المحرر العام
محمد الباز

فشلنا فى سرقة الأرض.. لنسرق الأغنية إذن.. إسرائيل تسطو على «حلوة بلادى».. وإصدارات عالمية: عمل مصرى 100%

حرف

لطالما شكّلت الأغانى مستودعًا حيًّا لثقافة الشعوب وتقاليدها، فهى مرآة تعكس تاريخ الأمم وقيمها ومشاعرها، وتتيح لنا فهمًا أعمق للحياة اليومية والمعتقدات والأعراف الاجتماعية، كما أنها تؤرخ للانتصارات وتجسد الصمود والإخلاص، لتصبح دلالة كبرى على هوية الدولة وروحها النابضة بالحياة.

ورغم هذا البعد الثقافى والتاريخى العميق، أطلت المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلى، المعروفة بـ«الكابتن إيلا» علينا بوجهها القبيح، وتثير جدلًا واسعًا بنشرها مقطع فيديو استخدمت فيه الأغنية الوطنية المصرية الشهيرة «حلوة يا بلدى» للفنانة الراحلة «داليدا»، للاحتفال بما وصفته بـ«عيد الاستقلال». 

هذه الخطوة اعتبرها كثيرون امتدادًا لسياسة السطو على التراث والإبداع، فى موازاة السطو على الأرض، وهو سلوك متكرر منذ تأسيس الكيان، يعكس اعتياده على الاستحواذ المادى والمعنوى. وفى محاولة لحماية التراث من السرقة، حفلت المكتبات العربية والعالمية خلال الفترات الأخيرة بكتابين جديدين يسلطان الضوء على عظمة الأغانى المصرية ودورها فى تشكيل الهوية الثقافية، وتستعرض «حرف» ملامح منهما خلال السطور التالية.

أول هذه الكتب، هو إصدار إنجليزى صادر عن مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام ٢٠١٦ بعنوان «Kilma Hilwa: Egyptian Colloquial Arabic through Songs» أو «كلمة حلوة: اللغة العربية المصرية العامية من خلال الأغانى»، وهو نفس عنوان الأغنية الوطنية الشهيرة «حلوة يا بلدى»، تأليف بهاء الدين أسامة، الخبير فى تدريس اللغة العربية للمتعلمين الأجانب فى القاهرة.

ووضع الكتاب هذه الأغنية فى صدارة الأعمال التى تناولها، باعتبارها رمزًا لهوية مصر وتقاليدها وتراثها الاستثنائى، مؤكّدًا أن مصر بلد أصيل وشعبها صاحب جذور راسخة.

ويشدد الكتاب على قيمة أساسية مفادها أن الأغانى ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل وعاء ثقافى يعكس هوية الشعوب، وإحدى أفضل الطرق لتعلّم لغة بلد ما وفهم ثقافته وتقاليده. 

وبوصف مصر أحد أهم مراكز الإنتاج الثقافى فى العالم العربى، استعرض الكتاب مشهدها الموسيقى الثرى الذى يضم أنماطًا متنوعة من الأغانى بالفصحى والعامية المصرية.

الكتاب المؤلف من ٢٤٤ صفحة والموجّه للجمهور العالمى الناطق بالإنجليزية، يقدّم مجموعة من الأغانى المصرية الشهيرة التى تساعد القراء الأجانب على اكتساب فهم أعمق للثقافة المصرية ولغتها العامية المحببة، كما يهدف أيضًا إلى الحفاظ على التراث الفنى والثقافى المصرى.

ويتضمن الكتاب أعمالًا لفنانين كبار أثروا فى المشهد الموسيقى مثل محمد عبدالوهاب، محمد فوزى، أم كلثوم، فريد الأطرش، ليلى مراد، على الحجار، داليدا، لطيفة، مدحت صالح، محمد منير، نجاة، ريهام عبدالحكيم، صباح، سميرة سعيد، شادية، سعاد حسنى وغيرهم، مع تقديم تفاصيل دقيقة عن كل أغنية.

وحقق الكتاب نجاحًا عالميًا لافتًا، حيث تناولته العديد من الدراسات الغربية بالتحليل، ما دفع الجامعة الأمريكية إلى استثمار هذا النجاح بإصدار كتب أخرى لنفس المؤلف منها «موسيقى الكلمات» و«٢٠ أغنية مصرية للتعلم والغناء».

