الجريمة المستمرة.. لماذا تنتصر «مدرسة المشاغبين» دائمًا؟
- المسرحية أسهمت بلا أدنى شك فى تشويه شخصية أجيال فى مرحلة حرجة
فى المواسم والأعياد بات عرض مسرحية «مدرسة المشاغبين» فرض عين على كل مصرى.
الستة أشهر الماضية عُرضت المسرحية أكثر من 32 مرة على الشاشات المصرية والعربية، بوصفها تراثًا مسرحيًا مصريًا حديثًا.
اختلفتُ وطالب دكتوراه من إحدى دول الشرق الأقصى يتكلم العربية جيدًا، ويدرس التاريخ فى القاهرة على السؤال التالى: هل كل قديم تراث؟ أم أن التراث هو القديم الذى ينبئ عن حضارة ويخبر عن تاريخ؟
إذا كان كل قديم تراثًا، فلماذا إذن جفاف الحلوق من الكلام فى حتمية تجديد التراث الدينى؟

فى التراث الدينى مآزق شرعية وقيمية أحيانًا.
ممكن القول إن مبادئ الإسلام نزلت «فريش» فى عصر النبوة، ثم علّب المسلمون بعد ذلك الفقه، وفرزنوه وأضافوا إليه وحذفوا منه ليضعوه فى النهاية فى ثلاجات التاريخ، ليصل إلينا «بعضه مجمد.. فاسد».
ليس كل قديم تراثًا
السجال مع طالب الدكتوراه بدأ باستغرابه ترحاب مجتمع السبعينيات فى مصر بمسرحية «مدرسة المشاغبين»، مقارنة برد فعل المجتمع الأوروبى تجاه فيلم له نفس القصة ظهر فى بريطانيا وإيطاليا منتصف الستينيات اقتبس منه «على سالم» حبكة مسرحية المشاغبين.
وقتها قوبل الفيلم الأوروبى بموجة هجوم شديدة على قصة تلاميذ فى مدرسة تمردوا على كل شىء، حتى الدين والعقائد، ومارسوا العنف واحتقروا القيم والمدرس والتعليم نفسه، وحازوا السلاح الأبيض فى مجمع تعليمى بدا وكأنه شارع فى بروكلين.
بروكلين هو حى الجريمة وقلة الأدب وسوء الأخلاق وانعدام المنطق فى السلوك مع سلاطة اللسان.
اليوم، لا يعتبر الأوروبى الفيلم تراثًا لأن المادة سامة والمردود خطير، بينما فعل المصريون العكس، والمسرحية ما زالت تعرض كل موسم.. مختومة بختم التبجيل والاحترام.

مَن يصنع التراث؟
هل يخلق التراث من عدم، ويشب طفلًا بلا أب ولا أم، فتتقبله المجتمعات قبولًا حسنًا وتتكفل به وتدخله مدارسها ثم تفاجأ به غولًا فى شبابه، فتسعى لوأده، وتنقلب عليه؟
أم أن المجتمعات هى التى تنتقى ما بين التراث وغيره، فتفلتر القديم، وتحذف وتضيف، حتى يصل التاريخ إلينا كاملًا مكملًا.. لا غبار هنا ولا شائبة هناك؟
الحاصل أننا للآن لا نعرف كيف نصنع التراث، تمامًا، كما أننا لا نعرف كيف نعيد تنقيته وقت اللزوم.
نحن الذين نحذف من التاريخ، ونضيف إليه بلا خبرة ولا وعى.
والنتيجة.. كم هائل من العنعنات غير الموثوقة فى الدين، وفى الفن، وفى السينما، وفى الغناء.. وعلى خشبة المسرح أيضًا.
إليك تلك الواقعة التى حدثت قبل وفاته عام ١٩٦٥.
فى أول تعداد سكانى بعد ثورة يوليو، طرقت فتاة التعداد الشابة شقة فى عمارة حديثة بحى مدينة نصر. فتح الباب رجل كبير السن.. استأذنته فى الدخول. سمح لها.. فجلست فى مواجهته وسألته:
- اسمك بالكامل
- مصطفى النحاس.
- لا رباعى لو سمحت.
- لا هو مصطفى النحاس كده بس.
- متزوج؟!
- نعم.
- اسم الزوجة: زينب الوكيل.
- عندكما أولاد؟!
هنا توقف الرجل.. واستقام فى جلسته.. ثم عاد ليسأل هو هذه المرة:
- حضرتك متعلمة؟!
- أكيد
- خريجة جامعة؟!
- طبعًا
- ما سمعتيش أبدًا يا بنتى عن مصطفى النحاس قبل كده؟!

