المحرر العام
محمد الباز

سر بورسعيد.. هانى عبدالعزيز: على عكسنا.. الاستعمار احترم العمارة الإسلامية!

هانى عبدالعزيز
هانى عبدالعزيز

- عدد المبانى الأثرية فى بورسعيد تضاءل من 1500 إلى أقل من 500 مبنى

- سياسة الانفتاح فى السبعينيات غيّرت شكل بورسعيد ونمط حياة سكانها

صدر مؤخرًا عن دار «مسار» للنشر والتوزيع، كتاب «بورسعيد.. من دفتر أحوال الذكريات» للكاتب البورسعيدى هانى عبدالعزيز عجيبة، فى باكورة أعماله الأدبية، وجاء مزدانًا بغلاف صممه الفنان أيمن القاضى. 

يقدم الكتاب صورة نابضة بالتفاصيل عن حقبة مهمة من تاريخ المجتمع البورسعيدى، حيث يستحضر الكاتب روح مدينته وخصوصيتها، ويستعيد شخوصها وأحداثها بصدق وحنين، متتبعًا التحولات الجذرية التى طرأت على هذا المجتمع الفريد عبر العقود الأخيرة فى مختلف مناحى الحياة.

ويمزج «عجيبة» بين أدوات الباحث التاريخى وشغف الكاتب بالموروث الشعبى، ليصوغ نصًا يجمع بين متعة السرد وعمق التوثيق، ويمنح القارئ العام تجربة سلسة، وفى الوقت ذاته يقدم مادة ثرية للباحثين فى التاريخ والثقافة الشعبية. 

عن هذا العمل وما يتضمنه من تفاصيل ثرية، أجرت «حرف» مع الكاتب هانى عبدالعزيز عجيبة الحوار التالى.

■ بداية.. من خلال كتابك «بورسعيد من دفتر أحوال الذكريات».. ما الجديد الذى يحمله العمل؟ وهل بالفعل تاريخ بورسعيد الحديث بدأ مع بدء حفر قناة السويس عام ١٨٥٩؟ 

- الجديد أننى، أثناء زيارتى الأخيرة لمدينة بورسعيد، واجهت الحقيقة المؤلمة: كل شىء قد تبدّل، ولم يعد شىء على حاله، ولم يعد له وجود إلا فى ذاكرتى، كأن المدينة نفسها صارت صفحةً تتلاشى مع الزمن، ولا يمكن الإمساك بها إلا عبر استدعاء صورها من الذاكرة.

ومثلت لدى هذه الحقيقة لحظة فارقة اختلط فيها الحنين للماضى، مع الرغبة فى إعادة اكتشاف ما يحدث. وبدأت أرى بورسعيد وكأنى أراها لأول مرة، ومن هنا، صارت الكتابة طريقتى الوحيدة للعودة، وسبيلى للبحث عنها بين طبقات الزمن المطموس، وكأننى أنقّب عن كنز دفنته الحياة عمدًا.

من خلال فصول الكتاب، حاولت البحث عن بورسعيد فى أعماق الذاكرة، واستحضار صورها الحية داخل تكوينى، وسعيت إلى توثيق العادات والطقوس الشعبية المتوارثة التى تميز بورسعيد عن غيرها من المحافظات المصرية، والتى عايشتها فى حقبة الثمانينيات، وتأصيلها لتكون مرجعًا مبسّطًا للأجيال المقبلة؛ يحفظ الذاكرة الجمعية، ويعزز الهوية الثقافية، ويربط الأجيال الجديدة بماضيهم، حمايةً لهذا التراث الفريد من الاندثار، وضمانًا لبقاء روح المدينة نابضةً فى وعيهم وهويتهم.

أما فيما يخص التاريخ الفعلى لنشأة مدينة بورسعيد، فى رأيى أن المدينة وُلدت قبل ذلك بكثير، لكنها كانت تفتقر إلى شهادة ميلاد رسمية، والتى حررت فعليًا فى ٢٥ أبريل عام ١٨٥٩م مع ضرب أول معول لحفر قناة السويس. لم يكن الاسم موجودًا بعد، لكن المنطقة كانت معروفة منذ العصور القديمة، وشهدت هذه البقعة ظهور مدن مثل «الفرما وتنيس»، قبل أن تنصهر جميعها فى بوتقة ما أصبح يُعرف اليوم باسم بورسعيد.

