الإثنين 06 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

العقل المتعدد.. دليل مصطفى الفقى لتجديد الفكر الدينى

حرف

فى كتابه الأحدث «صفحات مطوية.. اعترافات ومراجعات» أخذ الدكتور مصطفى الفقى قرارًا شجاعًا وموضوعيًا، وهو أن يتحدث فى هذه المرحلة من العمر- 82 عامًا- عن صفحات مطوية فى حياته، يجمع فيها بين الاعترافات الصادقة والمراجعات الأمينة، وحاول فيها قدر ما تسمح به النفس البشرية توجيه انتقادات إلى بعض مواقفه وأخطائه، علها- كما يقول- تكون شفيعًا للغفران ثم النسيان. 

إذا قدر لك أن تعرف الدكتور مصطفى الفقى- كما عرفته أنا- فستعرف أنه صادق تمامًا فيما يقول. 

يقول الفقى: لقد عشت حياة مضطربة لا تخلو من ضجيج وصخب، ولكن الشىء المؤكد فيها أننى قد توسلت دائمًا بكل ما أملك من أدوات لخدمة كل من سعى إلىّ فى مطلب، أو قصدنى فى خدمة، فتلك صفة موروثة عن أبى، رحمه الله، الذى كان يختاره الناس مُحكّمًا فى خلافاتهم ثقة فيه وحبًا له. 

فى العام 2011 عملت إلى جوار الدكتور الفقى رئيسًا لتحرير برنامجه «سنوات الفرص الضائعة»، الذى قدمه على شاشة قناة «النهار»، وقدمنا منه سويًا عدة مواسم، وهو البرنامج الذى يعتبر وثيقة سياسية وتاريخية مهمة. 

فى أيام التسجيل فى مكتبه بوسط البلد كنت أراه ينزل من سيارته، يحاصره عدد من المواطنين كل منهم يعطيه ورقة صغيرة، وبعضهم يتحدث إليه حديثًا سريعًا، ينصت إليه باهتمام، وقبل أن نبدأ التسجيل كان يجلس إلى مكتبه، يخرج الأوراق الصغيرة من جيبه، ويبدأ فى عمل اتصالات تليفونية مع الوزراء والمسئولين، ينقل إليهم مطالب الناس ورغباتهم ومشاكلهم، وكان يلح عليهم فى سرعة الاستجابة، يتحدث عن كل مشكلة وكأنها مشكلته الخاصة. 

سألته عما يفعله، فقال: هذه عادتى، أنا لا أعرف هؤلاء الناس، لكنهم يقصدوننى اعتقادًا منهم أننى أستطيع أن أساعدهم، وأنا لا أريد أن أخيّب رجاءهم أو أبدد ظنهم فىّ، وكل مشكلة أستطيع حلها، وكل خدمة أستطيع أن أقدمها تشعرنى بأننى إنسان يستحق الحياة التى وهبها الله لى. 

هذا جانب- مساعدة الناس بما يستطيع- لا يحب مصطفى الفقى أن يتحدث عنه كثيرًا، لكننى رأيت أن أثبته هنا، وأنا أحتفى بكتابه «صفحات مطوية» وهو الكتاب الأصدق بين كتبه، والذى يفتح لى مساحة لاستعراض جانب من جوانب شخصية الفقى التى لا يعرفها أحد، وهو جانب اهتمامه بإصلاح الفكر الدينى، ومساحة الدين فى حياته، فالدين لا يكتمل إلا بأن يكون الإنسان مواطنًا صالحًا فيما يتعلق بعلاقاته مع الناس، فالفقى عون لمن يعرف ولمن لا يعرف.. وهذه قمة من قمم التدين الإنسانى. 

الرحلة معه طويلة، ولن تقتصر هنا على كتابه الأخير، ولكنها تمتد إلى كتب أخرى ومقالات مختلفة ومتعددة، خاصة أنه واحد من أغزر مفكرينا إنتاجًا، وما تركه وراءه يؤكد ذلك ويعززه. 

 

فى نوفمبر من العام ٢٠١٤ بلغ الدكتور الفقى عامه السبعين، وتم الاحتفاء به بشكل واسع، وكان من بين ذلك فاعلية تحدث فيها عن ذكرياته وحياته. 

من بين ما قاله الفقى يومها: لقد آمنت بمنطق الانتشار الأفقى، أن يكون الشخص أكاديميًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا وبرلمانيًا، وهذا كان خطأ كبيرًا، ربما كان فى ذهنى دائمًا ظلال الشخصيات الموسوعية فى الفكر الإسلامى مثلًا كنت تجد «الفارابى» موسيقيًا وأديبًا وفنانًا وطبيبًا وجغرافيًا، كل هذا بمنطق روح العصر ووحدة نظرية المعرفة لم يعد له وجود. 

ورغم أن حياة الفقى كانت ترجمة حقيقية للمفكر المتعدد، لكنه فيما يبدو ندم على ذلك، يقول: نعم ممكن تضرب بسهم فى كل اتجاه، لكن يجب أن تركز فى اتجاه معين، أظن أننى لو ركزت فى حياتى تركيزًا رأسيًا لكان أفضل كثيرًا من هذا التشتت الذى حدث، فأصبحت ثلثى أكاديمى، ثلثى برلمانى، ربما نصف مفكر، وهكذا، المسألة قد تسعد الشخص ولكنها تحيّر من يريد أن يتتبعه أو يقرأ له. 

ولا ينكر الفقى تعددية أخرى فى حياته، يقول عنها: عندى تعددية من نوع آخر، أنا ابن الريف وابن الحضر وابن المدينة وابن القرية وابن مصر وابن العروبة وابن أوروبا، تفتحت على الثقافات العربية الإسلامية والثقافات الغربية المسيحية بنفس القوة، كما اخترت مشروعات معينة فكرية وركزت عليها. 

ما يعتبره الفقى عيبًا فى تكوينه، يعترف هو بذلك، أعتقد أنه ميزة ميزته عن آخرين، فهو بالفعل عقل متعدد، وقد أسهم فى كل تخصص بما يمكننا أن نعتبره إنجازًا واضحًا، ومن بين ما أبدعه كانت رؤيته فى مسألة الإصلاح الدينى. 

وهنا يمكن أن نمسك بحديثه عن تكوينه الدينى. 

فى سيرته الذاتية «الرواية.. رحلة الزمان والمكان» يقول: دخلت كتّاب القرية وكان الشيخ رضوان يعلمنا الحفظ والتلقين على ألواح الإردواز، واستطعت فى تلك الفترة حفظ أجزاء كثيرة من القرآن الكريم، وإليها يرجع الفضل فى سلامة لغتى العربية عمومًا، وانضباط النحو فيها على وجه الخصوص، وذات يوم قابلت الشيخ رضوان وهو متقدم فى السن، فقلت له: أصدقنى القول يا شيخ لماذا ضربتنى بشدة فى أحد الأيام التى لا أستطيع نسيانها؟ فضحك قائلًا: والدتك أرسلت لى عشرة قروش مع شقيقك زكريا، ورسالة مفادها أن أؤدبك بسبب شقاوتك. 

ويضيف الفقى: كنت شديد التدين، لدرجة أن بعض أصدقائى والمقربين منهم كانوا ينادوننى بلقب «الشيخ مصطفى» لما أقوم به من إمامة أصدقائى وزملائى فى مسجد الحبشى باشا. 

لكن هذه الحالة لم تستمر، فقد حدثت له بعد ذلك حالة من التحول الفكرى حين بدأ يتعرف على الأفكار التقدمية والآراء الليبرالية التى كان العصر الناصرى يزكيها وينميها، الأمر الذى جعله يتجه إلى الأفكار اليسارية، ويبتعد إلى حد كبير عن الدين، ولا يواظب على الصلاة كما كان. 

يقول الفقى: اعتملت فى قلبى وعقلى تصورات ذاتية جديدة عن الحياة والناس والدين، وتساءلت فى أعماقى عن سر الكون وفلسفة الخلق، حتى اضطربت لدىّ بعض المعايير واهتزت فى صراع شديد بين عقلى وقلبى نوازع الإيمان ودوافع اليقين، وتبلورت شخصيتى على نظرية الشك الذى يغلّفه نوع من القلق أمام العجز عن تفسير حقيقة الموت، ربما من هنا تولّدت مفاتيح شخصيتى، فكنت شديد الإيمان بقيمة العدل، حريصًا على الانتصار لمفهوم الحق، شديد الحساسية لقيم الجمال، أسعى دائمًا إلى الخير، وأخاصم الشر، وأرغب قدر المستطاع فى إرضاء الجميع. 

