الأربعاء 06 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الـ«مختار».. كنت شاهدًا على خروج مختار نوح من جماعة الإخوان

حرف

- مختار نوح لم يكن يعزف على العود فقط بل كان يميل إلى الغناء فى الجامعة

كنت- وما زلت- أحب مختار نوح وأحترمه. 

هذه حقيقة لا يمكننى أن أتجاهلها أو أتنكر لها، بل يمكننى أن أزيد عليها بأننى كنت معجبًا به، ولم يتولد لدىّ هذا الإعجاب بسبب خروجه من جماعة الإخوان وتجميد عضويته بها فى العام ٢٠٠٤، وكنت شاهدًا على ذلك وقريبًا منه، ولكننى كنت معجبًا به وهو لا يزال بين صفوفها محاميًا صاحب كاريزما خاصة. 

وقتها كنت أختلف معه، لكننى كنت أحترمه وبشدة. 

تولد لدىّ هذا الاحترام من اللحظة التى التقيت به فيها. 

كنا وقتها فى العام ١٩٩٨. 

فكرت فى إعداد سلسلة حوارات يتحدث فيها إسلاميون عن فنانين، وفى القائمة وضعت اسم مختار نوح أمام اسم عادل إمام، وكان لدىّ مبررى فى ذلك. 

كان مر على عرض فيلم «طيور الظلام» ثلاث سنوات، فقد استقبلته دور العرض فى العام ١٩٩٥، وأثار وقتها ضجة كبيرة، كان من بين تفاصيلها معركة جانبية على مَن يقصده وحيد حامد، كاتب الفيلم، بشخصية على الزناتى محامى الجماعات الإسلامية، التى أداها باقتدار الفنان رياض الخولى، وهل هو منتصر الزيات أم مختار نوح؟ 

تواصلت مع مختار نوح، فاستجاب على الفور عندما عرف أننى سأتحدث معه عن عادل إمام، وجدته متحمسًا، قال لى: سأقول لك عن عادل ما لن يقله أحد من قبل. 

عندما دخلت مكتبه، وكان وقتها لا يزال فى حلمية الزيتون، أشار إلى العود الذى يعلّقه على الحائط، وقال لى وهو يبتسم: هذا هو الدليل على أننى على الزناتى وليس منتصر الزيات.. وحيد حامد كان يعرف أننى أعزف على العود.. إنه كان يقصدنى أنا وليس أحدًا آخر. 

يومها عرفت لأول مرة أن مختار نوح لم يكن يعزف على العود فقط، بل كان يميل إلى الغناء فى الجامعة، وقام بتلحين بعض القصائد، لكنه عندما أصبح عضوًا فى الجماعة توقف عن الغناء والتلحين، بسبب تضارب الفتاوى حول حرمة الغناء والموسيقى، لكنه عاد إليها بعد أن أفتاه يوسف القرضاوى بأن الغناء الهادف يمكن أن يكون سببًا فى إيصال الأفكار أكثر من الكلام العادى والخطابة والوعظ. 

وبعد سنوات من هذا اللقاء، عمل مختار على طرح مجموعة غنائية فى الأسواق كان عنوانها «زار الوزير المؤتمن» من أشعار أحمد مطر، وغناء إحدى الفرق الشعبية، وقام مختار بالتلحين. 

فى لقائى به تحدث مختار نوح عن عادل إمام كما لم يتحدث أحد لا من قبله ولا من بعده. 

للأسف الشديد تاه منى هذا الحوار ضمن أوراق كثيرة تاهت منى خلال سنوات عملى الصحفى، لكننى ما زلت أذكر رأيه فى عادل، عندما قلت له: كثيرون يقولون إن عادل هو صوت الشعب وصرخته فى وجه الحكومة، وآخرون وهم كثيرون أيضًا يقولون إنه صوت الحكومة فى مواجهة الشعب يخدع ويضلل ويهدّئ من غضب الناس فى مواجهة السلطة عندما يقوم بامتصاص غضبهم عن طريق تفريغه بمعارضة صورية على الشاشة.. فكيف تراه أنت؟ 

يومها ضحك مختار نوح، وقال: الحقيقة أن عادل إمام ليس صوت الشعب، كما أنه ليس صوت السلطة.. عادل ليس إلا صوت نفسه.. فهو مشروع فردى يعمل من أجل مجد عادل إمام فقط، وليذهب الجميع بعد ذلك إلى الجحيم. 

