الثلاثاء 21 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

26 أبريل 1970.. زيارة جديدة ليوم سبعيناتى ساخن

معركة الربيع.. استجواب تاريخى لأطراف الحرب بين فريد وحليم

عبدالحليم حافظ وفريد
عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش

- هل اختلق وجدى الحكيم قصة تدخل عبدالناصر لإذاعة حفل فريد قبل حفل حليم بعد موت الجميع؟

- سمير صبرى كان الشاهد الأهم على هذا اليوم بعد أن كلفه جلال معوض بتقديم الاثنين على المسرحين «قصر النيل وريفولى»

- لعبت الصحافة دورًا فى تسخين الأجواء قبل الحفل وشحن الجمهور الذى تحول إلى معسكرين أشبه بالأهلى والزمالك

فى القاهرة متسع لفريد الأطرش وعبدالحليم.. معًا 

لم أجد خيرًا ولا أبلغ من عنوان جريدة الجمهورية هذا، ليكون فيه الخلاصة المذهلة، وهو عنوان من ضمن عشرات العناوين التى صيغت فى إطار تسابق صحفى لتغطية الحرب «الفريدية الحليمية» التى كانت دائرة تلك الأيام قبيل ساعات من ليلة مشهودة عاشتها القاهرة فى ٢٦ أبريل ١٩٧٠.

وكأن هذا العنوان الصحفى جاء ليفك المعضلة وينهى الإشكالية بين الاثنين «فريد وعبدالحليم»، ويلقى الحل فى وجه المعسكرين، المعسكر الفريدى بما يحمله من جينات جمهور الكرة المتعصب، والمعسكر «الحليمى» الذى ظن أن فريد عاد خصيصًا من عزلته البيروتية ليقفز على عرش الحفل الذى ينتظره العالم العربى من المحيط إلى الخليج.

القاهرة بالفعل اتسعت للحفلين حفل فريد الأطرش العائد بعد غياب فى دار سينما قصر النيل، وعلى بعد خطوات منه حفل الربيع الآخر فى مسرح سينما ريفولى الذى احتوى عبدالحليم حافظ، أما الحفل الأول فقد شارك فريد فيه أسماء منها فهد بلان وليلى نظمى وناهد صبرى وشكوكو وطروب، فى حين شاركت نجاة عبدالحليم فى حفل ريفولى ومعهم وجبة فنية دسمة منوعة أيضًا، مثل عايدة الشاعر وسيد الملاح ولبلبة وموفق بهجت وغيرهم، لتتحول القاهرة والعواصم العربية إلى شعلة فن مضيئة عاش المستمعون ليلتهم سعداء حينها، فمنهم من حضر أى الحفلين فى المسرح، وهؤلاء سعداء الحظ الذين ظفروا بالتذاكر قبل نفادها فى وقت قياسى، ومنهم من شاهد حفل فريد على الهواء مباشرة على شاشة التليفزيون، أو شاهد حفل حليم على الشاشة نفسها فى اليوم التالى مسجلًا، أما الغالبية فقد عاشت على أنغام الاثنين الصادرة من آلاف الأجهزة من الراديو الموزعة على البيوت تنقل مباشرة الحفلين فريد على صوت العرب وحليم على البرنامج العام والشرق الأوسط.

قبل أن نقوم بزيارة لتلك الليلة ٢٦ أبريل ١٩٧٠ كان لا بد أن ندور حولها- قبلها وبعدها- لنتتبع عبر الأرشيف الصحفى الطريق الذى أوصلنا ليكون هذا الحفل تحديدًا على هذه الدرجة من الأهمية الدرامية والصحفية.

والقصة المثيرة تبدأ منذ أن ترك فريد حفله المفضل وهو حفل شم النسيم الذى ارتبط بإسمه منذ أيقونته الخالدة «وأدى الربيع عاد من تانى» التى غناها نهاية الأربعينيات، من كلمات مأمون الشناوى، وصارت هى العنوان الأبرز لهذا اليوم، وكان فريد قد اضطر إلى التخلى عن حفل الربيع، أولًا بسبب صحى بعد أن تفاقمت حالة قلبه منتصف الستينيات، وثانيًا بسبب النكسة التى أجبرته على الاستقرار فى بيروت ثلاث سنوات بعدها.. وخلال فترة غيابه صار بالتبعية عبدالحليم هو نجم هذا اليوم وفرخة المتعهدين التى تبيض ذهبًا.

سنرى اليوم بكل تفاصيله فى المعسكرين، وسندخل الغرف المغلقة لنرى كلا الرجلين فريد وعبدالحليم وهما يستعدان لاعتلاء المسرح، وسنشاهد بأثر رجعى حالة الشحن العاطفى التى عاشها كلا الجمهورين، سواء المتشوق لعودة فريد أو المتحمس لأغنية عبدالحليم وبليغ الجديدة «زى الهوى»، وسنتلمس مشاعر فنانين طالما أنفقا الجهد والصحة فى سبيل إمتاع أجيال وأجيال من محبى فنهما الخالد. 

رحم الله الاثنين فريد وعبدالحليم.

سنوات ما قبل المعركة

تعددت المشاريع التى لم تكتمل بين فريد وعبدالحليم

غياب وعودة ووسام.. جمرة الحرب تعود للتوهج

أتت النكسة على الوطن كالمطرقة القاسية التى هوت على رأس الجميع، وانشغل الكل فى محاولة لملمة شتات نفسه على إثر الهزة الثقيلة فى الثقة الوطنية، وكان فريد حينها فى لبنان الملجأ الصيفى لفنانى مصر، والمفارقة أن عبدالوهاب أيضًا كان هناك فى نفس الوقت، أما عبدالحليم فتصادف أنه رجع من بيروت قبل النكسة بأيام، لذلك انشغل الجميع بمحاولة المشاركة فى المعركة بفنهم، وكان الأكثر نشاطًا بالطبع هو عبدالحليم الذى كوّن ما يشبه فرقة حرب فنية تضم بليغ وكمال الطويل وعبدالرحمن الأبنودى والموجى وغيرهم، لتصدر من استديوهات التليفزيون أهم الأغانى الوطنية التى «طبطبت» على نفوس المصريين المنكسرة، وانشغل فريد أيضًا فى لبنان بنفس الشىء هو وعبدالوهاب، وبدا أن المصاب القومى جلل وأكبر من تلك الحرب «الفريدية الحليمية»، وتتابعت الأيام والشهور على فريد وهو مستقر فى بيروت وبدأت تفوح رائحة عناوين توحى بهجرة نهائية له مثل عنوان «الكواكب» التى صاغته فى هيئة تساؤل: 

هل يهاجر فريد الأطرش إلى لبنان؟، وألمحت فى تقريرها إلى أن الأنباء توحى بأن فريد قرر الاستقرار فى لبنان ولا يعود للقاهرة نهائيًا لأسباب كثيرة، أهمها قلبه الذى تزداد علته يومًا بعد يوم، وأجواء بيروت- الهادئة حينها- كانت أنسب له من القلق الذى يخيم على هواء القاهرة بعد النكسة.

