الأحد 14 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

ابن الجبلاوى.. إبراهيم فرغلى.. مقاومة الفناء بالحكاية

حرف

- خدعة الوجود والعدم تزيد عبقرية «قارئة القطار» و«حارسة الحكايات»

من غمام رؤية المستبصر، وخلخلة يقين البصير، تكثر الأسئلة وتتلاقى، فى عناوين الكاتب إبراهيم فرغلى، الذى تأثر بلا حدود بعتبات ورؤى كاتبنا البناء نجيب محفوظ.

يظهر هذا بوضوح كبير فى رواياته مثل «أبناء الجبلاوى» و«معبد أنامل الحرير»، و«جزيرة الورد»، و«كهف الفراشات»، و«ابتسامات القديسين»، و«بيت من زخرف- عشيقة ابن رشد»، وكذلك فى مجموعاته القصصية مثل «حارسة الحكايات». 

ومنذ تفشى جائحة «كورونا» بنهاية عام 2019، يعيش «فرغلى» فى غربته المكانية، ككاتب وصحفى عاش نصف عمره ويزيد خارج مصر، فى رحلة عملية ومعيشية، تراءت له فيها آفاق وفضاءات الذاكرة الكتابية، ومن قبلها تلك الثنائية الكاذبة والواهمة: سطوة الواقع المخيف، وبراح الخيال بل والتخييل.

ومع تحول غربة الكاتب الواقعية فى الحياتى والمعيش إلى طبقات كثيفة ودالة بل ومشحونة بالرموز، تتحول أزمة «الغرابة» إلى «غرابة» فـ«تغريب»، ما ينعكس على حالة الوعى واللاوعى، من قبل الكاتب الذى حاول من خلال كتابيّه «قارئة القطار» و«حارسة الحكايات» فض بكارة الواقع الزائف والمنفر و استشراف الآتى.

 

تدور أحداث رواية «قارئة القطار» فى الليل، وتدور أحداث نصوص مجموعة «حارسة الحكايات» فى ضباب إحدى المدن الأوروبية، وتحديدًا باريس، حيث تدور الحكاية الأخرى للإجابة عن أسئلة السارد المذعور من تلك النهايات التى ينتظرها البشر فى حال تشتت اليقين وطغيان الاستبداد.

وتأتى غرابة وخصوصية وتفرد اللغة فى العملين المشار إليهما على أنها وحدة واحدة، يجمعهما الهم الواحد والخوف من أقدار قادمة، وهى ليست بأقدار بقدر ما هى طلاسم وحمل كاذب فى انتظار طلوع النهار.

«تحدثت كثيرًا، وقرأت لى فقرات من كتاب الأحلام، ولم أفهم الرابط بين وجود نفس الكتاب الذى تقرأ منه زرقاء معها هنا. هل يتضمن الكتاب سرًا لا يعرفه إلا من يعيشون فى القطار؟ ورغم الحكايات التى حكتها لى قائلة إنها تخص علاقتى بها، فإننى لم أستعد ذاكرتى لكى أتحقق من صدق ما تقوله».. من رواية «قارئة القطار».

فى هذه الرواية الإشكالية والمتعددة الدلالات والكناية والتورية، من حيث الدفع بالحدث، الوجودى، أو قل القدرى، حياة تتجلى بدلالات مراوغة، مرة بسد أو غلق وتأجيل طروحات اليقين وأبوابه، رغم سطوع البصيرة قبل البصر.

فيما يخص «قارئة القطار»، وتلك الرموز المخاتلة المراوغة، التى تفضح زيف الواقع والمعيشى فتسد آفاق الاستبصار، تدور هذه الرواية برحاها بين عالمين يبدوان متباعدين متقاربين، تمام التباعد تمام التقارب.

فى «قارئة القطار»، ومن خلال «راوٍ» يركض ليلحق بقطار، ثم يفقد ذاكرته فجأة، فلا يعرف من أين جاء وإلى أين يقصد، فى هذه الرحلة السرمدية، والليل البهيم التى تسطره ظلمات البصر فى العتمة، يدور الحدث الفارق، فيما يخص ويحدد، الهدف من الرحلة، وكيف وأين بدأت وكيف ستنتهى؟ أى أين إذًا المستقر، والذى ستؤول إليه الرحلة؟

فى فراغات وجود شبحى غائم وضبابى، يفاجئنا الراوى بخلو القطار، ثم يفقد ذاكرته فجأة، فلا يعرف من أين جاء وإلى أين يقصد. ثم يفاجأ بخلو القطار من المسافرين إلا من امرأة غريبة الأطوار تخبره بأنها تقرأ لكيلا يتوقف القطار.