كانت موظفة التعداد شابة ارتادت الجامعات والمدارس المصرية، ودرست التاريخ وحفظته للامتحانات، وبعد الامتحانات لا تاريخ ولا يحزنون.. لذلك لم تكن تدرى من هو مصطفى النحاس.. ولا ما تاريخ مصطفى النحاس؟
فى مصر لا يتذكر طالب مادة الامتحان بعد الامتحان، أضف إلى أسباب الجهل بعض الغيام التى وضعتها ثورة يوليو على كثير مما كان قبلها من شخصيات وأحداث.
تتعدد الأسباب.. لكن الأزمة واحدة.. والكارثة كبيرة.
فى روايته الرائعة كتب جورج أورويل أن نظام دولة لوفيتيانا كان يلعب فى الزمن، ويغير التاريخ، ويلغى الماضى.
فى لوفيتيانا ذهبت تواريخ كثيرة وأحداث جسيمة هباءً منثورًا، وتحولت أسماء مشاهير وسير زعماء وساسة كما تحولت وقائع وحوادث مهمة.. كأن لم تكن.
ولا أحد يعرف لماذا تكتب الذاكرة الشعبية التاريخ بحروف من رمال قرب الأمواج؟، فيأتى الماء ليمحو الكتابة، بعد أن تُشتت الرمال الحروف وتسقطها فى حفر، أو تسحبها للأسماك.. وذاكرة الأسماك ضعيفة، لا تعرف متى جاءت الرمال، ولا لماذا جاءت، ولا ماذا كان الوضع قبلها؟
لذلك.. أغلبنا لا يعرف التاريخ على حقيقته ، ولا يعرف ما الذى حدث، وإن عرف فهو لا يعرفه كما حدث، ولا يعرف أيضًا الأسباب التى جعلت ما حدث.. يحدث.
هذا فى الدين وفى السياسة، وفى الاجتماع.. وفى الاقتصاد.
مع غياب الوعى، فإن كل مائة عام تلغى تمامًا المائة عام التى قبلها، فتصنع الذاكرة الشعبية تاريخًا على مزاجها وعلى هواها، تارة بالعنعنات والأحاديث الموضوعة وتارة بالوقائع المنحولة.
لذلك.. فالصراع دائم بين المنقول والمعقول.. وبين المكتوب والمحكى.
وكما كان أحمد عدوية انعكاسًا ذوقيًا لانفتاح السادات، كانت مسرحية «مدرسة المشاغبين» هى الأخرى انعكاسًا لذلك الانفتاح على خشبة المسرح.
وكما هاجموا عدوية وقت ظهوره، هاجموا مدرسة المشاغبين وهاجموا عادل إمام.. وسعيد صالح.. وهاجموا أيضًا على سالم الذى عرب المسرحية من قصة أجنبية، لكن ورغم وجاهة أصوات الهجوم، فقد انتصرت سطوة تعليب التراث.. وجاءت إلينا مدرسة المشاغبين والعيال كبرت.. وعبده يتحدى رامبو، بينما لم تصل إلينا وجهات النظر المحذرة والمستهجنة.. والخائفة من الطرق الحديثة لتغليف السم فى ورق سلوفان.
فى كتابه «أهمية أن نتثقف يا ناس» لم يهاجم الدكتور يوسف إدريس أبطال مدرسة المشاغبين، إنما الذين أجازوا عرضها.
وقال إنها واحدة من آثار الانفتاح الساداتى على جميع صواميل المجتمع، حيث انفتحت الأبواب لثقافة الفهلوة، وصارت روح الشعب وديعة غير محافظ عليها فى أيدى القطاع الخاص الذى أحال المسرح إلى كباريه، وأحال مسلسلات التليفزيون للاستخفاف بعقول الناس.
بعد شهور من عرض مدرسة المشاغبين تحركت الدنيا، وانقلب كثير من المؤسسات رأسًا على عقب.
رفعت نقابة المعلمين دعوى لوقف عرض المسرحية فى التليفزيون، لأنه لا يمكن إنكار تأثر الطلبة فى المدارس بالشكل المزرى الذى ظهر عليه أبطال المسرحية، وأن الطلبة حاولوا تقليد شخصيات بهجت الأباصيرى الذى لعب دوره عادل إمام ومرسى الزناتى الذى لعب دوره سعيد صالح، وحدثت وقائع تعدى فيها طلاب على معلميهم فى ظاهرة لم تكن موجودة فى مصر من قبل حيث كان يحظى المعلم بهيبة شديدة واحترام.
عام ١٩٨٣ انتهى عدد من أطباء النفس بجامعة القاهرة من دراسة، شملت ١٠ آلاف طالب فى الثانوية والإعدادية، واكتشفوا أن نحو ٧٠ بالمائة منهم كانوا يقلدون شخصيات المسرحية فى محاولة لنيل إعجاب واحترام زملائهم، لذلك وصف وزير التعليم العالى وقتها الدكتور مصطفى كمال حلمى المسرحية بأنها أحد أهم أسباب انهيار التعليم وتدنّى مستواه.
ما الذى عالجته المسرحية كما قال عادل إمام أو سعيد صالح ردًا على المغرضين؟
لم تعالج شيئًا.
بالعكس.. أسهمت بلا أدنى شك، فى تشويه شخصية أجيال فى مرحلة حرجة، ونشّطت لديهم غدد الاستهتار بكل القيم.. وأولاها احترام المدرس والمدرسة.
وكانت مسرحية «انفتاح بصحيح» مثلما وصفها الراحل عبدالرحمن الأبنودى، لأنها جعلت الفوضى تدب فى الفصول، ليفاجأ المدرسون بمستنسخات من عادل إمام ويونس شلبى وسعيد صالح فى أفنية المدارس.
وكأن «مدرسة المشاغبين» تسونامى ضرب عقول تلامذة مصر.. فى تداعيات انفتاح السادات.
على طريقة الفرزنة فى ثلاجات التاريخ.. ركبت المسرحية سنوات الزمن، ووصلت إلينا.. مختومة بخاتم التراث.. على رءوس أبطالها هالات القديسين.. وتيجان النجومية!