فريد عاد إلى القاهرة بعد سنوات الغياب فى بيروت وفى يده وسام عبدالناصر ووعد بعودة ليلة الربيع إلى أحضانه 

وعلى الرغم من أن فريد عندما بلغته تلك الأقاويل انزعج جدًا ونفاها بكل الوسائل حتى لا يبدو وكأنه يهرب من معركة مصر فى تلك الظروف الصعبة، ودلل على ذلك بأنه اشترى مقبرة كبيرة لتضمه بجوار أخته الراحلة أسمهان تحت تراب القاهرة بعد عمر طويل عرفانًا بجميل هذا الوطن عليه، لكن برغم النفى الصريح مرت الشهور والسنوات وفريد لا يعود حتى عندما سمح له الأطباء بالعودة للتمثيل، طار إلى فاتن حمامة فى باريس لكى يوقع معها عقد فيلمهما الجديد الذى سيعودان به بعد غياب الاثنين وهو فيلم «الحب الكبير» الذى صُور فى لبنان.. دون أن يمرا على القاهرة، إلى أن جاء يوم ٢٩ يناير ١٩٧٠ لتعلن ميكروفونات مطار القاهرة هبوط طائرة شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية، وما إن فتحت أبوابها حتى ظهر وجه فريد الأطرش الغائب منذ ٣ سنوات ليلفحه هواء القاهرة الساحر، ووجد فريد عددًا كبيرًا من المحبين والأصدقاء الذين يحبونه ويشتاقون لأضواء شقته الفاخرة فى الدور العاشر بالعمارة ٧٦ بشارع النيل بالجيزة، وهو المكان الذى لم يغلق يومًا فى وجه الأصدقاء والمحبين قبل سفر فريد الطويل إلى بيروت.

تعددت المشاريع التى لم تكتمل بين فريد وعبدالحليم

كانت عودة فريد لها صدى صحفى واسع، وبدأ إنتاج فريد يغزو الإذاعة، ثم جاء الخبر الذى ألهب الخناقة القديمة الكامنة منذ ٣ سنوات بين فريد وعبدالحليم، والخبر المقصود كان مكالمة مفاجئة من صديقه القديم وهو السيد «صلاح الشاهد» كبير أمناء رئاسة الجمهورية والمقرب من عبدالناصر، وكانت المكالمة تحمل البشرى الكبرى التى طبطبت على قلب فريد العليل، وهى أن الرئيس جمال عبدالناصر قد أنعم عليه بوسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، وكان هذا الخبر له صدى واسع فى الأوساط الفنية، واستقبل فريد تهانى ومباركات لا حصر لها من كل زملائه، وشُيدت له حفلات تكريم فى أماكن كثيرة بهذه المناسبة مثل نادى الزمالك وجمعية الشبان المسيحيين والفرقة الماسية ومعهد الموسيقى، وهو الحفل الذى حضرته أم كلثوم بجلالة قدرها احتفالًا بفريد، الذى كان أغلب الظن ينتظر مكافأة أكبر من الست بالغناء له كما وعدته أكثر من مرة، وهو ما لم يحدث بطبيعة الحال.

لم يفُت فريد فى غمرة الاحتفاء العام به وبوسامه الرفيع ملاحظة غياب عبدالحليم التام عن المشهد، لتتجدد فى تلك اللحظة جمرة الحرب المختفية خلف رماد النكسة منذ سنوات، وبدأ فريد يتكلم عن الأمر ويتساءل بحرقة: لماذا لم يهنئنى عبدالحليم بالجائزة؟ حتى جاءه الرد العنيف الذى قلب الدنيا رأسًا على عقب عندما وقع فى يد فريد حوار لعبدالحليم فى مجلة الحوادث اللبنانية قال فيه نصًا: 

فاز فريد بالبث التليفزيونى المباشر وإذاعة صوت العرب وارتضى حليم بالبث المسجل والبرنامج العام والشرق الأوسط

«فريد الأطرش أكبر فنان (مجرّح).. أنا ماسك عليه كلام قاله فى بيروت والكويت عن مصر، وأستطيع أن أؤذيه أذية بالغة إذا كانت المنافسة بين الفنانين بالشكل ده، ولو أنى تكلمت ما حصل على الوسام، الحكاية بسيطة.. كنت أقدر بمنتهى البساطة أحط فى جيبى (ريكوردر) صغير، وأسجل كلامه وأخرب بيته، لكن هل التصرف ده يبقى أخلاقى؟!».

كلام عبدالحليم أحدث صدمة كبيرة حتى لمحبى العندليب، الذى يعدون فى معسكره، لما حمله من صورة لا يجب أن يكون عليها حليم، ولا ينبغى أن يفسر الأمر بمنطق الغيرة أو الحقد الفنى على فريد الذى حصل على وسام يرى حليم أنه أحق منه بعد حصول عبدالوهاب فى السابق عليه.. وبدأت الحرب بينهما من جديد تستعر.

والحق أن الصحافة استخدمت كل الألوان الصحفية فى تغطية تلك الحرب الكلامية التى لا يبدو أن لها نهاية، حتى الكاريكاتير كان يجد منها مادة للسخرية والتندر مثل كاريكاتير عبدالسميع فى «الكواكب» لعبد الحليم وهو فى حجرة الكشف يفتح فمه والطبيب ينظر داخله والتعليق يقول: 

«عبدالحليم: شوفلى يا دكتور بليغ .. أنا (قرارى) أغوط ولا قرار فريد الأطرش».

وبليغ المقصود بالطبع كان بليغ حمدى، الذى كان ملحن حليم المفضل، وكاريكاتير آخر يقف فيه عبدالوهاب وسط حلقة الملاكمة على أساس أنه حكم مباراة حامية بين حليم وفريد، اللذين يرتديان القفازات، وهو يقول: «إحنا عاوزين المباراة حامية جدًا».

