرفون ذلك، وإنهم لا يسعون إلى منع الفيلم، فالمنع أصبح كائنًا منقرضًا لا وجود له الآن، لكنهم على الأقل يقومون بما يعتبرونه واجبهم تجاه دينهم، ولأننى أعرف أنهم يتحركون بقناعة تامة بأن ما يفعلونه صحيح، فإننى لا أستطيع أن أتهمهم بشىء، لكن فى الوقت نفسه لا يمكن أن أقر لهم بأن موقفهم صحيح، لأن ما يحدث فيه مزايدة دينية، أعتقد أنها لم تعد تليق فى زمن الأفكار فيه تحلق دون قيود.. والإبداع يتحرك بلا مخاوف.. والفن ينطلق دون أسوار.
لقد اجتهد كثيرون ممن أعلنوا الحرب على الفيلم فى شرح وتفسير معارضته الشرع وخروجه على العقيدة وإساءته إلى الدين، وأخذونا إلى أحاديث كثيرة حول الإهانة التى تعرضت لها ثوابتنا، وحشدوا ببن ذلك آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، وهو جهد بالنسبة لى لم يكن فى محله على الإطلاق.. وكان الأولى بهم أن ينظروا إلى الفيلم من زاوية، أعتقد أنها إيجابية جدًا، بالنسبة لهم.
كان يمكن أن يضع هؤلاء ما اعتقدوا أنه طعن فى الدين جانبًا، ويتمسكوا بما يمكن اعتباره إيجابيًا، فيركزون عليه ويقدمونه للمجتمع الذى يخاطبونه من أرضية غيرتهم على الدين.
هذا الجانب الإيجابى يتمثل فى الشاب المتدين الذى أدى دوره هشام ماجد.
فهو شاب حصل على مجموع كبير فى الثانوية العامة، لكنه قرر أن يعيد السنة مرة أخرى طمعًا فى الحصول على مجموع أكبر، لأنه يريد أن يلتحق بكلية الهندسة، طوال الفيلم يرفض الغش، ويقاوم بكل ما أوتى من قوة ليحول بين الممتحنين وبين أن يقوموا بعمليات الغش التى تنوعت أشكالها وتعددت أنواعها، ويرفض فى البداية أن يمس ورقة الأسئلة لأن فيها آيات قرآنية وهو ليس طاهرًا، لأن طفلة بالت عليه وهو فى طريقه إلى الامتحان، ويحترم حرمة الموت، فيريد أن يبلغ عن وفاة المراقب، رغم محاولة الممتحنين منعه من ذلك؛ حتى يتمكنوا من إتمام عملية الغش.
هذا نموذج إيجابى لمتدين يرفض الوقوع فى أى معصية حتى لو كانت صغيرة، وقد تعجبت من أحدهم الذى أخذ عليه، عندما قال فى مواجهة السيدة العجوز إنها لو كانت موجودة أيام الرسول لنزلت فيها سورة مثل أبى لهب، فقد اعتبر هذا اعتداء على الله وإملاء عليه بما يجب أن يفعله، رغم لو أننا نظرنا إلى ما قاله سنجده يصوّر بشاعة نموذج السيدة التى لا تعرف الله ولا تتردد عن ارتكاب أى معصية فى سبيل ما تريد تحقيقه.. فلا هو يملى على الله ما يجب أن يقوله، ولا هو يهزأ بالقرآن، وأعتقد أن ما قاله هذا المعترض ليس إلا مزايدة وتزيدًا فى القول، وتحميلًا لما قاله بطل الفيلم بما لا يطيق ولا يحتمل.
الأكثر إيجابية فى هذا الفيلم وفيما يخص هذه الشخصية، أنه قدم لنا حلًا سحريًا لمعالجة آفة التطرف، فقد بدا بطل الفيلم متعصبًا نوعًا ما، لا يبدى مرونة من أى نوع، لكنه عندما اختلط بالناس وعرف ما يعانون منه، واستمع إلى مشاكلهم وأزماتهم، تحول تمامًا، وأصبح فى عون الناس، فهو يعتذر للراقصة التى ذهبت لتتعلم لتغير وضعها من أجل ابنتها الصغيرة، بل يقدم لها ورقة إجابته لتنجح، لأنه يريد أن يساعدها فى أن تحقق هدفها، بل يساعد الفتاة التى تريد الهروب من محاولة فرض زوج عليها، ويقول لشقيقها إنه عقد قرانها، وعندما يسأله عن قسيمة الزواج، يستغل أنه لا يقرأ ويقدم له ورقة أسئلة الامتحان، فى لحظة تحول، فهو لا يقول الحقيقة، وقد تعتبر أن هذا كذب، لكنه تعامل مع ما قاله على أنه إنقاذ لفتاة من أزمة.. وهذا أفضل عند الله.
