جناية القوائم.. كيف تظلم كلمة «الأفضل» أعمالًا فنية عظيمة؟
- العمل الفنى الرفيع لا يحتاج إلى نياشين «الأفضل» ليثبت رفعته
- إطلاق لقب «الأفضل» جناية بحق الفن
لم يعد يمر يوم دون أن نرى بوستًا أو مقالًا أو تجمعًا عاديًا بين أصدقاء يتساءلون: ما أفضل كتاب قرأته؟ ما أعظم فيلم شاهدته؟ وفى هذا التساؤل المتكرر يختبئ اعتراف ضمنى بأن شيئًا ما تغير فى علاقتنا بالفن، وأن ثمة أزمة حقيقية تعيشها هذه العلاقة.
لكن الأزمة ليست فى الفنانين، فلم تجف ينابيع شعرائنا ولم تتعب ريشة رسامينا، بل الأزمة فى التربة التى ينتج فيها الفن ويُتلقى.
كان نجيب محفوظ يرى أن «المقياس الوحيد فى الفن هو أيهما أجمل»، وكان يعنى بذلك جمالًا يعاش لا جمالًا يصنَّف، تجربة شخصية تلمس الروح لا ورقة اقتراع يدلى بها أمام الحشود.
وكان العقاد يعرف الجمال بأنه «الحرية المنظمة»، حرية من القيود لا ترتيبًا فى قوائم.
ما حدث هو أن ثقافة التقييم الرقمى دخلت على الفن من باب الرأسمالية الثقافية، فحولت الإبداع إلى سلعة تباع بالنجوم والأرقام، وحولت المتلقى معها: لم يعد يجلس أمام العمل بروح المتأمل الباحث عن شىء يلمسه، بل بروح القاضى الذى جاء ليصدر حكمه ويعلنه على الملأ.
وهكذا صار الجمال يمر عبر مقصلة ثلاثية: أداء رقمى استعراضى، ومنطق ترتيب وتصنيف تنافسى، وآلة تحول الإبداع الرفيع إلى موجة سريعة الزوال!
والخروج من هذه المتاهة لا يبدأ بإدانة السوشيال ميديا، بل باستعادة فكرة التذوق بوصفها رحلة شخصية حية، تقوم على أن نمنح العمل الفنى فرصة ليتحدث بشروطه هو لا بمعاييرنا نحن، وأن نثق بأن الجمال الحقيقى أرحب من أى قائمة أفضليات عابرة.
فحين يُعاش الفن بعيدًا عن ضجيج التصفيق الأجوف، يمس فينا تلك اللحظة التى تسمع فيها غنوة فتشعر أنها كُتبت لك وحدك، أو حين يعزف اللحن فتنسى أين أنت.

فى كل يوم، على هذه المنصات التى باتت جزءًا من هوائنا اليومى، تنهمر علينا موجات من المنشورات المتشابهة: «أفضل كتاب قرأته فى حياتى»، «أعظم مسلسل على الإطلاق»، «أروع قطعة موسيقية فى تاريخ البشرية». تأتى هذه العبارات فى الغالب من مكان صادق، من فرحة حقيقية يريد أصحابها مشاركتها، لكن المنصات الرقمية لا تكافئ التأمل، بل تكافئ الصراخ، فالإعجاب يُمنح لمن يُبالغ أكثر لا لمن يفكر أعمق.
وهكذا، دون أن يشعر أحد بما يحدث، لم يعد المتلقى يقترب من الرواية أو اللوحة بروح الانفتاح، بل صار يأتيها كقاضٍ متعجل جاء ليُصدر حكمه ويعلنه. تحول الفن من تجربة تعاش فى هدوء إلى فرصة لإثبات الهوية الثقافية أمام الحشود، وما نشاركه لم يعد ذوقنا الحقيقى بقدر ما هو صورة مصممة عن أنفسنا نريد أن يراها الآخرون. الفن صار يعرّفنا كما كانت تعرف المرء قبيلته، والمشكلة تنفجر حين نختار ما نعلنه وفق ما يقدمنا بصورة مثيرة للإعجاب، لا وفق ما لمس أرواحنا فعلًا. وقد رصد الباحث الثقافى دانى أندرسون هذه الظاهرة ووصفها بـ«غياب الضيافة الإنسانية فى تلقى الفن»، إذ يرى أن الطريقة اليقينية المتعجرفة التى نتحدث بها عن الفن على الإنترنت أفقدتنا القدرة على قبول العمل الفنى بعلاته واختلافه كما نقبل البشر. المستخدم اليوم لا يسأل بتواضع: ماذا أراد هذا الصانع أن يقول؟ بل يسأل بصلف: هل يرقى هذا العمل إلى معيارى أنا؟ وإن لم يرق، سأصدر فيه حكمًا قاطعًا كأنه يصوب بندقية فى ميدان رماية.