■ وفقًا للصور المرفقة بمتن الكتاب.. ما أبرز البيوت والمنشآت التى لم يعد لها وجود فى بورسعيد؟

- تتميز بورسعيد بطابعها العمرانى الفريد، حيث تستخدم الأخشاب فى بناء الواجهات على الطراز الإسلامى، وقد راعت شركة قناة السويس فى البناء طبيعة الأرض الرخوة لضمان استقرار المبانى وسلامتها. واحترم المستعمرُ العمارةَ الإسلامية بوصفها قيمةً جماليةً خالصة، وتراثًا ماديًا بديعًا، حتى وإنْ انتزعها من سياقها الحضارى والوظيفى.

تجلى ذلك فى تصميم قسم شرطة الميناء ببورسعيد، ومبنى هيئة قناة السويس، ومبنى المحكمة المختلطة فى بورفؤاد، بل امتد هذا الوعى الجمالى إلى البنايات السكنية ومقارّ العمل.

والمفارقةُ أنّ الاستعمار، بدا أكثر وعيًا بقيمة العمارة الإسلامية. بينما فقدنا نحن هويتنا المعمارية، إذ تحوّلت العمارة إلى كتلٍ صمّاء بلا روح، حتى غدت تلك التحف المعمارية عبئًا، لا يُنظر إليها إلا من زاوية كلفة الترميم لا قيمتها الحضارية.

وقد هالنى ما وصلت إليه الأمور من تدهور، فقد تغيّرت معالم المدينة، وتلاشت ملامحها. من شواهد هذا التغيير: هُدم الجامع التوفيقى الأثرى، وأقيم على أنقاضه مسجد حديث بلا هوية، وحديقة فريال التاريخية نالتها لعنة «التطوير»، وهى التى شهدت فى الماضى حفل افتتاح قناة السويس سنة ١٨٦٩، وأزيل سور الميناء القديم، وأُنشئ الممشى السياحى، فاحتجب المجرى الملاحى خلفه، واحتُجب فنار بورسعيد القديم خلف الأبراج الأسمنتية التى فاقته ارتفاعًا، وهو أعجوبة عصره، وأول مبنى خرسانى فى العالم، وهُدمت معظم مبانى بورسعيد ذات الطابع المعمارى المميز، وتحولت البقية إلى أطلال.

وأُغلقت معظم دور العرض السينمائى، وهدم معظمها، وأُهمل نادى المسرح بشارع ممفيس، كما أهمل المسرح الإيطالى بشارع محمود موسى «السلطان مراد سابقًا»، وأُغلق البيت الإيطالى «Casa Italia» مركز إشعاع الثقافة الايطالية- الكائن بشارعى عادل طه «السلام سابقًا»، ومحمود صدقى، والمطل بواجهته الشمالية على حديقة التاريخ التى أقيمت على أنقاض فندق بالاس الشهير، وكان يحتوى على مسرح وسينما، واستديو تصوير، ومركز نشر، ومكتبة عملاقة، ومكان مخصص للألعاب والترفيه، وحضرت به عرض مسرحى أثناء المرحلة الثانوية.

وهدم المسرح الصيفى بشارع طرح البحر، الذى أقيمت عليه حفلات أضواء المدينة فى الخمسينيات والستينيات، وحل محله المركز الثقافى الجديد الذى لم يستقبل أى فعاليات منذ إنشائه. وهدم المتحف القومى المطل على المجرى الملاحى لقناة السويس، واحترق كازينو الجزيرة على شاطئ البحر، وأُزيلت القنصلية الأمريكية بشارع فلسطين «السلطان حسين سابقًا»، وأُغلقت القنصلية الإيطالية بشارع ٢٣ يوليو «كتشنر سابقًا»، والمبنى على وشك الإزالة، وهدمت العشرات من المبانى ذات الطراز المعمارى المميز، وتوصلت إلى أن كل شىء قد تبدل، ولم يبق على حاله، وليس له وجود إلا فى ذاكرتى.

■ هل لديك بيانات كاملة عن تلك الأماكن الأثرية؟ وما دور جهاز التنسيق الحضارى فى ذلك؟

- للأسف، الحديث فى هذا الموضوع ذو شجون، فقد تشكّلت العديد من اللجان فى عهد المحافظين السابقين لحصر المبانى الأثرية فى مدينة بورسعيد، وغالبًا ما ينتهى عمل هذه اللجان بانتهاء فترة المحافظ، فى ظل غياب الرقابة الفعلية من وزارة الآثار وجهاز التنسيق الحضارى، ما يعكس هشاشة آليات حماية التراث العمرانى للمدينة، الأمر الذى أدى إلى تهدّم العديد من المبانى الأثرية فى غياب رقابة الدولة.

