الجمعة 30 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

مصير GEN ALPHA.. ماذا سيفعل المواطنون الرقميون الأصليون بالعالم؟

حرف

- البداية الصحيحة هى أن نعرف هذا الجيل جيدًا ونعرف ما يريده

- أبناء هذا الجيل مثل النار المستعرة التى لا بد أن تقدم لها القرابين كل صباح

يهتم العالم الآن بكل ما يتعلق بجيل «Z»، ربما لأن أبناء هذا الجيل هم الأكثر فاعلية وتفاعلًا مع الأحداث، فأكبرهم يصل الآن إلى ٢٩ عامًا وأصغرهم عمره ١٤ عامًا، وهناك محاولات مكثفة من جماعات سياسية لتطويع هذا الجيل، وتصديره على أنه الجيل الذى يريد تغيير العالم، ما جعله محط انتباه الجميع. 

عندما فتحت ملف هذا الجيل وجدت اهتمامًا كبيرًا من مسئولين ومتخصصين، يدركون بالفعل أننا أمام جيل مختلف، فى سماته وتطلعاته ورغباته وخططه ورؤيته للحياة، ووجدت أيضًا معاناة كبيرة فى التعامل معه. 

لكنى أعتقد أن اهتمامنا بهذا الجيل لا يجب أن يشغلنا عن الجيل الذى يليه وهو «جيل ألفا». 

طبقًا للتصنيف الزمنى المعتاد والمتعارف عليه، فإن مواليد «جيل ألفا» يبدأ من العام ٢٠١٣ وينتهى فى العام ٢٠٢٥. 

وبهذا التصنيف فإن أكبرهم سنًا الآن ١٢ عامًا، وأصغرهم لم يكمل عامًا واحدًا بعد. 

لكن المهتمون بدراسات الأجيال يشيرون إلى أن هذا الجيل يبدأ من العام ٢٠١٠ وينتهى فى العام ٢٠٢٥. 

وبهذا التصنيف فإن أكبرهم الآن فى الخامسة عشرة وأصغرهم يبلغ عمره عامًا واحدًا. 

الذين ينحازون للتصنيف الثانى يضعون نقطة لبداية هذا الجيل بالعام ٢٠١٠ لأنه العام الذى شهد إطلاق الـ«IPAD» وتدشين تطبيق «إنستجرام»، ويمكننا اعتماد العام ٢٠١٠ كبداية لهذا الجيل لأنه الأوقع بالفعل. 

الدراسات التى تعرضت لهذا الجيل كثيرة ومتعددة، وقد اهتمت بتحديد سماته التى شكلتها التكنولوجيا الذكية، فهم أبناء عصر الذكاء الاصطناعى والخوارزميات، وهو ما ألقى عليهم بظلال كثيرة فى التكوين وطريقة التفكير وسبل التعلم والتعامل مع المحيطين بهم. 

من بين الدراسات الكثيرة التى تعرضت لهذا الجيل، توقفت عند دراسة أنجزها البروفيسور «نيفرات تارهان». 

«تارهان» طبيب نفسى ورئيس جامعة «أسكودار». 

«أسكودار» جامعة حديثة تأسست فى تركيا فى العام ٢٠١١، وقامت بإنشائها مجموعة «NP» وهى مجموعة متخصصة فى العلاج والتأهيل النفسى والصحة العقلية واستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسى، وقامت بإنشاء العديد من المراكز والعيادات المتخصصة، إضافة إلى تأسيس أول مختبر لأدوية المشكلات النفسية والعصبية فى تركيا. 

بعد تأسيس المجموعة لهذه الجامعة أصبح مختبرها تابعًا لها، ما أتاح الوصول إلى أحدث التقنيات العلمية للطلاب والباحثين، وقدمت الجامعة نتائج علمية متطورة أسهمت فى تطوير مجال طب الأعصاب على المستوى العالمى. 

فى العام ٢٠١٩ انتهى « تارهان» من دراسته التى خصصها لتقييم «جيل ألفا». 

وفيها يقول إن أبناء هذا الجيل سيكونون أكثر فردية، وأكثر تمحورًا حول الذات، كما سيكونون أكثر ولعًا بالسهولة فى إدارة حياتهم والميل إلى الراحة بعيدًا عن تبعات وتعقيدات العمل المعتاد والتقليدى، وسيكونون كذلك أكثر اندفاعًا، وسيتميزون بنفاد الصبر، وستكون كل اهتماماتهم موجهة إلى ذواتهم مع تجاهل المحيطين بهم.

