الجمعة 20 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

من الوحى إلى المجددين.. «التاريخ الجديد للإسلام» فى كتاب أمريكى فرنسى

حرف

- الإسلام لم ينتشر بالقوة.. وتوسع بفضل التجارة والعلم والتبادل الثقافى

- جون تولان: الإسلام دين تنوع وتسامح.. ورسوله قائد روحى وسياسى وعسكرى

ناقش العديد من المؤلفات الغربية الحديثة والقديمة الإسلام كدين وثقافة وحضارة وأيديولوجية ورؤية للعالم، سواءً لمؤلفين مسلمين أو غير مسلمين، مع ازدياد ملحوظ فى هذه المؤلفات خلال الفترة الأخيرة، واستخدامها لطيف واسع من المناهج، مثل الإسلام من منظور داخلى أو خارجى أو كلى أو جزئى، أو الإسلام من منظور حضارى وغيره.

ويُعدّ كتاب «Islam: A New History from Muhammad to the Present» أو «الإسلام: تاريخ جديد من محمد إلى الحاضر»، إضافةً جديدةً إلى الكتب الغربية التى تتناول الدين الإسلامى، مع سرده لتاريخ الإسلام من القرن السابع الميلادى فى الجزيرة العربية إلى القرن الحادى والعشرين، بامتداده عبر جميع القارات، من آسيا إلى إفريقيا، ومن أوروبا والمملكة المتحدة إلى أمريكا.

وتكمن أهمية الكتاب، الذى تستعرض «حرف» أبرز تفاصيله فى السطور التالية، فى أنه يأتى بالتزامن مع سوء الفهم والصور النمطية والتحيزات فى كثير من النقاشات حول الإسلام، ليُقدم توليفة رائعة لتاريخ الحضارة الإسلامية من نشأتها إلى الوقت الحالى، تُسلّط الضوء على ما تتميز به هذه الحضارة من تنوّع وعمق فكرى، وترسم صورة مختلفة وواضحة للتحولات المستمرة والمتواصلة لدينٍ بالغ التنوع.

الإسلام انتشر بالقوة!

«الإسلام: تاريخ جديد من محمد إلى الحاضر» كتاب من إصدارات مطبعة جامعة «برينستون» لعام ٢٠٢٥، وهو من تأليف المؤرخ الفرنسى الأمريكى البارز جون تولان، أستاذ التاريخ بجامعة «نانت» فى فرنسا، والذى يطرح فيه سردًا شاملًا لتطور الإسلام على مدى أكثر من ١٤٠٠ عام.

ويسلط «تولان» فى كتابه الضوء على التنوع والوحدة فى التجربة الإسلامية، وينفى من خلاله مقولة إن «الإسلام نُشر بالقوة»، لافتًا إلى طرق عديدة لانتشار الدين المحمدى، مثل التجارة والعلم والتبادل الثقافى، مستخدمًا قصص شخصيات تاريخية متنوعة، مثل الرحالة والعلماء والقادة، لتوضيح انتشار الإسلام وتطوره.

ويوحى استخدام كلمة «جديد» فى عنوان الكتاب: «الإسلام: تاريخ جديد» بأن الدراسات السابقة فى التاريخ الإسلامى إما قديمة أو غير موثوقة، وبالتالى بادر المؤلف بمراجعتها وتصحيحها وتوثيقها، مع محاولته تغطية التاريخ الإسلامى برمته من خلال أمثلة وتوضيحات مختارة.

ربما يكون «تولان» قد بالغ فى تقدير قدراته باستخدام كلمة «جديد»، لكن الكتاب يظل مرجعًا حديثًا يحاول تجاوز القراءات التقليدية للإسلام، لتقديم نظرة أكثر عمقًا وتوازنًا لتاريخ المسلمين، معارضًا الصورة النمطية داخل الأوساط الغربية عن الدين المحمدى، ومقدمًا تاريخًا جديدًا ومهمًا للدين الإسلامى بكل ثرائه وتنوعه، وكما مارسه المسلمون فى أنحاء العالم، من مكة المكرمة فى القرن السابع الميلادى وحتى يومنا هذا.

الكتاب حظى بإشادة نقدية واسعة من النقاد، ووصفته مجلة «ببلشرز ويكلى» بأنه «مسح حيوى وشامل ذو نطاق جغرافى مثير للإعجاب وتفاصيل تاريخية دقيقة، ما يجعله صورة بارعة للإسلام كدين وثقافة».

