السيدة فاطمة المصرية.. عملية مصادرة بنت رسول الله
- دعاء د. سيد عبدالبارى هو دعاء كان المصريون يرددونه دائمًا قبل أن يزحف علينا المد السلفى
- جماعة الإخوان تعمل جاهدة على وضع مصر فى أى أزمة بالتعاون مع «أبناء اليسار»
كانت لحظة من لحظات الحقيقة تلك التى وقف فيها الدكتور سيد عبدالبارى، رئيس القطاع الدينى بوزارة الأوقاف، على منبر مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية الجديدة، رافعًا كفيه إلى السماء فى خطبة العيد قائلًا: اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك، واحفظ مصرنا واحميها.
لم يكن هذا دعاء جديدًا اخترعه عبدالبارى.
فمن ناحية هو دعاء كان المصريون يرددونه دائمًا قبل أن يزحف علينا المد السلفى، ويصيغنا صياغة جديدة، تحديدًا فيما يتعلق بعلاقتنا بآل البيت، محاولًا أن يبعدنا عنهم ويقصينا، فلا نقترب منهم لا روحيًا ولا نفسيًا ولا إيمانيًا أيضًا.

ومن ناحية أخرى، ردد الدكتور «عبدالبارى» هذا الدعاء كثيرًا فى خطبه المنبرية التى تعوّد أن يلقيها منذ أكثر من ثلاثين عامًا، فهو لم يطل علينا فجأة، بل له تاريخ طويل فى العمل الدعوى بمنهج وسطى وروح وطنية كنت ألحظهما فيما يقدمه من خطب ودروس وأحاديث.
لم يكن المصريون فيما كانوا يفعلون غرباء، أو يأتون بشىء شاذ فى دعائهم، ولم يكن يؤاخذهم أحد على ما يفعلونه، كما لم يؤاخذ أحد سيد عبدالبارى فيما كان يردده من توسل بالسيدة فاطمة الزهراء، وبأبيها النبى، صلى الله عليه وسلم، وزوجها الإمام على، رضى الله عنه، وابنيها الحسن والحسين، رضى الله عنهما وأرضاهما رضا يرضاه.. فإذا لم نتوسل لله بهم فبمَن نتوسل إذن؟!
المؤسف والمحزن فى آن واحد أن الدكتور «عبدالبارى» عندما ردد هذا الدعاء فى خطبة العيد، ٢٠ مارس ٢٠٢٦، قامت الدنيا ولم تقعد، وجد نفسه مسئولًا عن فتنة دينية وسياسية هائلة، ومؤكد أنه نظر حوله مندهشًا مما يحدث، فما الجديد الذى فعله حتى تشتعل فيه النار، والغريب أنه لم يجد مَن يطفئها، بل تزاحم من حولها الجميع ينفخون فيها ويزيدونها اشتعالًا.
تم استغلال دعاء الدكتور سيد عبدالبارى سياسيًا، نزعوه من سياقه ووضعوه فى سياق الحرب الدائرة بتوحش بين الأمريكيين والإسرائيليين والإيرانيين.. وهى الحرب التى ارتكبت فيها إيران جريمتها الكبرى، عندما صرفت تركيزها الأكبر عن الجبهة التى يجب أن تقصدها، وتوجهت إلى جبهة دول الخليج تقصفها وتستهدفها بالخراب والدمار.
لقد أعلنت مصر موقفها بوضوح شديد من الساعة الأولى التى بدأت فيها إيران ضرب الخليج.

