أشرف العشماوى: نجيب محفوظ مثل شكسبير لن يموت أبدًا
- «أديب نوبل» نجيب محفوظ طلب إهداء مجموعة من كُتبه إلى مَن حاولوا قتله
- الرواية ليست مادة خام للفيلم والفيلم ليس نسخة مصورة من الرواية
- السينما لا يمكنها الاستغناء عن الأدب.. وإليه دائمًا تعود
بالتزامن مع فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولى للكتاب، والكثير من الأحداث التى ترتبط بميلاد أديب نوبل ومؤسس الرواية المصرية والعربية الحديثة نجيب محفوظ، الذى حلت الذكرى الـ115 على ميلاده قبل أسابيع، يتذكر الكاتب والمستشار والروائى أشرف العشماوى عن تلك الأحداث، مستعرضًا الوقائع الخاصة بمحاولة اغتيال «صاحب الثلاثية»، فى 14 أكتوبر من عام 1994.
واختص الروائى القاضى «حرف» باستدعاء الكثير من تلك الأحداث، إلى جانب الحديث أيضًا عن ضرورة توافر مناخات الحرية وحرية التفكير والاعتقاد، خاصة فى مجالات الفنون والآداب وعلم الأفكار والفلسفات، وماهيات السينما والأدب من خلال أعماله الروائية، وكذلك علاقته بالكثير من مناح الإبداع.
ويتطرق «العشماوى» إلى علاقته بعالم الكتابة، ويكشف عن الكُتًّاب الذين يُحرص على متابعتهم واقتناء أعمالهم، إلى جانب قضايا ثقافية أخرى مهمة، مثل الترجمة وعلاقة النص الأدبى بالفيلم السينمائى، وتفاصيل نظره كقاضٍ لقضية نشر رواية الكاتب السورى حيدر حيدر «وليمة لأعشاب البحر»، وغيرها الكثير من التفاصيل الأخرى فى الحوار التالى..

■ اقتربت إلى نجيب محفوظ بدرجة كبيرة.. ما الذى تتذكره من واقع هذا القرب؟
- نجيب محفوظ بالنسبة لى هو الأستاذ والمعلم والقدوة. أتذكر له الكثير من الأعمال والمواقف، لأننى كنت سعيد الحظ بالاقتراب منه إلى درجة كبيرة. صحيح أن الظرف لم يكن طيبًا، لكننى رغم ذلك تعلمت منه، وانبهرت بشخصيته وتواضعه.
بعيدًا عن أعماله الأدبية العظيمة، أنا كنتُ أحد المُحقِقين فى محاولة اغتياله، فى أكتوبر ١٩٩٤، ولما ذهبت إلى المستشفى والتقيته، لم أستطع يومها تدوين كلمة واحدة. انشغلت بحالته، والسؤال عنه، والاطمئنان على صحته. وبعد ساعة دخل الطبيب الغرفة وأنهى التحقيق الذى لم يكن قد بدأ بعد.

يومها، عندما وصلت إلى غرفته فى مستشفى الشرطة، كان معه جمال الغيطانى ويوسف القعيد ورجاء النقاش والدكتور يحيى الرخاوى ومحمد سلماوى، إلى جانب ناشر لبنانى، و٥ آخرين من أصدقائه. مِلتُ على أُذن الأستاذ وطلبتُ منه أن يأمرهم هو بالخروج، لأننى قارئ لمعظمهم، وأجد حرجًا فى أن أطلب منهم بنفسى، فابتسم الأستاذ نجيب، وعقد معى صفقة: أن يتولى هو إخراجهم من الغرفة بشرط أن يحضر الأستاذ رجاء النقاش التحقيق. ومع ذلك، لم أسأله سؤالًا واحدًا يومها.