ويقارن « تارهان» بين أبناء جيل «Z» وأبناء «جيل ألفا»، فبينما يتواصل أبناء جيل «Z» من خلال شبكات التواصل الاجتماعى المعتادة بالنسبة لنا، فإن أبناء «جيل ألفا» سيكونون صداقات مع الروبوتات ذاتية التحكم، حيث ستكون هذه الروبوتات المستقلة منتشرة على نطاق واسع ورخيصة الثمن. 

يقول «تارهان»: قبل ٢٠ عامًا كان الوصول إلى الهواتف المحمولة بسهولة أمرًا خياليًا، لكن الآن سيكون من السهل تكوين صداقات مع الروبوتات ذاتية التحكم، لأنها روبوتات تتعلم، وسيكون من اليسير تكوين صداقات ميكانيكية معها، فهى تقول نعم لكل سؤال، وتتحدث اللغة التى يفهمها أبناء هذا الجيل. 

ويضرب «تارهان» المثل بأن أبناء الأجيال السابقة لـ«جيل ألفا» كانوا يحبون الحيوانات التى تطيعهم دون اعتراض، ويميلون إلى اقتناء كلب فى البيت، لأن الكلب من الحيوانات التى تقول نعم ولا تعترض على أى شىء، لكن «جيل ألفا» يميل إلى استبدال الكلب بروبوت فى المنزل، ففوق أن الروبوت مطيع ولن يعترض على شىء ويتحدث باللغة التى يجيدها الطفل، حيث يمكن فصله فى أى وقت فيصبح غير موجود. 

وجود الروبوت ذاتى التحكم فى حياة أبناء «جيل ألفا» سيجعلهم يستغنون عن الأصدقاء، بل يمكن أن يجعلهم يستغنون عن الزواج فى المستقبل، إذ ما الذى يحتاجه من الأصدقاء أو من الأزواج أو الزوجات، فالروبوت قادر على أن يلبى لمن يقتنيه أى وكل شىء، بل يمكنه أن يتعلم فيعرف على وجه التحديد ما الذى يغضب صاحبه وما الذى يسعده من مجرد نبرة صوته التى تعبر عن حالته النفسية. 

دراسة «هارتان» تضع أمامنا ملمحًا مهمًا فى تكوين وأداءات هذا الجيل، فالشخص الذى يتعامل مع روبوت يلبى له كل طلباته، ويستجيب لكل ما يطلبه منه دون اعتراض أو مناقشة، سيحول هذا الشخص إلى كتلة نرجسية، لن يكون قادرًا على تحمل الآخرين، ولن يكون مؤهلًا لأى مناقشة أو اختلاف فى الرأى، بل سيعتبر نفسه على حق طوال الوقت. 

هذا عن الجانب النفسى فى تكوين «جيل ألفا» وهو جانب سيئ، كما نرى، لكن هناك جانب إيجابى لا يمكن أن ننكره. 

فالذين ينظرون إلى الوجه المضىء من القمر ينظرون إلى «جيل ألفا» على أنه الجيل الذى ولد بالكامل فى عصر الشاشات والأجهزة التكنولوجية، يستخدمونها من نعومة أظفارهم، ولذلك فهم يتمتعون بارتباط تكنولوجى عميق، بما يجعلهم مواطنين رقميين أصليين، لا توجد فى تكوينهم أى آثار لوسائل تواصل تقليدية، فشبكات التواصل الاجتماعى بالنسبة لهذا الجيل أصبحت تقليدية مقارنة بآليات وأدوات التواصل من خلال الذكاء الاصطناعى. 

يتميز هذا الجيل بالذكاء الكبير والقدرة على التعلم السريعة، إذ لديهم قدرة هائلة على التكيف مع التكنولوجيا والابتكارات المتدفقة التى تحاصرهم كل صباح، ما يجعل لديهم قدرة على أن يستوعبوا كل جديد، وإدراك القضايا الاجتماعية والبيئية العالمية. 

ارتباط هذا الجيل بالتكنولوجيا بهذا الشكل الكامل والشامل والذى يمكن أن نعتبره مخيفًا، سيجعلهم من زاوية ما هدفًا للشركات العالمية التى تنظر إليهم على أنهم زبائن يسهل السيطرة عليهم، فهم أكثر قدرة على الوصول إلى منتجات هذه الشركات، ما يجعلهم فى الوقت نفسه مؤثرين فى قرارات الشراء لدى عائلاتهم.

ليست هذه هى المعاناة الوحيدة التى سيلاقيها هذا الجيل، ولكن هناك أكثر من معاناة. 

المعاناة الأولى هى الوحدة.. فوجودهم لساعات طويلة منفردين بالشاشات والغوص فيها حتى آذانهم يجعلهم بعيدين عن المجتمع الذى يعيشون فيه، وقد ربطت دراسات عديدة بين نمط استخدامهم للتكنولوجيا وبين التوحد. 

فخلال العقدين الأخيرين، وهما العقدان اللذان ولدا فيهما أبناء «جيل ألفا»، ارتفعت نسبة الإصابة بالتوحد بشكل ملحوظ للغاية. 

فى العام ٢٠٠٠ كانت النسبة العالمية لمرض التوحد هى ١ من كل ١٥٠ طفلًا.

أما فى العام ٢٠٢٣ فقد أصبحت النسبة هى ١ من بين كل ٣٦ طفلًا. 

المعاناة الثانية التى يواجهها أبناء هذا الجيل هى «القلق»، فهم ومن خلال تعاملهم الدائم مع التكنولوجيا يتمكن منهم اليقين، ويسيطر على قناعاتهم فيما يتعلق بالحياة، فهم يجدون إجابات عن كل الأسئلة التى يطرحونها، لكن عندما يتعاملون مع المجتمع الذى يحيط بهم، يجدون أنفسهم أسرى لأسئلة كثيرة بلا إجابات، يغرقون فى قضايا إشكالية، وهذا التناقض بين الواقع الافتراضى الذى يعيشون فيه، والواقع الفعلى الذين ينتقلون إليه عندما يبتعدون عن الشاشات هو ما يصيبهم بالقلق الشديد، وسيكون من شأن هذا أن ينظروا إلى المستقبل بتشكك وريبة. 

قد يكون هذا هو حال «جيل ألفا» فى العالم. 

ولأننا لسنا بنفس اليقظة التى يعيش بها العالم، وليست لدينا دراسات دقيقة تبحث فيما وراء هذا الجيل، فإن معاناتنا معه أكثر، فنحن ولا بد أن نعترف بذلك لم نقترب من أبناء هذا الجيل بعد، لا نعرف عنهم شيئًا، ولا نستطيع أن نتحدث عنهم بأى يقين، فكل شىء يخضع للعشوائية، ما يجعلنى مضطرًا لأن أقول إننا نعانى من حالة تخلف علمية فيما يخص تعاملنا مع هذا الجيل. 

إننا نستورد التكنولوجيا، ونتركها فى أيدى أبناء هذا الجيل، دون أن نتابع معهم ما يفعلونه بها، أو ما تفعله هى بهم. 

لقد هبت جهات ومؤسسات عديدة بعد أن وجه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى حديثه خلال الاحتفال بعيد الشرطة الـ٧٤ إلى الانتباه إلى استخدام الأطفال للتكنولوجيا، وإلى الساعات التى يقضونها أمام الشاشات، وبدأنا نتحدث عن تشريعات تقوم فى الأساس على المنع وحرمان هذا الجيل من استخدام التكنولوجيا بشكل كامل، دون أن ننتبه إلى أن المنع ليس هو الطريقة الوحيدة التى يمكن أن ندخل من خلالها إلى التعامل مع هذا الجيل، فقد أصبح المنع فى زمن التدفق التكنولوجى أسطورة من الأساطير، خاصة أن الآباء المشغولين عن أبنائهم بتحصيل لقمة العيش لن يكون لديهم لا الوقت ولا الجهد ولا المال لتوفير بدائل لأبنائهم. 

إننا أمام الجيل الذى سيشكل المستقبل، فطبقًا للإحصائيات فإن عدد أبنائه حول العالم وصل إلى نحو ٢ مليار طفل بنهاية العام ٢٠٢٥، وقد يكون نصيبنا منهم فى أفضل التقديرات ٢٥ مليون طفل ولدوا بعد العام ٢٠١٠، وهؤلاء يمكن أن يعبر بعضهم إلى القرن الثانى والعشرين، بما يعنى أنهم يمثلون قوة ضاربة فى صناعة المستقبل وصياغته، وعليه فلا بد أن يكون التعامل معهم بالآليات التى يفهمونها ويجيدون استخدامها. 

لا يمكننا التعامل مع هذا الجيل بآلياتنا المعتادة والتقليدية، لن نجدهم معنا، وإذا كنا نعانى من عدم انتماء جيل «Z» إلينا، وانصرافه الكامل عن قضايانا الوطنية، فإن هذا الجيل سيكون أكثر ابتعادًا عنا، بل سنجده يعيش فى غربة كاملة، خاصة أن لديه قدرة أكثر على التواصل مع العالم الخارجى وتكوين صداقات أكثر عبر العالم، ومؤكد أن القضايا العالمية ستشغله عن القضايا الوطنية التى تشغل مجتمعنا. 