قالت، عبر خطابها السياسى الرسمى وخطابها الدبلوماسى، وتحركاتها الرئاسية والدبلوماسية بعد ذلك، إنها تدين ما تقوم به إيران وترفضه بشكل كامل، ولا يمكن لها أن تقر ما تفعله بأى ذريعة أو حجة، فأمام الاعتداء تبور كل الذرائع وتتهاوى كل الحجج.
ورغم وضوح الموقف المصرى، إلا أن هناك من غم عليهم الأمر، فوضعوا مصر هدفًا لهم، قاصدين صناعة فتنة بينها وبين أشقائها فى دول الخليج.
قد تكون هناك أصوات فى مصر تناصر إيران فى حربها، على اعتبار أن القصف يأتيها من إسرائيل، العدو التقليدى للأمتين العربية والإسلامية، ومن ورائها أمريكا، التى تتصرف فى العالم الآن بمنطق من يملك القوة يمكنه أن يفعل كل شىء وأى شىء، حتى لو كان مخالفًا لكل القوانين الدولية والإنسانية.
وقد نتفهم دوافع هذه الأصوات القليلة، لكن لا يمكن لأحد أن يعتبرها الأصوات التى تعبر عن الموقف الرسمى المصرى، أو أنها أصوات المصريين جميعًا، فحتى من يدينون الاعتداء على إيران يدينون بنفس الدرجة وربما أشد الاعتداء الإيرانى على دول الخليج.
ندرك أن جماعة الإخوان تعمل جاهدة على وضع مصر فى أى أزمة، تفعل ذلك من منطلق كراهيتها لكل ما تفعله مصر.
وندرك أن هناك من أبناء اليسار من يتحالفون سياسيًا وفكريًا مع الإخوان، فيرددون ما تقوله الجماعة، وهو تحالف غريب ومريب، لكننا تعودنا عليه، ولم نعد نجد فيه شيئًا مستهجنًا، خاصة أن بعض طوائف اليسار لهم موقف من النظام المصرى، وهو موقف يدفعهم أحيانًا إلى التخلى عن أمن مصر القومى نكاية للنظام وكيدًا فيه.
وندرك كذلك أن هناك بعضًا ممن لا يحيطون بالصورة كاملة، ممن يسيرون خلف ما يقرأون على شبكات التواصل الاجتماعى، فيجعلونه موقفهم دون تدقيق أو تمحيص أو مراجعة، وهؤلاء ننظر إليهم على أنهم مجرد لسان يتحدث دون عقل، لكنهم للأسف يثيرون كثيرًا من الغبار حول مصر وموقفها.

وجد هؤلاء جميعًا أنفسهم فى خانة يك سياسية، عندما أعلنت مصر بوضوح عن موقفها من الاعتداء على دول الخليج، وبعد ما قرأوا بيانًا واضحًا موقعًا من وزارة الدولة للإعلام والهيئات الإعلامية الثلاث، يرفض ما يُكتب ويقال عبر وسائل الإعلام المختلفة عن الموقف المصرى من الحرب، وطالب البيان بوقف هذا الهراء ومحاسبة من يروجون له، وبعد أن قام وزير الخارجية برحلات مكوكية إلى دول الخليج، وتبعتها زيارات الرئيس بنفسه إلى الدول المعتدى عليها.
فما الذى يمكن لهم أن يقولوه أو يدعوه.. والدولة تتحرك رسمًيا وشعبيًا لتأكيد أنها تقف فى صف الخليج، بل وتقول إنها جاهزة لكل ما تطلبه هذه الدول للدفاع عن نفسها؟
ألقمهم الموقف المصرى الرسمى والشعبى حجرًا، فبدأوا يبحثون عن حيلة أخرى لشق الصف وصناعة الفتنة وبعثها من جديد، فأمسكوا بما قاله الدكتور سيد عبدالبارى من على منبر مسجد الفتاح العليم وفى حضور الرئيس.
كان الدكتور سيد عبدالبارى عفويًا فى دعائه، فعلها كثيرًا، ويمكن لنا أن نراجع بعضًا من خطبه السابقة، سنجد أنه يردد نفس الدعاء.
وحتى لا يكون كلامنا فى الهواء، بلا دليل، فإننى أعيدكم إلى نماذج من خطب الدكتور سيد عبدالبارى، ويمكنكم أن تعودوا إليها على الـ«يوتيوب»، فهى موجودة ومتاحة.
فى خطبة عيد الأضحى، ٢٠ يوليو ٢٠٢١، وبحضور الرئيس قال: اللهم لا تجعل لنا حاجة عند لئيم من خلقك، واقض حاجاتنا كما هى فى نياتنا وأنت بها أعلم.
وفى ١١ مارس ٢٠٢٢ قدم خطبة، حضرها الرئيس أيضًا، وكان عنوانها «منزلة الشهداء عند ربهم»، وفى ختامها، قال الدعاء نفسه: اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر الكامن فيها.

وخرج بهذا التوسل متوجهًا إلى الله داعيًا: اللهم اقض لأهل مصر حوائجهم يا رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد صلاة قوة ومدد، تحفظ بها الروح والجسد، وتحمى بها الأهل والمال والولد، من شر الضر والعين والحسد، صلاة لا يقدر بها على جيشنا أحد، يا مولانا خذ بأيدينا من الضلال إلى الرشد.
معنى ذلك أن الدكتور سيد عبدالبارى لم يقل جديدًا، ولم يقصد أن يقحم نفسه أو خطبته فى الأحداث الجارية الآن، ولم يكن فى نيته أن يبعث بما قاله رسالة لأحد، وليس صحيحًا أنه كان يعلن من طرف خفى، كما ادّعى البعض، تأييدًا لما تقوم به إيران من خلال دعاء يردده الشيعة فى خطبهم وصلواتهم، فهذا هو دعاؤه الذى اعتاد عليه.
أعتقد أن فتنة هذا الدعاء تم وأدها فى مهدها، ووضح ما أراده عبدالبارى، لكن تبقى أمامى قضية مهمة، بل ربما أكثر من قضية.
القضية الأولى هى استغلال الدين سياسيًا واللعب به للتغطية على جريمة حقيقية تقوم بها إيران على الملأ، فما تفعله لا تخطئه عين، وهو استغلال أضاع الدين والسياسة معًا، فالحرب الدائرة ليست دينية، بل هى حرب سياسية يعمل أطرافها على توسيع نفوذهم، ولا فرق فى ذلك بين إسرائيل وأمريكا وإيران.
لكن ولأن ورقة الدين رابحة دائمًا، فقد سارع البعض لاستخدامها بخبث شديد.
فهذا هو خطيب رسمى، يتحدث أمام الرئيس، ويرفع يديه بدعاء شيعى- هكذا أرادوا له- والرئيس يرفع كفيه إلى السماء مؤمّنًا عليه، إذن فمصر تقف مع إيران فى خندق واحد.
فعلوا ذلك متجاهلين تمامًا كل ما قالته مصر وما قامت به للتأكيد على موقفها الحقيقى، وكان غريبًا- وعيبًا- أن يردد بعض أهالينا فى الخليج من كُتّاب ومثقفين هذا الكلام الفارغ.

القضية الثانية، وهى الأهم بالنسبة لى، كانت فى عملية مصادرة السيدة فاطمة الزهراء لتيار سياسى بعينه، وجعلها تخصه وحده، وجعل كل من يتحدث باسمها أو يردده من أصحاب هذا التيار، وهذا ليس كذبًا واضحًا فقط، ولكنه إفك مبين أيضًا.
لا يعرف هؤلاء المكانة الكبيرة التى تحتلها السيدة فاطمة الزهراء فى قلوب المصريين، ولا يعرفون كيف ننظر إليها، ولا لماذا نحبها كل هذا الحب؟
يجهل هؤلاء أننا نحب السيدة فاطمة وكل ما يتعلق بثوبها ويتصل بحياتها من حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، لها.
يحفظ المصريون ما قاله النبى، صلى الله عليه وسلم، عنها.
قال: إنما فاطمة بضعة منى، يريبنى ما أرابها، ويؤذينى ما آذاها.
وقال: فاطمة بضعة منى، يقبضنى ما يقبضها، ويبسطنى ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبى وسببى وصهرى.

إننا نحب النبى، صلى الله عليه وسلم، ونحب من يحبه، لا نسأل عن سبب، أو نبحث عن مبرر، فعلاقة المصريين بالنبى، صلى الله عليه وسلم، علاقة خاصة، للدرجة التى تجعلنى أقول دائمًا إن هناك طبعة مصرية خالصة للنبى محمد كتبها المصريون بقلوبهم، فشوقهم إليه لا ينفد، ورغبتهم فى زيارته والبكاء بين يديه لا تتبدد، وحديثهم عنه لا يرتبط بعبادة أو طلب حسنات، فقد جعلوه طقسًا من طقوس حديثهم، فهم يلحون فى الصلاة عليه طوال الوقت، يمدحونه ويستحضرون سيرته، يغنون له، ويلتمسون خيره وبركته وشفاعته.
وقد نال السيدة فاطمة ما نال النبى، صلى الله عليه وسلم، من محبة المصريين وشوقهم وشغفهم.
أليست حبيبته وابنته المقربة ومكمن سره، وأول من لحقت به من أهله.
فى واحدة من ابتهالات الشيخ نصرالدين طوبار، وهو المبتهل العظيم، وقف يردد أبياتًا شعرية كتبها محمد إقبال.
وهى الأبيات التى يقول فيها:
نسب المسيح بنى لمريم سيرة... بقيت على طول المدى ذكراها
والمجد يشرق من ثلاث مطالع... فى مهد فاطمة فما أعلاها.
وعنما يصل إلى البيتين اللذين يقول فيهما:
هى بنت مَن هى زوج مَن هى أم مَن... من ذا يدانى فى الفخار أباها
هى ومضة من نور عين المصطفى... هادى الشعوب إذا تروم هداها.
تجده يهيم وجدًا وشوقًا، وتجد من يستمعون إليها يتألقون بصراخ يعبر عن شدة حبهم للسيدة فاطمة، رضى الله عنها.
وفى واحدة من مدائح المداح الشهير عربى فرحان البلبيسى نجده يردد الدعاء الذى ردده الدكتور سيد عبدالبارى، يترنم به، ويطلب من الله الشفاعة باسم بنت الرسول، صلى الله عليه وسلم، فى حالة من العشق الفطرى الذى لا ظلال سياسية له، فهو يمدح الشخصية ولا علاقة له لا بمذهب ولا حزب ولا دولة ما.
وحتى هؤلاء الذين يذهبون إلى زيارة النبى، صلى الله عليه وسلم، يرددون أغنية شعبية صاغها الوجدان المصرى ببراعة شديدة، تقول كلماتها:
رايحة فين يا حاجة يا أم شال قطيفة
رايحة أزور النبى محمد والكعبة الشريفة
رايحة فين يا حاجة يا أم الشال ليمونى
رايحة أزور النبى محمد وأملى عيونى
فاطمة يا فاطمة يا بنت نبينا
افتحى لنا الباب يا فاطمة ده أبوك داعينا.

أدرك المصريون بحسهم الشعبى النقى البرىء أن السيدة فاطمة الزهراء هى بوابة النبى، صلى الله عليه وسلم، فاستأذنوا منها أن يدخلوا على أبيها، وهو إدراك يؤكد أن العلاقة بيننا وبين السيدة الطاهرة علاقة خاصة تمامًا مثل العلاقة التى تربطنا بأبيها، صلى الله عليه وسلم.
لقد حاول من تصيدوا دعاء الدكتور عبدالبارى أن يفسدوا هذه العلاقة، جاءوا برموز شيعية يرددون هذا الدعاء، وفتحوا أمهات الكتب الشيعية ليقولوا إن الدعاء موجود فيها، لكن أفسد المصريون عليهم ما فعلوه، لأنهم يعرفون أنه لا أمهات كتب الشيعة ولا رموزهم حجة علينا فى علاقتنا بالسيدة فاطمة، ولا على السيدة فاطمة نفسها فى مكانها ومكانتها ومقامها الذى احتلته بمحبة النبى، صلى الله عليه وسلم، لها.
إننى ما زلت أذكر العبارة البليغة التى صكها الدكتور مصطفى الفقى «مصر مذهبها سنى.. وهواها شيعى»، وهى العبارة التى كان يتفاخر بأنه أول من صاغها على هذا النحو.
فعل «الفقى» ذلك من أرضية سياسية، ربما أراد أن يقرب وجهات نظر ما، ورغم أن هناك من يرددونها، لكنها لم تتحول إلى عبارة شعبية.
فالواقع يقول إنه لم يؤمن بها أحد، لسبب بسيط أن هوانا ليس شيعيًا، هوانا دائمًا مصريًا خالصًا، وحبنا للسيدة فاطمة لا يأتى أبدًا من أرضية التشيع، ولكنه خارج من أرض محبتنا الكاملة والمطلقة لآل البيت، رضوان الله عليهم أجمعين، نجيد نحن التفرقة بين الأشياء فلا يختلط علينا الأمر، ولذلك سخر المصريون ممن حاولوا توظيف السيدة فاطمة سياسيًا، لأنهم يعرفون جيدًا ومن قلوبهم أنها تخصهم فوق السياسة وفوق المذاهب وفوق الحروب.
ستطوى هذه الصفحة تمامًا، وسيتراجع من يحاولون إفساد الدين باللعب به سياسيًا.
لن يبقى لنا إلا محبتنا للسيدة فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها.
ولن يبقى إلا توسلنا الحلال بالنبى وآل البيت، عليهم صلاة الله وسلامه وبركته.
أما هؤلاء الذين يشوهون الدين بأهدافهم السياسية وأغراضهم الدنيوية الدنيئة فلن يبقى لهم ذكر أبدًا.