وعلى ذكر عبدالوهاب، نشرت «الكواكب» بعدها مباشرة موضوعًا بعنوان «فريد يرفض الاجتماع بعبدالحليم فى بيت عبدالوهاب ويقول: عبدالوهاب هو المسئول عن كل ما حدث».. والقصة ملخصها أن ثمة عرضًا للتهدئة قدمه أحمد فؤاد حسن الذى اتصل بفريد فى بيته بينما كان صحفى الكواكب حسين عثمان برفقته، وعرض عليه الاجتماع مع عبدالحليم فى بيت عبدالوهاب لتهدئة النفوس الملتهبة، لكن فريد ارتجف غاضبًا ورفض رفضًا قاطعًا محملًا كالعادة عبدالوهاب المسئولية عن كل تلك الحرب التى لا يبدو لها نهاية بينه وبين عبدالحليم، وقال له محتدًا إنه لا يجيد النفاق، وأنه يدرك جيدًا أن النفوس لن تصفو، وأنه سبق أن أجلسه عبدالوهاب هذه الجلسة أربع مرات مع عبدالحليم وفى كل مرة كان عبدالحليم يقسم بقبر أبيه أن كل شىء خلاص قد أصبح «صافى يا لبن»، بينما الخنجر حاد النصل فى يده يتأهب لطعنه على هيئة تصريحات صحفية غير صافية الود أو «نقرزة» إذاعية وتليفزيونية.

واستطرد فريد قائلًا: «أنا أُحمّل عبدالوهاب المسئولية أولًا وأخيرًا عن بهدلتى على يد عبدالحليم، ففى كل مرة يضمنه، وفى كل مرة يساوى بينى وبين عبدالحليم ويجعل نفسه فى موقع الأستاذية فوق كلينا، وفى كل مرة تغلبنى طيبة قلبى وأصفح؛ لأفاجأ به يطعننى فى صحافة وإذاعة وتليفزيون مصر وفى صحافة لبنان».

أيام ما قبل المعركة 

١٩٧٠- حفلة الربيع وقراءة فى رواية وجدى الحكيم

فى فبراير ٧٠ بدأت إعلانات حفل أعياد الربيع الشهير تظهر فى شوارع ومجلات القاهرة، وهو الحفل الذى سيطر عليه عبدالحليم وصار نجمه الأول فى فترة غياب فريد صاحب أهم أغنية عن الربيع «وآدى الربيع عاد من تانى»، وكان بفضل تلك الأغنية هو نجم حفل أضواء المدينة فى الربيع كل عام قبل مكوثه فى بيروت بعد النكسة.

العندليب اعتبر حفل ليلة الربيع حقًا مكتسبًا له بعد أن صار نجم أضواء المدينة الأول فى شم النسيم خلال سنوات هجرة فريد «البيروتية»

المهم أن صلاح الشاهد صاحب بشرى الوسام لصديقه فريد اقترح عليه الإعلان عن عودته من نفس الباب الذى ترك البلاد عليه، وهو حفله المفضل فى أعياد الربيع، وبالفعل تواصل الشاهد مع جلال معوض المسئول عن حفلات أضواء المدينة، الذى وجد نفسه مضطرًا إلى تغيير استراتيجيته وتنظيم حفلين فى نفس الوقت للربيع، وهو ما يعنى مجهودًا مضاعفًا، فصار هناك حفلان للربيع، الأول بطله فريد الأطرش، والثانى بطله عبدالحليم حافظ، وحكى الفنان سمير صبرى كثيرًا عن ذلك اليوم المشهود فى تاريخ ليل القاهرة، لأن جلال كلف سمير بتقديم الاثنين على المسرح، يبدأ بفريد فى سينما قصر النيل، ثم يجرى على سينما ريفولى لتقديم حفل عبدالحليم.

وبقيت مشكلة أخرى أكبر وأعمق تواجه جلال معوض، وهى أى الحفلين يُذاع على الهواء، فريد أم عبدالحليم، وبعد مناقشات كثيرة وأخذ ورد جاء القرار من أعلى رأس بشكل غير مباشر، حيث قابل عبدالناصر عبدالحليم فى زفاف بنت عبداللطيف البغدادى قبل الحفل بأيام، وسأله بما يشبه اللوم: «إنت مزعل فريد ليه يا حليم»، وهذه حكاية على عهدة وجدى الحكيم صديق حليم الصدوق بعد ذلك، حيث يقول الحكيم إن حليم عندما فتح فمه ليدافع عن موقفه أمام عبدالناصر قائلًا: «يا ريس.. فريد»، قال له ناصر مقاطعًا: «قصدك الأستاذ فريد».. وهو التلميح الذى فهمه عبدالحليم الذكى على الفور، وعرف أن ناصر يتخذ كفة فريد فى تلك القضية، وأذيع بالفعل حفل فريد فى التليفزيون على الهواء مباشرة من سينما قصر النيل، بينما سُجل حفل عبدالحليم فى سينما ريفولى ليذاع فى اليوم التالى، أما الإذاعة فقد نقلت الحفلين على الهواء مباشرة على إذاعتين مختلفتين بناءً على قرار بابا شارو وصفية المهندس، وهما صوت العرب والبرنامج العام، فلم تكن هناك أزمة.

فريد الأطرش وعبدالحليم

لا بد هنا أن نؤكد أن الرواية الخاصة بتدخل عبدالناصر فى قصة حفل شم النسيم وتفضيله لفريد لم نصادفها منشورة حينها أو مروية على لسان أى طرف عاصر أو شارك فى تنفيذ هاذين الحفلين، وعلى رأسهم جلال معوض صديق الاثنين «فريد وحليم» والمسئول عن حفلات أضواء المدينة، والذى كان أولى به أن يعلن أن الرئيس بنفسه هو من حدد أى الحفلين يُذاع على الهواء وأيهما ينتظر لليوم التالى ليُذاع مسجلًا.. ليوفر على نفسه حرجًا أمام الاثنين أو حتى أمام المسئولين، وأغلب الظن أنه كان قرارًا إداريًا تمامًا اتخذه بصفته مسئولًا عن حفلات أضواء المدينة التى تنظمها الإذاعة، وإلا لما تسربت إلى الصحافة أخبار عن استقالته على إثر اللغط الذى أثير من إذاعة هذين الحفلين تليفزيونيًا بتلك الكيفية.. مثلما نشرت «الكواكب» فى عدد ٢١ أبريل ١٩٧٠ خبرًا قصيرًا على هيئة تساؤل يقول: هل استقال جلال معوض؟

وعليه فإن رواية وجدى الحكيم الخاصة بتدخل عبدالناصر لا نستطيع أن ننفيها، وهى على عهدته وتم تداولها بعد حكايته لها بعد سنوات من موت الاثنين لتصير حقيقة لا جدال فيها، لكنها فى الوقت نفسه طبقًا للمنطق وبما تمت مطالعته عن كواليس الحفل حينها المنشورة صحفيًا فى تلك الأيام رواية ضعيفة نسبيًا، وإن كانت قد وثقت بأى شكل آخر معاصر للحدث فلم تقع تحت أيدينا لسوء الحظ، لكن على أى حال فإنها تؤكد على حقيقة علاقة إنسانية وطيدة بين الرئيس والموسيقار أبعد وأكثر حميمية من أى مطرب آخر، وهو ما يجعلنا نعرض رواية وجدى الحكيم لقصة تدخل ناصر فى إذاعة الحفل وتنبيهه على حليم أن يسبق اسم فريد بالأستاذ دون أن يكون لها توثيق صحفى حى يؤكدها على اعتبار أنه وارد حدوثها فعلًا.