وأشادت مجلة «كيركوس ريفيوز» بالكتاب، ووصفته بأنه «مُدقّق البحث وموضوعى» و«تاريخ شامل وموجز للإسلام». بينما وصفته مجلة «ذا كريتيك» بأنه «مقدمة عملية عميقة مكتوبة بأسلوب جيد، تُغطى جوانب عديدة من تاريخ العالم الإسلامى».

المؤرخ الفرنسى الأمريكى جون تولان

أما مجلة «بوكليست» فقالت إن الكتاب «قدّم حجة مقنعة للتنوع والتسامح والتعددية فى الإسلام»، مشيرة إلى أن غلافه يشير إلى هذا التسامح والتعددية، حيث توجد امرأة ساجدة فى صلاة، تتلقى ورقة عليها نص باللغة العربية، وتحديدًا آية من القرآن الكريم، قال «تولان» عنها إن «هذه رابعة العدوية، امرأة صوفية عراقية من القرن الثامن، كما صوّرها أحد الرسامين»

ونُشرت النسخة الأصلية للكتاب باللغة الفرنسية عام ٢٠٢٢ تحت عنوان «Nouvelle historie de L’islam». أما النسخة التى نُشرت منتصف العام الماضى باللغة الإنجليزية فهى ليست مجرد ترجمة للطبعة الفرنسية، بل إعادة كتابة وتوسيع لفصول الكتاب، والذى يضم بين دفتيه حوالى ٣٠٠ صفحة.

وتتألف طبعة جامعة «برينستون»، الصادرة فى ٢٠٢٥، من ١٠ فصول موزعة على ٣ أجزاء رئيسية: الجزء الأول: «الأسس» (الفصول ١-٤)، والجزء الثانى: «التوسع» (الفصول ٥-٧)، والجزء الثالث، «الحداثات» (الفصول ٨-١٠).

وينقسم الجزء الأول إلى ٤ فصول هى: «القرآن الكريم وبداية أمة المؤمنين»، و«عصر الخلافة الصالحة وتأسيس الدولة الأموية»، و«نشأة الإمبراطورية وبغداد العباسية: بوتقة حضارة متعددة الأديان»، وصولًا إلى «الخلافات الثلاث لعام ١٠٠٠ ميلاديًا» فى الفصل الرابع

أما الجزء الثانى فيضم فصول: الغزوات وإعادة تشكيل العالم الإسلامى من القرن ١١ إلى القرن ١٣، وعالم ابن بطوطة، والإمبراطوريات الإسلامية من القرن ١٤ إلى القرن ١٧. بينما يتناول الجزء الثالث مواضيع العصر الحديث، مثل: الاستعمار ومساوئه (١٧٨٩-١٩١٨)، وإنهاء الاستعمار والقومية وظهور الإسلام السياسى فى القرن العشرين، وبين الإصلاح والتطرف: أن تكون مسلمًا فى القرن الحادى والعشرين.

من الخلافة إلى الإمبراطورية

فى المقدمة، يبدأ جون تولان بطرح سؤال: «ما هو الإسلام؟» ويجيب عنه قائلًا: «الإسلام دين، نصه المقدس هو القرآن الكريم، الذى أُنزل على النبى محمد، صلى الله عليه وسلم. ومن هذا الوحى، ومن أقوال النبى وأفعاله المُجمّعة فى الأحاديث النبوية، انبثق دينٌ بعقائده وشعائره وشريعته ومعتقداته».

وأضاف: «الإسلام دينٌ يتسم بتنوع كبير فى المعتقدات والممارسات، دينٌ انتشر فى أرجاء شاسعة، وشمل مئات اللغات والثقافات. الإسلام أيضًا ثقافة وحضارة. وفى الواقع، غالبًا ما يصعب التمييز بين الدين من جهة، والثقافة والحضارة من جهة أخرى، لشدة ترابطها فى التاريخ الإسلامى».

ولا يُقدّم الكتاب سردًا زمنيًا تقليديًا للتاريخ الإسلامى، من الماضى إلى الحاضر، بل هو تاريخ موضوعى، وتحليل لبعض الأحداث والجوانب الرئيسية الاجتماعية والسياسية والدينية والفكرية وغيرها، على مدى ١٥ قرنًا من التاريخ الإسلامى، بدءًا من القرن السابع الميلادى فى الجزيرة العربية. كما أنه يمتد عبر جميع القارات، مُبيّنًا تنوع الحضارة الإسلامية من خلال أمثلة مختارة من تاريخ الإسلام والمسلمين، وهو ما يتضح من عناوين الفصول.

