دم راضية أحمد.. مختارات من أعمال الراحلة
يا هذا دعها تخلع ملابسها.. من مجموعة «حلم دافئ» 1996
لما فتحت له باب مسكنها الصغير ذى الحجرة الواحدة بجدرانها الخضراء.. كانت قطرات عرق لزجة تملأ وجهه الأملس ذا البشرة اللامعة وكان صدره الممتلئ يصعد ويهبط، فتنفلت من فمه أصوات خشنة، محاولًا السيطرة عليها فتأتى متقطعة وكأنها لحمار مريض ينفر.
أحست بأن الرجل تعكر مزاجه صبت له كوبًا من الكينا وهى تحاول مداعبته وتضحك ولكن غطت وجهها مسحة من الحزن
كانت ملامحه خالية من أى تعبير إلا بعض الجدية والكآبة، لما حياها كان صوته برغم خشونته مجهدًا، فلم تستطع أن تميز ما قاله، ولما بدأت الحديث.. كانت خلجات وجهها الضامر ترتعش وهى تجاهد فى اجترار المرح.
- البيت توهك ولا حاجة؟
عند ذلك وضع اللفافة التى بيده بجانبه وهو يختلس النظرات هنا وهناك وقد صوب بصره بداخل الحجرة الصغيرة التى يرقد بها طفلها على ظهره بوجهه النحيل فاتحًا فمه قليلًا بعد أن أصابه الوهن من بكاء حار انتهزت المرأة انشغال الرجل واختلست نظرة متوترة سريعة داخل الكيس، ولكنه عندما أدار بصره عن الغرفة التى بها طفلها الراقد، اعتدلت فى جلستها مكررة سؤالها:
- البيت توهك ولا حاجة؟
حاول أن يرتاح فى جلسته فتدلت ساقاه المكتنزتان القصيرتان من فوق الكنبة، ولم يفلح بقامته القصيرة أن يلمس الأرض فغطت وجهه تكشيرة وبصوت غلفته قسوة قال:
ابنك هيصحى إمتى؟
أجابته المرأة بغلب:
- بدرى أوى يا أخويا.
بدأ الرجل فى فتح اللفافة، وكانت بداخلها قطع من اللحم المشوى لا تكفى إلا لإشباع فرد واحد وزجاجة خمر رخيصة، وسألته بخجل:
- هيا دى الكينا!
لم يلتفت إليها وقد بدأ فى قضم أول لقمة وقد ناولها قطعة من اللحم فى صمت.
قالت فى تعفف:
- لسه يا دوبك واكله.. منابی هاکله بعدين.
كان الرجل يصدر من فمه صوتًا، أثار فى نفسها الخوف، خاصة أنه لا يبتسم أبدًا، عندما كان يتوقف عن المضغ.. يناولها كوبًا لتصب له خمره الرخيص «الكينا».
كانت رائحة اللحم المشوى عندما يتسرب الهواء من الزجاج المكسور للنافذة تختلط برائحة الريحانة الموضوعة أسفل الشباك من الداخل فتذكرها بأيام الأعياد والمتنزهات عندما كان زوجها يصحبها هى وصغيرها إلى الحدائق وقد حملوا معهم خير الأعياد من لحم وفاكهة فيهنأوا بالطعام الجيد والنوم فوق العشب الأخضر وأيديهم ما زالت عالقة بها رائحة اللحم، فيشعرون للحظات بالثراء رغم الفقر.
عندما انتهى الرجل من طعامه أخذ يفرك يديه طالبًا أى شىء للتدفئة.. فأسرعت تشعل له الوابور، وكان صوت الصبى بالداخل يئن كأنه يحلم.. شردت بوجهها مع الصوت، وتذكرت كيف تعرفت على هذا الرجل وما قاله عن فوائد الكينا لطفلها الهزيل.