وقبل أن نغوص فى تبعات تلك الليلة الليلاء التى مرت على القاهرة فى ربيع سنة ٧٠، تعالوا نزور مسرح سينما قصر النيل ومسرح سينما ريفولى، يوم حفل عيد الربيع؛ لننظر من ثقب الزمن ونرصد بدقة ماذا حدث بالضبط فى هذا اليوم المشهود الذى شهد نقطة الذروة فى الحرب الدرامية بين الكبيرين فريد وعبدالحليم، وكل ذروة لا بد بعدها إلى انخفاض واتجاه نحو الحل، وهو ما حدث فى النهاية.

يوم المعركة

زيارة عبر الزمن ليوم ساخن جدًا

تعالوا نعود بالزمن ليوم ٢٦ أبريل ١٩٧٠، ونجمع بعض المشاهدات من المعسكرين- معسكر فريد ومعسكر عبدالحليم- دون تدخل.

 نقل الحفل على الهواء مباشرة كان كسرًا لقرار عمره ثلاث سنوات بمنع النقل المباشر للحفلات 

البداية من عند شباك تذاكر سينما قصر النيل قبل الحفل بيومين سنجده قد أُقفل معلنًا نفاد كل التذاكر وأسرعها نفادًا كانت أغلاها، وهى تذاكر الدرجة الأولى فئة العشر جنيهات، واتخذ المسئولون قرارًا بالاستعانة بمقاعد إضافية تزيد عن المئة لاستيعاب الهجوم الكاسح على تذاكر حفل فريد العائد بعد غياب لمكانه الطبيعى فى عيده المفضل عيد الربيع.

اتخذ حفل فريد عند الناس صفة الحفل الرسمى لعيد الربيع لسببين، طبقًا لتحليل محرر الشبكة فى عدد ٤ مايو ١٩٧٠، السبب الأول إذاعته عبر البرنامج العام للإذاعة، وهى المحطة الرسمية الرئيسية، والسبب الثانى إذاعته على الهواء مباشرة، وهو الأمر الذى كان يعد استثناء من قرار عمره ٣ سنوات بعدم نقل الحفلات على الهواء.

وصل فريد الأطرش إلى المسرح فى العاشرة تمامًا، فى سيارة شرطة النجدة، وكانت السيارة الوحيدة التى خالفت اتجاه المرور فى الشارع فدخلته من ميدان التحرير بدلًا من ميدان سليمان باشا.

قبل دخوله مباشرة دخل أحد المنظمين بعود فريد المميز الذى يعرفه الناس، ليضعه على الكرسى إيذانًا بدخوله، فضج المسرح بتصفيق حاد وهتافات فرحة بالعائد الحبيب.. ثم دخل نجم حفل سينما قصر النيل إلى المسرح فى تمام العاشرة والنصف، وكان يرتدى بدلة صيفية لونها «كحلى»، ويضع حول عنقه لأول مرة فى حفلة عامة «بابيون» بدلًا من الربطة العادية.

وقف فريد دقائق يحاول أن يلملم شتات نفسه من هذا الاحتفاء العظيم به، ورأى سمير صبرى- الذى كان يراقب الأمر من خلف الستار- عينا فريد وقد لمعت بالدموع تأثرًا من استقبال الناس ثم تمالك نفسه ورد على تحية الناس له بقبلات عديدة أرسلها بيديه فى الهواء.

قدمت سلوى حجازى المذيعة الألمع للتليفزيون فريد تقديمًا شاعريًا مناسبًا لطبيعتها، وهذا نص ما قالته:

«كان للتقدير الذى لقيه فريد الأطرش من الجمهور فى مصر، ومن المسئولين فيها، أثره فى نفسه وفنه. فأنتج ألحانًا عدة جميلة رائعة، تمامًا كما تحمل شجرة المشمش الأزاهير البيضاء بعد شتاء طويل».

تعالت هتافات الجمهور بالاسم: فريد.. فريد.. فريد.. وقد حاول المطرب الكبير أن يسكتهم لكنهم كانوا فى نشوة كبيرة.. ثم قال بالحرف الواحد مخاطبًا الناس:

«سيداتى سادتى.. بل إخواتى وحبايبى. طبعًا مش هقدر ألاقى الكلمات اللى أعبر بيها عن شكرى وامتنانى للحفاوة اللى لقيتها منكم الليلة. أنا سعيد أن ألقاكم بعد غياب، كنت فيه فى وطن ثان حبيب هو لبنان للعلاج. ولما رجعت لأهلى وحبايبى فى مصر لقيت منهم كل حب.. والفنان يسعده دايمًا إنه يلاقى تقدير الناس له وهو عايش وهو على قيد الحياة، وأنا شفت بعينى حبكم لى، وعطفكم علىّ لما رجعت لبلدى مصر».

هنا قاطعه شاب صعد إلى المسرح وعانقه وقبّله ووضع أمامه باقة ورد كبيرة.

وتأثر فريد. وتوقف فترة عن الكلام ثم عاد يقول:

«أنا سعيد بكم، وبشكركم، وأنا نفسيتى ارتاحت وأحاسيسى هديت لما تشرفت بحبكم واتشرفت بالوسام اللى أهداه لىّ رئيس دولتنا جمال عبدالناصر. واسمحوا لى أن أقدم لكم تحية فى صورة غنوة بعبر بها عن شعورى نحو أخوتى فى مصر وفى جميع البلاد العربية».

