المحرر العام
محمد الباز

دانيال.. مينا مسعود يجسد دور النبى الذى تنبأ بظهور عيسى ومحمد.. قريبًا

حرف

- مستوحى من سفر دانيال الذى يعود إلى القرن الثانى قبل الميلاد

- يحكى قصة تعرضه للأسر فى بابل بأمرٍ من نبوخذ نصر بعد سقوط مملكة يهوذا 

على مرّ التاريخ، ظل تجسيد الأنبياء فى السينما الغربية، وخاصة فى هوليوود، مثار جدل واسع تتفاوت حدته بحسب طريقة تناول القصة واختيار الممثل الذى يؤدى الدور. 

ويبدو أن أحدث هذه الأعمال الدينية التى تستعد للعرض خلال العام الجارى هو فيلم «دانيال»، الذى يروى سيرة النبى دانيال، ويجسده النجم المصرى الكندى مينا مسعود، فى أول تجربة له مع هذا النوع من الأدوار.

الفيلم من إخراج الأخوين دانيال وماثيو كومن، وإنتاج شركة Unveil Studios، ويشارك فى بطولته إلى جانب مينا مسعود كل من إيليا ألكسندر فى دور الملك نبوخذ نصر، والممثل البريطانى زكى على فى دور عزريا، أحد أصدقاء النبى دانيال. 

والعمل مستوحى من سفر دانيال الذى يعود إلى القرن الثانى قبل الميلاد، وهو أحد نصوص الكتاب المقدس التى تروى قصة النبى المرسل إلى بنى إسرائيل، ليعيد الفيلم طرحها فى قالب سينمائى جديد يثير النقاش حول حدود الفن والدين.

مفسر الاحلام 

يُلقى الفيلم الضوء على واحدة من أقوى قصص الإيمان والشجاعة والصمود والصبر فى التاريخ، حيث اشتهر دانيال بثقته الراسخة بالله، ويروى قصة صعوده من المنفى إلى كبير مستشارى الملك.

ويظهر النبى دانيال فى الكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد، وتحديدًا فى سفر دانيال، كأسيرٍ سُبى إلى بابل بأمرٍ من نبوخذ نصر بعد سقوط مملكة يهوذا فى القرن السادس قبل الميلاد، وبدأت رسالته النبوية فى أواخر حياته، ويحتفل المسيحيون الأرثوذكس بذكراه فى السابع عشر من ديسمبر.

ويبدأ سفر دانيال بمقدمة تروى كيف وصل دانيال ورفاقه إلى بابل، تليها مجموعة من القصص التى تدور أحداثها فى البلاط البابلى والفارسى، ووفقًا لما جاء فى سفر دانيال فقد تبوأ دانيال مكانةً رفيعةً فى بلاط نبوخذ نصر، واشتهر ببراعته فى تفسير الأحلام «دانيال ١: ١٧ و٢: ١٤» وتفسير الكتابات الغامضة على الجدران، ووصفه المسيح بالنبى فى إنجيل «مرقس ١٣: ١٤» وإنجيل «متى ٢٤: ١٥».

ووفقًا للكتاب المقدس، فقد سبى دانيال فى شبابه حيث كان دانيال إحدى الرهائن الكثيرين الذين أُخذوا من الطبقة الأرستقراطية اليهودية خلال الموجة الأولى من السبى البابلى، وقد أُجبر برفقة ثلاثة من رفاقه المقربين هم حنانيا وميشائيل وعزريا أو كما سماهم البابليون لاحقًا: شدرخ وميشخ وعبدنجو، على مغادرة موطنه.

وخدم «دانيال» فى البلاط الملكى البابلى والفارسى، ورغم أنه قضى معظم حياته تحت حكم ملوك بابل، فإنه عاش ما يكفى ليشهد غزو الفرس لبابل حوالى عام ٥٣٩ قبل الميلاد «دانيال ٥: ٣٠-٣١». 

وكما خدم بشكل جيد فى بلاط حكام بابل، ترك انطباعًا حسنًا لدى وصول الفرس إلى العرش، بل كان انطباعًا جيدًا لدرجة أن رفاقه فى البلاط شعروا بالغيرة وحاولوا قتله «دانيال ٦».