وتضاءل عدد المبانى الأثرية فى مدينة بورسعيد من ١٥٠٠ مبنى إلى أقل من ٥٠٠ مبنى تكافح من أجل البقاء. وتم اعتماد هذه المبانى من قِبل مجلس الوزراء بالقرار رقم ١٠/١٠٦٩ لسنة ٢٠١١، ومن بينها مقهى السعيدية، وبيت الأمة، وفنار بورسعيد القديم، ومبنى البريد القديم، ومبنى القبة التابع لهيئة قناة السويس، الذى تم إخلاؤه منذ سنوات ويجرى حاليًا ترميمه وتحويله إلى متحف، وكذلك المنازل التى أقامتها شركة قناة السويس، ويقطنها حاليًا إداريون وموظفو الهيئة.

وترجع عمليات الهدم المستمر للمبانى ذات الطراز المعمارى المميز إلى الإهمال فى الصيانة، وللنزعة الرأسمالية التى تهدف إلى تحقيق أرباح هائلة من إعادة بيع الأراضى، وهو ما يهدد بطمس جزء مهم من الهوية العمرانية والثقافية للمدينة.

ومن المفارقة أن يتم اكتشاف تمثال «حاملة الجرة» للنحات محمود مختار أثناء تطوير حديقة سعد زغلول التاريخية بحى العرب ببورسعيد، بعد أن كان مطمورًا فى التراب وحالته سيئة للغاية، حيث وجد التمثال مطليًا باللون الفضى ويعانى من ترميم خاطئ. وتأكد أن هذا التمثال نسخة أصلية مصنوعة من البرونز، ويعود للنحات الشهير محمود مختار.

■ ما الدوافع لطرحك هذا الكتاب؟ 

- توصلت إلى أن كل شىء قد تبدل، ولم يبق على حاله. ومثلت لدى هذه الحقيقة لحظة اختلط فيها الحنين للماضى، مع الرغبة فى إعادة اكتشاف ما يحدث. وبدأت أرى بورسعيد وكأنى أراها لأول مرة، ومن هنا، صارت الكتابة طريقتى الوحيدة للعودة، وسبيلى للبحث عنها.

سعيت إلى توثيق العادات والطقوس الشعبية المتوارثة فى بورسعيد وتأصيلها، لتكون مرجعًا مبسّطًا للأجيال القادمة؛ يحفظ الذاكرة الجمعية، ويعزز الهوية الثقافية، ويربط الأجيال الجديدة بماضيهم، حفاظًا على هذا التراث الفريد من الاندثار.

■ بورسعيد بموقعها الاستراتيجى.. كمدينة «كوزموبوليتان»، ومن مدن المواجهة على طول خط القناة.. ماذا يتبقى منها فى الذاكرة من خلال المؤلف ومن خلال متن هذا الكتاب؟ وهل أثر قرار الرئيس الراحل أنور السادات عام ١٩٧٦ بجعل المدينة «منطقة تجارية حرة» فى ضياع هويتها النافذة على بوابات العالم؟

- سأبدأ من حيث انتهيت؛ فقد شهدت بورسعيد مرحلة تحولات كبرى فى المجتمع البورسعيدى، إثر تبنى الدولة سياسة الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينيات، كان من أبرز صورها تحويل بورسعيد إلى منطقة حرة عام ١٩٧٦م، وما تبعها من تغيرات جذرية، واسعة وعميقة طالت المجتمع المصرى بشكل عام، والبورسعيدى على وجه الخصوص، التى أسهمت فى إنهاء أساليب الحياة القديمة، التى ظلت قائمة لعقود، وحلّت محلها أساليب جديدة، وما صاحب ذلك من تغيرات عاصفة فى العادات والتقاليد، وأنماط الحياة، وأساليب العيش، فى فترة كانت بمثابة مرحلة انتقالية بين الهدوء والعاصفة التى اجتاحت بالعالم.

■ ألم يكن الحنين عاملًا مساعدًا أو محرضًا على الكتابة؟

- وجدت نفسى أمام منزلنا القديم فى مسقط رأسى بحى العرب، أكثر الأماكن انتماءً إلى روحى، وقفت أمام عتبة البيت الذى احتضن سنوات الطفولة، وبواكير وعيى، كما يقف العائد بعد غياب طويل، وقفت أتحسس شكل المبنى، والجدران، النافذة المغلقة التى كانت يومًا ما مفتوحة على مصراعيها.

لقد حرك المكان داخلى كل ما همشته الحياة، وأقفلت عليه سراديب الذاكرة، أعاد لى وجوهًا وأصواتًا وأماكن حسبت أنى تجاوزتها، فإذا بها تسكننى من جديد. وقفت أتفحص البنايات المجاورة؛ تفاصيل البيوت الخشبية ذات الطابع المعمارى المميز، تقف صامدة تتحدى الزمن، فى مواجهة إعصار الحداثة الجارف، تراسينات مفتوحة- تلك النوافذ التى تشبه المشربيات أو المشرفيات- تطل على صمت، بعدما غابت عنها الوجوه التى كانت تملؤها حياة. كانت يومًا ما تعجُّ بلعب الأحفاد، وضحكاتهم، قبل أن يهجرها أهلها.