قاد فريد الفرقة الموسيقية، فرقة الأوتار الذهبية التى يرأسها صلاح عرام، والتى أشرف عليها فى الحفل العازف الكبير أحمد الحفناوى، قادها بيديه فى بداية العزف، ثم استدار وبدأ يغنى الأغنية الجديدة التى كتبها خصيصًا مأمون الشناوى، وهذه بعض كلماتها:

سنة وسنتين وإنت يا قلبى تقول أنا فين

ودبت وتهت فى أشواقك

وشفت النيل وعرفت أنا فين

يا مصر يا عمرى يا نور العين

على الشطين أنا شفت أحبابى

وإخواتى وأهلى وأصحابى

وهواك النخل العالى

ونجمها فى الليل بتلالى

بكيت من الفرح

طاب الجرح

غنى يا قلبى اتهنى يا عين

يا مصر يا عمرى يا نور العين

الوطن العربى

بلاد أمى وأبويا وأجدادى

بحياته أغنى وأنادى

وإنت حبى وإلهامى

قلب الأمة العربية

بلد النور والحرية

بدعيها وردوا عليا

تحيا الأمة العربية.

أدخل فريد الأطرش على اللحن آلتين جديدتين بالنسبة لموسيقاه. البزق التركية ثم المزمار البلدى.. وأنشدها فى اثنين وعشرين دقيقة. وقد اشترك الحاضرون مع الكورس فى ترديد مقاطع الأغنية لسهولة حفظها.

 اضطر فريد للاستعانة بفرقة صلاح عرام بعد حجز عبدالحليم فرقة أحمد فؤاد حسن التى تحفظ نوتات فريد عن ظهر قلب 

توالت فقرات الحفل بتوقيت دقيق، ونظام شديد. وقد غنت سعاد محمد من ألحان فريد المعروفة «بقى عاوز تنسانى».

ثم تلاها محمد رشدى فغنى لأول مرة من ألحان الموسيقار الكبير أغنية اسمها «عشرية» يقول مطلعها:

فايت على شط الهوى لمحونى

فردوا شراع الشوق ونادوا علىّ.

واشتركت راقصتان فى الحفل أولاهما ناهد صبرى، والثانية سهير زكى.. ثم جاء دور «ليلى نظمى» لتقدم أغانيها الفولكلورية، وقدمت واحدة جديدة بعنوان «عاوزة اتجوز فدائى».

بعد ذلك وقف فهد بلان ليغنى ورفع إصبع يده اليمنى وقال للجمهور: لأول مرة سأغنى من كلمات صلاح جاهين. ثم رفع نفس الإصبع فى اليد اليسرى وأضاف: ولأول مرة سأغنى من ألحان فريد، ثم بدأ ينشد اللحن الجديد:

ضيعت قلبى ومالى قلب سواه 

أوهب حياتى ونور عينى لمين يلقاه

من الشرق للغرب قلت اسأل على قلبى

أتارى بنت العرب طول عمرها مالكاه.

ثم غنى فهد أغنية وطنية بعنوان «المسجد الأقصى» لحنها محمود الشريف، واختتم بأغنيته المعروفة «سلم علىّ».

بعد ذلك ظهرت المطربة «طروب» لأول مرة على المسرح، وغنت لحنًا جديدًا لمحمد سلطان «آه يا ليل يا عين والهوى ميال». تلتها بأغنية إلياس رحبانى اسمها «أ. ب. ت».

ثم صعد شكوكو إلى المسرح ليقدم حوارًا مع أراجوز أصله من اليابان، ثم بعده خرج المطرب الشعبى «محمد طه» الذى دعا للعرب بالنصر فى موال جميل.

وقد توالى على تقديم فقرات الحفل بعض النجوم أهمهم كانت النجمة «ماجدة» التى قدمت فريد فقط. وسمير صبرى الذى قدم وصلة الختام بالأغنية المنشودة لتكون خير ختام لهذا الحفل الثرى الملىء بالفن والإبداع، وبدأ سمير كلامه:

آدى الربيع عاد من تانى

ثم أدخل عليها جملة أخرى مداعبًا جمهوره: 

وآدى فريد عاد من تانى.

بدأت وصلة فريد الختامية بأغنية «الربيع» فى الساعة الثالثة صباحًا، وانتهت بعد الرابعة بدقائق. وقد استعان فريد بأندريا رايدر فى إعادة توزيع بعض مقاطع اللحن الشهير. كما شارك بنفسه فى العزف على العود وقدم الأغنية وهو جالس.

ثم أنهت سلوى حجازى الحفل الطويل الممتع بخبر مهم مفاده أن الفنانين جميعًا تبرعوا بالغناء لصالح القضية الكبرى فلسطين. غنى الجميع بلا أجر.

لينتهى حفل سينما قصر النيل بحالة انتشاء عام غمرت نفوس الجمهور سواء مَن حضر إلى المسرح الممتلئ أو مَن سهر يشاهد الحفل على الهواء مباشرة عبر جهاز التليفزيون.

ونترك فريد فى سينما قصر النيل و«نخطف رجلينا» ناحية مسرح سينما «ريفولى»، الذى كان مسرحها الكبير يتأهب لاستقبال عبدالحليم حافظ أمام ٣ آلاف كرسى حجزها الجمهور جميعًا، لكن قبل أن ننظر من الثقب الزمنى على ليلة حليم المنتظرة، فقد يكون من المناسب أن نتتبع الأيام القليلة قبل الحفل، فى بيت العندليب وكيف استعد له.

مبدئيًا كانت آخر بروفة أجراها على أغانيه الجديدة فى النادى الماسى، الساعة التاسعة من صباح يوم الحفل، ثم نام حليم عشر ساعات كاملة بعد أن اعتذر عن الدعوات التى وجهها إليه أصدقاؤه لقضاء شم النسيم معهم. حيث قال لهم إنه يتوقع أن يغنى حتى فجر الإثنين. وسوف يقضى الساعات الأولى من نهار الإثنين فى هيلتون، يأكل شيئًا خفيفًا.

خلال أسبوع قبل الحفل كان حليم قد أجرى ٩ بروفات على أغانيه، ورفض بشدة تصوير البروفات واعتذر للمصورين الصحفيين.

فى التاسعة مساء، دخل الحاج محمد شبانة شقيق عبدالحليم حجرة العندليب، ليوقظه من النوم، فوجده يستمع إلى نفسه من جهاز تسجيل صغير اعتاد حليم أن «يذاكر أغانيه عليه».

أول ما فعله بعد الاستيقاظ سلم نفسه لحلاقه الخاص. وأخذ يرد على التليفونات أثناء الحلاقة:

- ألو.. يا سيدى إحنا فى معركة؟! ده فن. يا حاجة حلوة يا حاجة زى الزفت!

- ألو.. الله يخليك وإنت طيب يا حبيبى. حنغنى حاجة على قدنا. أيوه، حاجة جديدة!