فى الفصل الأول: «القرآن وبداية أمة المؤمنين»، يُحلّل «تولان» الجوانب الرئيسية للعصر النبوى، فى كل من مكة والمدينة، بدءًا من حدث نزول الوحى الأول على النبى عام ٦١٠ ميلادى. وعند سرده لتاريخ النبى، يعتبر «تولان» القرآن الكريم «الوثيقة الوحيدة من القرن الأول للإسلام، وأفضل مصدر لفهم حياة محمد، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فى مكة والمدينة».

ويضيف مؤلف الكتاب أن «الحديث النبوى ومؤلفات السيرة النبوية الكلاسيكية، هى المصادر الرئيسية الأخرى لحياة النبى، والتى تحفظ عناصر سردية تتوافق مع عصر النبى، صلى الله عليه وسلم، قبل أن تُضاف عناصر أخرى لاحقًا»، واصفًا النبى بأنه كان قائدًا روحيًا وسياسيًا وعسكريًا.

فى الفصول الثلاثة التالية، من الجزء الأول، يسرد «تولان» الأحداث الرئيسية، موضوعيًا، بداية من «عصر الخلافة الصالحة وتأسيس الدولة الأموية»، ثم ظهور الإمبراطورية الإسلامية والعباسيين باعتبارهم بوتقة حضارة متعددة الأديان، قبل أن يناقش «الخلافات الثلاث لعام ١٠٠٠ ميلاديًا» فى الفصل الرابع، مشيرًا إلى «العباسيين» فى بغداد، و«الفاطميين» فى مصر، و«الأمويين» فى قرطبة، وظهور التصوف، مع التركيز على قصة رابعة العدوية.

وخلال الجزء الأول من الكتاب، أشاد «نولان» بالتطورات الثقافية والفكرية فى الدولة الإسلامية، فى مجالات العلوم الفيزيائية والطب والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية، وكذلك فى تطوير العلوم الدينية، مثل الشريعة الإسلامية والمدارس الفقهية، بالإضافة إلى تركيزه على تطور الطب، ونظرياته وممارساته.

وقال المؤلف الفرنسى الأمريكى عن ذلك: «قدّم العديد من المؤلفين العرب عناصر مُكمّلة فى النظرية الطبية، والممارسة السريرية، وعلم الأدوية. بين عامى ٨٠٠ و١٤٠٠ تقريبًا، كُتبت نحو ١٠٠٠ رسالة فى الطب باللغة العربية، وهكذا نرى ظهور الطب العربى فى منتصف القرن التاسع، على المستويين النظرى والعملى، كمزيج من تقاليد متنوعة».

ابن بطوطة

فى الجزء الثانى الخاص بـ«التوسع»، يغطى كتاب «تولان» فترة ٧ قرون تقريبًا، من القرن الحادى عشر إلى القرن السابع عشر، وذلك فى الفصول من الخامس إلى السابع عشر. 

وتتناول هذه الفصول: «الغزوات وإعادة تشكيل العالم الإسلامى» من القرن الحادى عشر إلى القرن الثالث عشر، و«عالم ابن بطوطة» فى القرن الرابع عشر، و«الإمبراطوريات الإسلامية» من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر، بما فى ذلك الإمبراطورية العثمانية.

ويضع المؤلف هذه الفترة فى سياق التطورات والتنوع الدينى والسياسى والفكرى، والذى وصفه بأنه تنوع هائل ازداد فى القرون اللاحقة، مستعرضًا التطورات التى حدثت فى القرن الرابع عشر، وهى فترة «امتد فيها عالم الإسلام من المغرب إلى سومطرة ومن مالى إلى ضفاف نهر الفولجا».

وأوضح أن هذه «شهادة رائعة قدمها الرحالة المغربى ابن بطوطة، الذى سافر، من بين آخرين، من طنجة إلى مكة وبغداد، مركز وقلب العالم الإسلامى آنذاك، ومن إفريقيا ومالى إلى الصين».

وأضاف «تولان»: «عند قراءة رحلة ابن بطوطة، يكتشف المرء جوانب متعددة من شخصيته: حاج، ورحالة، ومسلم سنى يلتقى برجال ونساء من مختلف الأديان». ويلخص رحلاته وإسهاماته خير تلخيص تحت عنوان «ابن بطوطة، حاج، وعالم، ومسلم يعاصر التنوع الدينى»، مستخدمًا هذه الشهادة الفريدة لرسم صورة للعالم الإسلامى فى منتصف القرن الرابع عشر بكل ثرائه وتنوعه.