فى العام التالى مباشرة ١٩٩٩، دخل مختار نوح السجن ضمن المتهمين فى قضية النقابات المهنية، وقضى فى حبسه ثلاث سنوات، وعندما خرج من السجن فى العام ٢٠٠٢ وجدته يتصل بى تليفونيًا، ويطلب أن أزوره فى مكتبه.

كنت وقتها أعمل فى جريدة صوت الأمة، ويومها قال لى: وأنا فى السجن كنت أقرأ ما تكتبه، وفكرت فى أننا يمكن أن نكون صديقين، لأنك فى كل مرة كنت أقرأ لك كنت تخدعنى، كنت أبدأ المقال ورغم اقتناعى بأن الفكرة فيه عادية؛ إلا أننى كنت لا أترك المقال إلا بعد قراءته كاملًا. 

ضرب لى مختار مثالًا بمقال كنت قد كتبته عن موضة السينما النظيفة، وكان عنوانه «سينما بلا قبلات»، وقال وهو يضحك: وجدتك غاضبًا من أن هناك ممثلات يرفضن القبلات.. وسألت نفسى ما الذى يغضبك؟ وما الذى يهمنى فى ذلك؟، لكنك سحرتنى بما كتبت ووجدتنى أنتهى من المقال وأنا أضحك من هذه اللعبة التى تمارسها معى. 

قال لى مختار نوح يومها ما أفزعنى، فقد أخبرنى بأنه فى جلسة بالسجن مع بعض قيادات الجماعة، قال لهم إن الإخوان لا يتقنون العمل الصحفى جيدًا، وإنهم إذا أرادوا أن يقدموا صحافة جيدة ينتصرون بها على السلطة، فلا بد أن يستعينوا بواحد من ثلاثة: عادل حمودة أو إبراهيم عيسى أو محمد الباز. 

قلت له: أعوذ بالله.. هذه ليست فكرة، ولكنها وباء كامل. 

ضحك وهو يقول: لقد رفضوا بالطبع.. كانت هذه فكرتى وهذا تقديرى.. لكنهم فشلوا حتى فى استيعاب الفكرة التى كانت مجرد اقتراح. 

أصبحنا صديقين.. وجاءت الأيام وذهبت بيننا، حتى وجدتنى أجلس إليه فى مكتبه الجديد بمصر الجديدة نتحدث معًا عن تجميد عضويته داخل الجماعة. 

كان ذلك فى نهايات العام ٢٠٠٤. 

وكان مختار قد أطلق تصريحه المدوى، الذى قال فيه إن جماعة الإخوان إلى زوال خلال عشر سنوات فقط من الآن. 

عندما استضفته ليتحدث معى عن شهادته على ثورة ٣٠ يونيو فى العام ٢٠٢٣، استعدت معه كواليس هذا التصريح. 

سألته عنه، فقال لى إنه قاله فى حوار صحفى، ونشر على نطاق واسع فى الصحف والمواقع الإلكترونية. 

وأضاف: يومها استدعانى الأستاذ مأمون الهضيبى، وكان معه الدكتور شهاب بيومى، وأجرا معى تحقيقًا فى هذه العبارة، وقلت لهما بصراحة إن الـ١٠ سنوات هذه هى الحد الأقصى، ويمكن أن تزول الجماعة قبل ذلك، لأنها لا تعرف الديمقراطية ولا تؤمن بها. 

سألته: بسبب عدم إيمان الإخوان بالديمقراطية فقط توقعت أن تزول الجماعة خلال عشر سنوات؟ 

قال: لم يكن هذا فقط، لقد قلت لهم كلامًا كثيرًا فى التحقيق، تحدثت عن غرور الإخوان واعتبرته فتنة، وقلت لهم إن هذه جماعة ليست على الصراط، وإنها أوهمت نفسها بأكاذيب كثيرة وعاشت عليها، وفى علم النفس أن الإنسان يكذب على نفسه بكذبة معينة، ثم يصدق كذبته ويرددها، ثم يعيش بها، ويتحول بعد ذلك إلى مريض لا ينتظر شفاءه، وهكذا هى الإخوان كذبت الكذبة على نفسها وصدقتها، فهى الآن مريضة مرضًا لا شفاء منه، وطبيعى أن تنتهى تمامًا. 

لم يكن هذا هو التحقيق الوحيد الذى تم مع مختار، خضع لتحقيقين بعد ذلك، كرر فيهما نفس كلامه ولم يتراجع عنه، وبعد التحقيق الثالث قرر أن طريقه أصبح لا يتوافق مع طريق الجماعة، فقرر تجميد عضويته تمامًا بها. 

أعود بكم مرة أخرى إلى أواخر عام ٢٠٠٤ وبدايات العام ٢٠٠٥ عندما قامت الدنيا ولم تقعد بسبب ما قيل عن استقالة مختار من الجماعة، عندما جلست إليه طلب منى أن أنشر كل ما سيقوله لى لكن دون أن أشير إلى أنه هو المصدر. 

وكتبت تقريرًا مطولًا نشر فى ١٠ يناير ٢٠٠٥ كان عنوانه «شائعة فصل مختار نوح من الجماعة تؤكد الصراع المكتوم.. خطة قيادات الإخوان للإطاحة بمهدى عاكف». 

يومها نشرنا تفاصيل ما جرى على أنه مجرد معلومات ليست نهائية، وقلت: عندما خرج مختار نوح من السجن فى أكتوبر ٢٠٠٢ حمل معه مبادرة تصالح بين الإخوان والحكومة، لخصها وقتها فى أربعة محاور هى: إتاحة فترة من الهدوء تسمح باستيعاب المعطيات والمتغيرات الجديدة، وإزالة عناصر الالتهاب وتمهيد الطريق لميثاق جديد فى التعامل بين الدولة والجماعة، وحسن اختيار الرسول وحسن انتقاء الرسالة، والانطلاق بقناعة من كلا الطرفين بأن ثمة أخطاء إجرائية وحركية تم ارتكابها، فلا يعقل أن يوجد عمل حركى أو آخر سياسى لا توجد به أخطاء، والاعتراف بها أول الطريق لمعالجتها. 

قامت قيامة الطرفين، الحكومة والإخوان، فمختار الذى قضى ثلاث سنوات فى السجن يتحدث بثقة مطلقة ويصنع له دورًا يعود به إلى الساحة السياسية التى غُيّب عنها بعد أن اعتقل على ذمة قضية «اختراق النقابات المهنية». 

شيوخ الجماعة رفضوا مبادرة نوح لأنه لا أمان للدولة، وشبابها تشككوا فيه وفيما طرحه، وقد يكون دافعهم فى ذلك رفضهم أن يكون نوح فى مقدمة الصفوف، فليس معقولًا أن يحصد وحده الضوء وهم موجودون على الساحة، أما الداخلية فلم ترفض مبادرة نوح فقط، ولكنها قامت بتشويهها والحط من قدرها والإساءة إليها، حيث اعتبرها واحد من كبار ضباط أمن الدولة مجرد مجاملة للداخلية من مختار الخارج لتوه إلى الحياة، ولم يكن ما فعله إلا محاولة ترضية ورد الجميل للداخلية، وتنفيذًا لتعليمات ضباطها بألا يعود إلى سابق عهده، رغم علمى أن مختار لم يكن مرفهًا فى السجن، وكانت أيامه فيه مُتعبة ولم يكن يقضى إجازة فى الساحل الشمالى لا سمح الله. 

كان هذا الموقف العنيد تجاه مختار نوح هو البداية التى انتهت بعد إبعاده وتهميشه وتفتيته إلى قرار فصله النهائى من جماعة الإخوان، وهو القرار الذى نشر دون تفاصيل ولا تعليق لا من مكتب الإرشاد ولا من مختار، الذى اختار الصمت، ولم تفلح كل محاولات دفعه إلى الكلام، فكل ما يريده صقور الجماعة- كما يعتقد- أن يتحدث، فيخطئ ويسىء إليهم، فتكون لديهم الحجة ليس لفصله فقط، ولكن لقطع رقبته أيضًا. 

كنت أعرف المعلومات كاملة، تلك التى قالها لى مختار بحرص شديد. 

لكننى أخفيت مصدرى الذى هو مختار نفسه. 

قلت: لكن السؤال.. هل تم فصل مختار نوح فعلًا من جماعة الإخوان؟ 

الإجابة ببساطة: لا. 

فليس هناك قرار إدارى مكتوب من مكتب الإرشاد بفصله ولم يبلغه أحد بذلك، وما حدث فقط أن محمد حبيب، نائب المرشد، سرب خبر الفصل لبعض الصحف فنشرته فى محاولة لاستفزاز مختار، ويبدو أن هذا التصرف لم يعجب مهدى عاكف الذى قابل مختار، وأصدقكم القول- لم أكن صادقًا بشكل كامل بالطبع - أنه ليست لدىّ معلومة عما دار فى هذا اللقاء، لكن على ما يبدو أن مهدى عاكف حاول استرضاء مختار، وليس بعيدًا أن يكون طلب منه العودة للعمل بفاعلية مرة أخرى داخل صفوف الإخوان، بعد أن أصبح أبناء التنظيم هم المتحكمون فى كل شئونها. 