وكأن الفيلم يقول لنا دون فذلكة أو فلسفة أو ثرثرة وتعقيدات، إذا أردتم أن تعالجوا التطرف، فادفعوا المتطرفين بين الناس، اجعلوهم طرفًا فى مشاكل المجتمع، لا تعزلوهم، لأن العزلة ستولد مزيدًا من التطرف، وأحسب أن هذه فكرة جديرة بالمناقشة والتأمل والعمل عليها، فقد تكون حلًا لكثير من المشاكل التى نعانى منها.
أطلت عليكم فيما قلت لكم إننا يجب ألا نتوقف عنده، لأن الأيام ستطويه كما طوت غيره.
الآن يمكننا أن ننظر إلى الفيلم من زاوية مختلفة تمامًا.
لقد رأيت الفصل الذى عُقدت فيه لجنة المنازل بمدرسة طه حسين الثانوية على أنه نموذج مصغر للمجتمع المصرى وما يحدث فيه.
النماذج الأساسية التى تحركت أمامنا يمكن أن نجدها بسهولة فى وجوه الناس من حولنا، السيدة العجوز التى تريد أن تحصل على الثانوية لزيادة معاشها، والسجين الذى يريد أن يدخل مسابقة السجن، والبنت التى تهرب من عريس مفروض عليها، والراقصة التى تسعى إلى تغيير حالتها ووضعها، والشاب الطموح الذى لا يكتفى بما حصل عليه ولكن يريد أكثر، والشاب البسيط الذى تعامل معه البعض على أنه عبيط القرية، ثم نماذج أخرى لم تتضح ملامحها، ولم نعرف عنها شيئًا، لم يكونوا مجرد ديكور فى الفصل، ولكنهم إشارة إلى أن هناك كثيرين يعيشون فى الحياة دون أن تكون لهم ملامح، وليس لديهم هدف، بل هم أقرب إلى كمالة العدد.. ضرورية لاكتمال الحياة.. لكنها لا تعنى شيئًا فى استمرارها.
هذا المجتمع المصغر فى فصل مدرسة طه حسين الذى يمثل المجتمع المصرى، يعانى من الآفة الكبيرة التى نعانى منها جميعًا، وقد يكون للفيلم فضل بروزتها والتركيز عليها والإشارة إليها بوضوح، لكننا وتحت وطأة الرغبة فى النفاق المجتمعى والدينى لم نلتفت إلى جوهر الفيلم الحقيقى من وجهة نظرى.
الآفة الكبرى التى وضع الفيلم يده عليها هى الفجوة الهائلة بين الرغبة التى نريد تحقيقها، والقدرة التى نملكها.
ما حدث أن كل أبطال الفيلم الممتحنين فى لجنة المنازل لديهم رغبات محددة.
شاب يحسّن مجموعه حتى يدخل هندسة.
مسجون يريد أن يحصل على مكاسب ليتحسّن وضعه فى سجنه.
سيدة مسنة على المعاش تريد أن يزيد المبلغ الذى تحصل عليه.
راقصة تحلم بمستقبل أفضل لابنتها، فتسعى إلى النجاح لتغيّر عملها الذى لن تفخر به صغيرتها فى المستقبل.
فتاة تهرب من جحيم شقيقها الذى يريد أن يُرغمها على الزواج من شخص لا تحبه ولا تريده.
ابن عمدة عبيط وساذج يرغب والده فى أن يحصل على شهادة حتى لا تخرج العمودية من بيته.
هذه الرغبات التى يحملها أبطال الفيلم كلها مشروعة، لا يمكن أن تنكر على أحد منهم ما يريده، أو يسعى إليه، ولكن عندما تتأمل القدرات التى يملكها كل منهم، ستجدها لا شىء، أو على الأقل هى قدرات لا تمكنهم بأى حال من الأحوال من تحقيق رغباتهم ولو بالحد الأدنى.. اللهم إلا الشاب الطامح إلى الالتحاق بكلية الهندسة، والبنت التى تهرب من الزواج.
المشكلة أن مَن يملكون القدرة لديهم مشاكل تعطلهم عن تحقيق رغباتهم.
