المخفى والمعلن والمريب فى قضية وزيرة الثقافة .. فتنة قوت القلوب الدمرداشية
- هالة البدرى سبقت الجميع إلى كشف الغطاء عن قوت القلوب الدمرداشية من خلال روايتها «نساء فى بيتى»
- ما فعلته جيهان كان صعودًا بقوت القلوب مرحلة أعلى وأهم مما فعلته سهير
- لم تكن سهير عبدالحميد أول من كتب عن السيرة الذاتية لقوت القلوب الدمرداشية ولا كتاب جيهان زكى اعتمد على كتابها وحده
- وضعت جيهان زكى اسم كتاب سهير عبدالحميد بين أسماء الكتب والمراجع العربية التى اعتمدت عليها
القضية ليست جديدة، سبق وانفجرت تفاصيلها قبل ذلك فى نطاق محدود.
لكنها أصبحت الآن حديث الرأى العام بعد أن تم اختيار الدكتورة جيهان زكى وزيرة للثقافة.
العنوان الكبير والأساسى للقضية هو أن هناك حكمًا قضائيًا يدين الوزيرة بالسطو على محتوى كتاب أصدرته الزميلة سهير عبدالحميد، صدر فى العام 2025 من المحكمة الاقتصادية فى القضية رقم 1631 لسنة 17 قضائية، بتغريمها 100 ألف جنيه.
قامت الدكتورة جيهان زكى بالاستئناف على الحكم، فتم تأييد حكم أول درجة، فلجأت الوزيرة إلى نقض الحكم وهى الدرجة الأخيرة من درجات التقاضى.. ولم يتم حسم الموقف حتى الآن من قبول النقض أو عدمه.. وبالتالى لم تتحدد بعد جلسة لنظر النقض.. وهو ما يشير إلى أن القضية لا تزال مفتوحة.
تحولت القضية- التى لدى كل طرف من أطرافها ما يقوله- من قضية ثقافية فكرية تدور حول الملكية الفكرية إلى قضية سياسية، وقد مرت من محطتها الثقافية إلى محطتها السياسية بمراحل عديدة، أعتقد أنها جديرة بالتوقف أمامها، وهو توقف لا أدين فيه أحدًا..
لا وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكى، التى يقف خلفها عمل ثقافى مشهود ومقالات وكتب ودراسات مهمة وملهمة نشرتها داخل مصر وخارجها.
ولا الزميلة الكاتبة سهير عبدالحميد، وهى كاتبة مرموقة لها إسهاماتها الصحفية وكتبها المهمة التى تبحث من خلالها عن المخفى فى تاريخ مصر.
فى العام ٢٠٢٤ صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب الدكتورة جيهان زكى «كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية.. ضفائر التكوين والتخوين» بمقدمة أولى للكاتب الصحفى سيد محمود، عنونها بـ«حوار تاريخى بين امرأتين فى سحب الغياب».
بعد أن استعرض سيد محمود، وهو محرر ثقافى مرموق، منهج جيهان زكى فى المقارنة بين كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية وصف الكتاب بأنه مغامرة فنية تغلب عليها فى أحيان كثيرة لغة التخييل الأدبى، ويطغى عليه الطابع العاطفى المنحاز لاعتبارات التضامن النسوى المعتادة فى مثل هذه الكتابات.
وعن المؤلفة، يقول محمود، الذى يبدو من سياق حديثه أنه قرأ الكتاب جيدًا وراجعه جيدًا أيضًا: كتبت المؤلفة كتابها بالحماس الذى اعتدته منها، أنا وغيرى ممن راقبوا الطريقة التى تعمل بها، فقد وصفتها فى مناسبة سابقة بـ«ذات الهمة»، وهى كذلك بالفعل، لا تكف عن الحركة أو التفكير أو العمل لتأكيد حقيقة واضحة، هى أن المرأة تستطيع بالمثابرة والعطاء أن تميز نفسها فى مجال العمل العام من موقع الندية والقيادة.
وفى مقدمة ثانية كتبها «كرسيتيان لوبان»، الأثرى الفرنسى عضو المجمع العلمى المصرى، نتعرف على جوانب من حياة قوت القلوب الدمرداشية، وهى جوانب دقيقة لأن «لوبان» كان قد سبق ودرس حياة قوت القلوب، كان ذلك فى العام ١٩٧٣ بعد وفاتها بسنوات قليلة، فقد ماتت مقتولة فى العام ١٩٦٨، حدث هذا أثناء وجوده فى القاهرة فى زيارة إلى مكتبة «الليفر دى فرانس»، حيث كشفت له «إيفيت فارازلى»، صاحبة المكتبة، عن روايات قوت القلوب التى كانت جميعها تستهل بمقدمات كتبت بأقلام كبار الأكاديميين ذوى الأسماء المرموقة.