حين يقول إنسان فى عزلته: «هذا الكتاب لمس جرحًا فى صدرى لم أكن أعرف أنه هناك»، أو «هذه الأغنية رتبت حزنى فى ليلة مظلمة»، فهو يتحدث عن تجربة حقيقية لا تناقش ولا ترد، لأنها حقيقة وجدانية تخصه وحده. لكن الخلط يبدأ حين تنزلق العبارة إلى: «هذا أفضل كتاب فى الكون»، فيخلع المرء رداء البوح الذاتى ليرتدى عمامة الحكم الكونى، مدعيًا موضوعية لا يملك أدواتها.
والفرق بين الصياغتين ليس لغويًا عابرًا، بل هو مأزق فلسفى حقيقى لأن من يقول «الأفضل» يدعى ضمنًا أنه قاس وجدان البشرية كلها ووجد أن خياره يتربع على القمة. والفن بطبيعته المرنة يقاوم هذا الترتيب، فكيف نقيس «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكى بنفس المسطرة التى نزن بها رواية بوليسية خفيفة؟ كلا العملين قد يبلغ ذروته فى إطاره الخاص، لكن لفظة «الأفضل» تفترض وهم وجود مقياس واحد مشترك لا وجود له. الفن ليس سباق خيل له خط وصول واحد، بل هو أبواب مفتوحة على سماوات مختلفة.
وهذا التناقض رصده الفيلسوف روان أندرسون فى تحليله لما أسماه «تناحر الذوق»، حيث لاحظ أن البشر يصرخون بأن الذوق مسألة شخصية بحتة، ثم ينخرطون فى معارك لإثبات أن حكمهم الجمالى أصوب من حكم جيرانهم. ويرى أن الناقد الحقيقى ليس من يملك صوتًا عاليًا، بل من يجمع بين دقة الملاحظة والخبرة الواسعة والتحرر من التحيزات الشخصية، بدلًا من الانكفاء فى سجن الانبهار اللحظى الذى تبثه وسائل التواصل.

ثمة إهانة غير مقصودة يلحقها هذا الركض الرقمى بالأعمال الفنية الكبرى. حين نطلق صيغ المبالغة المطلقة مثل «الأعظم» و«الأروع فى الكون» على أغنية سمعناها فى الحافلة أو مسلسل شاهدناه بالأمس، فما الكلمات الباقية فى جعبتنا لوصف سيمفونية «الحداد» لموزارت، أو مقدمة باخ للتشيللو؟ نحن دون أن نشعر نُفقر لغتنا الجمالية ونصيب النقد بالخرس.
والأعمال الكبرى لا تحتمل السجن فى رتبة رقمية لأنها كائنات حية تتجدد كلما تبدلت فصول أعمارنا «مائة عام من العزلة» تقرأها فى العشرين فترى فيها جموح الخيال، وتعود إليها فى الأربعين فتجدها مرثية عن فناء الإنسان وعزلته. وفيلم مثل «الأرض» ليوسف شاهين لا يمكن تجميده فى لحظة انفعال أولى، لأن ثراءه المتجدد هو جوهر رفعته، بينما قوائم الأفضل تصب عليه خرسانًا جامدًا، وتختزل هذا النمو الإنسانى فى نقطة صماء على خط.
وهذا ما يعترف به الناقد الموسيقى سابى ريس كولكارنى بمرارة حين يقول إنه على الرغم من كرهه لفكرة ترتيب الموسيقى وقناعته بأن إطلاق لقب «الأفضل» جناية بحق الفن، فإنه يجد نفسه مقادًا لخوض اللعبة وكتابة هذه القوائم تلبية لطلبات الصحافة والتسويق. هذه الترتيبات لم تعد نتاج حكم جمالى رصين، بل تحولت إلى طعم تجارى لجلب المشاهدات وإشعال المعارك، ما يفرغ الموسيقى من سياقها الروحى والتاريخى.