وجوه الباعة، الذين كانوا بالأمس القريب يجنون المكاسب الوفيرة، صاروا اليوم يواجهون كساد البضائع، وهجر الأسواق، بعد أن تبدّلت أحوالهم من الوفرة إلى الندرة، ومن الزحام حول بضائعهم إلى فراغ موحش لا يقطعه سوى نظرات الترقب والخيبة.

تغيرت معالم الشارع، ولم يتبقَ منها سوى زاوية صغيرة كنت أصلّى فيها طفلًا، ولافتة قديمة لمحلٍ مغلق يقع فى مواجهة منزلنا، مكتوبٌ عليها «أبوطارق»، سقطت منها حروف من اسمه حزنًا على رحيله.

أصاب الشارع ما أصاب شوارع حى العرب من عشوائية؛ فقد زحفت البضائع إلى منتصف الطريق، واحتل الباعة الأرصفة، حتى ضاقت الشوارع والحارات بالمارة. كنت أصطدم بكل شىء يقابلنى؛ بشرًا أو مانيكانات، أسير كالغريب الذى مزّقته الأيام، وطوّح به الزمن بعيدًا عن الأحبة ورفاق الطفولة والصبا.

■ هل يتماس كتابك «بورسعيد من دفتر أحوال الذكريات» مع كتاب «موسوعة تاريخ بورسعيد» للمؤرخ البورسعيدى ضياء الدين القاضى؟

- لا شك أن الأجزاء الأربعة لكتاب «موسوعة تاريخ بورسعيد» للمؤرخ البورسعيدى ضياء الدين القاضى الملقب بـ«جبرتى بورسعيد» تمثل علامة فارقة فى التأريخ للمدينة، فلم يسبقه فى ذلك أحد، ويعد المصدر الوحيد الذى يمكن الاعتماد عليه. فقد وضع القاضى البذرة الأولى للتأريخ للمدينة منذ نشأتها، جامعًا بين الوثائق الرسمية، والأحداث التاريخية، والشخصيات، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، ليكون مرجعًا موثّقًا ينهل منه الباحثون والأجيال القادمة. واستعنت بالموسوعة كمرجع موثّق ومعتمد فى الكتابة، لكنى أود أن أوضح نقطة مهمة، حيث إننى وددت أن أكمل ما بدأه غيرى، وقد تناولت البحث من زاوية مختلفة، ليخرج الكتاب مزيجًا ما بين السرد الشخصى والتجربة الذاتية.

■ هل ستدور مشروعاتك المقبلة حول بورسعيد؟

- أراه زمنًا يقوم على قطبين كبيرين. من جهة، هناك دينامية القوة الفائقة للرأسمالية التكنولوجية: غزو الفضاء، الذكاء الاصطناعى، الروبوتات، التعديل الجينى.. علوم تُفجِّر الحدود وتدفعها إلى أقصاها. ومن جهة أخرى، هناك شعور عام بعدم الأمان على كل المستويات. يعيش الناس فى قبضة الخوف؛ الخوف من تغيّر المناخ، ومن تآكل التنوع البيولوجى، ومن الحرب على الأراضى الأوروبية، ومن الذكاء الاصطناعى فى المجال المهنى، والخوف فى الحياة الحميمة، وحتى الخوف من الطعام. هناك هشاشة شاملة، وللمفارقة يحدث ذلك فى لحظة لم يملك فيها البشر هذا القدر من القوة من قبل.

فى كتابك الأحدث، تستخدم «الكيتش» رمزًا لهذا العصر القائم على الإفراط.

ظهر هذا المصطلح لأول مرة عام 1860، وكان يُستخدم للإشارة إلى شىء صغير أو ثانوى؛ نسخ صناعية لمنتجات مرموقة، مثل قطع الأثاث أو الأشياء المنزلية الصغيرة. كان الفنانون ينتقدونه لأنه ردىء الجودة، مجرد تقليد رخيص، واقع مثقل بالمبالغة والاستعراض. وظلّ الكيتش على هذا النحو طوال قرن كامل.

أما اليوم، فنحن أمام «كيتش» جديد، أو ما يمكن تسميته بـ«كيتش فائق»؛ ابتذال مفرط، متضخم، لم يعد على الهامش، بل فى قلب حياتنا اليومية.