وتنبأ دانيال بموعد مجىء المسيح، فى الإصحاح التاسع، فيقدم نبوءة شهيرة عن مجىء المسيح «دانيال ٩: ٢٤-٢٧»، وحظى هذا النص، الذى يُشار إليه أحيانًا بنبوءة الأسابيع، باهتمام بالغ من الكنيسة نظرًا لدقة تنبؤه بموعد مجىء المسيح رغم اختلاف ترجمات هذا النص عبر العصور.

فخ بنى إسرائيل

خلال الفيلم، يقوم مينا مسعود بمغامرة كبيرة بتجسيده لشخصية النبى دانيال، الذى ظهر فى الفترة التى تلت داود- عليه السلام-، وبُعث فى أرض بابل بالعراق فى فترة حكم ملك ظالم وهو نبوخذ نصر أو بختنصر أحد أشهر الجبابرة فى التاريخ الذى بنى حدائق بابل المعلقة، ودخل فى حروب واسعة مع قوى كبرى فى وقته مثل مصر والآشوريين، واشتهرت سنوات حكمه بما يسمى بـ«السبى البابلى» لليهود، ما يشبه قصة فرعون وموسى إلى حد ما.

ويرى صناع الفيلم أن «مينا» الذى أسرت كاريزمته وعمقه العاطفى قلوب مشاهدى السينما حول العالم، خاصة فى دور «علاء الدين»، جنبًا إلى جنب مع النجم الأمريكى ويل سميث، سيُضفى على دور النبى دانيال قوةً وروحًا.

ووفقًا لتصريحات مخرجى الفيلم الأخوين كومن فإنه لا يوجد ممثل أفضل من مينا مسعود لتجسيد شخصية «دانيال» الذى يستطيع إيصال إيمانه الراسخ فى وجه الصعاب للمشاهدين حول العالم، مشيرين إلى أن «مينا» موهبة فذة، وسيُضفى قوة هائلة على الفيلم.

ووصف الممثل الهندى ماهير باندى الذى يؤدى دور «حبقوق» فى فيلم «دانيال» الذى يعد أولى تجاربه فى هوليوود، مشاركته مع النجم المصرى الكندى مينا مسعود بأنها قفزة كبيرة ونوعية فى مسيرته الفنية.

لكن الأمر الأكثر تحديًا لمينا مسعود، ربما سيكون فى تجسيده لنبى من أنبياء بنى إسرائيل بعض رفض بعض الممثلين، فعلى مدار التاريخ الإسلامى لم يكن يوجد حرج فى سرد قصص وأخبار بنى إسرائيل، وكان ذلك لا يخالف الدين فى شىء، حيث ذكر «ابن كثير» فى مقدمة تفسيره «البداية والنهاية» القول المأثور عن النبى محمد- صلى الله عليه وسلم- «حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج».

الناجى من الجب الأسود

هناك جوانب أخرى لقصة «النبى دانيال» يؤمن به المسلمون كما يؤمن بها المسيحيون، حيث ذُكر فى الكتاب المقدس، لكنه لم يُذكر فى القرآن الكريم، مثله مثل أنبياء ورسل آخرين لم يُذكروا فيه.

ورغم ذلك فإنه موجود وبقوة فى التراث الإسلامى، ومنها ما جاء فى كتاب ابن كثير «البداية والنهاية» الذى سرد قصة خوف الملك بختنصر من نبوءة قيلت له عن فتى سوف يزعزع ملكه، فأمر حراسه أن يلقوا دانيال فى بئر عميق ورمى معه أسدين لكنهما لم يمساه، بل أخذا يداعبانه كما تداعب الكلاب أصحابها ويلحسانه من وجه.

وحينها أوحى الله لأحد أنبياء بنى إسرائيل الذى أرسلهم فى الشام يقال عنه «أرميا» أن يجلب الكثير من الطعام والشراب ويذهب إلى دانيال، فتعجب أرمياء من الوحى، فكيف له أن يذهب من الشام إلى بابل فى العراق، لكن الله أرسل من يحمله إليه، وذهب إلى البئر، وألقى عليه الطعام والشراب.