ويُعدّ هذا الفصل من أكثر فصول الكتاب إثارةً للاهتمام، وهو مبنى بالكامل تقريبًا على رحلات ابن بطوطة، المغامر الذى عاش فى القرن الرابع عشر، والذى أرجع المؤلف تخصيص فصل كامل له إلى أن «رحلاته تُشكّل قصةً رائعة، وهو راوٍ بارع، فقد غادر مسقط رأسه طنجة بالمغرب عام ١٣٢٥م، وهو فى الثانية والعشرين من عمره، لأداء فريضة الحج إلى مكة المكرمة، ولم يعد إلا بعد أربعة وعشرين عامًا، وجاب أرجاء العالم الإسلامى، من مالى إلى الصين، ومن سهوب آسيا الوسطى إلى شواطئ زنجبار».

ويقدم الكتاب وصفًا آسرًا للأماكن التى زارها ابن بطوطة، وللرجال والنساء الذين التقاهم، ويرسم صورة حية لعظمة دار الإسلام، وتنوعها الثقافى واللغوى الهائل، فضلًا عن إظهاره أيضًا وحدة الإسلام، فقد استُقبل ابن بطوطة، الفقيه المغربى الجليل، استقبالًا حافلًا من الأمراء المسلمين أينما حلّ، وعُيّن قاضيًا فى دلهى، ثم فى جزر المالديف، وكان هذا العالم العربى، المُلِمّ بالقرآن والحديث والفقه الإسلامى، يحظى بتقدير خاص من حكام الدول الإسلامية غير العربية.

ويناقش «تولان» أيضًا مواضيع مثل «الحروب الصليبية ووصول الفرنجة إلى العالم الإسلامى»، و«الحروب الصليبية المضادة وصعود صلاح الدين».

الاستعمار والإسلام السياسى

فى جزئه الثالث الأخير المعنون بـ«الحداثات»، يتناول كتاب جون تولان الإسلام والمسلمين فى مواجهة الحداثة وتحدياتها، من الاستعمار والقومية والإصلاحية إلى الراديكالية والليبرالية.

وتغطى الفصول من ٨ إلى ١٠ الفترة من القرن الثامن عشر إلى القرن الحادى والعشرين، وتركز على إرث الاستعمار والحداثة، وإنهاء الاستعمار وتأثيره على الإسلام فى جميع أنحاء العالم.

ويتناول الفصل الثامن، «الاستعمار ومساوئه من ١٧٨٩-١٩١٨»، متضمنًا مواضيع مثل: «الهند البريطانية، وتفكك الإمبراطورية العثمانية، ومصر من بونابرت إلى محمد على، والغزو الفرنسى للجزائر، والإصلاحات والمنافسات بين مصر والإمبراطورية العثمانية».

ويناقش الفصل التاسع «إنهاء الاستعمار والقومية وظهور الإسلام السياسى فى القرن العشرين» موضوعات مثل: «جماعة الإخوان». أما الفصل الأخير المعنون بـ«بين الإصلاح والتطرف: أن تكون مسلمًا فى القرن الحادى والعشرين» فيتناول موضوعين رئيسيين، الأول هو «التحديات التى تواجه المسلمين جراء العولمة والأزمات الجيوسياسية»، يليه نقاش حول «الإصلاح والحوار فى الإسلام»، الذى يستعرض قوى الإصلاح المختلفة التى تُظهر التنوع والديناميكية الكبيرين للإسلام فى القرن الحادى والعشرين .

وقال «تولان»: «بينما شهد القرن العشرون ظهور أشكال جديدة من الإسلام السياسى، بدءًا من الثورة الإيرانية، ثم ظهور الجماعات الإرهابية، أسهم ذلك فى صعود موازٍ لليمين المتطرف المعادى للمسلمين والمهاجرين، فى الدول التى تضم جاليات مسلمة مهاجرة، واستغلت أحزاب سياسية مختلفة فى العديد من الدول الأوروبية وغيرها المخاوف لربط الإسلام بالتطرف والإرهاب. لكن الإسلام، دين السلام، لا علاقة له بالتعصب الدينى»، مشيرًا إلى أن هذه الفترة شهدت أيضًا نقاشات حادة بين المحافظين ومن يقدمون أنفسهم كمصلحين، والذين تناول عددًا منهم فى الفصول الأخيرة من الكتاب، مثل المصرييّن فرج فودة ونصر حامد أبوزيد.

ومن مقدمة الكتاب وطوال فقرات فصوله، يكرر «تولان» أنه غير مسلم. ومن بين ما قاله: «أتمنى أن يقدم هذا الكتاب، الذى كتبه مؤرخ غير مسلم، للقراء فرصةً لفهم ثراء الإسلام وتنوعه الكبير على مدار خمسة عشر قرنًا من التاريخ، وفى جميع قارات العالم».