فرز وتجنيب.. ماذا يقول المثقف فى زمن الحرب؟
- «النفعى» يعلن موقفًا يعرف أنه سيحصدمن خلاله منفعة
- «الواعى» يتحدث انطلاقًا من رؤيته الواضحة لأمن بلده القومى
لم يعد سهلًا أن نعرف ما الذى يجرى على الأرض، أو نقف على حقيقة ما يدور بين الأطراف المتصارعة على أرض الحرب المتجددة بين الأمريكان والإسرائيليين من ناحية وبين إيران من ناحية ثانية.. أو نلم بما تشهده دول الخليج التى تحولت إلى هدف مستباح رغم أنها لم تكن طرفًا أصيلًا فى المعركة.
قد تسخر وأنت تقرأ ما كتبته، وتقول بينك وبين نفسك: كيف لا يمكننا أن نعرف ما يحدث.. والأخبار تحيط بنا من كل مكان؟
القنوات الفضائية تغطى على الهواء مباشرة، تنقل الحدث ساخنًا، وأحيانًا تخبرنا به قبل أن يقع.
والمواقع الإلكترونية تلهث وراء الأحداث لا تتركها تفلت من بين يديها.
وعلى قنوات الـ«تليجرام» التى أصبحت الوسيلة الأسهل والأسرع، يمكننا أن نعرف تفاصيل التفاصيل.
ثم إن صفحات الـ«فيس بوك» وحسابات «تويتر» وقنوات الـ«يوتويب» لا تكف عن البث كل لحظة.. فكيف تقول إننا من الصعب أن نعرف ما يحدث؟
الإجابة ببساطة أننا بسبب هذا الطوفان الهائل المتدفق يصبح من السهل أن نعرف ماذا حدث.
لكن من قال إننى أتحدث عما يحدث؟
إننى أتحدث تحديدًا عن حقيقة ما يحدث، والفارق كبير بالطبع.
عندما تتابع وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية ومن يسير خلفهما ستجد أن إيران انتهت تمامًا، تقف على حافة الهاوية، تم تدميرها وقتل قادتها، وأصبحت ضعيفة ومنهكة، وكما يقول الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فإن الحرب اقتربت من نهايتها، لأنه كما يعتقد حقق أهدافه منها.
وعندما تتابع وسائل الإعلام الإيرانية ستجد حديثًا مختلفًا تمامًا، عن الانتصارات التى حققها الحرس الثورى، فالضربات على إسرائيل تتوالى، وتحقق إنجازات هائلة على الأرض، وأن الإيرانيين قادرون على حسم المعركة، لذلك أعلن الحرس الثورى ردًا على إعلان ترامب نهايته الحرب، أن ذلك ليس بيديه، وأنه إذا كان بدأ هو المعركة، فإنه لن يكون بيده أن يُنهيها.
وسائل الإعلام الخليجية خطت منذ البداية خطًا واضحًا، يقوم على إدانة ما قامت به إيران.
فبعد ساعة واحدة من بدء شن الهجمات عليها صباح السبت ٢٨ فبراير، وجهت مدفعيتها الثقيلة ناحية دول الخليج، وأعلنت عن أنها تستهدف بذلك القواعد العسكرية التى تستخدمها الولايات المتحدة ضدها، وأنها لا تقصد دول الخليج فى حد ذاتها، ورغم أننا رأينا فى الأيام الأولى للحرب صورًا وفيديوهات من داخل دول الخليج لآثار الضربات، لكن بعد ذلك تم قطع الطريق على أى صورة أو فيديو، وأصبحنا نتابع الأخبار نظريًا فقط عما يحدث.
على هامش هذه التغطيات الموجهة والمصنوعة بعناية حاولت وسائل الإعلام المصرية أن ترسم صورة موضوعية لما يحدث، واضعة فى اعتبارها إدانة ما تفعله إيران، فقد تجاوزت بما فعلته كل الأعراف والقوانين والتقاليد التى كان يجب مراعاتها.
عندما تضع تغطيات وسائل الإعلام جميعها أمامك، وتقرر أن تتحرك على خريطتها، فلن تخرج بحقيقة ما يحدث على الأرض، ولأن الإنسان منا يميل إلى إراحة نفسه، فسوف تميل إلى تصديق ما يتفق مع هواك، وما تريده أن يحدث، بصرف النظر عن الوضع على الأرض.
فى وسط هذا الزحام الذى لا يمكن أن تنكره أو تتنكر له، وجدت نفسى أبحث عن المثقفين العرب، هؤلاء الذين يجب أن يقوموا بدور تنويرى وسط هذا الضباب الهائل، فدورهم يجب أن ينصرف إلى إيضاح ما غمض على الناس، ولدينا فى الحقيقة عدد كبير من المحللين والمفسرين والخبراء الاستراتيجيين الذين يجيدون الكلام ولا يكفون عنه، وهؤلاء فى واقع الحال لم يقصروا فى الكلام، ولكن هل كان كلامهم صائبًا أو فى محله؟
هنا يمكننا أن نبدأ نقاشًا جادًا وصريحًا من جديد.
