وماذا بعد ندم الإرهابى على عبدالونيس؟.. دعوة لمشروع ثقافى قومى لمواجهة جذور التطرف ومنابت الإرهاب
- نحتاج إلى حماية ليس فقط لمواجهة الجماعة الإرهابية ولكن لحماية الأجيال القادمة من الوقوع فى فخ أى متطرف أو إرهابى
كنت أتابع بدقة توابع الزلزال الذى وقع أمامنا بدقة وتأمل.
أما الزلزال فهو إعلان وزارة الداخلية عن عملية استقدمها الإرهابى على محمود محمد عبدالونيس من إحدى الدول الإفريقية، وتوثيق اعترافاته الكاملة عن العمليات الإرهابية التى شارك فيها وخطط لها ورعاها كعضو رئيسى ومؤسس فى حركة «حسم»، التى بدأت أعمالها فى مصر من بدايات العام ٢٠١٦.
عمل على عبدالونيس فى اللجان النوعية لجماعة الإخوان الإرهابية قبل تأسيس «حسم» بسنوات.
وقتها كان طالبًا بجامعة الأزهر، تقول الوثيقة الرسمية الصادرة عن الجامعة إنه التحق بها محولًا إليها من كلية زراعة أسيوط فى العام ٢٠١٠، وتم فصله فى العام ٢٠١٧ بعد استنفاده مرات الرسوب، فقد توالى رسوبه فى السنة الثالثة من العام ٢٠١٣.
كان «على» منتميًا لجماعة الإخوان وتولى لجنة الحراك داخل جامعة الأزهر فى العام ٢٠١٣ بعد الثورة، ولأن نشاطه كان ملحوظًا فى قيادة المظاهرات وعمليات التخريب داخل الجامعة وخارجها، فقد انتبهت له قيادات الجماعة، وتحديدًا يحيى موسى الذى شارك محمد كمال فى تأسيس حركة «حسم»، فضمه إلى الحركة، وبدأ فى استخدامه كعنصر فاعل داخل مصر وخارجها.

أما التوابع فكانت التعليقات الكثيرة على عملية استقدام على عبدالونيس، وشرح تفاصيل العمليات الإرهابية التى شارك فيها، سواء بالتنفيذ أو التخطيط أو الرعاية، والتأكيد على دلالات هذه العمليات، وما يجب أن نتعلمه منها... ثم انتهى الحديث الحماسى، الذى لا أشك فى دوافعه، إلى لا شىء.
وأعترف لكم بأننى على كثرة متابعاتى لعمليات جماعة الإخوان الإرهابية بعد ثورة ٣٠ يونيو، فإننى توقفت كثيرًا أمام ما فعله وشارك به عبدالونيس.
كانت آخر العمليات التى تورط فيها هى خلية أرض اللواء.
فى ٧ يوليو ٢٠٢٥ نجحت الأجهزة الأمنية فى مداهمة مقر كان يختبئ فيه كل من أحمد عبدالرازق أحمد غنيم وإيهاب عبداللطيف محمد عبدالقادر فى منطقة أرض اللواء، وتم تبادل إطلاق النار معهما، ما أسفر عن مصرعهما واستشهاد أحد المواطنين كان فى طريقه إلى صلاة الفجر وإصابة أحد الضباط.
كانت المعلومات التى توافرت لدى الأجهزة الأمنية عن هذين العنصرين أنه تم تكليفهما من قِبل قيادات حركة «حسم» بالقيام بتنفيذ مخطط يستهدف الإضرار بالدولة المصرية من خلال القيام بسلسلة من العمليات العدائية؛ اغتيالات لشخصيات عامة وتفجيرات فى مناطق مختلفة، وكان من بين الأهداف المهمة لدى عناصر هذه الخلية تفجير المتحف المصرى الكبير قبل افتتاحه.
لم تنتهِ العملية الأمنية عند تصفية العنصرين الإرهابيين، بل بدأت الأجهزة فى جمع المعلومات لتتأكد من أن الإرهابى على عبدالونيس كان أحد العناصر التى قامت على التخطيط لأعمال هذه الخلية.
المعلومات التى لدى الأجهزة الأمنية عن على عبدالونيس أنه قيادى إخوانى هارب إلى الخارج، وأنه محكوم عليه بالسجن المؤبد فى عدة قضايا إرهابية، أبرزها القضية رقم ١٢٠ لسنة ٢٠٢٢ جنايات عسكرية، وهى القضية المعروفة باسم «محاولة استهداف الطائرة الرئاسية، واغتيال الشهيد المقدم ماجد عبدالرازق».