وسط أجواء غريبة يسودها الغموض، يسعى الكاتب لاستكشاف عالم القطار الغريب، وفى ذروة اليأس تسرد له القارئة ما تقول له إنها سيرته، فيجد نفسه شاهدًا على تغريبة من الجنوب إلى الشمال، بطلها «فتى» خرج من مقبرة حيًا ليبدأ رحلة هربًا من ماضيه.. فما الذى يجمع بين هذين المسارين الغريبين البعيدين؟

هذه الرواية المشوقة المثيرة للأسئلة تجيب ببراعة، عن تلك الإشكاليات، انفلات اليقين بل وسرمدية الواقع الشبحى، حيث تتضح ذروة الحدث، والذى سيوضح ويؤكد فى القادم، ما هو الرابط بين تلك الرؤى الوجودية الكاشفة لأزمة اغتراب البطل، فى الزمان والمكان.

فى وجود مراوغ، يضع البطل «السارد أو الراوى»، فى متاهة مخاتلة لوجود ميت. وهذا هو الرابط الذى سيتضح من تكرار الأزمة فى العمل الآخر، القصصى، وهو قصص «حارسة الحكايات».

ففى مجموعته «حارسة الحكايات»، يغوص الكاتب إبراهيم فرغلى فى أعماق العلاقة المعقدة بين الإنسان والماضى، محاولًا سبر أغوار الزمن وتأثيره على تشكيل الوعى الفردى والجمعى.

ومن خلال مزيج من الواقع والخيال، والحلم واليقظة، يقدم «فرغلى» قصصًا تسائل الزمن، وتفتح باب التأمل فى مفاهيم الذات والحنين والمراجعة الداخلية. فى هذا الحوار، يحدثنا عن إلهامه لكتابة المجموعة، وعن رؤيته لدور الماضى فى تشكيل الحاضر والمستقبل .

عن تلك التساؤلات الرجراجة والمخاتلة، ذكر الروائى إبراهيم فرغلى، من قبل، أن نص «قارئة القطار» يطرح أسئلة وجودية كبرى حول الهوية والعدم والزمن وجدوى الوجود الإنسانى.

وأوضح «فرغلى» أن الرواية تدور حول سؤال الهوية والذاكرة «أنا مَن أكون؟». فالبطل يفقد ذاكرته تمامًا، ومن خلال ذلك يطرح النص أزمة وجودية: هل الإنسان سوى مجموعة من الذكريات؟

عندما تُسلب الذاكرة، يتلاشى الماضى ويصبح الحاضر عبثيًا. البطل يعيش أزمة وجودية حادة لأنه يضطر لاستعارة هوية وحياة من الحكايات التى تقرأها المرأة المسماة قارئة القطار لكى يشعر بأنه «موجود».

وربما يكون هناك مشترك بين «حارسة الحكايات» و«قارئة القطار»، يتمثل فى مقاومة الفناء والعدم بالحكاية: فى كلا العملين، تتحلى بعض ملامح الفلسفة الوجودية، التى ترى أن العالم عبثى ومخيف، وأن الوسيلة الوحيدة لمنحه معنى ومقاومة الفناء هى «السرد».

فى «حارسة الحكايات»، حراسة القصة هى دفاع عن الوجود البشرى ضد النسيان والمحو. وفى «القطار»، التوقف عن القراءة يعنى الموت والتحطم. الحكاية هنا هى بديل «الإرادة» الوجودية.

الزمن فى العملين ليس خطيًا «ماضى- حاضر- مستقبل»، بل دائرى وسرمدى. الشخصيات تعيش فى فضاءات زمنية ملتبسة، تجعل القارئ يتساءل عن حقيقة الزمن ومعناه الحقيقى ومفهوم الخلود. هناك زمن افتراضى يحدث داخل الزمن الحقيقى الواقعى.

