روبرت جرين.. الكاتب اليهودى الذى فضح كذبة «حرية الرأى والتعبير»
- الكاتب الأوفر حظًا فى المنع داخل الولايات المتحدة نفسها
على مدار ما يقرب من ساعتين، وخلال لقاء تليفزيونى بعنوان ABCTalks الذى يقدّمه الإعلامى الإماراتى أنس بوخش، بدت الرحلة إلى لوس أنجلوس أشبه برحلة ذهنية مع الكاتب الأمريكى روبرت جرين. جرين، الذى نجا من سكتة دماغية كادت تودى بحياته، عاد إلى العالم بنصف جسد يعمل ونصف آخر شبه معطّل، لكن ما لم يُصب بأى عطب، ولم يتوقف لحظة، هو نشاطه الذهنى وشعلته الفكرية الحاضرة بقوة فى آرائه عن الحياة، والكتابة، والفلسفة، والتاريخ، وتنمية الروح.

طوال اللقاء، كنت فى حالة من اليقظة والانفتاح الكاملين، أتابع أفكار الرجل بدقة، إلى حد أننى أعدت تشغيل بعض المقاطع مرات عديدة، لا بدافع الإعجاب وحده، بل رغبة فى استيعاب كل فكرة وتفصيلة.
أفكار بالغة الذكاء، يكفى أن تؤمن ببعضها، أو أن تعتمد جزءًا منها، لتعيش حياة أقل قسوة وأكثر وعيًا.
روبرت جرين، اليهودى الهوية، الذى لا يخفى تعاطفه ودعمه لحقوق الفلسطينيين، ويرى فى ممارسات الاحتلال الإسرائيلى انتهاكات صارخة لا يمكن تبريرها.
ورغم أن له عشرات الكتب الأكثر انتشارًا عالميًا، فإنه يُعد الكاتب الأوفر حظًا فى المنع داخل الولايات المتحدة نفسها؛ تلك الدولة التى تتصدّر خطاب الحريات فى العالم، وتتباهى بالدفاع عن حرية الرأى والتعبير. فحسب تقارير منظمة PEN America، تُمنع كتب روبرت جرين من التداول داخل عدد كبير من السجون الأمريكية. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: كيف ولماذا تتحول أفكار كاتب إلى خطر يستوجب المنع؟
لكن ما لم يكن مطروحًا فى اللقاء بشكل مباشر، وإن كان يلوح فى الخلفية كظل ثقيل، هو السؤال الأخطر: لماذا تخاف أمريكا «راعية الحريات» المعلنة من كتب روبرت جرين؟

حين يجذب المنع الانتباه
فى عالم يدّعى أنه الأكثر تحررًا فى التاريخ الإنسانى لا تزال كلمة «ممنوع» تملك سحر الفضائح القديمة. كلما قيل إن كتابًا مُنع، أو كاتبًا حُوصِر، تنهمر الأسئلة: لماذا؟ ومَن يخاف ممن؟ وما الذى يمكن أن يفعله نص مكتوب ليُعامل كخطر أمنى؟
فضيحة المنع لا تبدأ عند الكتاب، بل عند السلطة التى قررت أن المعرفة لا تصلح للجميع، وأن بعض العقول يجب أن تُترك فى الظلام، خصوصًا إن كانت خلف القضبان.
فى السنوات الأخيرة، لم يعد منع الكتب حكرًا على الأنظمة السلطوية الصريحة، بل صار ممارسة صامتة داخل ديمقراطيات تتغنّى بحرية الرأى. الولايات المتحدة، التى تقدّم نفسها بوصفها الحارس العالمى لحرية التعبير، تدير واحدًا من أوسع أنظمة الرقابة على الكتب فى العالم، ولكن فى مكان لا يُرى كثيرًا: السجون. هناك، لا تُقاس الحرية بالقانون، بل بالقائمة، ولا تُحدد المعرفة بما يفيد، بل بما لا يزعج.
وسط هذه المنظومة، برز اسم كاتب واحد بوصفه الحالة الأوضح والأكثر إحراجًا: روبرت جرين. ليس لأنه دعا إلى العنف، أو حرّض على الكراهية، أو كتب أدبًا فاحشًا، بل لأنه كتب عن القوة. عن كيف تعمل، وكيف تُدار، وكيف تُستخدم، وكيف تُساءُ قراءتها. هنا، يصبح الكتاب خطرًا، ويصير القارئ مشتبَهًا به، وتتحول القراءة من حق إنسانى إلى مخاطرة محسوبة. فضيحة منع كتب روبرت جرين ليست حادثًا إداريًا، ولا سوء تقدير محليًا، بل قصة متكاملة تكشف كيف تخاف السلطة من الفهم أكثر مما تخاف من الفوضى. كيف تُفضّل الجهل المنضبط على الوعى الحر. وكيف يصبح الكتاب، فى مكان ما، أقرب إلى سلاح منه إلى أداة معرفة.
من هو روبرت جرين؟
روبرت جرين هو كاتب وباحث أمريكى، وُلد عام ١٩٥٩، وكرّس مسيرته لفهم أنماط القوة والسلوك البشرى عبر التاريخ. استلهم أعماله من الفلسفة، والحروب، والسير الذاتية، والسياسة، وعلم النفس، وكتب بأسلوب يجمع بين السرد التاريخى والتحليل العملى. شهرته الواسعة جاءت مع كتابه الأول والممنوع إلى الآن The ٤٨ Laws of Power الذى صدر عام ١٩٩٨، والذى وضعه فورًا فى قلب الجدل الثقافى.
