الثلاثاء 17 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

لما الشتا يدق البيبان.. قلت لأحمد الحجار: «هاقاطعك لو اديت الأغنية لعلى»

حرف

فى شتاء 1985 كنت فى رأس البر، بدعوة من بعض الأصدقاء، أهرب قليلًا من ثقل الروماتويد الذى كان قد احتل مفاصل قدمى، وصار يفاوضنى كل صباح على خطوة جديدة. كان هناك مؤتمر لأدباء الأقاليم، المؤتمر الوحيد الذى حضرته بدعوة غير رسمية، لأن القاهرة، فيما يبدو، ليست إقليمًا، ولا يحق لأدبائها أن يتفاعلوا مع الأقاليم الأخرى.

ذهبت برفقة أصدقاء جميلين، وحين وصلنا سلّموا لى غرفة أشاركها مع صديقى الشاعر الراحل خالد عبدالمنعم. ولأننى لم أكن أتحرك إلا قليلًا، تحولت غرفتنا إلى ما يشبه المقر غير الرسمى لضيوف المؤتمر، كانت تمتلئ حتى آخرها طوال اليوم. أذكر من الذين مروا بها: خيرى شلبى، فريد أبوسعدة، جار النبى الحلو، سمير الفيل، لطيفة الزيات، فتحية العسال، فريدة النقاش، صلاح عيسى، وآخرين. كانت الغرفة تضيق بنا وتتسع بالكلمات.

إبراهيم عبدالفتاح وعلى الحجار

حين أصابنى الضجر ذات مساء، قررت أن أذهب وحدى إلى البحر بحثًا عن لحظة خاصة لا يشاركنى فيها أحد. تركت عكازى وانطلقت ببطء حتى وصلت إلى حافة اللسان. هناك انهمرت أمطار غزيرة، لكننى لم أفكر لحظة فى الاحتماء منها. كان الطقس بديعًا على نحو لا يقاوم. وقفت أتحمل حياتى، كما أتحمل المطر، وبدأت أهذى بكلمات جاءتنى من بعيد.

فكرت فيها أولًا كقصيدة، لكننى تذكرت حوارًا سريعًا دار قبلها بعامين بينى وبين الملحن الراحل أحمد الحجار، على هامش مسرحية جمعتنا، يومها طلب منى كلمات أغنية. فجأة عدلت وجهتى، قلت لنفسى: سأكتب قصيدة تنشرها مجلة ويقرأها أربعون شخصًا، فلماذا لا أكتبها كأغنية قد يسمعها ملايين إذا كُتب لها النجاح؟

اشتغلت على النص بروح الأغنية، لا بروح القصيدة. راعيت الفورم، والإيقاع الداخلى، ومساحة اللحن. وحين عدت إلى القاهرة أعطيت الكلمات لأحمد، وقلت له بوضوح: إن أعجبتك فهى لك وحدك. سألنى عن معنى الشرط، فقلت له الحقيقة كما هى: لا أريد أن يغنيها على الحجار.

غضب أحمد قليلًا وقال: هذا أخى، وهو نجم كبير. قلت له: لا يعنينى، كل ما فى الأمر أننى قرأت له حوارًا قال فيه إن شرفًا لأى شاعر أن يغنى له، وأنا يا أحمد متنازل عن هذا الشرف. ثم تركته وانصرفت إلى شئونى.

بعد أشهر أخبرنى صديقى الملحن والمطرب طارق فؤاد أن أحمد صنع لحنًا بديعًا للكلمات. والتقينا صدفة على سلم معهد الموسيقى العربية بأكاديمية الفنون، وهناك فقط استمعت إلى اللحن لأول مرة، كان جميلًا كما قيل لى.

مضت الأيام حتى فوجئت بأن أحمد أعطى الأغنية لأخيه. غضبت، وقاطعت أحمد الحجار عامًا كاملًا، ثم تدخل رئيس الرقابة الراحل حمدى سرور، وطلب أن نذهب إلى على الحجار فى مسرح مصر، حيث كان يشارك فى مسرحية «أولاد الشوارع»، على ما أذكر.

فى الكواليس دارت مناقشة طويلة، انتهت بأن طلب منى «على» تغيير سطرين فى الكوبليه الأخير. قلت له ضاحكًا: كمان؟ مش كفاية إنك أخدت الغنوة؟ فضحكنا. وأخبرنى أن مودى الإمام سيتولى توزيعها. لكن ذلك لم يحدث، واتجهت الأمور إلى خيارات أخرى.

تلك حكاية الغنوة كما بدأت: من مطر على حافة اللسان، ومن شاعر يفاوض ألمه، ويبحث عن نافذة أوسع للكلمات. أما ما جرى بعد ذلك، فله حكاية أخرى.

بعد شهرين من الانتظار اتصل بى على الحجار، صوته هذه المرة لم يكن متحمسًا كما توقعت، بل بدا كأنه يحمل اعتذارًا نيابة عن صديق. قال لى إن مودى الإمام حاول، حاول بصدق، جلس مع الغنوة مرات كثيرة، كلما وضعها أمامه ليستمع ويبدأ فى تفكيكها، يبكى.. يبكى فقط، دون أن ينجح فى الإمساك بجملة موسيقية واحدة.

هكذا أخبرنى عن مودى الإمام.

لم يكن الاعتذار فنيًا بقدر ما كان إنسانيًا. أحيانًا تعبر الأغنية إلى منطقة لا يصلح معها الاشتغال البارد. هناك أغانٍ تحتاج إلى موزع يقف على مسافة، لا أن يغرق فى مائها حتى الاختناق.

بعدها تولى التوزيع ياسر عبدالرحمن. بهدوئه المعروف، وبحسه الدرامى الذى يعرف كيف يترك مساحات للسكوت، أعاد ترتيب أنفاس الغنوة. لم يثقلها، لم يزاحم كلماتها، فقط وضع حولها هواء يكفى لكى تعيش.

ظلت الأغنية حبيسة درج العاطفة عامين كاملين. تتداول بين أصدقاء، تُسمع فى جلسات ضيقة، كأنها سر صغير نخشى عليه من العلن. إلى أن وجدت طريقها أخيرًا إلى ألبوم «أنا كنت عيدك»، هناك فقط خرجت إلى الناس، بلا ضجيج دعائى، لكنها خرجت.

الغريب أن عمرها الحقيقى بدأ متأخرًا. بعد سبع سنوات من صدور الألبوم، تقرر تصويرها بطريقة الفيديو كليب. سبع سنوات كاملة كأنها كانت تنتظر أن تنضج صورتها كما نضجت فى قلوبنا. لم تكن أغنية عابرة فى شريط كاسيت، بل كائنًا يمشى ببطء، يعرف أن وقته سيأتى.

أحيانًا أفكر أن الغنوة هى التى تختار مصيرها، بعضها يولد جاهزًا للضوء، وبعضها يحتاج إلى أن يختبر البكاء أولًا، وأن يمر من يد إلى يد، ومن صمت إلى صمت، حتى يستقر فى مكانه الصحيح.

وهذه كانت واحدة من تلك الأغانى التى مرت بكل ذلك، قبل أن تقول ببساطة: أنا هنا.