■ هل ذهبت إليه مرة أخرى لإكمال التحقيق الذى لم يبدأ؟
- نعم، بعد ٣ أيام ذهبت إليه مرة أخرى للتحقيق، كان معى يومها رئيسا نيابة، وكنتُ أنا وقتها وكيلًا للنيابة، وأصغر منهما درجة وسنًا. لكن الأستاذ نجيب محفوظ كان يجيب عن كل سؤال يُوجَّه له من رئيس النيابة وهو ينظر نحوى، حتى لفت رئيس النيابة نظره إلى أنه رئيسى. فضحك الأستاذ ضحكة خافتة واهنة بسبب العملية الجراحية، وقال: «أشرف العشماوى أقدمكم عندى؛ لأنه أول واحد رأيته منكم». ضحكنا، ومرّ سؤاله على خير.
طلب منى بعد التحقيق البقاء معه. وعندما انصرف رئيسا النيابة، سألنى الأستاذ عن سبب الاعتداء عليه. فقلتُ بعد تردد: «إنهم يكفرونك، ويعتبرون ذلك لمصلحة مجتمع لن ينصلح حاله إلا بالقضاء على الكفر». فطلب من زوجته السيدة عطية الله أن تُحضر بعض كتبه من بيته الملاصق للمستشفى، وأملى على الأستاذ رجاء النقاش إهداءً لمن حاولوا قتله، قال فيه: «حال المجتمع لن ينصلح إلا بالثقافة».

ما سيبقى من نجيب محفوظ، فى رأيى، ليس فقط الروايات، بل المثال الإنسانى الكامل، الكاتب الذى انتصر للعقل، دون أن يتعالَى، ودفع ثمن التنوير بهدوء العارف. نجيب محفوظ مثل شكسبير لن يموت أبدًا.

■ كيف استفدت من علاقتك بالسينما فى اللغة البصرية والإيقاع داخل رواياتك؟
- السينما بالنسبة لى ليست ترفًا بصريًا، لكنها مدرسة فى الاقتصاد السردى، وفرصة عظيمة لتعلم فن المشهدية فى الروايات. السينما باختصار علمتنى كيف تُحكى القصة بالصورة، وكيف يكون الإيقاع عنصرًا دراميًا لا يقل أهمية عن الفكرة. أنا لا أكتب مشاهد سينمائية جاهزة، لكننى أعى تمامًا حركة الكاميرا الداخلية فى الرواية، بالتالى أعرف متى أقترب، متى أبتعد، متى أقطع، ومتى أترك المشهد يشرح بحركة دون حوار أو سرد طويل أو وصف دقيق.

■ كيف ترى إذن علاقة الفيلم السينمائى بالرواية؟
- فى رأيى، الرواية ليست مادة خامًا للفيلم، والفيلم ليس نسخة مصورة من الرواية، هما عملان مستقلان، يلتقيان فى الجوهر ويفترقان فى الوسيط. المشكلة تظهر حين يُساء فهم هذه العلاقة، فيُطلب من الرواية أن تكون فيلمًا مؤجلًا، أو من الفيلم أن يكون شرحًا مُبسَطًا للرواية.

■ هل استغنت السينما عن النص الأدبى؟
- لا أعتقد ذلك. السينما قد تمر بمراحل توهم فيها أنها استغنت عن الأدب، لكنها تعود إليه دائمًا. النص الأدبى هو المخزن العميق للحكايات الكبرى، وكل موجة سينمائية بلا سند سردى أدبى مآلها الزوال.
■ إلى أين وصل اتفاق تحويل روايتك «صالة أورفانيلى» إلى عمل سينمائى؟
- جرى التعاقد على ١١ رواية لى حتى الآن، ولم تظهر واحدة منها على أى شاشة، ولا أعرف السبب! أنا لا أتعامل مع شركات الإنتاج أو المنتجين بصورة مباشرة، ولدى وكيل أدبى يتولى عنى هذه المهام ويباشرها بنجاح. لكن تبقى الخطوة الأخيرة، وهى البدء فى التصوير. رأيت سيناريوهات كثيرة لأعمالى، لكن بعدها لا توجد خطوة إلى الأمام، ولا أعرف السبب.
■ كيف ينظر أشرف العشماوى إلى الترجمة وعلاقتها بالأدب ومكانة الكاتب؟
- الترجمة اعتراف عالمى بالنص، لكنها سلاح ذو حدين، فالترجمة الجيدة تمنح العمل حياة أخرى، بينما الترجمة الرديئة قد تظلمه ظلمًا بالغًا. أؤمن بأن الكاتب لا يُقاس بعدد الترجمات، بل بقدرته على الصمود داخل لغته أولًا ثم أن يكون محظوظًا بمترجم لديه حس أدبى وذائقة قوية، ووقتها سيعبر النص على جسر الثقافة بسلاسة.