استهداف الطائرة الرئاسية واستشهاد المقدم ماجد عبدالرازق كانا مرتبطين فى نقطة واحدة.
ففى صباح ٧ أبريل ٢٠١٩ كان «ماجد» يعمل على تأمين أحد الشوارع فى منطقة النزهة، لاحظ توقف سيارة سوداء اللون من طراز «هيونداى ماتريكس» فى وضع عكس الاتجاه، فتوجه مع فريقه الأمنى لفحصها، وعندما اقترب منها فوجئ بسيل من طلقات الرصاص يتجه نحوه من السيارة، وهو ما أدى إلى استشهاده على الفور.
كشفت التحريات الأمنية عن أن هذه السيارة كانت تحمل عناصر من حركة «حسم» الذين كانوا يستعدون لتنفيذ عملية نوعية تستهدف الطائرة الرئاسية، وقد قاموا باستئجار شقة بالقرب من مطار القاهرة لرصد تحركات الطائرة، وكانوا يتحركون بسيارة محمّلة بالسلاح الذى سيستخدمونه فى العملية، وقد تمكن «ماجد» من إفساد هذا المخطط، فقد ارتبكت الحركة وفشلت فى تنفيذ العملية، وأصبحت لدينا قضية اتُهم فيها من عناصر «حسم» كل من يحيى موسى وعلاء السماحى وأحمد عبدالرازق غنيم.. وعلى عبدالونيس.
فى أغسطس من العام ٢٠٢٥ تم من خلال عملية أمنية احترافية استقدام على عبدالونيس من إحدى الدول الإفريقية «نيجيريا» بعد ترحيله من ملاذه الآمن فى تركيا، ووقتها ادّعت أسرته أنه مختفٍ قسريًا، رغم أن ما تم كان عملية القبض على عنصر إرهابى محكوم عليه فى مصر ومطلوب للتنفيذ.

عملية الاستقدام تظل بلا تفاصيل معلنة، لكن الأجهزة الأمنية من خلال التنسيق وتبادل المعلومات استطاعت أن تضع يدها على «عبدالونيس» الذى ظل رهن التحقيقات خلال الشهور الماضية، ليخرج علينا باعترافات هى الأخطر عن عمليات الجماعة الإرهابية التى استهدفت مصر خلال السنوات الماضية.
يمكننا أن نستعيد العمليات التى تحدث عنها على عبدالونيس فى اعترافاته، والتى جاءت على النحو التالى:
أولًا: تفجير عبوة ناسفة أمام مركز تدريب أفراد الشرطة بمدينة طنطا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من أفراد الشرطة.
ثانيًا: اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائى أمام منزله بمدينة العبور.
ثالثًا: التسلل خلال العام ٢٠١٦ إلى إحدى الدول المجاورة- ليبيا- بناء على تكليف من القيادى الإخوانى يحيى موسى، وتواصله مع قيادات تنظيم «المرابطون»، الذى تم تأسيسه من جانب هشام العشماوى، وتدشين معسكر لتدريب عناصر الحركة على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات والأسلحة الثقيلة والمتفجرات.
رابعًا: القيام مع قيادات حركة «حسم» الإرهابية الهاربين بالخارج، يحيى موسى، محمد مناع، علاء السماحى، محمد عبدالحفيظ، خلال عام ٢٠١٩ بالتخطيط لتنفيذ عدد من العمليات الإرهابية بالبلاد، ودفعهم عناصر الحركة المدربين لتجهيز عدد من السيارات المفخخة، والتى انفجرت إحداها أمام المعهد القومى للأورام بقصر العينى.
خامسًا: القيام خلال عام ٢٠٢٥ بالدفع بكل من الإرهابيين محمود شحتة على الجد، مصطفى أحمد محمد عبدالوهاب، المتواجدين بالخارج، للعودة للبلاد لتنفيذ عمليات عدائية، إلا أنهما لم يتمكنا من ذلك نتيجة رصدهما وتم ضبطهما بمعرفة الأجهزة الأمنية.