تحدث الفقى عن هذه الفترة كثيرًا، وأعتقد أن أول مرة اعترف بها كانت فى مقاله «لقاء فى السماء» الذى كتبه فى ٢١ مارس ٢٠٠٦، وجاء فيه: 

فى شهر مارس ١٩٦٤ رحل عن عالمنا المفكر الكبير عباس محمود العقاد، وكنت يومها طالبًا فى السنة الثانية بالجامعة، وهزتنى وفاته من الأعماق لأننى كنت أتوهم أن كبرياءه وشموخه سوف يجعلانه عصيًا على الموت، يعيش من العمر أرذله، وقد دفعنى رحيله إلى كتابة حوار بين العقاد وملاك الموت فى لحظة الحساب، ولا بد أن أعترف بأننى كنت أعيش فى تلك الفترة محنة الشك الكامل فى كل شىء، فقد كنت طالبًا يدرس الاقتصاد والعلوم السياسية لم يبلغ العشرين من عمره وتفد على عقليته- المستعدة لاستقبال كل الأفكار والقيم- نوازع مختلفة فيها مسحة اشتراكية ونبرة قومية، كما لا تخلو أيضًا من الاهتمام بتيار إلحادى يرتبط بالأفكار المادية الكبرى القادمة من أوروبا الحديثة، وأعنى بها «الماركسية» والداروينية والفرويدية. 

عباس العقاد

تخيلت حوار العقاد بعد أن تصعد روحه إلى السماء وافترضت جدلًا بينه وبين الملاك الذى يحاسبه تعرضت فيه لقصة غرامه بالكاتبة اللبنانية «مى زيادة»، صاحبة الصالون الثقافى الشهير فى عصرها، وأيضًا تطرقت إلى قصة حبه الصامت للفنانة مديحة يسرى، وتطرقت فى جسارة إلى عبقريات العقاد، وجعلت الجدل بينه وبين من يحاسبه يدور حول ما كتبه، بدءًا من «عبقرية محمد» وصولًا إلى «عبقرية المسيح»، وقمت بمحاكمة طائشة للفكر الدينى من خلال ذلك الحوار الذى لا أستطيع نشره الآن، فالدنيا تغيرت ومساحة التسامح انكمشت والحرية الاجتماعية تقلصت. 

خلال السنوات التى أعقبت هذا المقال تطرق الفقى إلى هذه الواقعة كثيرًا. 

فى المرة الأولى يعترف الفقى بأنه بعد سنوات معدودة من الاستغراق فى التدين والمبالغة فى تأدية الشعائر حدثت له ردة كبيرة عندما انصرف إلى دراسة الأفكار الفلسفية والنظم السياسية، وشرع فى تناول كل النصوص من خلال قراءة نقدية لا تقبل بالمسلّمات، وتجادل فى كل صغيرة وكبيرة، وحدث فى داخله صراع عميق بين الإيمان المسيطر عاطفيًا وبين نزعة إلحادية كان يرفضها فى أعماقه، ولكنه استسلم لها بالتفكير المجرد والرؤية المباشرة. 

ويأتى على ذكر واقعة العقاد، يقول: وما زلت أتذكر أننى تأثرت بكتابين صغيرين. 

أولهما لعالم الفلك د. أحمد زكى، وعنوانه «مع الله فى السماء»، وكتاب آخر لمؤلفه ديل كارنيجى، وعنوانه «دع القلق وابدأ الحياة»، وذلك بالإضافة إلى خلاصة الفكر المصرى المعاصر لمؤلفات العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى، بل والمنفلوطى وأشعار شوقى وحافظ، فضلًا عن مجموعات القصص بالإنجليزية، وقد أصبحت جليسًا دائمًا فى مكتب البلدية بمدينة دمنهور، مستغرقًا فى قراءات واسعة لأمهات الأدب وكتب التراث وعصارة فكر من كتبوا عن حياتهم وتاريخهم مع ما أحاط بهم من ظروف وملابسات. 

وفى مارس عام ١٩٦٤ رحل عن عالمنا المفكر المصرى الكبير عباس محمود العقاد، وقد كنت واحدًا من عارفى قدره ومدركى مكانته، فهو ينحت الفكرة نحتًا يعجز عنه سواه، وقد لا يهتم بأناقة العبارة وموسيقى النص بقدر اهتمامه بالمعانى العميقة والتحليل العلمى الذى يقوم على تأصيل الظواهر وتفكيك الأفكار المعقدة أمام القارئ على نحو يدعو إلى الذهول أحيانًا. 

ولقد كتبت يوم رحيله مقالًا لم أنشره ولكننى آثرت به بعض أصدقائى الذين نصحوا بعدم النشر لما فيه من نزعة تتعارض مع العقيدة الدينية، فقد كان عنوانه «مع العقاد فى السماء»، حيث تخيلته يقف أمام العرش الإلهى فى محاكمة كبرى وهو فى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وتطورت فى الأمر- وهنا مكمن الخطورة والخطيئة معًا- فرأيت أن العقاد يجادل الله، سبحانه وتعالى، فى خلقه ومخلوقاته، ويناقشه فى طبيعة الكون وفلسفة الحياة، ثم يخضع العقاد بعد ذلك لمحاكمة عادلة تدفع به إلى مرتبة عالية، وهو الذى لم يحصل على مؤهل دراسى يسمح له بالمرور إلى الظواهر العلمية، ولقد ساعدت على تلك النزعة المتمردة على العقيدة الدينية قراءات ماركسية وتوجهات يسارية، انتشرت فى الجو العام فى البلاد خلال تلك الفترة من حكم الرئيس الراحل عبدالناصر، الذى آمنا به إيمانًا مطلقًا حتى كانت هزيمة يونيو عام ١٩٦٧ التى ضربت اليقين فى مقتل، ودمرت فى أعماقنا كثيرًا من الأطروحات، وتبدلت معها المسلّمات على نحو غير مسبوق، فكان القلق مشروعًا نتيجة الانقلاب على كثير من الأفكار المستقرة والرؤى الثابتة. 

وفى المرة الثانية يخبرنا الفقى بأنه بدأ فى القرية طفلًا متدينًا للغاية يحفظ القرآن حتى نهايته، يصلى كل الفرائض، ولكن انتابته نزعة- ربما مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات- لا تخلو للأسف من شك يصل إلى شبه إلحاد وعدم إحساس أبدًا بضرورة وضع الدين فى المقدمة. 

ويتذكر الفقى واقعة العقاد، يقول: وأتذكر يوم وفاة العقاد فى مارس ١٩٦٤ كتبت ما يشبه الرواية فى شكل حوار بعنوان «حوار فى السماء» بين الله والعقاد، وغضب منى أستاذى الدكتور عبدالملك عودة وقال لى: هذا فكر إلحادى، إذ كيف يناقش العقاد الله، سبحانه وتعالى؟ 

ولكننى عدت إلى كتاب أحمد زكى «مع الله فى السماء»، ووجدت فيه ما يشبه ذلك، إذن هناك من اجتهد وخرج عن النواميس التقليدية للتفكير المتجمد، وناقشت قضايا خلافية بكثير من الشجاعة بعضها مر مرور الكرام وبعضها اعتبر سقطة. 

قضيتى فى الدين تأرجحت تأرجحًا شديًا- لا بد وأن أعترف- واهتزت فى فترات معينة، ثم قررت أن أقف على الحياد وألا أنتقد، وفى نفس الوقت أن أدع علاقتى بالله، سبحانه وتعالى، علاقة خاصة ليست بالضرورة قائمة على طقوس وشعائر، إنما هى قائمة على إحساس، بمعنى عندما أركب الطائرة أقرأ بعض آيات القرآن، وعندما تهتز بعض الشىء أقرأ أيضًا، إذن فكرة الإيمان موجودة. 

فى إحدى سفرياتى كنت جالسًا فى الطائرة بجوار أنيس منصور فى طريقنا إلى تركيا، وكان يتحدث عن الإلحاد، ويقول الإلحاد يدعو إلى التحرر، ويتذكر قول نزار قبانى: أيها الرب الرخامى المعلّق/ أيها الشىء الذى لا يصدق، وشطحنا فى الكلام، وإذا بالطائرة تهتز جدًا، قلت له: بلاش السيرة دى، فسألنى: لماذا؟ قلت له: نتكلم ونحن على الأرض أفضل، قال: مش باين هنوصل الأرض. 

وفى المرة الثالثة يقول الفقى: يوم رحيل العقاد استطردت فى كتابة الحوار الذى أتطلع إليه، ليكون وثيقة باقية لمشاعر شاب مصرى، كان لا يزال طالبًا فى الجامعة، وهو يعبّر عن تعلقه الشديد بالمفكر الراحل بكل التزام وأدب وموضوعية، ولقد تخيلت وقتها أن المحاكمة الإلهية التى جرت للعقاد فى السماء كانت تصفية نهائية للتوازن بين العقاد المفكر والعقاد الإنسان، وعندما عرضت ما كتبت على بعض أساتذتى أصابهم نوع من القلق، ورأى بعضهم فيه مظاهر إلحادية، بينما يعلم الله وحده أننى كنت وما زلت أكثر إيمانًا بالخالق من كثيرين تحول تدينهم إلى نوع من نفاق الناس، قبل أن يكون خشوعًا للخالق، وتسليمًا بالإيمان المطلق، تجاه الجانب الروحى فى أديان السماء. 