مع بداية الأحداث سألنى صديق عن رأيى فيما يحدث؟.
قلت له: قبل أن أقول لك رأيى أو يقول أحد رأيه، يجب أن يكون لدينا موقف، نحدد الزاوية التى نتحدث من خلالها، ونتفق على الأرضية التى نتحرك من خلالها، لأن ذلك ببساطة يجعل الصورة أوضح، فبدون موقف واضح ومحدد يمكن أن تغيب عنا الحقيقة.
والموقف الذى أرى أنه صحيح لتفسير ما يحدث هو أن تحدد مدخلًا يتناسب مع أمنك القومى، فإذا كنت مصريًا فيجب أن يكون موقفك متفقًا مع أمنك القومى، وإذا كنت خليجيًا فيجب أن يكون موقفك متسقًا مع الأمن القومى الخليجى، وإذا كنت إيرانيًا فحتمًا عليك أن يكون موقفك متفقًا مع الأمن القومى الإيرانى، ولن أكون مبالغًا أو مفارقًا الواقع إذا قلت إن هذا الأمر ينطبق على المواطن الإسرائيلى والمواطن الأمريكى أيضًا.
الحدث واحد.. لكن لا يمكن أن يكون الموقف كذلك.
لا أقول جديدًا، فالمفروض أن يكون هذا ما نتفق عليه ونلتف من حوله، فلغة المشاعر والعواطف لم تعد لها مكان، المصالح هى الحاكمة، فكل يرى بعين مصلحته، فى عالم لم يعد يعترف بالتحالفات المطلقة ولا بالمصالح المتداخلة.
الحروب صعبة إنسانيًا، قصص ضحاياها لا يمكن أن نتجاهلها أو نمر عليها مر الكرام، لا يشعر بوطأتها إلا أصحابها، ومهما أبدينا تعاطفنا معهم، أو بكينا على ما يلم بهم، فإننا لا يمكن أن نشعر بما يحسون به، لكننا فى النهاية لا نركن إليهم كثيرًا، نعبر على أوجاعهم ونتحدث عما تفعله الحروب بمن نجوا منها، وأصبحوا فى مواجهة تحديات سياسية واقتصاية هائلة.. ثم يمضى كل فى طريقه بعد ذلك.
من البداية حددت مصر موقفها، طالبت بعدم التصعيد، لأنه لن يكون فى مصلحة أحد، وهى عقيدة مصرية لا يمكن أن تتخلى عنها، فقد عانينا خلال السنوات الماضية من آثار حرب الإرهاب علينا، وهى آثار لا يمكن أن يتجاهلها أحد، رغم أننا من واجهنا الإرهاب وحدنا، فقد تخلى عنا الجميع، مرة بالتجاهل وإنكار أن هناك إرهابًا من الأساس، ومرة بإعانة الإرهاب وتوفير الملاذات الآمنة له، لكننا لم نستسلم أو نخضع، وخضنا الحرب بعزيمة وشرف واستطعنا أن نقف فى وجه الإرهاب حتى أنهيناه وجئنا على كل من يقومون به.
ولأننا نعرف ما الذى يمكن أن تفعله الحروب فى الدول، فإننا ننادى طوال الوقت أن تنتهى الحروب، وإذا بدأت فإننا نبذل كل ما فى جهدنا لعدم تصعيدها، حتى لا تقضى على الأخضر واليابس.
لا يفهم كثيرون فلسفة مصر فى التصدى للحروب، ولا يدرك كثيرون أبعاد العقيدة المصرية التى تقوم على الدعوة إلى السلام الذى يقود الدول إلى التنمية، وأن تتحول الأموال التى تذهب لتمويل الموت والخراب إلى وسيلة لصناعة الحياة والتنمية التى يستفيد منها الناس.
لذلك نرفض طوال الوقت المزايدة على موقف مصر، وأنظر بريبة كاملة لمن يقف فى صف الحرب.
لقد علمتنى مثل هذه الأحداث أن أقوم بعملية أشبه ما تكون بعمليات الفرز والتجنيب، وهى فى الحقيقة عملية سهلة فيما يخص المثقفين العرب، لأنهم يعلنون عن مواقفهم عبر صفحاتهم على شبكة التواصل الاجتماعى، ومن خلال تصريحاتهم التى يبادرون بالإعلان عنها.
ويمكننا عندما نضع خريطة المثقفين العرب، أن نرصد عددًا من المواقف على النحو التالى:
أولًا: هناك المثقف الصامت.. وهو المثقف الذى لا يتحدث أبدًا، لا يكتب شيئًا، ولا يصرح بشىء، وهو مثقف يشبه الشيطان الأخرس، فهو لا يعلن موقفه، لأنه لا يعرف هل يمكن أن يفيده موقفه إذا أعلنه أم سيضره، لذلك فهو يُؤثر السلامة، فهو يعرف جيدًا أن الحرب ستنتهى، لذلك فلا داعى لأن يخسر طرفًا من الطرفين، طالما أنهما يمكن أن يجلسا فى النهاية إلى مائدة مفاوضات، وينتهى بينهما كل شىء، فما الذى يضطره لأن يقول قولًا يحاسب عليه بعد ذلك.