فى اعترافاته المسجلة، قال عبدالونيس إنه سافر إلى قطاع غزة بناء على تكليف وتسهيل من يحيى موسى، وظل هناك أربعة أشهر، وتلقى تدريبات عسكرية شملت مهارات الميدان وأسلحة مضادة للدروع وصواريخ مضادة للطائرات وهندسة المتفجرات والقنص، وعاد إلى مصر لينفذ عمليات عسكرية مسلحة، كان منها استهداف كمين العجيزى واستهداف مركز شرطة بطنطا، واغتيال اللواء عادل رجائى، واستهدف مساعد وزير الداخلية لقطاع السجون فى منطقة طرة ووزير البترول، لكن هذه العمليات فشلت ولم تتم.
تلقى عبدالونيس- كما يقول فى اعترافاته- تدريبًا على الصواريخ المحمولة على الكتف المضادة للطائرات، وكان أهمها «سام ٧» و«سام ١٧»، وبناء على هذا التدريب كلفه يحيى موسى بالمشاركة فى عملية استهداف الطائرة الرئاسية من خلال تدريب أحد العناصر الإرهابية على استخدام الصواريخ المحمولة لتنفيذ العملية، لكن العملية تم تكليف أحد عناصر «المرابطون»، التابع لهشام عشماوى، بها، وفشلت ولم تتم.
كانت آخر التكليفات التى صدرت لعلى عبدالونيس قبل أن يغادر مصر هى المشاركة فى عمليات تفخيخ عدد من السيارات لتنفيذ عمليات إرهابية، وقد قام بذلك، وكان من نتاج عمله تفخيخ السيارة التى انفجرت أمام معهد الأورام.

كان لا بد أن يغادر عبدالونيس مصر، وهو ما نجح فيه من خلال حلمى الجزار، الذى ساعده فى الحصول على جواز سفر وفيزا سافر من خلالها إلى إحدى الدول.
فى الخارج انضم على عبدالونيس إلى لجنة «الإعلام» التى تعمل على جمع معلومات وبيانات عن مؤسسات الدولة تمهيدًا لاستخدامها فى صناعة ونشر الشائعات؛ لإرباك الدولة وإنهاكها من خلال تأليب الرأى العام على الدولة ونظامها ومؤسساتها، وزرع الفتنة تمهيدًا لزعزعة الثقة بين المواطنين والدولة.
السجل الذى يحمله على عبدالونيس على كتفيه متخم بالإرهاب والتخريب والتفجير والاغتيالات، لم ينكر من ذلك شيئًا، كانت الأجهزة الأمنية تعرف جيدًا ما الذى قام به، لكنه أضاف إلى التحريات التفاصيل والأسماء والأماكن والأهداف، وأعتقد أنه خضع لعملية تحقيق احترافية استطاع المحققون خلالها الحصول منه على كل المعلومات دون عناء.
كان يمكننى أن أتوقف عند التفاصيل الكثيرة التى أفاض عبدالونيس فيها، أن أصف جماعة الإخوان التى ينتمى إليها بكل الأوصاف الإرهابية التى تستحقها، ما فى ذلك شك.
لكننى توقفت أكثر عند النتيجة التى وصل إليها على عبدالونيس بعد كل هذه الرحلة الإرهابية، وهى النتيجة التى بدت من الرسائل التى وجهها إلى قيادات الجماعة وإلى زوجته وإلى ابنه.
تحدث عبدالونيس إلى قيادات الجماعة فقال: «كده كفاية، كفاية دم عمومًا، يعنى كفاية دم، يعنى بعد ما قعدت وفكّرت مع نفسى، حسيت إنى ضيعت عمرى هدر، لا شىء مقابل لا شىء، فى فكرة فاضية، فى فكرة مفيهاش حاجة، عشان كرسى؟ عشان سلطة؟».
وتحدث إلى زوجته، قال: «اهتمى بابننا وربيه تربية صحيحة، تربية على الإسلام الصحيح، ما تنضمش لأى تنظيمات، ولا أى مؤسسات، ولا أى فكر غير صحيح، ما تضميش ابننا لأى حاجة، ولا تخليه ينضم لأى تنظيمات ولا أى مؤسسات، هو الإسلام كفاية».
وتحدث إلى ابنه فقال: «خلّى بالك من نفسك، نفسك غالية فمتضيعاهش فى الفاضى، متضيعهاش فى حاجة متستاهلش، كل الدنيا متستاهلش إنك تضيع نفسك عليها، لا حكم ولا سلطة ولا حرب ولا أى حاجة، حافظ على أمك وراعى ربنا فى حياتك كلها، ما تعملش حاجة حرام، لأن الوقفة قدام ربنا.. الوقفة قدام ربنا صعبة، محدش فينا يستحمل الوقفة قدام ربنا، فلازم تكون مستعد للوقفة دى أو لليوم ده».