إيه.. كل ده بتولعى الوابور، جاء صوته مخنثًا مخنوقًا كان قطعة من اللحم انحشرت بحلقه وهو يشرع فى القيام والاحتكاك بمؤخرتها وقد تسمرت بمكانها كدمية لا يتحرك منها غير عينيها اللتين صوبتهما ناحية الوابور فى شرود، وكان يدفعها بعظامه إلى الأمام ويحشرها بالحائط وهى تجاهد فى دفعه إلى الوراء دون جدوى بعد أن تصلب جسده الممتلئ الطرى ففضح استياءها وتقززها، فقالت وقد غلف صوتها غنج مفتعل:
- على الكنبة.
ثم جاهدت وهى تمد يدها تغلق باب الغرفة التى يرقد بها الصبى «ياما.. ياما.. وسخت نفسى ياما».. كان الصغير يبكى ثم يمضى فى شهقات قصيرة.
حاولت المرأة التخلص من الرجل والصبى ما زال يبكى، لكنه يتوقف للحظات، وعندما رأها عاد إلى بكائه وهو ينظر إلى ما بين ساقيه، وعندما حملته ليغتسل.. كان نصف مغمض العينين، ولكنه يفتش بعينيه عن شىء ما فى أرجاء البيت، وأثناء رجوعهما إلى غرفة النوم لمح قطعة اللحم الباقية فاختطفتها أصابعه الصغيرة، وفى فراشه أخذ يشد فيها.. يتكور بجسده محاولًا الابتعاد عن المكان المتسخ ثم دخل فى إغفاءة متوترة وهو لا يزال يمص قطعة اللحم، كما كان يفعل بثدى أمه.. وكانت أصابع يده الأخرى تعلو وتهبط كأنه يهدهد بها طفلًا صغيرًا، ثم غط فى نوم عميق وقد توقفت جميع أعضائه وسقطت قطعة اللحم فوق الوسادة بهدوء، كانت تحاول دفع مكبس «الوابور» وهى تضع النشا المذاب فى الماء لغليه، ولما أحست بأن الرجل تعكر مزاجه. صبت له كوبًا من الكينا وهى تحاول مداعبته وتضحك، ولكن غطت وجهها مسحة من الحزن فجاء صوت ضحكاتها قريبًا من صوت امرأة وحيدة تبكى فى غرفة بعيدة مغلقة.
رجع الرجل لكآبته، ولكنها حاولت الحديث وجاء صوتها مجهدًامتهدجًا فاكتفت بملامسة جسده وقد بدأت فى خلع ملابسها. عندئذ انتفض الرجل واقفًا شارعًا فى ارتداء ملابسه، وقد احمر وجهه الأملس من وهج الوابور وأكواب الكينا التى تجرعها فأصبح كوجه امرأة انتهت الآن من نزع شعر وجهها وكان يدمدم بكلمات وهو يبصق فوق الأرض وغلف وجهه الاشمئزاز وامتلات عيناه برعونة وقسوة.. ولكن المرأة همت بخلع ثيابها، لكنها توقفت عندما انقضت يداه الممتلئتان فجأة فوق ذراعها ليمنعها.
قالت، وقد كسا وجهها البؤس:
- يا أخويا ما حصلش حاجة.
وضع الرجل قطعة لبان بفمه، وأخذ يمضغها وهو يدخل قميصه فى سرواله، والمرأة ما زالت تكرر:
- یا أخويا ما حصلش حاجة.
لما أتعبها الإلحاح ارتدت قميصها بتراخ وقد مالت بجسدها فوق الكنبة بجانب الريحانة تنظر إلى زجاجته الفارغة وهى تدمدم بصوت واهن:
- يا ابن الكلب مسبتش حتى بوق للوله.
وكان الرجل فى تلك اللحظة يهبط الدرج.. يهتز جسده كمؤخرة خراف، وكانت ملامحه خالية من أى شىء إلا من بعض الصرامة وهو يمضغ قطعة اللبان بتلذذ.