 الإيمان أمر ينبع من الذات ويستقر فى الأعماق

تركت مرحلة الشك فى حياة مصطفى الفقى أثرًا كبيرًا على أفكاره وسلوكه، فقد تعرض إلى صراع انتابه فى مرحلة الانتقال من عمر الغلام إلى سن الشباب، كانت لديه رغبة فى مناقشة بعض المسلّمات الدينية، حتى وصل إلى حل توفيقى يحفظ السلام مع النفس، ومؤداه أن العقائد لا تناقش بالعقل، ولكنها تستقر فى الوجدان خليطًا من المشاعر المتداخلة ما بين الحلال والمحرّمات. 

يقول: قلت لنفسى دائمًا، وما زلت، إن الإيمان أمر ينبع من الذات ويستقر فى الأعماق، فالإسراء والمعراج على سبيل المثال رحلة لا يتحملها العقل البشرى العادى، ولكن المسلم المؤمن يحل هذه المعادلة بالرصيد الكبير من العقيدة الراسخة لديه، فالإيمان لا يناقش بالعقل، ومن غير المجدى تداول القضايا المتصلة به من خلال قراءة التفكير الذى نتداوله فى حياتنا العادية اليومية. 

لذلك فإننى أظن أن رجل الدين- مسلمًا كان أو مسيحيًا أو يهوديًا- تتحدد قيمته وتبرز مكانته من خلال قدرته على التوفيق بين ما هو بشرى ملموس وما هو عقيدى غير منظور، وكذلك فإن الشريعة تتعامل مع الثوابت بينما يتعامل الفقه مع نظرة البشر لتلك الثوابت والاختلاف أمامها أحيانًا، حتى لو جاء ذلك مخالفًا لرأى بعض الفقهاء.

 الله أرسل الأنبياء والمرسلين ليؤكد حقيقة الإبلاغ الإلهى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا»

ولذلك أيضًا فإن القداسة للشريعة كلها وليست للفقه برمته، وأنا ممن يعتقدون أن الله قد أرسل الأنبياء والمرسلين ليؤكد حقيقة الإبلاغ الإلهى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا»، لذلك فإن الجدل على هامش القضايا الدينية ينبغى أن يكون تعزيزًا للقيم الروحية وليس عدوانًا عليها، وفى ظنى أن الصلاة والزكاة بل وكل أركان الإسلام الخمسة هى تصرفات رمزية للتعبير عن الخضوع لله والإحساس بعظمته. 

حفظت معظم أجزاء القرآن الكريم وإن كنت قد نسيت قدرًا لا بأس به منه

لذلك ربطتنى بالمؤسسة الدينية الإسلامية وأيضًا بالمؤسسة الدينية المسيحية روابط غامضة، فكان الاتجاه لإرسالى طفلًا إلى الأزهر الشريف، ولكن خالى اعترض وقال: لن يضيف هذا الطفل للأزهر شيئًا بوضعه الحالى، ولكنه سوف يكون محرومًا من مزايا فكرية أخرى خارج صحن الأزهر، وكان له ما أراد. 

وقد حفظت معظم أجزاء القرآن الكريم، وإن كنت قد نسيت قدرًا لا بأس به منه، ولكننى أستطيع أن أكمل الآية القرآنية فى الغالب عند اللزوم. 

وفى مقاله «أزمة الشك» يفصّل لنا الفقى ما جرى معه وعليه، من بين ما قاله فى هذا المقال: 

لقد استبدت محنة الشك فى حياتى لتشمل رفضًا للمسلّمات الموروثة والأفكار المستقرة كافة، بل والأوهام المتداولة، وذلك أمر جعلنى دائمًا فى حيرة شديدة تصارع الشك باليقين، وتفتح نوافذ فى العقل كانت مغلقة بسبب الرؤى والأفكار الخاطئة، وأنا مؤمن بشدة بأنه ليس كالنقص دليل على الكمال، وليس كالشك طريق إلى اليقين، والفيلسوف الكبير الذى قال «أنا أفكر إذن أنا موجود» لم يكن يبيع الوهم، ولكنه كان يقر الحقيقة، ولنا هنا عدة ملاحظات: 

أولًا: إن هذه النوعية من العقول تحتاج إلى حوار مستمر وتفكير متواصل لا ينتهى أبدًا بغير إدراك مقنع للحقيقة، وكانت أسئلتى فى مرحلة الطفولة أمرًا يرهق أبى للإجابة عنها واستكشاف مضمونها، فالذى يشك يكون دائمًا كثير التساؤل، تتملكه الحيرة من وقت لآخر. 

ثانيًا: إن الأفكار الكبرى بل والاختراعات الضخمة قد ارتبطت كلها بمحنة الشك الذى يحرّض على التفكير ويدفع إلى التساؤل ويسير بالأمور إلى ما يبغى الإنسان حتى ولو رفضته الجماعة فى البداية، وجرى اتهامه على نحو واضح، فالشك كما أسلفنا هو بحق طريق اليقين والسبيل إلى الإيمان، ولعلى أعترف هنا بأننى لم أكن سعيدًا فى ظل معظم النظم السياسية التى عاصرتها أو راقبت مسيرتها أو شاركت فى أعمالها، لأننى اكتشفت فى النهاية أنها جاءت كنتيجة طبيعية لتجريف الكفاءات والتفريط فى القدرات فضلًا عن العبث الفكرى والديماجوجية السياسية تحت غطاء الشعبوية المطلوبة. 

ثالثًا: لقد بهرتنى فى سنوات الطفولة الأولى ملابس الباشوات من رجال السياسة وهم يتشحون بالأردية الموشاة بالقصب وعلى رءوسهم الطرابيش بأوضاعها المختلفة، فطربوش على ماهر باشا كان يتقدم إلى الأمام على جبهته، وطربوش عبدالرحمن عزام باشا يتراجع إلى الخلف ليفسح المجال لمساحة من مقدمة رأسه، وقد انتابتنى فى تلك السن الصغيرة موجة إعجاب بتلك الرموز، ولكننى رفضت فى الوقت ذاته التسليم بأن ذلك هو النموذج الأفضل لحياتى وحياة غيرى، واستبد بى الشك الدائم فى كفاءة الحياة السياسية لسنوات طويلة، وما زلت أحتكم إلى العقل بينى وبين نفسى فى عدالة متأصلة قد لا تبدو على السطح عند تقييم الأشياء وتمييز المواقف. 

رابعًا: لقد أشرت من قبل إلى محنة الشك التى أصابت إيمانى فى سن التحول من غلام إلى شاب، وكيف أننى توهمت وقتها أن هناك صدامًا حتميًا بين العلم والإيمان وبين العقل والخرافة، إلى أن تغلبت العقيدة المتأصلة وعاد الفتى الصغير إلى رشده مؤمنًا عن دراسة، مقتنعًا عن رغبة، حتى أضحت الأمور واضحة وأصبح الإيمان متأصلًا. 

نشأ مصطفى الفقى نشأة دينية صحيحة، لم تكن تعرف الفروق بين الديانات ولا التمييز بينها، وتدلنا هذه الواقعة على ذلك. 

وهو هنا يرويها بمشاعره التى سيطرت عليه لحظتها. 

ذات صباح مع بداية العام الدراسى، فى شهر سبتمبر عام ١٩٥٦ دخل مدرس اللغة العربية والدين الإسلامى الأستاذ عبدالعظيم عبداللاه الفصل فى السنة الثانية من المرحلة الإعدادية، وقال إن هذه حصة الدين، وطلب من أشقائنا المسيحيين أن ينتقلوا إلى فصل مجاور مع زملائهم من الفصول الأخرى لتلقى حصة الدين المسيحى أيضًا، فخرج أربعة أو خمسة من زملائنا، ثم قال المدرس: جميعكم الآن تدرسون دينكم الإسلامى. 

فرفع التلميذ رحمين إبراهيم رحمين يده قائلًا: أنا لست مسلمًا. 

فقال له المدرس: لقد خرج زملاؤك المسيحيون، فما ديانتك؟ هل أنت مجوسى؟ 

رد رحمين: بل أنا يهودى مصرى. 