وفى لحظة أتمنى أن تكون حقيقية ومعبرة عمّا وصل إليه على عبدالونيس بعد رحلته الإرهابية الطويلة، يقول: «بدعى ربنا يسامحنى، وبطلب من كل اللى بيحبونى يدعولى إن ربنا يسامحنى على أى حاجة غلط عملتها فى حياتى، على أى دم شاركت فيه أو دعيت ليه أو دربت عليه، مفيش حد بيبقى جاهز يقابل ربنا وهو عامل ذنوب ولا مشارك فى دم، الدم حاجة كبيرة جدًا عند ربنا».
هل كان ضروريًا أن يسير على عبدالونيس كل هذا الطريق المفروش بالدماء ليعرف فى النهاية أنه كان على خطأ؟
هل كان ضروريًا أن ينخرط فى جماعة إرهابية لا تعرف إلا القتل والدمار والخراب، ليعرف أن كل ما فعله أو قاله أو شارك فيه ليس إلا باطلًا كبيرًا وضلالًا كاملًا؟
هل كان من الضرورى أن تضيع حياته كلها، وينقضى عمره أمامه، حتى يعرف أنه لا يجب أن ينضم إلى جماعة أو مؤسسة وأن الإسلام وحده يكفى؟
هل كان مطلوبًا منه أن يقتل ويفجّر وتتلطخ يداه بكل هذه الدماء حتى يصل إلى قناعة يضعها أمام ابنه ويحذره من الوقوف أمام ربنا وفى رقبته دم ضحايا؟
هل كان مطلوبًا منه أن يقف على حقيقة ما تقوم به هذه الجماعات عن قرب وتجربة حتى يتبرّأ منها ويعرف أنها لا تعمل من أجل شىء حقيقى، ولكن كل ما تفعله فى خدمة السياسة ومن أجل الوصول إلى كرسى الحكم؟
أعتقد أن هذه القضية تفتح أمامنا بابًا واسعًا لأن نفكر فى حماية ملايين يمكن أن يقعوا فى الفخ الذى وقع فيه على عبدالونيس.
أعترف لكم بأننى لم أتعاطف معه، ولم تهزنى دموعه مع علمى أنها حقيقية، وأنه فعلًا نادم على ما فعل، لكنه ندم بعد فوات الأوان.
بدأت أفكر فى إنقاذ مَن هم مثله.
لقد نجحت أجهزتنا الصلبة فى تعقب الجماعة الإرهابية، وأنقذتنا بجهودها التى لا تنتهى من مصائب كثيرة كانت تخطط هذه الجماعة لتنفيذها، وأعتقد أن هذه الأجهزة لن تتراجع فى أى لحظة عن متابعة عملها فى صبر وحسم، لكن ماذا عن أجهزتنا الناعمة.. عن قوتنا الثقافية والفكرية والفنية والإبداعية.

إننا، وانطلاقًا من واقعة على عبدالونيس، لا بد أن نفكر فى مشروع قومى كبير، يعزز من دور الثقافة كسلاح فى مواجهة التطرف والإرهاب، فبالعلم والثقافة والفن نستطيع أن نجتث الإرهاب من جذوره والتطرف من منابته.
لو فعلنا ذلك فإننا لن نجد على عبدالونيس آخر.
لن نجد إرهابيًا يسير الطريق حتى نهايته، وعندما يسقط نجده باكيًا نادمًا مكتشفًا أن حياته كلها ضاعت هدرًا.
إننى أدعو كل الأجهزة الفاعلة فى مجال قوتنا الناعمة، وعلى رأسها وزارة الثقافة بالطبع، إلى أن تتحرك لوضع مشروع قومى ثقافى حقيقى لمواجهة الإرهاب والتطرف، ليس فقط لمواجهة الجماعة الإرهابية، ولكن لحماية الأجيال القادمة من الوقوع فى فخ أى متطرف أو إرهابى.
وأجدنى أسأل الجميع: إن لم نتحرك الآن.. فمتى نتحرك؟
وإن لم نفعل نحن ذلك.. فمن يفعله؟