وبحسب ما قاله «فرغلى» أيضًا، تعمد تخليق أجواء من «الغرابة الوجودية» بمفهومها «الفرويدى»: «شىء مألوف لكنه غريب ومخيف فى آن واحد».

المكان الأليف فى «قارئة القطار»: القطار وسيلة مواصلات يومية مألوفة للجميع، لكنه يتحول إلى «متاهة» لا تنتهى، قطار يتحرك بلا سائق، ومحطات مجهولة، وعالم معزول عن الخارج. هذا التحول من المألوف إلى الغامض يجسد ذروة مفهوم «الغرابة». 

أما فى «حارسة الحكايات»، والحديث لا يزال لـ«فرغلى»: الأماكن أكثر تنوعًا ما بين البيوت القديمة، والمغارات، والقاعات المعزولة التى حاولت أن أحولها إلى فضاءات سحرية تخرج منها أشباح الماضى، حيث يختلط الواقع بالحلم حتى يفقد الأبطال «والقارئ» القدرة على التمييز بين اليقظة والمنام. 

لم يسع الكاتب إلى تقديم تفسيرات منطقية أو علمية للأحداث الغريبة، وفضل أن يترك الأمور معلقة فى منطقة برزخية بين الحقيقة والخيال. أعتقد أن السيدة التى تقرأ فى القطار، والأشخاص الذين يظهرون ويختفون فى القصص، يمثلون تجسيدًا لـ«الآخر الغريب»، الذى يرافق الإنسان ويعكس مخاوفه الداخلية، وبالتالى يطرح قضايا وجودية بالشكل الذى تخيلت أنه يناسب الطرح.

يضاف إلى ذلك بعض من التقنيات الملتبسة بفنية، مدفوعة بتلك الرموز، والمتمثلة فى فضاءات سديمية، تجمع ما بين السرديتين، وتضاهى ما بين الحدثين، وكلُ على شاكلته ورؤاه. ورغم التشابه، بل والاشتباك، ما بين العملين، فى كل من رواية «قارئة القطار» والمجموعة القصصية «حارسة الحكايات»، تتجلى الظلال والعدمية، بل وأيضًا تلك الدوافع التى دفعت السارد إلى مرويتيه.

ونجد أن هناك الكثير من القبض على آليات المراوغة فى السرد من فصل لآخر، ما بين مقهى الغرباء فى الليل المعتم فى رحلة الراوى فى القطار وقت تبدل الحكايات ما بين القارئة، والمنصت للحكاية السرمدية، لنعثر على سر، تلبس صاحب الحكاية والحدث بالفراغات الوجودية، وكأن قصص «حارسة الحكايات» خلفية أو حقل لبعض من كتابات إبراهيم فرغلى السابقة مثل «قارئة القطار».

فى حوارات سابقة للكاتب إبراهيم فرغلى، قال: «بعض القصص كتبت منذ فترة طويلة، وهناك ٣ قصص بنيت عليها المجموعة، لأنى أحسست بوجود بعض المشتركات بينها، مثل (قصر العزلة) و(الأسود الجميل)، وأظن أن الثالثة هى (حارسة الحكايات)، وكانت فكرة مراجعة الذات أو التاريخ تقريبًا سمة عامة بينها أو مشتركة، ثم كتبت بقية القصص التى تصورت أنها تكمل مجموعة لها طابع وجدانى وفكرى متقارب».

وأضاف: «لعل هذا الحس الوجودى هو المشترك. بعض القصص كتبت بعد فترة وجيزة من انشغالى بمشروعات روائية أو ربما بأسئلة كنت مشغولًا بها فى روايات، ولعل ظلال تلك الروايات قد ظللت بعض أجواء القصص».

وواصل: «أحيانًا أيضًا تكون هناك قصص عالجت فيها موضوعات تشغلنى، ولكنى قد أعود إليها مرة أخرى لإعادة النظر فى الأسئلة التى طرحت سابقًا فى سياقات مختلفة بعد مرور الزمن ومع مزيد من النضج السردى. القصص نفسها فتحت لى أبوابًا لتضمين فكرة الغربة، أيضًا لدى بعض الشخصيات، الإحساس بالعزلة قد يكون شكلًا من أشكال الغربة، والبحث عن الذات فى مدينة غريبة أيضًا شكل آخر. لكن سؤال الاغتراب ليس بعيدًا عن فكرة مواجهة أشباح الماضى وأشباح الذات».