فأسقط فى يدى الأستاذ عبداللاه، ولم يجد ما يقوله سوى أن يتمتم ببعض عبارات غير واضحة، تدل على الحيرة وعدم القدرة على اتخاذ قرار، كان رحمين زميلنا فى الفصل، وكنا نحبه كثيرًا ونلعب معه أثناء الفسحة لعبة الفرسان بالمساطر بدلًا من السيوف، ولم تخطر على بالنا قط مسألة اختلاف الديانة، فلم نكن واعين بها أو مهتمين بالتعليق عليها، وقد انتهت مناقشة المدرس مع رحمين، بأن طلب منه أن يذهب إلى حجرة ناظر المدرسة، وينتظر هناك قرب بابه، حتى يلتقيه هناك فى نهاية الحصة، بدأت أسئلة كثيرة تلح على خاطرى وتدور برأسى، ولم أدرك وقتها تفسيرًا أو مغزى، ولا لما يجرى توزيع الطلاب على هذا النحو، هل الانتماء الدينى كفيل بأن يكون سببًا فى ذلك؟ 

عندما انتهت حصة الدين، عاد رحمين إلى الفصل مبتسمًا، وقال إن ناظر المدرسة استمع إلى وجهة نظر المدرس، وأنه لا يوجد من يستطيع تدريس الديانة اليهودية لذلك الطالب الأوحد فى مدرسة دمنهور الإعدادية، وعليه فقد تقرر أن يقضى رحمين حصة الدين فى فناء المدرسة، يلهو وحده، إلى أن تتمكن المدرسة من تدبير مدرس يدرس له مقرر الدين اليهودى، ويرصد له درجة فيه. 

وما هى إلا أسابيع قليلة، ونحن ننعم خلالها بألعاب الطفولة البريئة، ويبدو رحمين بيننا واحدًا منا تمامًا، لا تفرقة أو تمييز، فإذا العدوان الثلاثى يقع على مصر فى ٢٩ أكتوبر عام ١٩٥٦، وتتوقف الدراسة، ونغيب شهرين تقريبًا، ونعود بعدها فلا نجد رحمين مرة أخرى، وعندما استفسرنا عنه، قيل إنه قد رافق أسرته فى الرحيل من البلاد، بعد أن شاركت إسرائيل فى جريمة العدوان على مصر مع القوات البريطانية والفرنسية، كرد فعل لتأميم قناة السويس، ولم ندرك بالطبع وقتها الملابسات والتداعيات المرتبطة بذلك الحدث، ولكننا كنا نشعر أننا فقدنا زميلًا عزيزًا، يرتبط بنا برباط براءة الطفولة، البعيدة تمامًا عن الحياة السياسية أو الخلافات غير المفهومة لنا. 

هذه النشأة المستقيمة التى كانت لا ترى تمييزًا بين الأديان جعلت الفقى قريبًا من رجال الدين من كل الديانات وتحديدًا الإسلام والمسيحية، يقدر أصحابها ويعقد علاقات صداقة قوية معهم. 

ومن بين ما حرص عليه الفقى طوال حياته كان إصلاح الأزهر. 

نسبة كبيرة من خطباء المساجد لا يجيدون العربية لغة القرآن الكريم بل ويخطئون فى النحو

فى ٢٢ أغسطس ٢٠٠٦ يكتب الفقى مقالًا عنوانه «حديث عن الأزهر الشريف»، حدد فيه نقاطًا محددة يراها ضرورية لإصلاح المؤسسة الدينية العريقة جاءت على النحو التالى: 

أولًا: أنا ممن يعتقدون أن قانون تنظيم «الأزهر الشريف» الذى تقدم به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بنية خالصة ورغبة صادقة فى إيجاد كوادر دينية تجمع بين علوم الدين والدنيا، وتكون قادرة على التأثير فى المسلمين على امتداد قارات العالم، خصوصًا القارة الإفريقية المعروفة بشيوع الوثنية ووجود حملات التبشير، فضلًا عن ضعف المستوى الثقافى واجتياح الفقر لمجتمعاتها المختلفة، أقول إن هذا التنظيم قد أضر بالرسالة الأصيلة لـ«الأزهر الشريف»، ووجه لخريجيه ضربة قاصمة سوف نشعر بنتائجها كلما مرت السنون، ذلك أن الطلاب المتفوقين فى الثانوية الأزهرية يهرعون إلى الكليات العملية بدءًا من الطب والهندسة والعلوم والزراعة وغيرها من الكليات المدنية، بينما لا يبقى لكليات الأزهر الدينية التقليدية، وهى الشريعة وأصول الدين واللغة العربية ثم الدراسات الإسلامية إلا أصحاب النتائج المنخفضة فى الثانوية الأزهرية، أو ما لا تمكنهم ظروفهم العلمية والشخصية من الالتحاق بكليات القمة الأزهرية، وهو ما يخلق اتجاهًا يؤدى بالضرورة إلى تدهور مستوى التعليم الأزهرى التقليدى، ثم نعود لنشكو بعد ذلك من أن نسبة كبيرة من خطباء المساجد لا يجيدون العربية لغة القرآن الكريم، بل ويخطئون فى النحو بصورة ملحوظة، وهذا التردى الملحوظ يؤدى إلى ضياع شخصية الأزهر التقليدية وغياب الأئمة العظام، من طراز محمد عبده والمراغى وشلتوت وعبدالحليم محمود وغيرهم، من سلسلة أئمة الإسلام الذين نعتز بهم دائمًا ونفاخر بهم أبدًا. 

لا أتصور أن توجد جامعة تدرس علوم الدنيا وتعلق أبوابها أمام جزء من نسيج الأمة

ثانيًا: إننى لا أتصور أن توجد جامعة تدرس علوم الدنيا وتعلق أبوابها أمام جزء من نسيج الأمة، خصوصًا أن كل المصريين هم من دافعى الضرائب بغير تفرقة بسبب الدين أو العقيدة، وما زلت أذكر أن وكيل وزارة التعليم الهندى قد ناقشنى عندما كنت مشرفًا على القسم القنصلى فى سفارتنا فى «نيودلهى» بخصوص طالب من خريجى إحدى الكليات العملية بالجامعة الأزهرية، وكان ينتمى لدولة الإمارات العربية الشقيقة ويعمل بالسلك الدبلوماسى لبلاده فى الهند، إذ رفضت الجامعات الهندية استكماله الدراسات العليا لديها، بدعوى أنه خريج جامعة لا يكتمل فيها مبدأ تكافؤ الفرص، بل وما زلت أذكر أنه قال لى إن الجامعة الكلية الإسلامية فى الهند تفتح أبوابها لمن يشاء من مسلمين وغير مسلمين، كما أنه ذكرنى بأنه كان من تقاليد الأزهر الشريف منذ أكثر من قرن مضى قبوله للدارسين الأقباط الذين يسعون إليه تجويدًا للغتهم العربية ودعمًا لثقافتهم الإسلامية، وما زلت أذكر ما تردد عن رغبة البعض فى انضمام المفكر المصرى الكبير الدكتور «ميلاد حنا» لمجلس كلية الهندسة فى جامعة الأزهر، تأكيدًا لروح الوحدة الوطنية، خصوصا أن بعض أساتذتها هم من تلاميذه الذين يعرفون قدره ويدركون مكانته، ولكن الأمر كان مستحيلًا بحكم لائحة الجامعة وكلياتها، فلا الأساتذة ولا الطلاب مسموحًا بأن يكونوا من غير المسلمين، وهذا فى ظنى عوار التقليدية، فإنه لا يبدو كذلك فيما يتصل بالكليات المدنية فى تلك الجامعة الكبيرة. 

ثالثًا: إننى أطالب وبوضوح بضرورة فصل الكليات الأزهرية الأصلية تحت مسمى جامعة الأزهر الشريف، وتكون الدراسة فيها للمسلمين وحدهم، لأنها دراسات دينية، يقابلها على الجانب الآخر كليات «اللاهوت» والدراسات «الإكليريكية» بينما تندرج كليات الأزهر المدنية كلها تحت مسمى جديد هو «الجامعة الإسلامية» التى تفتح أبوابها لكل أصحاب الديانات بغير استثناء، وإن كنت لا أعترض على اشتراطها حفظ قدر من القرآن الكريم للمتقدمين، تأكيدًا لسلامة لغتهم العربية، وحفاظًا على شخصية الجامعة ذات الصبغة الإسلامية، ويكون من أساتذتها مسلمون وغير مسلمين، فتلك رؤية عصرية يجب الانفتاح عليها والاتجاه إليها، تعزيزًا لمبدأ المواطنة، وتأكيدًا لمنطق تكافؤ الفرص، عندئذ نكون قد قمنا بخطوة كبرى لإصلاح المؤسسة الدينية الأولى فى الشرق الأوسط، وأعطينا «الأزهر الشريف» مكانته الحقيقية بدلًا من ذوبان شخصيته التقليدية فى نماذج مكررة لجامعات موجودة بالفعل، ولها نظائر فى كل مكان، فليعد الأزهر الشريف إلى أهله الحقيقيين ولنواجه فى شجاعة قرارًا جريئًا بانسلاخ كلياته المدنية تحت مسمى «الجامعة الإسلامية فى مصر». 

رابعًا: إننى لا أتصور أن ينصرف جزء من وقت الإمام الأكبر وهو ثمين ومطلوب فى مناقشة ميزانيات الجامعة أو تعيينات الكليات أو ترميم المعاهد الأزهرية، فإغراق الشيخ فى الشئون المالية والإدارية جناية حقيقية على مكانته الكبيرة، وخصم من تفرغه لقيادة مسيرة الدعوة والتنوير والإفتاء، لهذا فإننى أطالب بأن يرتفع مقام الإمام الأكبر ليكون فى مكانه الطبيعى، إمامًا لأهل السنة وداعية إلى دين الله خصوصا إذا كان الإمام معروفًا بالتواضع والبساطة والالتحام بجمهرة المسلمين، وأنا بذلك أريد أن أرتفع بمقعده التاريخى إلى ما يجب أن يكون عليه مثلما كان دوره عبر القرون. 