- ألو.. أنا حليم.. متشكر أوى يا فندم.. الحمد لله. أنا كويس أنا هاغنى متأخر شوية. معلش الأولاد يسهروا.

ثم استقبل العندليب باقات ورد من الأصدقاء والصديقات، وأهم هذه الباقات، باقة من بيت الطالبات اللبنانيات «كل سنة وأنت طيب. وقوى. وفنان حساس». وباقة أخرى من جبل لبنان «معك على موجات الأثير يا حليم».

وبدأ توافد الأصدقاء، على حجرة حليم، وأول من دخل صديقه الملحن الشاب بليغ حمدى. كان بليغ قلقًا كعادته عندما يُذاع له لحن جديد ولا يحضر الحفل، ولذلك همس فى أذن حليم:

- يا عم أنا مش ممكن أحضر الحفلة. أنا ومحمد حمزة طالعين على برج أختك شريفة. «يقصد بيت شريفة فاضل لأنها تسكن فى الدور الـ١٧ من أطول عمارة فى القاهرة»، بس عايز ريكوردر كويس أسجل عليه الغنوة.

وأخذ بليغ الريكوردر منه بالفعل، وذهب إلى بيت شريفة فاضل.

أما مجدى العمروسى فجاء لدقائق وأكل الفاكهة وعاد لسينما ريفولى. وظل مع عبدالحليم، صديقان اسمهما: مصطفى العريف، وعزت صبايا.

فجأة دق جرس التليفون، وكان المتحدث يطلب عبدالحليم، وأمسك حليم بالسماعة وأخذ يرد!

- الحفلة مذاعة من الراديو.. أنا آسف ما أقدرش أساعدك فى حكاية التذاكر دى. دى حفلة متعهد والتذاكر اتباعت بالكامل.

إذا كان ممكن إقناع المتعهد بإضافة كراسى زيادة، مفيش مانع، إنما إذا فشلت تسمع الحفلة فى الراديو. وتشوفها بكره فى التليفزيون إن شاء الله.

أزف الوقت وبدأ العندليب يرتدى ملابسه ويتجه فورًا إلى حجرة أخرى وتناول طعام العشاء ومعه مجموعة هائلة من الأدوية.

بعد العشاء، استمع إلى الراديو، طلب من صديقه كامل البيطار مذيع صوت العرب أن يبحث له عن المحطة.. حيث كان الحفل قد بدأ.. وعندما سمع عبدالحليم «لبلبة» تقلد شريفة فاضل قال: الحفلة أهه!

كان المصور مع العندليب دقيقة بدقيقة. ركب عبدالحليم سيارته المرسيدس السوداء. واقترح سائقه الأسمر عبدالفتاح أن يركب سيارة أحد الأصدقاء حتى لا يكتشفها الجمهور الواقف عند باب الحفل، وسأله عبدالحليم:

ليه يا عبدالفتاح!!

قال عبدالفتاح ببراءة: العربية يكسروها!

قال عبدالحليم ضاحكًا: ما يكسروها يا أخى!

وركب حليم سيارته، وأسرع إلى سينما ريفولى، استطاع أن يدخل من باب الكواليس بصعوبة شديدة، كان يرافقه مجدى العمروسى وشحاتة ابن خاله الذى كان يحمل معه الدواء.

ببطء شديد، دخل عبدالحليم كواليس سينما ريفولى حتى لا يثير أى ضجة حوله، وكان معه راديو صغير وأخذ يستمع لفقرات الحفل.

كانت تجلس معه فى نفس الحجرة نجاة الصغيرة التى كان يرافقها شقيقها سامى. وكانت نجاة تطلب من سامى أن يغلق الباب دائمًا خوفًا من تيار الهواء.

قالت نجاة لسامى: «اعمل معروف خلى عينك على الباب يا سامى».. فضحك عبدالحليم وقال صائحًا:

- اعتبر التوصية دى من نجاة وحليم يا سمسم!

مضت ساعة ونصف الساعة وفقرات الحفل تتوالى وصيحات الجماهير تقتحم الحجرة على عبدالحليم ونجاة. 

خارج المسرح كانت هناك مباراة أخرى من الجمهور المتعطش لدخول الحفل، وعندما فشل بعض عشاق فن العندليب فى دخول الحفل، تجمهروا حول عربة الإذاعة الخارجية للتليفزيون، وطلبوا من مخرج البث الخارجى للتليفزيون «سعيد عبادة» أن يسمح لهم بالوقوف فقط، وافق الرجل بعد إلحاح بشرط: مفيش صوت! واستطاع هذا الجمهور أن يتابع الحفل كله من شاشة الإذاعة الخارجية قبل إذاعته للناس فى اليوم التالى!

دخل مذيع صوت العرب «وجدى الحكيم» وأبلغ العندليب بأن وقت الغناء قد حان، وأن الفرقة الموسيقية صعدت فوق المسرح.

فى نفس اللحظة، دخل عازف الجيتار الكهربائى عمر خورشيد غاضبًا. وسأله عبدالحليم: مالك يا عمر؟

قال عمر خورشيد: توصيلة الكهربا انقطعت عن الجيتار!

قام عبدالحليم بهدوء شديد وتوجه إلى مكان الكهرباء وأمسك بالأسلاك، وكاد محمد شبانة أن يجن ويمنع العندليب من هذا التهور خوفًا عليه، لكن حليم أمسك سلكًا وقال لعمر: التوصيلة هنا، وعاد الجيتار يعزف!

قام عبدالحليم متأهبًا للدخول، فقرأ آية الكرسى- كعادته- وجلس خلف المسرح ينتظر تقديمه من مذيع الحفل الداخلى.

وبالفعل أعلن «أحمد الجبيلى» مذيع الحفل الداخلى عن دخول العندليب! وتحركت قوة الشرطة داخل صالة سينما ريفولى للمحافظة على الأمن. فقد رافق العندليب من بيته إلى مكان الحفل الملازم أول نبيل حسن والرائد عزت كامل. وكان بداخل الصالة النقيب سيد مرسى، ومعه ٢٠ شرطيًا سريًا للمحافظة على الهدوء أثناء شدو حليم.

ودخل العندليب!

واجتاح الصالة بركان عنيف من التصفيق. وصعدت مئات البنات إلى المسرح. وهات يا قبلات. وحملت «أنغام الموجى» بنت الملحن محمد الموجى باقة ورد لتهديها إلى «أونكل حليم» فوق المسرح، ولمعت عدسات عشرات المصورين.. وكان حليم يُحيى الجمهور بحب.. وود.