وقد تسألنى عن رؤيتى فى التعامل مع هذا الجيل الذى هو بالفعل أكثر صعوبة من الأجيال السابقة عليه. 

وهنا لن أدعى فهمًا أكثر من الآخرين، لكننى أعتقد أن لدىّ إدراكًا بأننا لا بد أن نفهم هذا الجيل أولًا، ندرس مكوناته النفسية والاجتماعية. 

فأبناء هذا الجيل ينتمون لعائلات تميل إلى أن يكون لديها طفل واحد، ورغم أزمات تربية وتنشئة الطفل الواحد، لكنه فى الغالب يحصل على فرص تعليم أفضل، ما يجعله متميزًا فى مستوى التعليم الذى يحصل عليه. 

وأبناء هذا الجيل أيضًا وبسبب انتمائهم إلى التكنولوجيا التى يمكن أن تكون مصدرًا سهلًا للدخل، فإنهم ماديون بطبيعتهم، لا يقنعون بالمال القليل، بل ينظرون إلى أن الإنسان من الطبيعى أن تكون لديه ثروة، لكن المشكلة أن الثروات التى سيحصلون عليها ستكون سهلة، وعليه فإن انفلاتها من بين أيديهم سيكون سهلًا أيضًا. 

وأبناء هذا الجيل سيكونون الأكثر قدرة على التحصيل من خلال وصولهم السهل والسريع إلى مصادر المعلومات ومنابت المعرفة، فهم يتعلمون بسرعة ومبكرًا جدًا، فالإحصائيات تشير إلى أن هناك أطفالًا من هذا الجيل يبدأون التعلم من سن الثانية، بينما كان الأطفال فى الأجيال السابقة يتأخرون فى التحصيل والتعلم، وتخيلوا أن طفلًا يبدأ رحلة المعرفة والتعلم وهو فى الثانية من عمره، كيف سيكون مستواه وقدر معرفته عندما يصل إلى العشرين من عمره؟ 

وأبناء هذا الجيل أيضًا لديهم القدرة على التواصل مع أقرانهم من دول أخرى، ومن ثقافات أخرى، ما يجعلهم أكثر انفتاحًا على العالم، بما يجعلهم قادرين على تكوين روى وأفكار تتجاوز تصوراتنا المحلية عما نعتقد أنه محور الاهتمام الإنسانى، ما سيقود بالتبعية إلى الصدام معهم والاصطدام بهم. 

كل ذلك يجعلنى أقول إن التعامل الأمثل مع أبناء هذا الجيل لا بد أن يكون من خلال توفير المحتوى المناسب الذى نتيحه فى الواقع الافتراضى الذى يعيشون فيه، لا تتحدثوا عن المنع، بل لنجتهد فى توفير المادة العلمية والمعرفية التى يجدونها فى المنصات التى يتعاملون معها. 

إننا مقصرون فى إنتاج محتوى يترجم قضايانا واهتماماتنا عبر الإنترنت، ثم نعيب على أبناء الأجيال الجديدة أنهم يعيشون فى غربة. 

نحن من صنعنا هذه الغربة، ونزيدها بانصرافنا عن إنتاج ما يتناسب مع ثقافتنا وتقاليدنا وأعرافنا ونتيحه لهؤلاء الشباب. 

إن أبناء هذا الجيل مثل النار المستعرة التى لا بد أن تقدم لها القرابين كل صباح، وإن لم نقدم لها ما تأكله، فإنها ستبحث عما تقتات عليه بعيدًا عنا. 

إننا نخاف من الألعاب الإلكترونية التى تمثل خطرًا عليهم، فلماذا لا ننتج نحن ألعابًا تتناسب معهم ومعنا؟ 

لا يمكن أن يكون الحل أبدًا هو نسف الألعاب التى يحرصون عليها، دون أن نقدم لهم بديلًا مناسبًا يجعلهم يسيرون على الطريق الصحيح. 

وإننا نخاف من المحتوى الذى يتعرضون له كل صباح، دون أن نجتهد فى إنتاج محتوى يقودهم إلى الانخراط فى مجتمعاتهم، فهل سنجبرهم على أن يتركوا ما هو متاح أمامهم، دون أن نضع بين أيديهم ما يشغلهم ويشكل وعيهم؟ 

البداية الصحيحة هى أن نعرف هذا الجيل جيدًا، ونعرف ما يريده، ولا نتوقف بعد ذلك مكتوفى الأيدى، بل نوفره لهم. 

ساعتها أعتقد أننا سنكون على الطريق الصحيح، بدلًا من أن نترك هذا الجيل يواجه مصيرًا لا نرضاه لهم ولا نرضاه لأنفسنا.