خامسًا: إننى لا أبغى مما قدمت من رأى، وما طرحت من فكرة إلا رفع قيمة الأزهر والإعلاء من شأنه، وإبعاد كل الملاحظات عنه، لأنه هو تراثنا العريق، وفكرنا الأصيل، وقلعتنا الشامخة، وما قصدته أيضًا هو تعزيز مفهوم المواطنة، من خلال تنظيم تلك المؤسسة الدينية العظمى، وفقًا لمنطق العصر وروح الإسلام، مع رغبة عميقة فى الحفاظ على مستوى الدعاة الأزهرية، وهنا أقول وبكل شفافية وصراحة إن أوضاع المعاهد الأزهرية تحتاج إلى مراجعة حقيقية تركز على الكيف دون الكم، حتى لا تكون مجرد أبواب خلفية للصعود إلى كليات القمة المدنية فى الجامعة الأزهرية على حساب التعليم العام والدينى معًا، هذه الكلمات أقولها خالصة لوجه الله، وأنا أنتمى تاريخيًا لبيت يعرف للأزهر الشريف قدره ومكانته. 

بعد نشر المقال غضب المنتمون إلى جامعة الأزهر، وفى أهرام الجمعة ٢٥ أغسطس ٢٠٠٦ كتب عدد من رؤساء جامعة الأزهر واثنان من عمدائها. 

نحتاج لضرورة عودة أوضاع الأزهر إلى سابق عهده ومجيد أيامه وزاهر عصوره

فقرر الفقى أن يعيد فكرته، فكتب فى ٥ سبتمبر ٢٠٠٦ مقالًا بعنوان «بل هو الحرص على الأزهر»، قال فيه: 

لم أتعرض لفكرة التقسيم الجغرافى للجامعة الأزهرية المطروحة حاليًا، بل طالبنا بضرورة عودة أوضاع الأزهر إلى سابق عهده ومجيد أيامه وزاهر عصوره بالتركيز على كلياته الدينية، وفصلها عن كلياته المدنية، تعزيزًا للأولى، خصوصًا أن قرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من نشر الدعوة فى الأقطار الإفريقية والأسيوية، ومواجهة الحملات التبشيرية ولكن الذى حدث هو أن خريجى الكليات المدنية للأزهر الشريف قد انتشروا فى أقطار الخليج العربى الإسلامية، ولم يتجهوا إلى الدول الإفريقية التى تنتشر فيها الوثينة، كذلك فإن مستوى الدعاة وخطباء المساجد قد تدهور بشكل ملحوظ فأصبحنا نجد خطبة الجمعة فى كثير من المساجد حافلة بالأخطاء اللغوية والنحوية، فضلًا عن ضحالة الفكرة أحيانًا، وضعف المستوى غالبًا، ولسنا ندعى بذلك أن كل خريجى الأزهر دون ما كنا ننتظر منهم، ولكن الغالبية تبدو لى كذلك، فضلًا عن انصراف خريجى الثانوية الأزهرية عن الكليات الأزهرية الأصلية وهى الشريعة وأصول الدين واللغة العربية، مضافًا إليها كليات الدراسات الإسلامية ليهرولوا نحو كليات الطب والهندسة والعلوم والتجارة وغيرها من الكليات المدنية فى تلك الجامعة العريقة، وهو ما أثر سلبًا على مستقبل الأزهر وخريجيه، وكأننا نسينا أن كتب الغرب ودراسات المستشرقين تسمى الأزهر الشريف بـ«أكسفور الشرق»، بسبب طابعه المتميز وتاريخه الذى يسبق معظم جامعات الدنيا، بل إن التقسيم العالمى للجامعات إلى كليات مستمد من فكرة الرواق التى عرفناها فى أزهرنا الشريف، وألغيناها للأسف فى السنوات الأخيرة، مع أنها كانت رمزًا باقيًا لشخصية الأزهر وريادته الدينية والعلمية. 

جمال عبدالناصر فى زيارة لجامع الأزهر

ولذلك اقترحت التركيز على الكليات الدينية للأزهر بمسماها التاريخى، بحيث تكون مصدرًا لتفريخ الدعاة، وسبيلًا لإصلاح الحياة، وتجديد الروح الدينية، خصوصا بعدما طرأ عليها من شوائب، وما تعرض له من حملات ظالمة، ولعلى أربط الكليات التقليدية بضرورة العودة إلى نظام الابتعاث للخارج، والانفتاح على الديانات الأخرى والثقافات المتعددة. 

وهنا يجب أن نتذكر أن الإمام المصلح محمد عبده كان يتراسل مع الأديب الروسى تولستوى، وأن الإمام عبدالحليم محمود قد أعطى للتصوف بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا يجسد روح الإسلام الحقيقية، كما أن الشيخ المراغى قد لعب دورًا سياسيًا فى الحركة الوطنية المصرية بموافقة من حزب الوفد ودوره مع القصر الملكى فى أيام كان فيها الأزهر هو ملاذ الناس ومقصد المسلمين من كل أرجاء الدنيا. 

محمد عبده

وينهى الفقى مقاله، يقول: ما كتبنا لا تقف وراءه دوافع غامضة أو أفكار مبهمة، ولكنها الدعوة إلى إصلاح الأزهر، ودعم المؤسسة الإسلامية الكبرى فى العالم، وقصدنا واضح يعلمه الله، فهى أفكار إسلامية ومصرية، وليست جزءًا من أجندة خفية أو مخططات أمريكية، إنما هى تعبير عن حرصنا على الأزهر الشريف جامعًا وجامعة إلى يوم الدين. 

وفى ٦ أبريل ٢٠١٠ وبعد أن تولى الدكتور أحمد الطيب مشيخة الأزهر كتب الفقى مقالًا عنوانه «رسالة مفتوحة إلى الإمام الأكبر»، ختمها بقوله: أعود إلى أهمية استقلالية «الأزهر» ووضوح توجهاته وحرصه على أن تكون رسالته إلى العالم كله، هى رسالة الوسطية والسماحة والاعتدال، لأن تلك هى فى الحقيقة، جوهر الدعوة المحمدية، وركائز الديانة الإسلامية، والقائل بغير ذلك مغالط أو مخالف أو لا يدرك فلسفة الإسلام الحنيف الذى جاء إلى الناس كافة، وقال فى كتابه الكريم «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». 

ومن حرص الفقى على مؤسسة الأزهر يكتب فى ٧ يونيو ٢٠٠٥ عن الشيخ محمد عبده «إمام الإصلاح مئوية الرحيل»، ويلخص رؤيته فيه فى نقاط محددة على النحو التالى: 

أولًا: إن نموذج الإمام محمد عبده فريد من نوعه، فهو سياج وحده، إذ إن ذلك الأزهرى المستنير قد خرج على السياق الجامد، لكى يكون شعلة مضئية تهدى معاصريه وتابعيه، بدءًا من الأفغانى، مرورًا بالكواكبى وشكيب أرسلان، وصولًا إلى صاحب المنار محمد رشيد رضا، لذلك كان طبيعيًا أن يكون الاحتفاء بالإمام العبقرى غير مقصور على مصر وحدها، فله فى الشام مكانة وفى الغرب منزلة، لكن مصر كانت هى المستقر الأخير والمقام الدائم. 

ثانيًا: إن ظهور الإمام محمد عبده فى وقت كان الأزهر يواجه فيه محنة التخلف ونزعة العزلة- وهو المصدر الحقيقى للاعتزاز والفخر وتأكيد الهوية- فقد ظهر الرجل فى فترة انحطاط ارتبطت بهزيمة عرابى ودخول البريطانيين وبداية الاحتلال، ولكنه ظل محتفظًا بتوازنه، قادرًا على صياغة خطاب دينى اجتماعى سياسى، ترك بصمة على تاريخ الحركة الفكرية فى مصر الحديثة. 

ثالثًا: يجسد الإمام العلاقة المعروفة بين المفكر والسلطان، فهو نموذج مستقل لا يمكن تصنيفه فى الزحام مع غيره، لذلك تظل سيرته موضع اهتمام واحترام دائمين، وسوف يظل علامة مضيئة فى الفكر السياسى والإصلاح الدينى واليقظة الوطنية، ولقد كانت علاقته بأسرة محمد على وحكامها الذين عاصرهم تتصف بالاستقلالية والتمسك بالمبدأ فى مواجهة كل خديو عاصره أو احتك به. 

رابعًا: إذا كان بعض الشكوك قد أحاط بشخصية الأفغانى ودوافعه، وحتى لو تماشينا مع رأى المفكر المصرى الراحل د. لويس عوض من احتمال أن يكون الأفغانى إيرانى الأصل مرتبطًا بالمخابرات البريطانية، إلا أن الإمام المصرى محمد عبده يملك صفحة ناصعة البياض تتسم بالشفافية، بما فى ذلك ما تردد عن علاقته بالحركة الماسونية وارتياده لمحافلها، وقد كانت تلك الحركة تضم صفوة العقول المتميزة فى عصره. 

خامسًا: إن الإمام المجتهد الذى حاول أن يصلح من شأن الأزهر، وأن يقتحم المؤسسة الدينية بفكر مستنير ورؤية جديدة يبدو الآن- أكثر من أى وقت مضى- قدوة لما يجب أن يكون عليه رجل الدين، ولعل ذلك يذكرنا بأهمية العودة إلى نظام الابتعاث بحيث يتمكن من الداعية الإسلامى من الاحتكاك بثقافة أخرى، وينفتح على معارف مختلفة، ويحتك بعقليات متميزة، فقد خرج الإمام من مصر وهو يحمل شهادة العالمية الأزهرية، لكى يفتح حوارًا موضوعيًا عميقًا مع مفكرى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حتى أصبحت كتاباته ومراسلاته سجلًا للحياة الفكرية فى تلك الفترة، كما اعتمد على الأدلة العقلية، ولم يقف عند حدود الأدلة النقلية فى ردوده على دعاوى المستشرقين والمعنيين بدراسة الإسلام ومقارنة الأديان. 

ويأخذ الفقى من مئوية رحيل محمد عبده مناسبة ليوجه إلى الأزهر ورجاله رسالة يقول فيها: أن يجعل من مئوية الإمام الراحل نقطة انطلاق يخرج بها من عزلته ويفتح أمام دعاته وطلابه آفاقا واسعة من المعارف العصرية والرؤى الرحبة والمفاهيم الصحيحة، ولتكن ذكرى الإمام بداية صحوة حقيقية وحركة إصلاح شاملة فى المجتمعات الإسلامية نتخلص بها من فكر الزندقة وغبار القرون وسنوات الهوان، وهذه نقطة تقودنا إلى أن شعار الإصلاح شعار مصرى، رفعناه فى القرن التاسع عشر ولسنا بحاجة إلى من يعطينا دروسًا فيه مع القرن الحادى والعشرين، ولنتفق جميعًا على أن سيرة الإمام تجلب معها تلقائيًا مفهوم سيطرة العقل على حياة الإنسان، مع تأكيد أهمية الحرية وقيمتها المتزايدة. 

لقد انصرف اهتمام الفقى الشديد إلى الأئمة الكبار والعلماء العظام حتى إنه اقترح ذات يوم فى جلسة عصف ذهنى مع الرئيس الراحل مبارك أهمية تعيين أحد رموز الإسلام من العلماء الأحياء شيخًا للأزهر، وذكر له أربعًا كان من بينهم الشيخ الشعراوى. 

يقول: أبدى الرئيس الراحل اهتمامًا بما أقول، ورد على بأنه قد عرض المشيخة على الشيخ الشعراوى من خلال الدكتور فؤاد محيى الدين- أول رئيس وزراء فى عهد الرئيس مبارك- وأن الشيخ قد اعتذر، واكتشفنا فيما بعد وبمراجعة الشيخ ذاته أن الأمر لم يعرض عليه، لأن الدكتور فؤاد محيى الدين لم يكن من مريديه، بل كان من غير المتحمسين له، وكانت وجهة نظرى دائمًا أن الشعبية الكاسحة لرجال الدين الإسلامى موجودة خارج المؤسسة الرسمية للأزهر، فالعالم الدينى مهما كانت درجته تضعف قيمته عندما يكون واحدًا من منسوبى الحكومة، حتى ولو كان بدرجة وزير أو ما يعلوها، ولقد قدرت للرئيس السادات فى أعماقى تحديده لمكانة الإمام الأكبر وقداسة البابا بدرجة نائب رئيس وزراء، وذلك بعد حادث شهير فى مدينة الجزائر، عندما زارها الدكتور محمد الفحام شيخ الأزهر وجرى استقباله بشكل متواضع وبصورة متعمدة عند وصوله إلى مطار العاصمة. 

قال بومدين يومها قولته الشهيرة للسفير المصرى نجيب الصدر: لقد هان الأزهر فى عيونكم فهان علينا.. وسوف يكون هوارى بومدين خريج الأزهر فى وداع الإمام الفحام فى المطار.. وقد كان. 

وعندما بلغ الرئيس السادات ما جرى اتخذ قراره التاريخى بتقديم ترتيب الشيخ والبابا على النحو الذى نراه حتى الآن. 

ولا بد أن أسجل هنا وأرجو أن يتسع الصدر لكى أقول: إنه يزعجنى كثيرًا فى رجال الدين حاليًا تكرار القوالب المحفوظة والتوقف عن الاجتهاد الصحيح، ولذلك لم أندهش عندما كان تجديد الخطاب الدينى واحدًا من أولويات الرئيس عبدالفتاح السيسى، فالتفكير فريضة إسلامية، والانتماء للأوطان لا يتعارض مع قوة الإيمان واحترام الأديان. 

يهتم مصطفى الفقى اهتمامًا كبيرًا برصد سمات الشعب المصرى الدينية، يفعل ذلك بمنهج المفكر الذى لا ينافق ولا يجمل الصورة، فهو يعترف بأنه لا يعرف شعبًا على الأرض اختلطت لديه المفاهيم الدينية بالمظاهر الحياتية مثلما هو الشعب المصرى، فلقد اكتشف المصرى القديم فلسفة الإيمان منذ فجر التاريخ، وبدأ يلح عليه لغز الموت بدلالته المفجعة ومفاجآته المباغتة، ففكر ذلك المصرى العبقرى فى الحياة الثانية، وجعلها محور حضارته المبكرة، فشيد الأهرامات واكتشف التحنيط وسعى لتوفير مقتنيات الحياة لكل عظيم راحل إيمانًا بأن عودته سوف تقترن باحتياجات الحياة الأولى. 

ويقول: كما ظهرت الديانات القديمة التى تعبر عن رؤية للعلاقة بين الحياة والموت، رغم أن كل الديانات كانت وثنية فإنها كانت تتطلع إلى اكتشاف ما هو أبعد من ذلك، فاستشرف المصرى القديم مرة أخرى فكرة التوحيد على يد «إخناتون» الذى رأى أن «آتون» إله الشمس هو القابض على أعنّة السلطة الإلهية، ثم تعاقبت ديانات أبناء إبراهيم اليهودية والمسيحية والإسلام فى نسق تاريخى متتابع مبشرة بنظرية الإله الواحد وداعية إلى مزيد من الإيمان به وعبادته وفقًا لأسلوب كل ديانة والبيئة التى ظهرت فيها والمناخ الذى جاءت منه. 

ولقد ردد بعض الملحدين أن الدين اختراع مصرى اكتشفه ابن النيل على ضفافه نتيجة التأمل الدائم والتفكير المستمر فى فلسفة الحياة وحكمة الموت، وإذا أردنا أن ننتقل إلى عصرنا الراهن فسوف نجد أن طقوس الدين تطغى على فلسفة الإيمان، وأننا متعلقون بشكلية الشعائر دون جوهر المعتقد. 

فالمسلم عمومًا والمصرى خصوصًا يتحدث عن الحرام والحلال صباح مساء، بينما هو يدمن الكذب غالبًا والادعاء دائمًا، ولا يأخذ من جوهر الدين ما يجب، ولكنه يلتقط من قشوره ما يريد، وتلك هى محنة الإسلام الحقيقية، المشاعر الدينية تختلط مع السلوك الدنيوى، فأسرف المسلم المصرى على نفسه فى رحلات الحج والعمرة مضيًا وراء المعتقد بأن التواصل مع الله - سبحانه وتعالى - يكون بهذا التدين الشكلى حتى وإن غاب الإيمان الحقيقى، وينفق المصريون عشرات المليارات كل عام فى طقوس لا بأس بها ولا اعتراض عليها، ولكنها لا تصب فى نهاية الأمر بخانة الأخلاق ولا مدونة السلوك الإنسانى اليومى. 

وهنا يسجل الفقى الملاحظتين الآتيتين: 

أولًا: اكتشاف تدين المصريين ليس أمرًا جديدًا، فلقد نصح «الإسكندر الأكبر» مستشاروه بأن يذهب إلى «معبد آون» وأن يعلن نفسه ابن الإله إذا كان يريد رضاء المصريين، وقبولًا لمحاولته بناء إمبراطورية فى الشرق تصل إلى بلاد فارس، وتكون قاعدتها مصر، وقالوا له إن الطريق إلى قلوب المصريين يمر بدياناتهم، والغريب أن ذات الأمر قد حدث مع «نابليون بونابرت» عند وصول حملته الشهيرة إلى مصر حيث غازل هو الآخر دينهم الإسلامى، وتحدث بأنه مؤمن بما يعتقدون فى محاولة منه لكسب الرأى العام وإيجاد حد أدنى من القبول بالغازى فوق أرض الكنانة، هكذا توهم الغزاة والطغاة أن الدين فى مصر هو مفتاح الحياة. 