بمعرفته بتفاصيل حياة قوت القلوب وإبداعها الأدبى يتحدث «لوبان» عن كتاب جيهان زكى ويقول: إننى أثنى على هذا الإصدار الذى أرى بين ثناياه نوعًا من التكريم تقدمه جيهان زكى لـ«قوت القلوب الدمرداشية» فى هذه الدراسة المقارنة مع ابنة جيلها كوكو شانيل، مما يسهم بلا شك فى إحياء ذكرى هذه الأديبة التى عاشت فى القرن العشرين، ونجحت عبر كتاباتها فى أن تدافع بمهارة عن قضية تحرير المرأة، وهى لا تزال من أهم قضايا الساعة فى جميع أنحاء العالم.
حددت جيهان زكى منهجها فى الجمع بين كوكو شانيل وقوت القلوب مما يعتبره البعض حقيقة؛ وهو أن «الشرق والغرب لا يلتقيان أبدًا»، فهى عبارة بالنسبة لها كثيرًا ما تتردد على لسان المؤرخين، ولكن الحقائق ووقائع الحياة كانت أحيانًا كثيرة ما تغاير ذلك وتعطى براهين على أن هذين العالمين- مهما اختلفا- فيمكنهما التماس والتناص عبر النسيج الفكرى والقوام الإنسانى والذكاء الوجدانى وماهية المشاعر.
وتضيف جيهان: لعل النموذج الشرقى- الغربى الذى جمع كوكو شانيل وقوت القلوب هو واحد من أبلغ النماذج الدالة والمؤكدة على ذلك؛ إحداهما ولدت على ضفاف النيل والثانية فى قلب بلاد الفرنجة، فى قالب جغرافى وإطار تاريخى شبه متضاد، غير أن مسيرتهما تشهد تلامسًا وجدانيًا وفكريًا فى أوجه متعددة، دون أن تسمح الأقدار بلقائهما الفعلى أثناء مشوار حياتهما.
جمعت الأقدار بين كوكو شانيل وقوت القلوب- كما تقول جيهان- فى سجل الزمان، أى على صفحات كتب التاريخ والسرديات التى تعرضت لسيرتهما الذاتية أو للمحات من حياتهما المهنية، فرأينا تشكيلهما منذ سنوات الطفولة الأولى فى قالب اجتماعى ذى طابع دينى، فقد جاءت نشأة «كوكو» فى «نزل كاثوليكية» ذاقت فى رحابها صرامة التعاليم الدينية والتنشئة القائمة على الانضباط والتكوين الذى جمع بين الاستقامة الدراسية من ناحية، والمرونة الفنية التى أسهمت بقدر كبير فى صقل ملكاتها الإبداعية من ناحية أخرى.
وتصل جيهان زكى إلى قوت القلوب.
تقول: وعلى بعد أميال من بلاد الفرنجة نحو الجنوب، فتاة أخرى أراد الله لها أيضًا هذا القالب المجتمعى ذا الطبيعة الدينية، فها هى «قوت القلوب» التى نمت وترعرعت فى أجواء إسلامية صوفية، حيث الحلقات النقاشية الدينية وعذوبة صوت الأذان والنشأة القائمة على الالتزام والانضباط والتكوين المحافظ على العادات والتقاليد، فجمعت بين الأصالة الشرقية وبالتوازى تشبعت بمذاق الثقافة الفرنكفونية التى عرفتها فى محيطها المنزلى من قبل مربياتها الأجنبيات، بل وتلقتها أيضًا على أيدى أساتذتها فى صفوف مدرستها.
وتجمع جيهان زكى بين «كوكو شانيل» و«قوت القلوب» فتقول: مرت الأيام وخطت كل من الفتاتين بخطوات ثابتة على الدرب الذى رسمه لهما الزمان، فإذا بالروح تنضج وتسمو وتحلّق فيما أسميته «العالم الثانى»، فالتقت أرواحهما فى بحور الإبداع والعشق والهوى، حيث سبحتا ضد التيار على دقات قلوبهما لرجال يصغرونهما سنًا، اصطحبوهما فى أيام وردية تنسمتا من خلالها عبير الحب، كل منهما فى عالمها أظهرت قوة وذكاء واستطاعت إعلاء لواء الإرادة والمثابرة، وكانتا خير مثال لشجاعة المرأة وتجليها فى مجال الفنون فى التاريخ المعاصر.
وتكتب جيهان زكى مشهد النهاية فى حياة بطلتيها، تقول: وبين عامى ١٩٦٨ و١٩٧١ أسدل الستار على حياتهما، كوكو فى باريس، وبالتحديد فى فندق الريتز الذى عاشت فى رحابه أجمل أيام حياتها وأبهجها، أما «قوت القلوب» فقد لاقت حتفها فى روما «المدينة الخالدة»، حين فارقت الحياة وقلبها ملىء بالحزن والشجن بما لا تستحقه، فالبرغم من كم العطاء الذى وهبته لمن حولها طوال حياتها ولحظات السعادة التى خلقتها ونور المعرفة الذى غزلته هنا وهناك على ضفاف النيل، فإن نفس هذا القدر قد قسا عليها وضربها بخنجر «خيبة الأمل» بيد أعز أحبابها، وهو ابنها مصطفى الذى لم يرث نعمة الحنو والعطاء من أمه.. فقتلها.
تبدو لى جيهان زكى من المقدمة التى كتبتها صاحبة فكرة مبتكرة، كان يمكن أن تفرد كتابًا خاصًا لقوت القلوب، وكان يمكنها أن تفعل ذلك مع كوكو شانيل، لكنها قررت أن تجمع بينهما لما بينهما من تشابه، وهى بالفعل فكرة مبتكرة لم يسبقها إليها أحد من قبل، رغم أن هناك من كتب عن قوت القلوب وكوكو شانيل قبلها بشكل منفرد، ولم تنكر هى ذلك بل أشارت إليه وأكدته أكثر من مرة فى كتابها.
قبل أن يصدر هذا الكتاب بعامين، وفى ٢٠٢٢ صدر للكاتبة سهير عبدالحميد كتابها «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية»، عن دار ريشة التى يملكها ويديرها الناشر التنويرى حسين عثمان.
تعترف سهير فى تقديمها لكتابها بأنها لم تكن تعرف اسم قوت القلوب الدمرداشية إلا حين حاولت البحث عن سر هذا الجامع العتيق «المحمدى» وذاك القصر الملاصق له «قصر عبدالرحيم باشا الدمرداش»، الكائنين فى منطقة الدمرداش بالعباسية، وماهية علاقتهما بالمستشفى المقام على بعد خطوات منهما، والمعروف باسم «مستشفى الدمرداش».
فى هذا اليوم قادت خطوات سهير الكاتبة فيها إلى قصة متشعبة التفاصيل، فوجدت نفسها وكأنها عبرت بوابة الأساطير لتجد نفسها فى عالم مغاير، اختلطت فيه أمارات الأرستقراطية بممارسات الزهد والتقشف، وعلت فيه أصوات الذكر ممتزجة بنغمات الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، وجاورت فيه كتب الأدب والفن كتب التراث الدينى.
رأت سهير عبدالحميد أن حياة قوت القلوب الدمرداشية تصلح لحبكة فيلم روائى متعدد الزوايا وثرى الرؤى، فقررت أن تبحر فى عمق سيرة حياة صاحبة القصر، المرأة الغامضة التى حاولت الخروج من شرنقة التقاليد الشرقية التى تربت عليها، فأمسكت بقلمها تدافع عن حقوق المرأة فسبقت الكثير من الأديبات فى الانتصار للمرأة ضد أفكار متوارثة حكمت عليها دومًا بالبقاء فى الظل، سيدة المجتمع التى اقتحمت عوالم الثقافة واستقبلت فى قصرها علية المفكرين المصريين والفرنسيين، وفى الوقت نفسه لم تكن تخرج للعالم وتتعامل معه إلا من وراء حجاب كان يغطى وجهها.
كان هدف سهير هو إعادة إنتاج قصة قوت القلوب الدمرداشية، إزالة التراب عن سيرتها، رد الاعتبار لكاتبة أسهمت بقدر كبير فى إنصاف المرأة والدفاع عن حقوقها فى مجتمع لم يكن يرى أن للمرأة أى حقوق.
وأعتقد أن ما فعلته جيهان زكى تقريبًا كان عزفًا على نفس الهدف، الذى يسعى إلى تحقيقه كثيرون غيرهما، لكن ما فعلته جيهان كان صعودًا بقوت القلوب مرحلة أعلى وأهم مما فعلته سهير، فبينما غرقت سهير فى التفاصيل المحلية لقوت القلوب، حلّقت بها جيهان عالميًا من خلال مقارنتها بحياة وعطاءات كوكو شانيل، وأعتقد أن هذا طبيعى لفارق النشأة والتكوين والتعليم بين سهير وجيهان.
المفارقة أنه لا سهير ولا جيهان كانتا صاحبتى السبق فى تقديم قوت القلوب الدمرداشية إلى القراء فى ثوب إبداعى جديد.
عمل سهير لا يمكن أن يندرج تحت بند الأعمال الإبداعية، فهو تحقيق صحفى مطول ودقيق وموسع وشامل ورائع يتناسب مع جهد سهير المعروفة به منذ بداياتها الصحفية.
كانت هناك أديبة أخرى سبقت الجميع إلى كشف الغطاء عن قوت القلوب الدمرداشية من خلال روايتها «نساء فى بيتى»، التى صدرت فى العام ٢٠١٩، عن الدار المصرية اللبنانية، أى أنها صدرت قبل كتاب سهير بـ٣ سنوات، وقبل كتاب جيهان بـ٥ سنوات.
العلاقة التى ربطت بين هالة البدرى وقوت القلوب الدمرداشية كانت أقوى وأعمق من علاقات سهير وجيهان بها.
جمعت هالة البدرى فى روايتها بين الشاعرة النمساوية «إنجيبورج باخمان» والرسامة الأمريكية جورجيا أوكيف، والكاتبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية وبينها كروائية مصرية، فى حالة إبداعية جديرة بالقراءة والتأمل.. فلا أخفى عليكم كم المتعة التى وجدتها وأنا أتجول بين صفحات الرواية.
ترفض سهير ما قيل عن أن هالة البدرى كتبت عن قوت القلوب قبلها، وسبقتها إليها عندما أصدرت روايتها فى العام ٢٠١٩، وتحتج بذلك بأنها سبقت وكتبت عن قوت القلوب فى مجلة «نصف الدنيا» التى كانت تعمل بها، وتقصد تحقيقها الذى نشرته بعنوان «قوت القلوب» فى العام ٢٠٠٥ على صفحات المجلة، وتحقيقها «قوت القلوب الدمرداشية» الذى نشرته على صفحات جريدة «الأهرام» فى ٢٩ نوفمبر ٢٠١٩.
لم تنتبه سهير إلى أن هالة البدرى لم تقدم قوت القلوب الدمرداشية إلى القراء من خلال روايتها الصادرة فى العام ٢٠١٩ فقط، بل فعلت ذلك فى مقالها الذى نشرته على صفحات مجلة «الإذاعة والتليفزيون» فى ٢٨ أغسطس ١٩٩٩، فى باب «تقاسيم ثقافية»، وكان عنوانه «اكتشاف كاتبة.. رمزة ابنة الحريم».
عندما عدت إلى قائمة المراجع التى استعانت بها سهير عبدالحميد فى كتابها «سيدة القصر» وجدت أنها اكتفت بذكر رواية هالة البدرى «نساء فى بيتى»، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى مقال هالة بمجلة «الإذاعة والتليفزيون»، وأغلب الظن أنها لم تقرأه ولم تعرف عنه شيئًا، وإلا كانت أثبتته فى المراجع، لأنها حرصت على أن تشير إلى كل مصادرها ومراجعها، وهو ما يشير إلى أنها لم تقم بالبحث الكافى وهى تعمل على كتابها، وهو ما جعلها تغفل تمامًا فضل هالة البدرى فى اكتشاف قوت القلوب وتقديمها إلى القراء من باب المعلومات قبل أن تفعل ذلك من باب الخيال فى روايتها.
تشير هالة البدرى فى روايتها إلى أنها تعرفت على قوت القلوب الدمرداشية للمرة الأولى فى سيرة نجيب محفوظ المنشورة، وفيها إشارة لحصوله على أول جائزة فى حياته ومقدارها عشرون جنيهًا عن روايته «رادوبيس» من قوت القلوب الدمرداشية التى خصصت من خلال صالونها الأدبى جائزة للشباب آنذاك.
لم تكن هذه المعلومة جديدة بالنسبة لى، فقد عرفت قوت القلوب من سيرة نجيب محفوظ أيضًا، وأعتقد أن كثيرين عرفوها بهذه الطريقة، لكن يبدو أن هالة البدرى كانت مختلفة، تساءلت: لماذا نعرف مى زيادة، ولا نعرف قوت القلوب؟
وتجيب عن سؤالها: قالوا لى لأنها كانت تكتب بالفرنسية، قلت لنفسى ربما لأن حياة «مى» نفسها قد شغلت الكثيرين، وبعض كبار الكتّاب قد وقع فى غرامها، بسبب نمط الحياة الذى كان غريبًا عن المصريين، ذاك الوقت، وربما الموت الفاجع لـ«مى» فى مستشفى للأمراض العصبية.
بدأت هالة تبحث عن قوت القلوب، فعرفت أنها ابنة عائلة شديدة الثراء، أقامت مستشفى الدمرداش، وهو مستشفى شعبى مجانى وسط القاهرة، وأن وقف عائلتها ينفق على هذا المستشفى، ولم تكن تعلم فى حينها أن حياة قوت القلوب فيها من التراجيديا ما هو أكثر عنفًا وقسوة من حياة مى زيادة، وأن التعتيم عليها لم يأتِ صدفة، كما توهمت.
بعد سنوات كثيرة لفت انتباه هالة صدور رواية مترجمة عن اللغة الألمانية عن دار الهلال، بعنوان «رمزة ابنة الحريم»، لقوت القلوب، فاشترتها، بهرتها الكتابة، لكنها تعجبت، فمعلوماتها أنها كانت تكتب بالفرنسية وليس بالألمانية، لكن يبدو أن المترجم دسوقى سعيد أحب الرواية، ولم يجد لأعمال الكاتبة أى ترجمة عربية، فترجم الرواية من اللغة التى يجيدها أكثر.
فى مقدمة المترجم لرواية «رمزة ابنة الحريم» ذكر دسوقى سعيد معلومات كثيرة عن قوت القلوب، وأشار إلى أن مجلة «الهلال» نشرت فى عدد ديسمبر ١٩٤٩ ملخصًا لرواية قوت القلوب «زنوبة».
عدت إلى مجلة «الهلال»، فوجدت المقال منشورًا فى ٢٢ صفحة، بمقدمة صغيرة جدًا، تقول: وضعت هذا الكتاب بالفرنسية السيدة قوت القلوب الدمرداشية، وهى قصة رائعة مفصلة لحياة الأسرة المصرية فى أوائل الجيل الحالى، فأدت بذلك خدمة كبيرة للوطن والأدب، وقد صدر الكتاب بمقدمة كتبها «جيروم» و«جان ثارو».
تقول هالة فى روايتها: شعرت بمسئولية تجاه قوت القلوب، وكتبت عنها مقالًا نشرته- تقصد مقال مجلة الإذاعة والتليفزيون- ثم رحت أذكر بها فى كل المحاضرات الأدبية والمؤتمرات التى حضرتها، ويتم الحديث فيها عن الريادة، وكثيرًا ما سألت عن المترجم، لكنى لم ألتقه أبدًا، وقيل إنه يعيش فى الخارج، كنت أشعر بغيظ حقيقى لتجاهلها، ونسبة مكانها لغيرها، لم أشعر بأن السبب هو لكونها امرأة لأن التى تذكر بدلًا منها هى امرأة، ورحت أطرح السؤال فربما أجد عند البعض إجابة، وأسأل الجامعات ومراكز البحث، لماذا لم تعط هذه الكاتبة حقها؟ بل إنى راجعت ما كنت أقوله دائمًا من أن رواية «الباب المفتوح» لـ«لطيفة الزيات» هى أول رواية تقنعنى بالمستوى العالى فنيًا لأعمال الكاتبات التى تستطيع المنافسة مع أعمال الرجال، لأن رواية «رمزة ابنة الحريم» تقف شامخة فى تقنيات عصرها.
هالة البدرى إذن هى أول من قدم قوت القلوب الدمرداشية إلى القراء، بحثت عنها وكشفت قصة حياتها وأدبها ورواياتها، وأعتقد أنها تضيق بما يحدث الآن من تجاهل لها.
رفضت هالة البدرى الحديث عما يدور الآن، لكنها أشارت إلى الصحفيين الذين تحدثوا معها، إلى أنها سبقت الجميع، ومن كتبوا عن قوت القلوب بعدها نحتوها حرفيًا، لكنها غير مهتمة بذلك.
بعد صدور كتاب جيهان زكى «كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية» تقرر أن تقام ندوة لمناقشته فى معرض الكتاب دورة العام ٢٠٢٤، فى ٢٧ يناير، وتقرر أن يديرها الكاتب الصحفى سيد محمود، وتناقشها كل من الكاتبة والنائبة ضحى عاصى، والكاتبة الصحفية سهير محمود التى هى سهير عبدالحميد.
فى ٢٥ يناير ٢٠٢٤ كتبت سهير على صفحتها: إلى من يهمه الأمر.. معتذرة منذ الأمس للهيئة العامة للكتاب عن عدم حضور هذه الندوة، لسبب سأعلن عن تفاصيله فى حينه، وبغض النظر عن اسمى المكتوب خطأ فى الدعوة المرسلة إلىّ رغم أن كتابى «قوت القلوب الدمرداشية» الصادر عن دار ريشة منذ عام مضى، هو المرجع الوحيد للحديث عن قوت القلوب فى الكتاب موضوع الندوة، ولكن الاعتذار لسبب جوهرى سننشر تفاصيله قريبًا، أنا كمؤلفة للكتاب الذى هو أول سيرة ذاتية عن قوت القلوب الدمرداشية والأستاذ حسين عثمان كناشر الكتاب.
كان اعتذار سهير غامضًا ومريبًا بعض الشىء، لكنها لم تكن دقيقة، وأعتقد أنها كذبت فيما تقوله، فلم تكن هى أول من كتب عن السيرة الذاتية لقوت القلوب الدمرداشية ولا كتاب جيهان زكى اعتمد على كتابها وحده، ولكن هناك مراجع أخرى، ومصادر مختلفة يحفل بها الكتاب، وقد ذكرتها جيهان فى متن الكتاب وفى قائمة المراجع.
هنا يمكن أن نمسك معًا بما يمكننا اعتباره ثقة جيهان زكى فى كتابها، ومعرفتها بالجهد الذى بذلته فى تأليفه، وكذلك معرفتها بجهد الآخرين الذين اعتمدت عليهم، وهى تكتب عن قوت القلوب، ومنهم سهير عبدالحميد، ففى أى ندوة لمناقشة كتاب يكون المؤلف طرفًا فى اختيار من يناقشونه، وحرص جيهان أن تكون سهير من بين المناقشين يؤكد أنها لم تسطو على كتابها، ولم تتغول عليها، فهى لا تخشى من مناقشتها للكتاب، بل يمكن اعتبار اختيار سهير للمناقشة اعترافًا من جيهان بمجهودها الذى لا تنكره، ولو كانت سرقته لما تورطت فى دعوتها لمناقشة الكتاب.. فهى لا تخشى شيئًا ولا تحاول أن تخفى شيئًا.
بدأت سهير عبدالحميد رحلة طويلة فى تتبع جيهان، بدأت بتقديم شكوى إلى مكتب وزيرة الثقافة وقتها الدكتورة نيفين الكيلانى، وقد وصلت هذه الشكوى مفتوحة- والدلالة واضحة- إلى مكتب الدكتور أحمد بهى الدين العساسى رئيس هيئة الكتاب- ناشرة كتاب جيهان وقتها-، ولأن العساسى كان حريصًا على تقصى الدقة، فقد قام بتشكيل لجنة لفحص الكتاب، وزيادة فى الحيطة والحذر كان هو من سحب الكتاب وأعاده إلى المخازن، وكانت وجهة نظره وقتها أن هناك خلافًا على الكتاب فلا داعى لتداوله حتى يتم حسم الخلاف.
كنت أشعر أن هناك شيئًا غير طبيعى، فالإجراءات سريعة ومتحفزة، وشعرت بأن هناك من يترصد لجيهان بعد تقديم الشكوى، وسمعت أن هناك رغبة فى إدانتها لأن هناك من يرشحها لمنصب وزارى مهم، وسيكون حرقها من خلال هذه الأزمة مناسبًا لقطع الطريق على صعودها.
فى هذا الوقت عرفت أن الدكتورة جيهان تواصلت مع حسين عثمان ناشر الكتاب ومؤلفته سهير عثمان لشراء حقوق بعض الصور المنشورة فى الكتاب، لكن لم يتم التفاهم بينهم، ربما لأنه كانت هناك مبالغة فى القيمة التى طلبها الناشر، فبدأت جيهان فى البحث عن المصادر الخاصة بها، ولم تتجاهل كتاب سهير، فهو فى النهاية مرجع مهم.
حرصت جيهان على الإشارة إلى كتاب سهير ثلاث مرات فى الكتاب، وهى إشارات لم تغفل فيها الثناء عليها وعلى مجهودها.
تقول جيهان: «فى الحقيقة لم أكن قد صادفت رغم طبيعة دراستى الأدبية التاريخية اسم هذه السيدة التى عاشت فى القاهرة جنوب البحر المتوسط فى نفس الفترة التى أرادت فيها الأقدار لـ «كوكو شانيل» أن تولد وتعيش أيام حياتها، شمال نفس هذا البحر الذى يفصل القارة السمراء عن القارة العجوز، وحينما قرأت ما سردته الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد فى كتابها (سيدة القصر) عن عدم معرفتها هى الأخرى باسم (قوت القلوب) قبل بداية أبحاثها عن مستشفى الدمرداش، رغم عملها فى جريدة الأهرام وسط الزخم الأدبى والصحفى الأكبر فى مصر، استشعرت تمامًا مثل هذه الكاتبة الواعية هذا الواجب الأدبى والوطنى بضرورة تسليط الضوء على هذه الأديبة ذات النهج الحياتى غير التقليدى، التى تستحق أن يسطع نور معرفتها على وجه الوطن بما يليق بإنجازات حياتها».
وتقول فى موضع آخر: «فى هذا الموضوع تؤكد الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد فى كتابها (سيدة القصر) التى استفاضت فى تفاصيل السيرة الذاتية للأديبة، أن لقب صاحبة العصمة كان ملازمًا للسيدة قوت القلوب، ولصيقًا باسمها عندما نشرت أخبارها على صفحات الجرائد».
وفى موضع ثالث تحرص جيهان زكى على أن تنسب لسهير عبدالحميد تسمية قوت القلوب بـ« سيدة القصر»، فهو توصيف خاص بها، ولا يمكن لأحد أن يعتدى عليها فيه.
وفى قائمة المراجع وضعت جيهان زكى اسم كتاب سهير عبدالحميد بين أسماء الكتب والمراجع العربية التى اعتمدت عليها، فقد اعتمدت على المصادر الآتية:
أولًا: جوستين بيكاردى، كوكو شانيل الأسطورة والحياة، دار الخيال ٢٠١٩.
ثانيًا: ماريا إيزايل ساسنشيز، أطفال بأحلام كبيرة «كوك شانيل» ٢٠١٩.
ثالثًا: سهير عبدالحميد، اغتيال قوت القلوب الدمرداشية.. سيدة القصر، دار ريشة ٢٠٢٢.
رابعا: أحمد رجائى، ١٠٠٠ شخصية نسائية مصرية، ط ١، القاهرة ، دار التحرير، ١٩٩٤.
خامسًا: السيد أبوالنجا، مع هؤلاء، مؤسسة أخبار اليوم، ١٩٨٥.
سادسًا: ناصر الدين النشاشيبى، نساء من الشرق الأوسط، دار رياض الريس ١٩٨٨.
سابعًا: قوت القلوب، مصادفة الفكر، دار المعارف، مصر ١٩٣٧.
ثامنًا: روبير سوليه، مصر ولع فرنسى، دار المستقبل العربى، ١٩٩٩.
تاسعًا: قوت القلوب، حريم، دار جليمار، ١٩٣٧.
لم تغفل جيهان الإشارة إلى كتاب سهير بين المراجع، ولو كانت سرقت منها نصف كتابها كما تقول لما أشارت إليها، ثم إنها اعتمدت على كتب أخرى، وليس كما ادعت سهير بأن كتابها كان الكتاب الوحيد فى قائمة المراجع.
تحتج سهير ببعض الفقرات التى تشابهت فيها تعبيرات وعبارات بين كتابها وكتاب جيهان، وتحتج بتقرير المحكمة أيضًا والحكم الذى صدر، ومع احترامنا الشديد لأحكام القضاء، إلا أن المشكلة أن سهير تعمدت أن تقوم بأكبر عملية تضليل للرأى العام، وهى تتحدث عن هذا الحكم، عندما اتهمت كل من يناقش القضية بأنه لا يحترم القضاء، رغم أنها من تفعل ذلك فى كل ما تكتبه.
لدى سهير حكم قضائى هذا صحيح، لكنه لم يصبح حكمًا نهائيًا باتًا بعد، فلا تزال هناك مرحلة النقض، وكان عليها أن تتنظر حكم محكمة النقض، لكنها استبقت الأحداث وتعاملت مع الحكم على أنه نهائى، ولن أبالغ عندما أقول إن سهير تمارس نوعًا من الإرهاب المعنوى ضد المحكمة، فهى تستعين بالرأى العام فى مواجهة محكمة النقض، تتحدث وكأن القضية انتهت تمامًا، وليس من حق أحد أن يتحدث، ولا أدرى ما الذى يمكن أن تقوله سهير إذا صدر حكم محكمة النقض لصالح جيهان.. أعتقد أنها من المفروض أن تصمت قليلًا.
لم تكن سهير عبدالحميد موضوعية أبدًا فى إدارة هذه المعركة، استخدمت كل أسلحتها لتقول إنها على حق، وفى هذا الإطار نشرت معلومات غير دقيقة، وحرصت على تسريب مستندات ووثائق منقوصة، وهو ما جعلنى أذهب إلى أن القضية ليست فكرية أو أدبية فقط، ولكنها أصبحت معركة سياسية، خاصة أن أطرافًا كثيرة تداخلت فيها، وكل طرف له هدفه وغرضه ومراده.
ما يحيرنى أن هناك كتابًا ونقادًا كثيرين يرون أن الحق مع جيهان زكى، وقد تلقيت مقالًا كتبه ناقد كبير ومرموق، طلب أن ننشره، لكنه طلب ذلك بدون اسمه، وحتى أضع أمامكم بعض الحقائق، فإننى سأنشر المقال هنا كاملًا، مع احتفاظى باسم الناقد الكبير، وتحفظى على هذا المسلك، فليس معقولًا أن يتردد أحدهم عن قول كلمة حق، لمجرد أنه يخشى الرأى العام.. أو لا يريد أن يورط نفسه فى معركة، رغم أن الموقف فيها واضح.
هذا هو نص المقال دون أدنى تدخل منى:
فى سياق المقارنة بين كتابى سيدة القصر للكاتبة سهير عبدالحميد وكوكو شانيل للدكتورة جيهان زكى، يجب أن نسأل هل انفردت سهير عبدالحميد بالجزء الخاص بعرض حياة قوت القلوب الدمرداشية؟ هل كانت صاحبة السبق فى استقصاء جوانب حياتها كلها من مصادرها؟
الحقيقة أن سهير عبدالحميد لم تنفرد بعرض حياة قوت القلوب الدمرداشية وبخاصة فى اللغة العربية، لأن سبقها إلى هذا العرض والاستقصاء الكاتبة هالة البدرى فى روايتها «نساء فى بيتى» الصادرة ٢٠١٩ وهو عرض سردى لسيرة كاملة باللغة العربية لحياة قوت القلوب الدمرداشية وتاريخها ومأساتها.
أغلب مصادر قصة حياة قوت القلوب الدمرداشية- المساحة محل التنازع والتشابه- متوافرة باللغتين الفرنسية والإيطالية. والدكتورة جيهان زكى هى الأكثر اتصالًا بالثقافتين الفرنسية والإيطالية، وقد أشارت فى كتابها إلى بعض مصادرها مثل الكتب الصادرة عن دار جاليمار الفرنسية الشهيرة، فضلًا عن أن قوت القلوب الدمرداشية كانت تكتب باللغة الفرنسية والدكتورة جيهان زكى حصلت على الدكتوراه من فرنسا وعاشت فيها، وأقامت أيضًا الدكتورة جيهان زكى فى روما وهى المدينة التى ماتت فيها قوت القلوب الدمرداشية. كل هذه التقاطعات والعوامل كانت حوافز طبيعية لتجعل المؤلفة الدكتورة جيهان زكى تهتم بحياة قوت القلوب الدمرداشية وتكتب عنها.
فى عام ٢٠٢١ أى قبل أن تصدر الكاتبة سهير عبدالحميد كتابها سيدة القصر ألقت الدكتورة جيهان زكى محاضرة فى المجمع العلمى المصرى عن فكرة الثنائيات النسائية وصرحت بفكرة كتاب تخطط له عن حياة قوت القلوب الدمرداشية وكوكو شانيل. أى أنها تهتم بحياة قوت القلوب الدمرداشية قبل ظهور كتاب سهير عبدالحميد، وأنها كانت تجمع مادة علمية عنها من المصادر والمراجع الأجنبية التى يرجح أن مؤلفة سيدة القصر لم تطلع عليها وهى التى لم تثبت صلتها باللغات الإنجليزية والإيطالية.
إذن قصة حياة قوت القلوب الدمرداشية هى قصة تاريخية حقيقية مثل قصص كثير من الشخصيات التاريخية فهى مثل قصة حياة سعد زغلول أو هدى شعراوى أو طلعت حرب أو طه حسين أو نجيب محفوظ، ليست مؤلفًا أو ليست حكاية مخترعة وليست حبكة قصصية ابتكرها مؤلف معين. بل هى قصة حقيقية تاريخية لم تكن سهير عبدالحميد أول من عرض لها أو استقصاها من مصادرها وكتبها فى اللغة العربية بل ثبت أن الكاتبة هالة البدرى سبقت سهير عبدالحميد نفسها ولو كان هناك شبهة أخذ لمجهود استقصائى ستكون سهير عبدالحميد هى التى استفادت من جهد هالة البدرى فى روايتها نساء فى بيتى خاصة وأن هالة البدرى أشارت للمصادر والمراجع الأجنبية وقد سبقت سهير عبدالحميد بأربع سنوات.
أخيرًا فيما يخص القيمة الإضافية لمعنى التأليف
لقد وضعت الدكتورة جيهان زكى قصة حياة قوت القلوب الدمرداشية وهى القصة التاريخية الحقيقية فى إطار تأليفى أوسع وأشمل، حيث جعلتها جزءًا من إطار تأليفى أوسع يبتغى المقارنة بين سيدتين هما كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية، فتحولت بذلك القصة التاريخية لوحدة تأليفية تخدم فكرة أكبر وأشمل، وهى المقارنة بين سياقات نسائية واجتماعية وثقافية واقتصادية متباينة، ومن هنا فإن القيمة المضافة والمعنى التأليفى متحقق ومتوافر بدرجة كبيرة لكتاب كوكو شانيل وقوت القلوب أكثر من كتاب سيدة القصر الذى اكتفى بالقصة التاريخية فقط، ولم يقدم أى إضافة عما سبق تقديمه عن حياة قوت القلوب الدمرداشية، خاصة عند هالة البدرى فى روايتها نساء فى بيتى. والقيمة التأليفية هى التى تدل على الابتكار فى الكتابة ومدى التجديد.
فكيف يتم اتهام كتاب تزيد فيه مساحة الاختلاف والابتكار بأنه أخذ من كتاب آخر أقل منه فى القيمة التأليفية والابتكار؟
يمثل خط المقارنة بين الشخصيتين النسائيتين والمقابلة بين حياتهما خطًا أساسيًا وقيمة إضافية مهمة فى كتاب الدكتورة جيهان زكى، فيما اقتصر كتاب سهير عبدالحميد على خط تاريخى واحد توقف عند حدود عرض حياة قوت القلوب الدمرداشية، أى أنه أقل فى القيمة التأليفية وفى أهدافه وأفكاره، فكيف يكون الأكثر متهمًا بالأخذ من الأقل؟
السؤال الأخير.. هل القصة الحقيقية والتاريخية لحياة شخص يمكن أن تعد ملكًا لأحد بعينه؟ هل يمكن أن تكون قصة حياة سعد زغلول الحقيقية أو قصة حياة أم كلثوم مثلًا أو قصة حياة نجيب محفوظ حكرًا على مؤلف معين كتبها؟ هل يمكن أن تكون الحقيقة التاريخية والوقائع والأحداث الحقيقية داخلة فى حقوق الملكية الفكرية وهى أحداث لم يبتكرها أحد أو يخترعها؟ ما يمكن أن يكون حقًا من حقوق الملكية الفكرية فى هذه الحالة هو النسخ باللغة أو بالنص المتطابق والصياغات الكتابية والتعبيرية، وهذا ما لم يحدث.
أعتقد أن الناقد الذى كتب هذا الكلام مدين للرأى العام بحق الإعلان عن نفسه، وأن يكون مستعدًا لمناقشته، فلن ينصلح الحال أبدًا، طالما أننا نتخفى خلف الأوراق والشاشات، ونتردد فى أن نقول ما نعتقد بأنه حق.
بقى شىء مهم فى هذه القضية، فقد بدأت بعض إشارات تتجه إلى الكاتب الصحفى سيد محمود الذى كتب مقدمة كتاب جيهان زكى، بعضها بالتصريح وبعضها بالتلميح إلى أنه لم يكن محرر الكتاب فقط، ولكن هو من قام بجمع المادة البحثية له.
وجود محرر للكتاب لا شىء فيه، ووجود من يجمع مادة بحثية للكاتب لا شىء فيه أيضًا، فهذا معروف فى عالم الكتابة والبحث، فهل- لو صح هذا الكلام- يكون سيد محمود هو المدان فى هذه القضية، ويكون هو من ورط الوزيرة بأخطائه فى جمع المادة؟
إننى أعرف سيد محمود جيدًا، وأعرف دأبه وأمانته وإخلاصه للعمل الثقافى، ولذلك أعتقد أنه لا بد أن يتحدث، أن يقول ما عنده، خاصة أنه لم يكتب شيئًا على صفحته ولم يعلق على هذه القضية، رغم أنه لا يترك شيئًا صغيرًا أو كبيرًا إلا وكتب عنه وعلق عليه.
القضية لا تزال مفتوحة، أنحاز بشكل واضح إلى أن هناك شيئًا مريبًا وراءها يستهدف جيهان زكى، لكن لن أفعل مثل المتشنجين الذين يتابعون أحداث الصراع، وأميل إلى انتظار حكم محكمة النقض الذى سيكون فاصلًا بين ما تدعيه سهير وما تقوله جيهان.