ظل التصفيق يلازم دخول عبدالحليم المسرح وصاح سكان البلكون فى سينما ريفولى:

- أهلًا يا عبده يا كايدهم. يا أحلى عبده!

فى تلقيح بالطبع على حفل فريد الأطرش الذى كان على بُعد أمتار فى سينما قصر النيل.

وغنى العندليب كما لم يغنِ من قبل.

وظل يغنى والجمهور منتشى حتى دقت الرابعة والنصف، لينتهى حليم من الغناء وكان الناس قد شعروا بالثمالة.

وعاد إلى الهيلتون ليتلقى تليفونًا عند عودته من نجاة التى انتهت نمرتها أيضًا قائلة:

- كنت هايل يا ليمو!

أكمل حليم بقية ليلته فى الهيلتون، وعندما شقشق الصباح عاد إلى بيته.. ونام فى السادسة صباحًا.

وعلى الرغم من مرور حفل عيد الربيع مرور الكرام واستمتاع الجمهور بفن فريد وعبدالحليم فى يوم واحد، وهى تجربة كانت جديدة، إلا أن تبادل الحرب الكلامية بعنف استفزت بعض الصحفيين، خاصة أن البلاد كانت فى أدق فترة من تاريخها بعد نكسة ٦٧، وظهرت نبرة زاعقة تلوم الاثنين معًا، وليس أدل على ذلك من مقال رجاء النقاش فى «الكواكب».

عواصف ما بعد يوم المعركة

مر الحفل بسلام، لكن دخانه ظل يزكم الأنوف، وبقيت تفاصيل الخناقة بين الطرفين مؤرقة للكثيرين، ورأى البعض أن كليهما سقطا فى منزلق أخلاقى عميق ما كان ينبغى لهما وهما الكبيران السقوط فيه، بتصريحات خرجت عن حدود الزمالة، وصارت هناك عداوة كاملة بينهما ومحاولة كل واحد فيهما توريط الآخر سياسيًا وشعبيًا، وهى التفاصيل التى كشفها رجاء النقاش فى مقاله الشهير «كلمات فى الفن» فى «الكواكب» عدد ٢٨ أبريل ١٩٧٠، وكان المقال حاد اللهجة يمتلأ بالتقريع والتعنيف للاثنين فريد وحليم دون أن تأخذه بهما رحمة، حيث بدأ رجاء مقاله بحالة إثبات للوقائع التى رأها مشينة من وجهة نظره وصدرت عن الجانبين فقال نصًا: 

«من أعجب المشاكل التى تملأ الوسط الفنى الآن تلك المشكلة القائمة بين فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ... أن أقل ما يمكن أن يقال عن هذه المشكلة هو أنها سخيفة وأنها غير لائقة بأى فنان من الدرجة الثانية أو الثالثة... ولست أدرى كيف سمح عبدالحليم وفريد لنفسيهما بالوقوع فى مثل هذه المشاكل الصغيرة البعيدة كل البعد عما يعيش فيه الشعب من هموم ومشاكل.. والبعيدة كل البعد عن الأخلاق الفنية السليمة».

 بعد نهاية الحفلين عقد رجاء النقاش جلسة تأديب صحفية للاثنين معًا على صفحات «الكواكب»: معركتكما سخيفة وغير لائقة بفنان درجة ثالثة

ثم بدأ رجاء جلسة تعنيفه بحليم الذى نال الجزء الأكبر من اللوم والهجوم من رجاء النقاش بعد أن لاحظ، على حد قوله، أن نبرته فى السنوات الأخيرة تميل إلى الحدة والقسوة فى إعلان آرائه ضد زملائه.. كما أنه كثير النقد والاعتراض على أصوات زملائه وإمكانياتهم الفنية مثلما حدث مع رشدى وماهر العطار والتلبانى. وها هو فى هذه الأيام يهاجم فريد الأطرش بقسوة على صفحات المجلات اللبنانية.. يقصد تصريحات حليم القاسية لمجلة الحوادث، ثم يواصل النقاش استنكاره لما فعله عبدالحليم فى حق فريد، حيث يقول: 

«لست أدرى لماذا يسقط عبدالحليم- وهو فنان كبير وناجح بكل المقاييس- هذه السقطات الصغيرة التى لا تليق به.. لماذا لا يكتفى بنجاحه وبفنه.. ويبتعد عن هذا الأسلوب الاستفزازى الذى يعامل به الكثيرين من زملائه.. لو كان عبدالحليم ناقدًا فنيًا لما كان هناك اعتراض على إبداء آرائه فى غيره من الفنانين بالشكل الذى يراه ويكون مسئولًا عنه.. ولكنه فنان مهمته أن يغنى فقط.. لا أن يدرس الأصوات ولا أن يضع درجات للمطربين ولا أن يقول للناس كل يوم رأيًا جديدًا فى هذا الفنان أو ذاك.. إنى أتمنى أن تتغير صورة عبدالحليم حافظ فى الوسط الفنى.. فبقدر ما يحبه الجمهور ويجد فى صوته منتهى العذوبة والجمال والدفء.. بقدر ما يحس كثير من الفنانين أن عبدالحليم عصبى وحاد وكاره لزملائه وشديد التعالى عليهم.. وهذه كلها أمور يجب أن يتخلص منها فنان كبير مثل عبدالحليم حافظ!».

ويستخدم رجاء النقاش نجيب محفوظ للتدليل على فداحة ما يفعله حليم من تجريح فى حق فريد، حيث يقول: 

«إن نجيب محفوظ- مثلًا- هو أكبر فنان روائى فى الوطن العربى كله... ومع ذلك لم نسمع منه فى يوم من الأيام تجريحًا فى توفيق الحكيم أو فى يوسف إدريس أو حتى فى أصغر كتّاب القصة فى بلادنا.. بل إن الجميع يلقون على لسانه كل احترام وتقدير.. وهذه هى الأخلاق الفنية الحقيقية السليمة التى نحتاج إليها.. فنجيب ليس ناقدًا.. وليس مطلوبًا منه أبدًا أن يقول هذا جيد وهذا ردىء.. إلخ.. المطلوب منه أولًا وأخيرًا هو أن يقدم إنتاجه الفنى للناس».