لكن صورة جرين اختزلت ظلمًا فى كونه «معلّم التلاعب»، بينما هو فى جوهره كاتب يشرح آليات القوة كما هى، لا كما نحب أن نراها. هو لا يدعو القارئ إلى أن يكون طاغية، بل يطلب منه أن يفهم كيف يعمل الطغاة، وكيف تُدار العلاقات غير المتكافئة. هذا الفهم، فى نظره، وسيلة للوقاية بقدر ما هو أداة للفعل.
فى السنوات الأخيرة، تعرض جرين لسكتة دماغية حادة كادت تودى بحياته، وتركته بنصف جسد شبه مشلول. غير أن الحادثة لم تُطفئ حضوره الفكرى، بل زادته عمقًا وتأملًا. فى لقاءاته الأخيرة، ومنها حواره مع أنس بوخش، بدا أقل حدة وأكثر فلسفية، يتحدث عن الروح، والمعنى، وحدود القوة نفسها. يعترف بأخطائه، ويؤكد أن قوانينه ليست وصايا أخلاقية، بل خرائط ذهنية.
سياسيًا، جرين لا ينتمى إلى السردية الأمريكية المحافظة. يعلن تعاطفه مع الحقوق الفلسطينية، وينتقد الممارسات الإسرائيلية بوضوح، وهو ما وضعه خارج مناطق الراحة الإعلامية. لكنه لا يرى فى ذلك سببًا لمنع كتبه. فى رأيه، السبب الحقيقى أعمق: الخوف من أن يفهم القارئ اللعبة.
لماذا مُنع الكتاب؟ حين تصنّف المعرفة تهديدًا أمنيًا
كتاب The ٤٨ Laws of Power هو ثانى أكثر كتاب ممنوع فى السجون الأمريكية، وفق تقارير منظمة PEN America، ويأتى مباشرة بعد كتاب «إندومى السجن: وصفات وحكايات من خلف القضبان».
بعنوان Prison Ramen: Recipes and Stories from Behind Bars. للكاتبين كليفتون كولينز جونيور وهو ممثل هوليوودى شهير والآخر جوستافو جوس ألفاريز وهو سجين سابق، وقصصه وتجاربه داخل السجن هى العمود الفقرى للكتاب.
وأما عن منع كتابنا قوانين القوة الـ٤٨ هذا وحده كافٍ لطرح السؤال: كيف يتفوق كتاب فلسفى تاريخى فى خطورته على كتب العنف الصريح؟ الإجابة الرسمية دائمًا واحدة الأمن.
إدارات السجون ترى أن الكتاب يعلّم استراتيجيات التلاعب، كشف نقاط الضعف، السيطرة النفسية، وبناء النفوذ. وهى تخشى أن يستخدم السجناء هذه الأفكار للتأثير على الحراس، أو تقوية العصابات، أو تعطيل النظام الداخلى. لذلك، يُصنف الكتاب بوصفه «محتوى يهدد السلامة المؤسسية».
لكن المفارقة أن هذا المنع ليس شاملًا على مستوى الدولة، بل يختلف من ولاية إلى أخرى، ما يكشف طابعه الاعتباطى. فى فلوريدا، تُمنع ١١ كتابًا لروبرت جرين دفعة واحدة، وفى يوتا يُمنع كتابان فقط، بينما تسمح ولايات أخرى بتداوله. حتى عام ٢٠٢٣، أحصت PEN America أكثر من ٢٢ ألف كتاب ممنوع فى سجون فلوريدا وحدها.
المنع لا يتوقف عند كتب جرين.
«فن الحرب» لسن تزو، قواميس بصرية، سير ذاتية، وحتى كتب تعليم القراءة. كلها تقع تحت سيف «التقدير الأمنى». المشكلة ليست فى العنف، بل فى الفهم فالسجين الذى يفهم كيف تُمارس السلطة يصبح أقل قابلية للانقياد وأكثر قدرة على التشكيك وهذا فى حد ذاته خطر.
ماهو الكتاب؟
القانون ٣: أخفِ نواياك
القانون ٤: قل دائمًا أقل مما يلزم
القانون ٥: الكثير يعتمد على السمعة، فاحمِها بكل ما أوتيت
القانون ٦: اجذب الانتباه بأى ثمن
القانون ٧: اجعل الآخرين يعملون لصالحك، وخذ أنت الفضل
فيما سبق بعض قوانين جرين نحن بمثابة ليس كتيب تعليمات للشر، بل دراسة موسّعة لتاريخ القوة. كل قانون مدعوم بأمثلة تاريخية، وتحذيرات، ونقض ذاتى أحيانًا. جرين نفسه يؤكد أن اتباع القوانين كلها حرفيًا يصنع شخصًا غير أخلاقى. الكتاب لا يقول «افعل»، بل يقول «انتبه».
جرين يرى منع الكتاب شكلًا من أشكال السيطرة الشمولية. فى تصريحاته، يصف الرقابة فى السجون بأنها «أقصى درجات التلاعب بالسلطة»، لأن المؤسسة التى تمارس الهيمنة المطلقة تمنع من داخلها أى معرفة تشرح هذه الهيمنة. هو يرى أن المنع دليل على قوة الكتاب، لكنه يرفضه بوصفه قمعًا للوعى.
بعض السجناء، بحسب جرين، أخبروه بأن الكتاب ساعدهم فى فهم التلاعب داخل السجن وتجنبه، لا ممارسته. وهذا ما يجعل المنع أكثر فجاجة: الكتاب لا يصنع الخطر، بل يكشفه.
فى النهاية، فضيحة منع روبرت جرين ليست عن كتاب، بل عمن يملك الحق فى الفهم. عن سلطة تخشى العقل أكثر مما تخشى الجريمة. وعن عالم لا يزال يؤمن، سرًا، بأن المعرفة يجب أن تُدار.. لا أن تُتاح.