ثانيًا: المثقف النفعى.. وهو مثقف لا يهتم بأن يقول ما يقتنع به، بل يميل إلى أن يعلن موقفًا يعرف أنه سيحصد من خلاله منفعة حتى ولو كانت رخيصة، إنه يقول بينه وبين نفسه أنه لا ناقة له ولا جمل فى هذه الحرب، وعليه فيجب ألا تكون سببًا فى خسارته، لذلك فهو يصنع لنفسه بوصلة تحقق له مكسبًا ولو سريعا، ويكفى نفسه شر القتال.
ثالثا: المثقف الرمادى.. وهو مثقف لا يقف على أرضية ثابتة.. لا موقف واضح أو محدد له، لذلك ترى ما يقوله مجرد تهويمات، فهو لا يتردد فى إعلان رأيه، لكنه يراعى فى صياغة هذا الموقف أن يكون فى منطقة رمادية تمامًا، تقرأ ما يكتبه أو تستمع لما يقوله، فلا تعرف على وجه التحديد أين يقف، ولا تستطيع أن تعرف حقيقة موقفه، وهو بهذا يحمى نفسه، يريد أن يظل فى منطقة آمنة لا يتورط فى شىء، فهو يقول ولا يقول.. وهؤلاء كثيرون جدًا نراهم من حولنا، لكنهم لا يجدون حرجًا فيما يفعلون، وبعد أن تنتهى الغمة ستجدهم يتقدمون الصفوف، ويطالبون بما يعتقدون أنه حقهم.
رابعًا: المثقف المغيب.. ومثل هذا المثقف نجد الكثيرين ممن لا يعرفون على وجه التحديد حقيقة ما يحدث، فيأخذون مواقف عنترية حتى لو كانت مخالفة لمصلحة بلادهم وأمنها القومى، المهم لديهم أن يكونوا فى مقدمة الصورة، يقولون كلامًا يبدو شجاعًا فيه رائحة النضال، رغم أنه نضال عشوائى، لكن هؤلاء صوتهم أعلى من الآخرين، فتجار النضال كثيرون من حولنا، ولا نستطيع فى الحقيقة أن نجادلهم لأنهم متبجحون بما يكفى.
خامسًا: المثقف المتوحد مع مصلحته.. وفى الغالب يكون هؤلاء متبجحون بما لا يتصور أحد، يدعى هؤلاء أن إسرائيل قادرة على أن تفعل كل ما تخطط له، وأنها تملك ما لا نملكه، ينحازون إليها بصورة مطلقة، وقد يقولون إنهم يفعلون ذلك لأنهم يقولون الحقيقة، لكن الحقيقة أنهم يفعلون ذلك ويضعون أنفسهم فى صف إسرائيل لضرب الروح المعنوية لخصوم إسرائيل وتشتيت انتباههم، لأنهم يريدون أن يلفتوا انتباه إسرائيل لهم، لأنه فى اعتقادهم أن ما يمكن أن يحصلوا عليه من إسرائيل أكبر بكثير مما يمكن أن يحصلوا عليه من بلادهم، ويظهر تبجح هؤلاء أنك عندما تواجههم بحقيقتهم، فإنهم يدعون الموضوعية ويقولون الحق، رغم أنهم أبعد ما يكونون عن الموضوعية وعن الحق.
سادسًا: المثقف الواعى.. ومثل هؤلاء للأسف الشديد صوته ليس عاليًا، فهم يتحدثون انطلاقًا من رؤيتهم الواضحة لأمن بلادهم القومى، ولا يتنازلون عن وجهة نظرهم، لكنهم لا يناضلون بما يكفى لتسود وجهة نظرهم، وللأسف فإن هؤلاء لا يلحون على الرأى العام بما يعتقدون أنه صحيح، رغم أنهم يجب أن يحتلوا الصورة كاملة، ففيما يقولون ما يتسق مع حفظ بلادهم واستقرارها.
إننى لا أحجر على رأى أحد، ولا أريد أن يكون الناس صوتًا واحدًا، ولا يمكن أن نفرض على المثقفين شيئًا، ونقول لهم إن هذا هو الصواب ويجب أن يتبعوه.
يمكن أن يكون هذا صحيحًا فى الظروف العادية، لكن فى الظروف الاستثنائية التى نعيشها فى ظلال الحرب يجب أن ينتبه الجميع، فلسنا فى رفاهية الجدل والخلاف، المصلحة الوطنية واضحة، ومن لا يراها فلا بد أن يبحث لنفسه عن علاج عاجل حتى لا يتورط أكثر من ذلك فى البعد عن الخط الوطنى الذى يجب أن يلتزم به الجميع.