الشاب الطامح إلى دخول الهندسة، يدفعه تدينه الحقيقى، وليس المصطنع بالمناسبة، إلى محاولة إصلاح مجتمع فاسد يتحرك من حوله، يحاول أن يمنع الجميع من الغش، وهو فى محاولته تلك يجد أن المجتمع يعطله عن الوصول إلى هدفه، فالمجتمع الفاسد لا يطيق أن يكون أحد فيه صالحًا، بل يسعى إلى إفساد الجميع.
والفتاة الهاربة من الزواج تعانى صراعًا هائلًا وخوفًا من المستقبل الذى ينتظرها، وهذا الخوف نفسه هو الذى يعطلها، فلا تستطيع أن تجيب عن أسئلة الامتحان، رغم أنها شاطرة ومذاكرة.
عندما نترك هذه الصورة البانورامية لأبطال الفيلم، ونتأمل صورة المجتمع الذى نعيش فيه، سنجد تطابقًا هائلًا، فلدى الجميع رغبات كثيرة وأهداف متعددة وطموحات لا تنتهى، لكننا نعجر عن تحقيق ما نسعى إليه، لأن هناك فارقًا هائلًا وفجوة عظيمة تتعاظم كل يوم بين رغباتنا وقدراتنا.
أعتقد أن هذه هى الآفة العظمى التى يعانى منها المجتمع المصرى الآن.
لم يحاول الفيلم تقديم رؤية محددة لحل هذه الأزمة، على عادة الأفلام السينمائية اللطيفة الخفيفة، بل ختم مشاهده بنهاية خفيفة ولطيفة أيضًا، يحل بها المشاكل المؤقتة التى يعانى منها أبطاله وبشكل جزئى، فالراقصة تحصل على ورقة إجابة الشاب المتدين فتضمن النجاح، والفتاة الهاربة من الزواج تخرج من اللجنة بعريس هو ابن العمدة، الذى حاول والده إنقاذ مستقبله بتسريب ورقة إجابة جاهزة له، لكنه ينسى أن يلصق اسمه ورقم جلوسه عليها، لتضيع كل جهود الوالد التى بذلها طوال الفيلم لإنجاحه.
لقد فعل الفيلم كما نفعل نحن أيضًا فى الواقع، لا نحاول تقديم حلول كاملة وشاملة لما نعانى منه من مشكلات، وعلى رأسها الفجوة بين الرغبات والقدرات، ولكننا نقوم بترقيع أوضاعنا، فنحن جميعًا نسعى إلى أن تسير الحياة كما هى، دون أن تكون لدينا رؤية شاملة لعلاج ما نعانى منه.
يضع الفيلم أيدينا ربما دون أن يقصد على الأزمة الحقيقية التى نعانى منها، وهى الآفة التى يجب أن نلتفت إليها بعيدًا عن التنظيرات الكثيرة والفلسفات الغارقة فى التصورات الهلامية.
إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا، فليس علينا إلا أن نقوم بالآتى:
أولًا: نبذل الجهد الأكبر لتقليل الفجوة بين رغباتنا وقدراتنا، وذلك ليس بتخفيض سقف الرغبات، ولكن بالتعظيم من القدرات، ولن يأتى ذلك إلا بتعليم حقيقى، وليس على طريقة تعليم أبطال الفيلم الذين يريدون أن يحصلوا على شهادة دون جهد، ومن خلال العمل الذى يمكن أن يجيده كل منا، حتى يكون لدينا عائد واضح وملحوظ وكبير.
ثانيًا: وهذا هو المهم، علينا أن نتوقف عن حالة الجدل الفارغة التى أصبحت مسيطرة على كل مناقشاتنا، ومن بينها حالة الجدل حول هذا الفيلم، وأخذ الحوار إلى مسارات جانبية ليست حقيقية، فالفيلم لا يسىء إلى الدين ولا يتجرأ على الثوابت ولا يهدد العقيدة، إنه نموذج مصغر مما يحدث فى المجتمع الذى يؤمن بالله، لكن له طريقته الخاصة فى التعبير عن هذا الإيمان، وهى طريقة لن يتوقف عنها، رغم التهديد والوعيد وطلبات الإحاطة فى البرلمان.
لقد شاهدت الفيلم من هذه الزاوية، ويمكن أن تشاهدوه أنتم من الزوايا التى تستريحون لها، لكن ما أنصح به أن نُبعد الدين عن مشاهداتنا، فلا يمكن لفيلم أن يهدم الدين.. ولا يمكن لمجموعة إفيهات أن تخدش العقيدة.