ووفقًا لدراسة نشرتها جامعة «كا فوسكارى فينيسيا» الحكومية العريقة والمصنفة ضمن أفضل جامعات إيطاليا، فإن الكتاب يُمكّن القراء من استكشاف عالم الموسيقى والسينما والثقافة المصرية، حيث يؤكد أن الأغانى ليست مجرد أدوات ترفيهية، بل إنها أكثر من ذلك، فهى وعاء للثقافة، وأفكار الناس، وتُضاهى الشعر والنثر.

ولفتت الدراسة إلى أن كتاب «كلمة حلوة» يمكن إدراجه كمرجع لكل من المعلمين وطلاب اللغة العربية المصرية، التى يستخدمها المؤلف فى العمل بأكمله، ومن هذا المنطلق، يستهدف الكتاب متعلمى اللغة العربية المصرية كلغة أجنبية، على الرغم من أن المؤلف يأمل فى اعتماده أيضًا فى المدارس المصرية للحفاظ على الثقافة والفنون والتراث المصرى.

ويتكون الكتاب من ٢٠ فصلًا، كل منها مخصصة لأغنية مختارة بعناية من بين إنتاج موسيقى ضخم يمتد من عام ١٩٤٩ إلى عام ٢٠١٠، ويغطى أكثر من ٦٠ عامًا من الموسيقى المصرية.

والمغنون والموسيقيون وكتاب الأغانى الذين تم تناولهم هم الأكثر شهرة من أول محمد عبدالوهاب إلى النجمة ليلى مراد، وكلاهما مغنيان وممثلان، ومن محمد فوزى إلى فريد الأطرش ملك العود، ومن أم كلثوم ذات الشهرة العالمية إلى اللبنانية صباح، وكلاهما حائزتان على لقب «ديفا الموسيقى»، وغيرهما.

وأوضحت الدراسة أن كل فصل يبدأ بشريط مصور إما مخصص للموضوع الرئيسى للأغنية أو يستحضر بيتًا محددًا منها بأسلوب شيق وجذاب، ثم تُعرض كلمات الأغانى، ويعرض أنواعًا مختلفة من النصوص، مثل أغانى «البوب» العربية «الكلاسيكية»، بالإضافة إلى أغانٍ أكثر تنوعًا مثل أغنية داليدا «حلوة يا بلدى» والأغانى الشهيرة لمحمد منير.

وتتنوع موضوعات الأغانى المختارة فى الكتاب ما بين الحب الرومانسى واللطف والشغف؛ والأغانى للأطفال، والحنين إلى الوطن والحنين إلى الماضى «النوستالجيا»، بالإضافة إلى القضايا الاجتماعية.

وتُعرض كلمات الأغانى متبوعة بتعليق موجز من المؤلف حول الأغنية وكلماتها وأجوائها، مع تقديم معلومات أيضًا عن الثقافة المصرية، التاريخ، المطبخ، السينما، المسلسلات التليفزيونية والمسرحيات، وما إلى ذلك، ويركز الكتاب على دراسة اللغة ضمن الثقافة المصرية وتاريخ البلاد الحديث.

ويشجع المؤلف على دراسة الثقافة والفن جنبًا إلى جنب مع اللغة، وهو موقف يتفق فيه مع خبراء عرب آخرين فى تدريس اللغة العربية كلغة أجنبية، الذين أكدوا العلاقة بين اللغة والثقافة فى الماضى، وأكدوا أن الثقافة جانب أساسى فى تعلم اللغة، لذا، عند التعليق على النجاح الكبير لأغنية «بالورقة والقلم» لريهام عبدالحكيم، يوضح المؤلف معانى كلمات الأغنية التى تُبرز سمات ثقافية مميزة لمصر مثل الضيافة والكرم.

ومن خلال مجموعة من الأغانى الأخرى، يسلّط الكتاب الضوء على أحداث بارزة شكّلت تاريخ مصر الحديث، مثل تأميم قناة السويس وغيرها. 