وأكمل: «المجموعة منفصلة- متصلة، بتلافيف وجودية عن المصائر والبصائر، والتصالح مع الوجود رغم عبثيته. القصص أو ربما أغلبها، حاولت أن تتأمل فكرة مواجهة الذات».

فى قصة «أشباح المغارة» مثلًا فكرة جنود مارسوا أخطاء استوجبت تعرضهم للسجن، ثم أطلق سراحهم لأجل مهمة مجهولة، سرعان ما يتبينون أنها تتمثل فى مواجهة ضمائرهم أو ذواتهم فى مغارة غامضة مسكونة بالذئاب.

وفى «امرأة من أقصى المدينة» رجل يهرب من جريمة إلى نهاية العالم، لكن ضميره يظل أقرب إليه من أى مسافة، ويجد فى امرأة ما ملاذًا لكى ينفذ فكرته عن التطهر، وغيرها.

قصة مثل «مقابر الذاكرة» تأمل لفكرة وجود أشخاص فى حياتنا ثم غيابهم. ما معنى هذا الغياب. ماذا يبقى فى النفس منهم بعد الغياب؟ وما سبب هذه اللعبة التى يمكن أن تكون من أكثر ما يمر به الإنسان بؤسًا؟

وبحسب «فرغلى» فإن «أغلب القصص عمومًا تقدم محاولات الهروب من الذات فى حالات إنسانية مختلفة، وسياقات مختلفة أيضًا. وهذه الفكرة من أكثر ما يمكن أن يتعرض للمراوغة من الذات تجاه نفسها».

«هل تفضل النفس البشرية أن تكذب على ذاتها؟» هذا سؤال مطروح فى أغلب القصص. نحن نعيش فى مجتمعات تحب النفاق أكثر من مواجهة الحقائق، وأحيانًا ترفع شعارات مثالية لكنها لا تراجع نفسها لتتأكد من مدى اتساق هذه الشعارات مع إمكانات الفرد أو الجماعة، وفق «فرغلى».

وأضاف: «وربما فضلت تغليف القصص بلمسة من الغموض للتماهى أيضًا مع فكرة غموض النفس البشرية حتى على أصحابها. بشكل أو بآخر. فهل ومع تقدم العمر يبدأ الإنسان فى مراجعة فكرة الزمن نفسها، وتأمل ذاته التى يتصور أنها كينونة واحدة».

وواصل: «كنت أسأل نفسى كثيرًا على سبيل المثال: هل إبراهيم الصبى الذى يتسم بنوع من البراءة وربما السذاجة مختلف عن إبراهيم فى الأربعين أو الخمسين؟ من أين تأتى الحدة التى أصابت شخصيتى لفترة خلال الأربعينيات؟ وما أسبابها؟ هل هى أصيلة فى الشخصية؟ أم أننى أجمع بين النقائض؟».

وأكمل: «ثم بدأت أتتبع بعض الشخصيات التى تربطنى بها علاقات تاريخية، ليس الأصدقاء فقط بل وحتى الأب والأم والأخوات. كيف كانوا وكيف أصبحوا؟ وطبعًا يدرك المرء مع تداعى الذكريات عن فترات الطفولة والصبا، وعلاقاته بالآخر، أنه أسير هذا الماضى إلى حد بعيد، حتى لو كانت تصورات الماضى هذه متوهمة أو غير دقيقة». وكانت بعض القصص تتتبع هذه الأسئلة بأشكال مختلفة.

وهكذا يبرهن الكاتب إبراهيم فرغلى أن للكاتب علاقة خاصة جدًا ومخيفة بالزمن، خاصة أنه اختار العزلة الاختيارية من البدايات فصارت تشكل رؤاه ورؤيته ككاتب ومؤلف اتخذ من السرد والراوية والقصص سبيلًا وحيدًا للخلاص ومناطحة الوجود الحى والمراوغ والمنفلت، أيًا كانت نواقصه وأشباحه، للوصول إلى خلاص فردى وكلى يبتعد عن خروقات ورجرجات الكون.