■ قضية «وليمة لأعشاب البحر»، وإشكالية الحرية والاعتقاد، ما الذى حدث.. وكيف ترى الأمر الآن..
- أنا حفظت هذه القضية، وحفظت ٤٢ قضية أخرى مماثلة من إجمالى ٤٤ قضية حققتها على مدار ١٧ عامًا فى النيابة العامة. استطعت إقناع النائب العام كل مرة بحفظ التحقيق، عدا مرة واحدة فقط، قُدمت فيها القضية للمحاكمة، وترافعت فيها شارحًا أننا بتوقيع عقوبة على المتهم سنصنع منه بطلًا من ورق وهو لا يستحق، وفى النهاية فوضت الرأى للقاضى الذى حكم بسنة مع إيقاف التنفيذ.
أعتقد أننى راضٍ تمامًا عن مسيرتى فى التحقيق، خاصة فى قضايا النشر. لم أفعل أى شىء يخالف قناعاتى، مع مراعاة أن النيابة العامة تبعية تدرجية رئاسية بحكم القانون. لكننى كنت موفقًا، واستطعت إيضاح وجهة نظرى كل مرة، من حيث القانون، وجدوى المحاكمة للفن أو الأدب بوجه خاص.

فى رأيى أن قضية «وليمة لأعشاب البحر» كانت مفتعلة، كغيرها من قضايا التيار المتشدد، وتحديدًا الدكتور محمد عباس، الذى فشل فى أن يكون روائيًا أو قاصًا فاتجه إلى البلاغات ضد الإبداع. ولولا أننا حققنا كفريق تحقيق فى القضية فى يوم واحد من الصباح حتى منتصف الليل، وسألنا جميع الأطراف، لما استطعنا أن نحاصر الانتشار الإعلامى لهذا النوع من القضايا، الذى يمثل ردة حضارية فى رأيى.

■ ما الذى تتمناه لمعرض القاهرة الدولى للكتاب؟
- أتمنى حفل افتتاح يليق بكبار الكتاب والمبدعين. أتمنى تكريم الرموز وهم أحياء، لا أن ننتظر رحيلهم. وحسنًا فعل الدكتور مجاهد بتكريم الأستاذ إبراهيم عبدالمجيد. أتمنى تنسيق مواعيد الندوات؛ الفكرة ليست بالكم بقدر ما هى بالكيف. أن ترى قاعات خاوية وموضوعات سطحية وضيوف متكررين لمجرد أن نقول نظمنا ١٠٠ ندوة، هذا لا معنى له. ندوة واحدة ممتلئة كل ساعة أفضل عندى ١٠٠ مرة.
أتمنى أن نقترب من الجيل الجديد «جيل z»، لا بد أن نفهمهم، وننظم لهم ندوات نسمعهم فيها ونحاورهم، لا بد، وإلا سيبتعدون أكثر عنا. كما أتمنى خفض الأسعار للناشرين، حتى يوفروا الكتب بسعر يناسب القراء، الذين يجدون فى المعرض فرصة لاقتناء كتب تكفيهم على مدار السنة. الثقافة يجب أن تُنظر إليها بوصفها خدمة لا سلعة.

■ ما أهم الروايات فى السنوات الخمس الأخيرة من وجهة نظرك؟
- روايات كثيرة مهمة، لكن فى تقديرى الأهم واللافت هم الشباب، دعك من جيلى والجيل الأكبر فالغالبية تعرفنا، لكن الشباب الموهوب يحتاج الضوء أكثر منا، وحتى لا أنسى عناوين، أذكر أهم الروائيين الشباب الذين قرأت لهم، مثل: محمد عبدالجواد وطلال فيصل وكريم القاهرى ونورا ناجى ونهلة كرم ودينا شحاتة وشيماء غنيم ومحمد الفولى. الحقيقة أنهم مدهشون، وعلى مستوى مبهر.

■ مَن مِن الكُتَّاب تحرص على اقتناء أعمالهم؟
- أتابع كل ما يصدر قدر الممكن، لكن هناك أسماء أحرص على اقتناء أعمالها دون تفكير، مثل: إبراهيم عبدالمجيد وعزت القمحاوى وطارق إمام ووحيد الطويلة وعمرو العادلى والمنسى قنديل والمخزنجى وعلاء الأسوانى. ومن الدول العربية: سعود السنعوسى وبثينة العيسى وعلى بدر.