ويضيف فى بداية كل فصل روابط إلكترونية تُمكّن القراء من الوصول مباشرة إلى الأغانى عبر «ساوند كلاود» أو مشاهدة مقاطع الفيديو الخاصة بها على «يوتيوب»، بما يشجع المهتمين بتعلّم اللغة المصرية أو التعمق فى ثقافتها على ممارسة النطق ومتابعة ما ورد فى التعليقات المصاحبة للأغانى، فضلًا عن اكتساب نظرة أوسع على السينما والمسلسلات والمسرحيات المصرية.

فعلى سبيل المثال، يتضمن الفصل الثانى أغنية «ألف ليلة وليلة» الشهيرة لسميرة سعيد، والتى شكّلت أيضًا الأغنية الرئيسية للمسلسل التليفزيونى الذى قامت ببطولته نجلاء فتحى فى دور «شهرزاد» وحسين فهمى فى دور «شهريار»، وعُرض لأول مرة عام ١٩٨١. 

هذا الربط يسهّل على القارئ الوصول إلى نصوص أصلية أخرى، ليس فقط الأغانى، بل أيضًا الأفلام والمسلسلات ومقاطع الفيديو المتاحة عبر الإنترنت.

ويعزز الكتاب محتواه بملاحظات فى كل فصل حول المفردات والقواعد، إلى جانب شروح ثقافية، ثم يقدّم سلسلة من التدريبات اللغوية المتنوعة مثل فهم المقروء، وأسئلة الصواب والخطأ، وملء الفراغات، والاختيار من متعدد، ومراجعة القواعد، إضافة إلى أنشطة إنتاج شفهى وكتابى، ما يجعله أداة تعليمية وثقافية متكاملة.

ويختتم الكتاب بسلسلة من الملاحق التى تضم سيرًا ذاتية موجزة للمغنين والموسيقيين وكتّاب الأغانى، إلى جانب ترجمات إنجليزية للنصوص، وقائمة مختصرة بالمراجع وروابط مباشرة للأغانى عبر «يوتيوب» و«ساوند كلاود».

وقالت الدراسة إن كتاب «كلمة حلوة» يُعد إضافة مميزة إلى مجال تدريس اللغة العربية كلغة أجنبية، إذ يقدّم للمتعلمين مادة ثرية لا تقتصر على الجانب اللغوى، بل تنفتح على الثقافة والتقاليد المصرية، وهو ما يشكّل أرضًا خصبة لفضولهم ويعزز شغفهم بالمعرفة.

ومن خلال هذا العمل الفريد، يحصل القراء الأجانب على جوانب حقيقية وحيوية من الثقافة المصرية، حيث يتيح لهم التعلم عبر الموسيقى الانخراط فى اللغة والشعور بالمتعة أثناء الدراسة، وهو ما يُعد أفضل دافع للتقدّم. كما يُناسب الكتاب المهتمين بتدريس أو تعلّم العامية المصرية، ويُسهم فى تحسين مهارات القراء الأجانب، مانحًا إياهم فهمًا أعمق للثقافة المصرية وثرائها الفنى.

بعد نجاح كتاب «كلمة حلوة»، أصدرت مطبعة الجامعة الأمريكية فى القاهرة كتاب «٢٠ أغنية مصرية للتعلم والغناء»، عام ٢٠٢١، من تأليف بهاء الدين أسامة وتيسا جرافين، والأخيرة مستشارة لغوية بريطانية عملت لفترة فى القاهرة قبل استقرارها فى لندن.

ووفقًا للمكتبة الأمريكية الرقمية «JSTOR»، يستكمل هذا الكتاب، المكون من ١٩٢ صفحة، ما بدأه كتاب «كلمة حلوة» فى تعليم الأجانب اللهجة المصرية العامية بطريقة ممتعة، من خلال الأغانى الشهيرة، بالإضافة إلى معرفة ثقافة وتقاليد مصر.

ويتضمن الكتاب ٢٠ أغنية يؤديها فنانون مصريون مشهورون، بدءًا من أيقونة القرن العشرين أم كلثوم، وصولًا إلى نجم الغناء المتجدد عمرو دياب. 