ولأن رجاء النقاش كان معيارًا للمهنية والعدالة فى النقد فلم يأخذ جانبًا على حساب آخر، لذلك بعد أن فرغ من عبدالحليم استدار إلى فريد، ليعرى أمامه عيبه الرئيسى الذى يتسبب فى كل تلك المشكلات، فيقول رجاء نصًا: 

«أما فريد الأطرش فله أخطاؤه التى يجب أن ينتبه إليها هو الآخر بصدق وصراحة.. إنه فنان كبير حقًا وله جمهور عريض.. ولكن فريد لا يكف عن الشكوى والأنين.. كأنه لم ينل شيئًا فى حياته الفنية.. والحقيقة أن فريد قد نال من النجاح المادى والأدبى عن طريق فنه أقصى ما يمكن أن يناله أى فنان فى بلادنا بل وفى العالم كله.. لقد انهالت الثروة والشهرة على فريد وهو يعيش كما يعيش الأمراء وأصحاب الملايين.. ولا شك أن فريد قد خسر الكثير بسبب إسرافه وتبذيره.. ولكن هذه مشكلته الخاصة التى لا ذنب لأحد فيها.. فماذا يريد فريد؟ ولماذا يشكو باستمرار وبصورة لا تنتهى؟

ومن أين جاءته عقدة الاضطهاد.. وهو الفنان الناجح الذى حقق أقصى درجات النجاح المادى والفنى، ونال وسامًا رفيعًا يتمناه أى فنان؟..

إن شكوى فريد لا محل لها ولا منطق.. وهى نغمة يجب أن يتخلص منها فريد على الفور.. هذه واحدة.. أما الثانية فهى أن فريد الأطرش يحاول أن يفرض ألحانه بالإرهاب الأدبى على المطربين.. وهذا موقف غير كريم وغير لائق بفنان مثله .. صحيح أن من المهم بالنسبة لفريد وبالنسبة لأى ملحن أن تغنى له أم كلثوم.. ولكن على الفنان أن يسعى إلى تحقيق مثل هذه الغاية الفنية بطريقة كريمة.. أما أن يلح ويبكى ويستعطف ويبالغ فى الطلب فهو أمر لا يحقق للفنان غايته.. بالإضافة إلى أنه ينقص من قيمته ويمس كرامته إلى أبعد الحدود».

ثم يجمل رجاء وجهة نظره بقوله: 

«إن فريد فنان ناجح.. ولكن أى فنان مهما بلغ من النجاح والقوة فى هذا العالم، فستظل على الدوام هناك أشياء ولو قليلة لا يستطيع تحقيقها.. هذه سُنة الحياة.. حتى بالنسبة للناس العاديين.. تبقى دائمًا هناك أمنيات لم تتحقق فى حياة البشر.. ولو صرخ كل إنسان بسبب أمنياته الناقصة.. لتحول هذا العالم إلى جنازة كبيرة!

وأخيرًا.. أحب أن أقول لفريد الأطرش إن الحروب بين الفنانين يجب أن يكون لها مستوى.. أما أن يحمل فريد تسجيلًا صوتيًا لحديث تليفزيونى قال فيه عبدالحليم (إن صباح وفيروز أجانب) ثم يرسله إلى بيروت ليثير الدنيا فى وجه عبدالحليم.. هذا أمر أقل بكثير من قيمة فريد.. أنا لم أسمع حديث عبدالحليم.. ولكنى أفترض أنه قال هذا الكلام فعلًا.. فإن المسألة لا تعدو أن تكون خطأ- هو بالتأكيد غير مقصود- يلام فيه عبدالحليم ويعاتب عليه بشدة، وتنتهى المشكلة عند هذا الحد.. أما أن تتحول هذه الجملة لإشعال (فضيحة قومية) ضد عبدالحليم.. فهو أمر غير لائق وغير سليم!».

ثم ينهى رجاء النقاش مقالته البديعة من كرسى الأخ الأكبر الناصح للاثنين قائلًا: 

«كل ما أتمناه هو أن يرتفع فنانونا الكبار إلى مستواهم الحقيقى.. وأن يبتعدوا عن المعارك الصغيرة.. خاصة فى وقت لا مجال فيه لتلك المعارك.. بل إننى أقول: إن عبدالحليم وفريد قد وصلا إلى مستوى لا تليق معه هذه الحروب التافهة بينهما.. حتى ولو كان مجتمعنا خاليًا من كل الهموم الكبيرة التى تشغله فى هذه الأيام».

وعلى بُعد صفحات من مقال رجاء النقاش رئيس التحرير الذى كان شديد اللهجة على الاثنين، وخاصة عبدالحليم الذى كان ذنبه أعلى من فريد، نشرت «الكواكب» فى نفس العدد مقالًا آخر لأحد كبار صحفييها وهو حلمى سالم، وقد مال أكثر ناحية كفة عبدالحليم ليزن الأمور مع رجاء النقاش، ورأى أن فريد وشلته هم الذين أخرجوا المنافسة الفنية من معناها وأدخلوا مصطلح الحرب بين الاثنين، ودافع سالم عن موقف عبدالحليم فيما نُسب إليه من تعمده نزول فيلمه «أبى فوق الشجرة» مرة أخرى فى سينما ميامى بعد رفعه بشهور ليضرب به فيلم فريد الجديد «الحب الكبير» الذى يعرض فى سينما ديانا، كما أن حفلة عيد الربيع كانت لعبد الحليم فقط وتم الإعلان عنها قبل أن يفكر فريد فى العودة للغناء، خاصة أنه كان قد صرح بأنه اعتزل الغناء تأثرًا بتفاقم حالته، وذلك قبل شهور فى «الكواكب» أيضًا. 

وعلى الرغم من أن حلمى سالم كانت نبرته مائلة ناحية حليم إلا أنه سار على نهج رئيس تحريره رجاء النقاش، حيث لام الاثنين معًا فى النهاية على وصول الأمور لهذا المستوى المتدنى، سائلًا ثلاثة أسئلة: 

١ - هل قيام حفلتين غنائيتين يمكن أن يحتمل كل ما أثير وكل ما قيل؟

٢ - هل الناس فى حاجة إلى رفع درجة الحرارة بين عبدالحليم وفريد؟

٣ - ماذا يمكن أن تستفيد حياتنا الفنية من كل ما نُشر وقيل؟

ويجيب سالم فى النهاية قائلًا: إذا كان عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش لا يستطيعان جذب أربعة آلاف متفرج لحضور الحفلتين فلقد ضاعا معًا، فلكل منهما تاريخهما الفنى المعروف، وحياتنا الفنية لن تستفيد من هذا الصراع الذى خرج عن حدود التنافس إلى حدود «التشنيعات» والحرب الباردة كما يسمونها.

وفى النهاية، انتهى اليوم العاصف على أى حال، وأنتج لنا حفلتين من أروع الحفلات المسجلة لاثنين من أكبر نجوم الفن والطرب فى القرن العشرين فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ.