الصغير والبحر
لا أنسى أبدًا التأثير الإيجابي الذي أحدثته في حياتي رواية العجوز والبحر التي كتبها إرنست هيمنجواي. قرأتها وأنا في عمر السابعة عشرة مرتين في يوم واحد، فقد ظلت هذه الرواية تؤثر على مسيرتي باللجوء إلى التبسيط في الكتابة مع العمق في المعنى، والميل إلى تأليف أعمال قصيرة في مجال الرواية، ومنها رواية “الثروة" و"البديل" وغيرها.
وفي سنوات الثمانينيات كتبت نصًا إذاعيًا دراميًا يدور حول فئة من العاملين في مجال الصيد، من خلال طفلة صغيرة توزع القلل على الصيادين قبل إبحارهم بعد منتصف الليل إلى رحلة الصيد. فهي تمد الصيادين بما يحتاجونه من ماء مقابل أن كل صياد حين عودته يعطيها جزءًا مما وهبته له سماء الرزق. وللأسف لم أتمكن من دفع هذا النص إلى أي مخرج إذاعي، خاصة بعد أن احترفت التأليف الدرامي.
وعندما صرت أكثر نضجًا شدتني جدًا رواية "ذكريات عاهراتي الحزينات" للكاتب الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل. وقد كتبها المؤلف بعد أن أصابته الشيخوخة، على غرار الرواية التي كتبها الياباني يابسوناري كاواباتا باسم "الحسناوات النائمات" قبل أن يفوز بجائزة نوبل.
إنها أعمال عن الشيخوخة لم يكتبها سوى مؤلف عجوز عرف جسده ملامح الشيخوخة من تهدل الجلد والأسنان المتكسرة والعجز عن المشي. هؤلاء العواجيز لدى كل منهم حلم جنسي خاص بهم. والحلم لدى العجوز كاواباتا تمثل في رغبته أن تقوم شابة صغيرة من بنات الهوى الياباني، فتاة الجيشا، بتدليل جسده المترهل وإمتاعه في المرحلة التي يمر بها. فهو غير قادر على الانتصاب لكنه قابل للاشتهاء. وهي مهنة يابانية في المقام الأول، وتجربة عاشها المؤلف في بلاد الشمس المشرقة.
ولم يحس بها ماركيز وهو في غرب العالم إلا بعد أن صار عجوزًا، ومن الواضح أنه قرأ الرواية الشرقية وهو في هذا السن من الارتخاء والضعف الجسدي. ورغم المسافة الكبيرة في التكوين الجسماني بين كل من الكاتبين في اليابان وكولومبيا، بدت رواية ماركيز وكأنها نسخة شبه الأصل من الرواية الأولى. والأمر ليس اقتباسًا في الكتابة بقدر ما هو حالة تقمص شديدة للتجربة الإنسانية التي تصف حالة الشيوخ الذين تجاوزوا الثمانين.
هذه الحالة انتابتني دومًا تجاه رواية “العجوز والبحر". كم تمنيت أن أكون مؤلف هذا العمل الأمريكي، مثلما تمنيت أن أكون مؤلف رواية “صحراء التتار" تأليف دينو بوتزاتي.
وعلى طريقة المسلسل التي تؤجر فيه الصغيرة قللها للصيادين مقابل نفحات من السمك، فإنني كتبت من رواياتي للأطفال باسم "الصبي والبحر"، وفي ذهني أن أجعل أحد الأطفال بطلًا للرواية الأمريكية، بأن يذهب إلى أعماق البحر كي يصيد سمكًا يعود به إلى جده العجوز الذي لم يتمكن من الصيد طوال أكثر من ثمانين يومًا.
إنه نفس الطفل (الطفلة) الذي كان يقدم القلل للعاملين في البحر. ففي إحدى الليالي يجد الصغير نفسه وقد دفع بزورق للصيد في ساعة ليلية كي يأتي لجده بالصيد الوفير. وعندما ابتعد به البحر اكتشف أنه ليس لديه سوى سنارة صغيرة، ولا يوجد في القارب أي شبكة يمكنه أن يلقيها في المياه.
وطوال يومين عاش في التجربة التي سبق للصياد سنتياجو أن فعلها في الرواية، حيث التقطت السنارة بخياشيم سمكة عملاقة وفيرة اللحم، لكنها على كل حال أقوى من جسد الطفل. هذا الصغير الذي ينتقل في تلك الليالي من مرحلة الطفولة إلى البلوغ، وتدب فيه قوة غير مألوفة يدخرها لشد السمكة.
فكلٌّ منهما يعتبر أن الانتصار هو وسيلة حياة: السمكة تود أن تعود إلى بحرها، والصبي يتوق أن يخرج بها إلى البر ويقدمها إلى جده، الذي لعله أن يغضب منه لأنه خرج عن الطوع، وربما سوف يثني عليه لأنه اصطاد سمكة عملاقة لم يأت بها أحد من الصيادين من قبل.
وطوال يومين وليلتين تدور حالات من الشد والجذب بين السمكة العملاقة والصياد فيما ذكرت أنه مسألة الوجود: أنا أنتصر إذًا أنا موجود، أنا أعود إلى جدي إذًا أنا موجود. تغلبت عليه السمكة أحيانًا، وبللت جسده مياه البحر أحيانًا أخرى. ونام من التعب بعد أن شعر أن السمكة أسلمته روحها.
وعندما استيقظ اكتشف أن أسماك البحر الأخرى نهشت في لحم السمكة وأتت به عن آخره. وهنا عاود النوم مرة أخرى وترك القارب يذهب به إلى حيث يشاء.
ذات يوم حدثني الناقد مصطفى درويش عن ذكرياته، وقال إن جمال عبد الناصر عندما شاهد هذا الفيلم تحسر على نفسه، ورأى أن مصيره مثل مصير سنتياجو الصياد في رواية العجوز والبحر، حيث نهشت أسماك القرش جسد السمكة العملاقة وخرج من المولد بلا لحم طازج.
إلا أنني أخبرته أن صياد هيمنجواي في كوبا قد انتصر في معركة الصيد، وأنه حقق ما طاق إليه من تحدٍ وطموح: أن ينال السمكة. أما مسألة أسماك القرش الكثيرة المتوحشة فهي أمر قدري لا يستطيع أن يحقق فيه أي مكسب. وعلى كل، فإن الصياد قد ربح في رحلته وكسب معركته مع السمكة.