ثانيًا: إن نمط حياة المصريين -قديمه وحديثه- يتمحور تلقائيًا حول شكليات التدين وطقوسه المختلفة، ولقد أسهمت الدولة الفاطمية التى وصلت إلى مصر من شمال إفريقيا فى تكريس أسلوب للحياة ما زلنا نراه مسيطرًا خصوصًا فى شهر رمضان من كل عام حيث الإسراف فى الطعام وسهر الليالى وإدمان الأطعمة التى تستهلك نسبة عالية من الاحتياطى السنوى للسكر، فلقد تحول شهر رمضان لدينا إلى شهر يعمل فيه المسلمون نصف الوقت ويستهلكون ضعف الشهور الأخرى. 

ويختم الفقى رؤيته بقوله: هذه هى خصائص التدين المصرى كما تحيط بنا فى كل اتجاه وتجعل للتدين حجمًا ضخمًا لا يعكس حقيقة الإيمان أو الالتزام بصحيح العقيدة، لذلك فإننا ندعو إلى مزيد من الدراسات السلوكية التى تدور حول تفسير الظواهر التى نعيشها فى ظل تدين زائد وانحطاط أخلاقى واضح، إنها معادلة مزعجة تحتاج فهمًا آخر لصحيح الدين وسلوكًا أفضل فى الحياة حتى تستقيم لنا الدنيا كما أرادها الله عندما استخلفنا فى الأرض وبشر بنا خير أمة أُخرجت للناس. 

ولعل من أهم ما كتبه الفقى فى هذا السياق مقاله الشهير الذى نشره فى ١٣ يونيو ٢٠٠٠ وكان عنوانه «الإنفاق الدينى فى مصر»، وهو معالجة حقيقية وشفافة لما يحدث على الأرض بالفعل، ومن بين ما جاء فيه. 

سمعت عن أرقام تقريبية عن نفقات التدين فى مصر بدءًا من بناء ورعاية دور العبادة إسلامية ومسيحية إلى نفقات الحج وأداء العمرة التى بلغت أرقامًا تُحسب بمليارات الجنيهات سنويًا، وليس لدينا شك فى أن المسلم لا بد أن يؤدى أركان الإسلام الخمسة وحج البيت واحد منها لمن استطاع إليه سبيلًا. 

ولكن الذى ألاحظه فى السنوات الأخيرة هو تحول هذا الركن الإسلامى العظيم لدى قلة من الناس إلى نوع من السياحة الدينية المتكررة على نحو لم يلزم به الدين الحنيف أتباعه، حتى إننى أذكر اتصالًا تلقيته من أحد أصدقائى بالإسكندرية يطلب مساعدته فى الحصول على تأشيرة لأداء فريضة الحج لهذا العام، فلما سألته إن كان قد أدى الفريضة من قبل، فعرفت أن هذه المرة هى الثامنة عشرة على التوالى. 

ولست أظن أن الإسلام قد أوجب شيئًا من هذا التكرار، لأن سبع عشرة حجة من هذه الحجات كان يمكن أن تعطى فرصة لسبعة عشر مسلمًا مصريًا أو مصرية لأداء هذه الفريضة، أما عن العُمرة فحدث ولا حرج، فقد جرى التوسع فيها على نحو غير مسبوق، حتى إننى أظن أن بلدًا إسلاميًا لا يسرف شعبه فى القيام بها مثلما نفعل نحن المصريين، إلى درجة أن رأس السنة الميلادية تحول هو الآخر إلى مناسبة إسلامية يتجه فيها عشرات الآلاف من المصريين لقضاء ليلة عيد الميلاد بجوار الكعبة والبيت الحرام. 

تدين الشعب المصرى واحد من أبرز خصائصه الرائعة وسمة يتميز بها وقيمة يحرص عليها

وهذا أمر لا بأس به أيضًا إذا كان المقصد الوحيد هو التقرب إلى الله والسعى لنيل شفاعة رسوله وتطهير النفس من أحزان الحياة اليومية، ولكن الذى يحدث بالفعل هو أمر يختلف عن ذلك، حيث إنه أصبح فى أغلبه نوعًا من السياحة التى يسعى إليها القادرون فى ظل الأوضاع التى طرأت على الاقتصاد المصرى فى العقود الأخيرة، كما أننى لا أرى أن الإسلام أوجب على المسلمين والمسلمات أداء العُمرة مرة كل عام أو عدة مرات فى العام الواحد كما يحدث الآن، فالإسراف الشديد فى تكرار مرات الحج والذهاب الدورى لأداء العُمرة ليست هذه كلها بالضرورة تعبيرًا عن شعور دينى عميق بقدر ما هى رغبة اجتماعية ونفسية تعكس ظروفًا اقتصادية متميزة، وتستنزف موارد الدولة من النقد الأجنبى، فما يملكه الأفراد هو فى النهاية حصيلة جهد المجتمع كله، كما أننى لا أظن أن الخزانة السعودية فى حاجة إلى دعم من أموال الشعب المصرى، وهنا يكون من المتعين لإيضاح وجهة نظرنا بغير لبس أو تأويل أن نسوق الملاحظات الآتية:

أولًا: إن تدين الشعب المصرى واحد من أبرز خصائصه الرائعة، وسمة يتميز بها، وقيمة يحرص عليها، ولكن ذلك كله يجب أن يكون محكومًا بظروف الدولة التى ننتمى إليها مع إعمال شرط الاستطاعة الذى حدده الدين الحنيف لأداء فريضة الحج، بحيث لا ينسحب سقوط التكليف بوجوب أدائها - لأسباب صحية أو مادية - على الأفراد وحدهم، ولكن الرخصة تنسحب فى هذه الحالة على الأمة بكاملها، بحيث تعتبر الاستطاعة قضية تتصل أيضًا بالاقتصاد القومى كله. 

ثانيًا: إن السياحة الدينية هى أمر لا نرفضه فى وقت نعلم فيه أن الآلاف يهرعون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والمصايف الغربية كل عام، فمن الطبيعى ألا نحرم راغبى السياحة الدينية على الجانب الآخر، لأنها لا تخلو من شعور روحى وإحساس وجدانى، ولكن الذى نناقش فيه هو ذلك الإسراف الذى يتجاوز الحدود لدى آلاف العائلات المصرية بتكرار زيارات العمرة بها كل عدة شهور بصورة تشكل فى النهاية عبئًا على الإنفاق القومى المصرى. 

ثالثًا: إن الاقتصاد المصرى الذى استنزفت سيولته - كما يردد بعض الخبراء - مسائل فرعية وظواهر وافدة مثل نفقات التليفون المحمول والدروس الخصوصية والمساكن غير الكاملة، فضلًا عما استنزفته بعض المشروعات الكبرى من موارد مالية، إن هذا الاقتصاد الذى خضع لبرنامج إصلاح ناجح يجب ألا ينتكس ويتعين علينا جميعًا أن نسهم فى سرعة استعادته لعافيته الكاملة، إلا أن ذلك لن يتحقق بغير دراسة كل المظاهر المتصلة بحجم الإنفاق العام للدولة، ولا شك أن السياحة الخارجية ومن بينها السياحة الدينية تحتاج إلى تنظيم يضعها فى إطارها الصحيح. 

رابعًا: إن الإسلام العظيم الذى عنى بالواقع الاجتماعى والظرف الاقتصادى الذى وصل إلى حد تعطيل تطبيق الحدود فى عام الرمادة هو نفسه الإسلام العظيم الذى يرعى ظروف البشر وحاجات الناس، فكثير من الأموال الفائضة التى يجرى إنفاقها فى مواسم العُمرة الرجبية والرمضانية وتلك المرتبطة بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وأيضًا أصبحت مستحبة فى ذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام، تحتاج إلى وقفة تأمل، لأن جزءًا كبيرًا من نفقاتها يمكن أن يوجّه للأعمال التطوعية. 

ويخطو بنا مصطفى الفقى فى إطار رؤيته لتجديد الفكر الدينى خطوة مهمة بمقاله «الافتراء على الإسلام»، وهو المقال الذى يُعدد فيه أسباب هذا الافتراء ويحدد فيه المسئول عن ذلك من خلال نقاط محددة على النحو التالى: 

أولًا: ظل الإسلام لما يقرب من أربعة عشر قرنًا يعيش فى سلام نسبى مع الديانات الأخرى، ولكن الصحوة الإسلامية فى مطلع القرن الماضى، ثم ظهور الإسلام السياسى بعد ذلك قد أدى إلى حالة قلق لدى الطرف الآخر خصوصًا أن ذلك تواكب مع سقوط الكتلة الشيوعية واختفاء الخطر الأحمر الذى كان هو الفزّاعة التى أدت إلى التعاون بين الغرب والإسلام، حيث حلّ خطر الإسلام بديلًا للشيوعية فى الاستهداف والتآمر لدى مرضى العقول وأصحاب الأوهام فى الغرب بل وفى مناطق أخرى من العالم، وانتهى الأمر بمواجهة غير مبررة بين أتباع الإسلام فى جانب وبين العالم كله فى جانب آخر. 