لم يعد مختار نوح إلى الجماعة لا بفاعلية ولا دونها، وقال لى يومها: لو ظلت الجماعة على ما هى عليه فأمامنا عشر سنوات فقط، ولن تجد شيئًا فى مصر اسمه «الإخوان المسلمين»، سوف تنهار هذه الجماعة وتتقزم وتنتهى من الوجود، ولن تجد حتى من يترحم عليها. 

اعتقدت وقتها أن كلام مختار نوح كلام غاضب يصدر عن نفس تشعر بالظلم والتهميش، ولم أعوّل على ذلك كثيرًا، لكننى كنت أتذكره وأنا أتابع رحلة سقوط جماعة الإخوان المسلمين وخروجها من مساحات كانت تحتلها داخل الوجدان المصرى، لأتاكد أن ما قاله كان بناء على رؤية واضحة لمفكر كان يعرف جيدًا ما يقوله. 

بعد ثورة ٢٠١١ تحول مختار نوح إلى منصة سياسية وفكرية ضد الجماعة، وأعتقد أنه كان واحدًا ممن مهدوا الطريق أمام ثورة ٢٠١٣ بكشفه المنهجى فساد وضلال وانحطاط وسقوط هذه الجماعة، وبعد الثورة تحول مختار ليس إلى خصم سياسى أو فكرى للجماعة، ولكن إلى عدو كامل، لم يترحم عليهم، بل شيّعهم إلى مثواهم الأخير باللعنات، وكم كان واضحًا معى عندما سجلت شهادته المطولة على ثورة ٣٠ يونيو، ثم شهادته المطولة أيضًا عن عنف الإخوان الذى عرفه جيدًا ولم يتردد عن الكشف عنه، رغم معرفته أن ذلك سيكلفه كثيرًا من راحته وسمعته، وهو ما وضح أمامى فى الطريقة التى شمت بها الإخوان فى وفاته. 

كنت أقف إلى جوار المحامى الكبير ثروت الخرباوى صديق مختار مختار فى مسجد مصطفى محمود بالمهندسين نستعد لصلاة الجنازة عليه، همس لى ثروت، قائلًا: تخيل أن أعضاء من الجماعة داخل مصر وخارجها كانوا يرسلون رسائل إلى مختار قبل وفاته، ويقولون له: لن تجد أحدًا يصلى عليك عندما تموت، ولن تجد أحدًا يسير فى جنازتك. 

قلت له مهونًا عليه: ومتى صدق الإخوان فى شىء.. حتى يصدقوا فى ذلك؟.. أنت ترى من حولك أصدقاء مختار وتلاميذه ومحبيه جاءوا من كل مكان ليصلوا عليه صلاة الجنازة ويسيروا خلفه ويتمنوا له الرحمة.. ويكفيه جدًا أنه كان راضيًا عما قدمه. 

كانت رحلة مختار نوح داخل جماعة الإخوان أو خارجها رحلة طويلة، وأعتقد أنه لا بد من رصدها وتوثيقها لتقديمها إلى الأجيال القادمة، وأعتقد أنه كان مختارًا فى هذه الرحلة كلها من بدايتها إلى نهايتها. 

كان مختارًا عندما دخل الجماعة فى العام ١٩٧٩ على يد عمر التلمسانى مرشد الجماعة الثالث، اختاره عندما رأى فيه أنه يمكن أن يكون إضافة للجماعة، وقد كان كذلك بحسبتهم وطبقًا لأهدافهم، لكن الاختيار الأكبر له كان من الله، عندما قدر له أن يختلف مع الجماعة ويخرج منها ويصبح واحدًا ممن قاموا بكشفها أمام الناس. 

لقد رحل مختار نوح تاركًا خلفه تراثًا هائلًا مما كتبه وقاله، وأعتقد أننا فى حاجة إلى الاستماع إليه من جديد ومواصلة قراءة ما كتبه، فهو واحد ممن حاربوا الجماعة فى حياته، وسيظل ما تركه خلفه سلاحًا مهمًا فى كشف هذه الجماعة والتصدى لها.. فاقرأوا له الفاتحة واطلبوا من الله أن ينعم عليه برحمته.

كان مختار نوح فارسًا.. عندما كان داخل الإخوان احترمته.. وعندما خرج منها احترمته وأحببته.