ويقدم الكتاب مجموعة متنوعة من دروس اللغة الممتعة والمشوقة حول كل أغنية، مصحوبة بملاحظات حول المفردات والقواعد والاستخدام، بالإضافة إلى تمارين عملية.

يُعد هذا الكتاب، الموجه للأجانب الراغبين فى تعلم اللغة العربية العامية المصرية ومحبى الموسيقى العربية الشعبية، منهجًا محفزًا وممتعًا للغاية لتعلم اللغة العربية المصرية.

ويضم الكتاب أيضًا أغنيتين للمغنية العالمية داليدا هما «سالمة يا سلامة» و«أحسن ناس»، إلى جانب أغانٍ لكل من سيد درويش وشادية ومحمد منير وأم كلثوم وسعاد حسنى ونانسى عجرم، وغيرهم.

كتاب «٢٠ أغنية مصرية» يعد احتفاءً باللهجة المصرية العامية، وتأكيدًا لأهميتها كجزء لا يتجزأ من التراث المصرى العريق. ويضم أغانى شعبية متنوعة المواضيع والأنواع، من الرومانسية إلى الوطنية، ومن الفلسفة إلى النقد الاجتماعى، أدّاها جميعًا فنانون مصريون وعرب، أو عالميون مشهورون مثل «داليدا».

وعلى سبيل المثال، يقول الكتاب عن أغنية «أنا هويت» لسيد درويش، إنها من أشهر الأغانى فى مصر، لحّنها وغناها الموسيقى والمطرب المصرى البارز سيد درويش، قبيل وفاته عام ١٩٢٣.

وسيد درويش يُعتبر رائد التعبير الدرامى فى الغناء المصرى، بعد أن جعل الموسيقى والأداء ينسابان بتناغم مع موضوع الأغنية ومعناها، ولا يزال يحظى بتقدير كبير من المصريين، وغنّى العديد من الفنانين أغانيه، خاصة هذه الأغنية الرومانسية «أنا هويت».

وتطرق الكتاب إلى أغنية «أهو ده اللى صار»، قائلًا إن هذه الأغنية الوطنية والسياسية تعد تحفة فنية، عُزفت لأول مرة فى عشرينيات القرن العشرين، عندما كانت مصر لا تزال مستعمرة بريطانية.

ويضيف: «فى هذه الأغنية، يدعو درويش المصريين إلى الكف عن إلقاء اللوم على بعضهم البعض فى مشاكل البلاد، والعمل معًا لاستعادة السيطرة على مواردها الهائلة من البريطانيين»، مشيرًا إلى أن العديد من الفنانين غنوا نسخًا مختلفة من هذه الأغنية الشهيرة. وفيما يتعلق بأغنيتّ «سالمة يا سلامة» و«أحسن ناس»، رأى الكتاب أنها مثل العديد من أغانى داليدا، تتناول الحنين إلى الوطن، وهو شعور لم يكن غريبًا عنها، بعد أن أمضت معظم حياتها بعيدًا عن وطنها مصر.

وأوضح أن عبارة «سالمة يا سلامة»، التى تعنى مجازيًا «اذهب بأمان»، مأخوذة من أغنية شعبية تحمل الاسم نفسه، سجلها سيد درويش لأول مرة عام ١٩١٩، مضيفًا: «أصبحت هذه العبارة تعبيرًا شائعًا فى مصر، ويمكن رؤيتها مرسومة على القوارب، أو سماعها تُغنى من قِبل الناس فى رحلاتهم».

وعن «أحسن ناس»، أشار الكتاب إلى أن صلاح جاهين كتب أغانى وطنية مستخدمًا تعابير وكلمات مصرية تقليدية وعامية، مثل «أحسن ناس». ففى هذه الأغنية، يُشيد «جاهين» بجميع المصريين من مختلف الخلفيات والمجتمعات، من خلال استعراض مدن مصر المختلفة، وتفصيل خصائصها الثقافية والمعمارية والجغرافية.

كانت «داليدا» أفضل مغنية تؤدى هذا النوع من الأغانى التى تثير الحنين، منذ ولادتها ونشأتها فى مصر، فرغم أنها عاشت نصف حياتها فى أوروبا، حافظت على روابطها مع بلد ميلادها.