جذور هذه الأزمة لا تقف عند أزرار الشاشات، بل تضرب عميقًا فى تربة الرأسمالية الثقافية. مع تغول السوق، تحول الفن إلى قطاع صناعى، خلع الفنان رداء الخالق المتحرر ليرتدى كساء المنتج الخائف من مخاطر التجريب، فأنتج لنا فنًا معاد التدوير يلبى رغبات الجمهور الاستهلاكية بدلًا من أن يقود وعيهم.
وقد رصد والتر بنيامين قبل عقود ما يحدث للعمل الفنى حين يدخل دائرة الإنتاج الكمى المتكرر، ورأى أنه يفقد ما أسماه الـ«Aura»، تلك الهالة الروحية الأصيلة التى تجعل من العمل الفنى تجربة فريدة تغير الذات. الفن حين يتحسسه الإنسان كتجربة معزولة يكتسب ثقلًا وجوديًا، أما حين يقع فى قفص الرأسمالية الرقمية ويساق كبضاعة تعرض فى «بوستات الأفضل»، فإنه يتحول إلى وجبة بصرية سريعة المضغ تستهلك لتولد منشورًا جديدًا، ثم تلقى فى سلة النسيان الرقمى.

حين ننظر إلى هذا التسطيح من خلال مرآة فكرنا العربى، نجد أن كبار كتابنا ومفكرينا خاضوا معارك شرسة ضد مظاهر تبسيط الإنسان وتجريف وعيه.
العقاد الذى كان يرى فى القراءة والتذوق «إضافة حياة إلى حياة»، كان يرفض المناهج السطحية التى تتعامل مع الثقافة كأداة للتسلية العابرة أو الوجاهة الاجتماعية. الفن عنده اتصال روحى بين ذات المبدع وذات المتلقى، وهذا الاتصال لا يمكن تقنينه فى جداول «الأفضل والأسوأ»، لأن الوجدان البشرى لا يُقاد بمساطر الحساب.
ونجيب محفوظ، الذى جعل الزمن والتحول الإنسانى محور عالمه الروائى، يُعلمنا بصمته أن الفن ابن لحظته الحية وابن تحولاته المتجددة، والعمل الممتع منظومة شعورية تنمو معنا ولا تقف حيال حكم مطلق. أما المسيرى فقد حذر مما أسماه «النموذج المادى الكمى»، وهو نظام معرفى يسعى لتحويل الجمال والمقدس والمشاعر إلى أرقام ونسب مجردة من القيمة الروحية. وظاهرة «بوستات الأفضل» هى التجسيد الحرفى لهذا التشيىء الذى حذر منه، حيث يختزل الجمال اللا متناهى فى صيغة رياضية سلعية تفرغ الفن من أبعاده الإنسانية.


كل هذا لا يعنى أن نلوذ بالصمت أو نكبت دفقات الانبهار والشغف، فالإفصاح عن الإعجاب ضرورة إنسانية لتقاسم الجمال. لكن اللغة التى نمتطيها هى التى تحدد جوهر الاحتفاء.
بدلًا من «أفضل كتاب فى الكون»، ما أجمل أن نقول: «هذا الكتاب أعاد ترتيب شىء مبعثر فى داخلى لم أكن أعلم أنه بحاجة إلى ترتيب». وبدلًا من «أجمل أغنية فى التاريخ»، ما أحوجنا أن نكتب: «هذه الأغنية تفعل فى جملة لحنية واحدة ما تعجز عنه خطب الأرض بأكملها».
هذه الصياغات لا تنتقص من شعلة الحماس، بل تمنحها عمقًا وجدانيًا حقيقيًا، وتجعل الكلام يقترب من جرح التجربة الحقيقية بدلًا من أن يتسلق جدار الادعاء الموضوعى الزائف!
العمل الفنى الرفيع لا يحتاج إلى نياشين «الأفضل» ليثبت رفعته، فقيمته سابقة لنا ولاحقة بنا. وما يحتاجه المتلقى فى هذا الزمن الرقمى هو شجاعة أن يصف تجربته بصدق ونقاء، دون أن يسقطها حكمًا قاهرًا على العالم كله. وهذه الشجاعة الصغيرة، فى عالم يغرينا دائمًا بالصخب والمبالغة، هى أبهى رسالة حب نقدمها للفن الذى نعشق.