ثانيًا: إننا يجب أن نفكر نحن العرب بانعكاس الصورة السلبية للإسلام عليها، فالظلم يأتينا مزدوجًا من الإسلام مرة ومن العروبة مرة أخرى، خصوصًا أنهما صنوان متكاملان، فلقد نزل القرآن عربيًا وكان نبيه العظيم عربيًا أيضًا، ومن هنا فقد اقترنت صورة العربى بكل السلبيات الظالمة التى تلصق بالإسلام والمسلمين. 

ثالثًا: لا شك أن ميلاد الإسلام السياسى مع ظهور حركة الإخوان المسلمين عام ١٩٢٨ قد ترك أثرًا سلبيًا على الجانب الآخر نتيجة توالد المخاوف وتراكم القلق من تنامى تلك الظاهرة الدينية التى تسعى إلى حيازة الحكم والسيطرة على كل ما يمكن أن تحصل عليه ولو على حساب الإسلام وجوهر الدعوة وصفاء العقيدة. 

رابعًا: كان ظهور دولة إسرائيل نتاجًا للمشروع الذى بدأ فى بازل بسويسرا على يد هرتزل مع نهاية القرن التاسع عشر، ثم ظهور الدولة العبرية مقدمة لاحتدام الصراع، لأن المسلمين رأوا أن قضية القدس ليست سياسية فقط، ولكنها دينية أيضًا، وانتهى الأمر إلى محاولة تديين الصراع تحت مسمى كبير وجذاب هو الجهاد، وكم نشعر نحن المسلمين بالأسى والحزن عندما يستخدم الخصوم عبارة الإرهاب الإسلامى لإلصاق الإسلام بالتطرف والتعصب والعنف والإسلام من كل ذلك براء. 

خامسًا: ليس من شك أن الموجات الإرهابية التى اجتاحت العالم فى العقود الأخيرة قد تركت بصماتها على صورة الإسلام فى مخيلة العدو الحقيقى يمكن استبداله من خلال عملية صناعة عدو جديد بحيث يستمر الصراع وتظل الخلافات مسيطرة حتى ولو كانت إقليمية الطابع وليست بالضرورة عالمية الانتشار، ومع ذلك نسمع الآن عن معاناة الأقليات الإسلامية فى الصين وفى الفلبين وفى ميانمار وفى غيرها من الدول الآسيوية مع بروز منظمات إرهابية حول التجمعات البشرية الإسلامية فى كل مكان. 

ويختم الفقى مقاله بقوله: الإسلام فى الحقيقة دين المساواة والتسامح، وإعمال العقل واحترام التفكير الذى اعتبره فريضة من فرائض ذلك الدين الوسطى المعتدل الذى يحترم الديانات الأخرى ويتعايش مع غير المسلمين كما فعل نبيه العظيم فى سنوات حياته، حيث كان يوازن بين الدعوة فى جانب وبين التسامح فى جانب آخر، وهو الذى قال للصحابة حوله: أليس الجنازة لنفس بشرية؟ وذلك عندما سألوه لماذا وقف احترامًا لجنازة تمر أمامه وهى ليهودى، فالإسلام دين عقل وحكمة وتسامح وليس دين غلو وتشدد وعنف، لذلك فإن صورته الحالية تؤكد لنا بحق أنه الإسلام المفترى عليه. 

وفى نهاية هذه الرحلة يمكننا أن نتوقف عند ما نعتبره دليلًا يضعه مصطفى الفقى لمواجهة الإرهاب والتطرف، على اعتبار أنهما نتاج حقيقى لتشوه الفكر الدينى الذى يجب إصلاحه. 

 الإرهاب مرض لعين وهو داء العصر ولن يجرفه أمامه إلا زخم كثيف من الفكر والعلم

هذا الدليل وضعه الفقى فى مقاله المهم «الفن فى مواجهة الإرهاب»، والذى بدأه بقوله: إذا كان الفن هو التعبير الراقى عن مجموعة النسب المتجانسة بين مكونات مختلفة لحدث بذاته، وإذا كانت الأعمال الدرامية الكبرى قد تمكنت من تغيير نفسيات الشعوب وسلوك المجتمعات فإن علينا أن نعتصم بالفن إذ إنه مفتاح الأبواب المغلقة والقلوب الكَسِيرة. 

ولعنا نطرح هنا عدة قضايا تتصل بهذا الشأن وهى كالتالى: 

أولًا: إن الإرهاب مرض لعين وهو داء العصر ولن يجرفه أمامه إلا زخم كثيف من الفكر والعلم من المعرفة والثقافة، من الأدب والفن، وهنا نتوقف طويلًا أمام دور الفن تحديدًا فى مواجهة الإرهاب وتقويض دعائمه، لذلك يجب ألا يتصور البعض أن الفن عمل ترفى، بل إن أهميته فى ظنى تفوق أدوات أخرى أمام الموجات الإرهابية المتتالية، فالإجراءات الأمنية وحدها لا تدحر العنف ولا تدحض الإرهاب، إذ إن العامل الثقافى وفى قلبه الفنون من مسرح وسينما وأدوات أخرى مرئية ومسموعة ومقروءة إنما تسهم كلها فى خلق مناخ معتدل يحرض على التسامح ويدعو إلى السلام النفسى، ويضرب المظاهر الأخرى للعنف والإرهاب، لأنه يقوم بعملية تغيير شاملة تمتص الطاقة السلبية فى تكوين الناس وطرائق تفكيرهم تمهيدًا لمجتمع سلمى وسوى ومستقر الأركان. 

ثانيًا: إن الفنون تقوم بعملية تنظيف للعقل وتطهير للنفس وتنقية للقلب، فهى تدخل فى تشكيل المكون الإنسانى وتركيبته البشرية، وتجعله أكثر سلامًا مع النفس وأكثر احترامًا لاختيارات الآخرين، بل وتدفع به إلى مكانة تجعله قادرًا على التمييز، وتخلق لديه الوعى وتصل به إلى موقع أفضل على خريطة المجتمع، فالفن لا يبتعد كثيرًا عن صناعة قادة الرأى ورواد الاستنارة مهما كانت الظروف صعبة والأحوال مضطربة. 

ثالثًا: إن الإرهاب هو تعبير عن رسالة عشوائية ظاهرها العنف ومضمونها الجريمة، وهى غالبًا ما تكون رسالة بلا عنوان، فتصيب الآمنين وتروع الأبرياء، لذلك فإنه يتعين على الأمة أن تستجمع قواها، وأن تتقدم بكل ما لديها من أسلحة مادية ومعنوية لمواجهة ذلك الشبح الكئيب الذى يطل علينا بين حين وآخر، وهنا يجب أن نتدارك قائلين: إن الإرهاب ليس جريمة جديدة، ولكن تاريخ الأمم والشعوب عرف أنواعًا منه فى الغرب والشرق على السواء، ويكفى أن نلقى نظرة على التاريخ العربى والإسلامى لنكتشف أن موجات الإرهاب ظهرت فى تاريخ أمتنا صعودًا وهبوطًا عبر فترات متفاوتة من الزمن. 

رابعًا: إن الموسيقى والدراما تلعبان دورًا رئيسيًا فى تهذيب الشعوب وترقية المشاعر وتقويض العنف، لذلك فإن رفع الذوق العام للناس من خلال الفنون والآداب ودعم المعرفة والثقافة للوصول إلى أفضل صيغة للتعايش المشترك بين المختلفين فى الرأى دون الوصول إلى نقطة المواجهة باستخدام العنف أو التهديد بالقوة، فالارتقاء بالمشاعر وسمو العواطف هو أمر يؤدى إلى تنقية الأجواء وتصفية النفوس والقضاء على التطرف والتعصب والمغالاة. 

خامسًا: إن وزارة الثقافة بمفهومها الحديث هى الموزع الأصلى للخدمات الثقافية من آداب وفنوان وأشعار وأعمال مسرحية وأفلام سينمائية، لذلك فإن مسئوليتها فى توجيه شبكة الإنتاج الثقافى المصرى وتحريك منظومة المعرفة من خلال المادة الثقافية التى تؤدى إلى تحقيق الرسالة الأصلية فى تكوين الإنسان المعاصر الذى ينبذ العنف ويؤمن بوطنه قبل كل اعتبار. 

ويختم الفقى رؤيته بقوله: إن الفن لغة عالمية وتعبير مشترك بين البشر، لذلك فإن دوره فى بناء الشخصية وتكوين الأجيال الجديدة هو دور لا يخفى على أحد، مرحبًا بالفن الراقى الذى يدفع الأمة للأمام ويعالج أمراض الشعب ويطارد جرائم المجتمع.