تلك القصة التى ذكرها «ابن كثير» فى كتابه موجودة أيضًا فى «سفر دانيال»، لذلك يظهر فى بوستر الفيلم أسد ضخم، ورغم أن قصة «أرمياء» لم تظهر فى الكتاب المقدس فقد ظهرت فى الكتابات الإسلامية، ومع ذلك، توجد قصة مشابهة تتعلق بـ«حبقوق» ودانيال فى «سفر دانيال».

وتوجد رواية أخرى عن «النبى دانيال» فى التاريخ الإسلامى، حيث ذكر العديد من العلماء والفقهاء أنه قد عُثر على جسده فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب عندما فتح المسلمون مدينة «تُستر» بالعراق، لكن الخليفة أمر بأن يدفن فى قبر غير معروف حتى لا يفتن الناس به، وأمر أبا موسى الأشعرى أن يحفر ١٣ قبرًا ويدفنه فى أحدها دون أن يخبر به أحدًا.

ويُعتبر دانيال نبيًا فى نظر المسلمين عمومًا، لكن يعتقد بعض المسلمين أنه لم يكن نبيًا، بل رجلًا صالحًا، وتشير بعض الروايات الإسلامية إلى العثور على كتاب يتناول «الوحى الأخروى» فى تابوت، يُفترض أنه كان يحوى رفات دانيال، اكتشف هذا التابوت عند الفتح الإسلامى لمدينة تُستر، ثم أُعيد دفنه بناءً على طلب عمر بن الخطاب.

وفى التراث الإسلامى، حُفظت بعض السجلات عن الشخصيتين المذكورتين باسم دانيال فى الكتاب المقدس: الأولى هى حكيم العصور القديمة الذى ذكره حزقيال، والثانية هى الرائى الذى عاش فى زمن السبى البابلى، والذى سُجلت حياته فى سفر دانيال، المُدرج فى الكتاب المقدس، ويُشار إلى الشخصية الأولى باسم «دانيال الأكبر» فى الكتابات الإسلامية، بينما يُشار إلى الشخصية الثانية باسم دانيال.

وصاغت شخصية دانيال فى الروايات الإسلامية صورة مشابهة لشخصية النبى إدريس، إذ يُعتبر دانيال كاشفًا لأسرار المستقبل، إلى جانب كونه بارعًا فى العلوم، ومع ذلك، يرفض بعض العلماء هذا التمييز، ويعتبرون الاثنين شخصًا واحدًا، كما كتب ابن تيمية فى كتابه «الجواب الصحيح» الكثير عن دانيال وكتاباته وتنبؤاته بالنبى محمد عليه الصلاة والسلام.

وتروى الروايات الإسلامية أن دانيال هو من بشّر الناس فى بابل، وحثّهم على العودة إلى الله، ومن الأحداث الرئيسية فى حياته التى وردت فى التفسير الإسلامى وجوده وأصحابه فى بلاط نبوخذ نصر، وفى أحلام نبوخذ نصر، ونجاته المعجزة من الجب الأسود.

أيضًا النبى دانيال فى الرواية الإسلامية، تنبأ بظهور النبى عيسى والنبى محمد من بعده، لكن يركز الفيلم على نبوءته فى ظهور المسيح فقط، لأنه مستوحى مما ذكر فى الكتاب المقدس وليس مقتبسًا عن الروايات الإسلامية عنه.

وفيلم «دانيال» لمينا مسعود ليس الأول، فهناك العديد من الأفلام عن النبى دانيال، وأبرزها الفيلم الدرامى «سفر دانيال» الذى عرض عام «٢٠١٣»، ويتناول حياته فى السبى البابلى، بما فى ذلك الأتون النارى وجحيم الأسود، وهو فيلم روائى طويل من إنتاج شركة Pure Flix، ويركز على منفاه فى بابل، وتفسيره للأحلام، وإيمانه الراسخ، ويُوصف غالبًا بأنه تجسيد درامى أمين ومنخفض التكلفة للنص المقدس.

كما أنتجت بعض الشركات أفلامًا متحركة وأفلامًا قديمة ذات إنتاج محدود، منها فيلم رسوم متحركة من الكتاب المقدس بعنوان «دانيال» الذى عرض عام «١٩٩٣»، وفيلم «أعظم أبطال وأساطير الكتاب المقدس: دانيال وجحيم الأسود»، وهو فيلم رسوم متحركة عرض عام ١٩٩٨.