محاكمة الزعيم.. أوراق أشهر صحفية بريطانية عن ترامب وبوتين ونتنياهو
- مارينا هايد تفضح قادة الغرب فى كتابها «يا له من زمن نعيشه»
- زعيما روسيا وإسرائيل يفجّران الأشياء كوسيلة لتشتيت الانتباه عن فسادهما
- الرئيس الأمريكى يرى نفسه أفضل من السيد المسيح بكثير
نعيش فى عالم غريب ملىء بالتناقضات العبثية، والتعقيدات والتحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة، التى تثير الكثير من النقاشات والآراء والتحليلات فى محاولة لفهم ماذا يحدث.
من بين تلك المحاولات كتاب «يا له من زمن نعيشه!: مشاهد من عصر غريب»، الذى يصدر 22 سبتمبر الجارى، عن دار نشر «فيبر آند فيبر» البريطانية، تأليف الكاتبة الصحفية ومقدمة الـ«بودكاست» مارينا هايد، التى تعد واحدة من أشهر الصحفيات والكاتبات فى بريطانيا.


تنتقد «هايد» فى الكتاب سياسات الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، والساسة البريطانيين ورجال الأعمال العالميين أمثال جيف بيزوس، ومشاهير الفن والرياضة ومنهم النجمة جوينيث بالترو وديفيد بيكهام، وتوثق بأسلوب كوميدى سوداوى العصر الحديث والانهيار السياسى والثقافى والاجتماعى فى العالم.
واكتسبت مقالات مارينا هايد الصحفية سمعة طيبة، كواحدة من أكثر الصحفيات تقديرًا فى المملكة المتحدة، ونالت لقب «كاتبة العمود» للعام ٥ مرات، ولقب المعلقة السياسية للعام ٤ مرات، وحصلت على جائزة إدجار والاس للكتابة المتميزة، وهى المرأة الوحيدة التى نالت لقب كاتبة الرياضة للعام من قبل رابطة الصحفيين الرياضيين.
وجمعت «هايد» فى كتابها المكون من ٤٥٠ صفحة، أبرز مقالاتها الساخرة التى حققت شهرة واسعة، والتى تعتبر حلقات لمسلسل دراما ديستوبى، وتقول إنها حقًا أوقاتٌ تجعل المرء يرغب فى تغطية عينيه وأذنيه، من الاحتفال بالفائز الأول بجائزة «فيفا» للسلام، وهو يُهدد بضم دول ويُنفذ تهديداته بإشعال الحروب، والاستمتاع بسحر حاشية دونالد ترامب، ومشاهدة كيف يدخل آسياد «وادى السيليكون» مرحلة السيطرة على كل شىء فى العالم، ومن الـ«بيزنس» إلى الذكاء الاصطناعى ورحلات الفضاء.
وجاء أحد فصول الكتاب بعنوان «الحرب والسلام فى ٢٨٠ حرفًا»، وتسخر المؤلفة فيه من «خطة السلام» التى أطلقها إيلون ماسك والتى لا تتجاوز ٢٨٠ حرفًا، لحلّ الحرب فى أوكرانيا، ومتوسعة فى السخرية من مليارديرات التكنولوجيا والجيوسياسة، ومنتقدة باستمرار من محاولات أباطرة التكنولوجيا المعاصرين حلّ النزاعات الدولية التاريخية المعقدة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعى.
وسلّطت «هايد» الضوء على تغريدة إيلون ماسك التى تقترح خطة لإنهاء الحرب الروسية- الأوكرانية على حسابه الشخصى فى موقع «إكس»، ساخرة من عبثية اختزال صراع ذى أبعاد مدمرة- يُشابه رواية ليو تولستوى الملحمية «الحرب والسلام»- فى حدود ٢٨٠ حرفًا فقط وفى منشور واحد، وتنقل للقارئ شعورها بالاستفزاز من غطرسة «عالم الكبار» الذين يحاولون إدارة الدبلوماسية العالمية عبر مجموعات الدردشة ومنصات الإنترنت القصيرة.
وتكتب ساخرة: «لا يسعنى إلا أن أشعر بأن عصر التسامح مع هؤلاء كان يجب أن ينتهى رسميًا منذ أن كانت موضة عام ٢٠٠٠ مجرد موضة. مع ذلك، وحتى وقت قريب، كان يُنظر إلى ماسك بحماسٍ بالغ على أنه خيرٌ للبشرية، بفضل سياراته الكهربائية وقطاراته فائقة السرعة، حتى إنه دخّن سيجارة حشيش فى إحدى حلقات البودكاست. يا له من أمرٍ رائع! غطّت وسائل الإعلام إيلون بلا هوادة كمخترعٍ غريب الأطوار، بدلًا من كونه شخصًا يتمتع بنفوذٍ هائل يجب محاسبته. وكما كان الحال مع مارك زوكربيرج من قبله، عندما أدرك الناس الكثير مما كان يحدث، كان الأوان قد فات».


فى فصل آخر يحمل عنوان «انتخابه مرتين يبدو وكأنه إهمال»، سخرت «هايد» من وصول الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، مرة أخرى إلى البيت الأبيض، مقتبسة تلك العبارة من مسرحية أوسكار وايلد الشهيرة «أهمية أن تكون جادًا».
وعادة ما تستخدم «هايد» مرارًا وتكرارًا صيغًا مختلفة من هذه التورية الأدبية للسخرية من السياسيين الذين يكررون ارتكاب الأخطاء، وعادة ما تستخدم تلك العبارة فى التعليقات السياسية لوصف الناخبين الذين يعيدون انتخاب قادة مثيرين للجدل أو فوضويين.
ووظفت «هايد» هذا المنطق النابع من تلك العبارة ضد المشهد السياسى الأمريكى، متتبعة مسار «ترامب» منذ ولايته الأولى عام ٢٠١٦، مرورًا بمحاولاته اللاحقة الوصول إلى السلطة.

ووصفت شخصيته السياسية والعامة من خلال عدسة ساخرة مستوحاة من «ثقافة البوب»، وانتهزت الفرصة لانتقاد صورة مُولّدة بالذكاء الاصطناعى نشرها «ترامب» على حسابه بإحدى وسائل التواصل الاجتماعى، يظهر فيها مرتديًا رداءً يشبه رداء السيد المسيح وهو يحمل كرةً متوهجة، وكتبت: «يُصوّر نفسه ببراعة على أنه أفضل بكثير من ذلك الرجل الذى يُدعى أنه السيد المسيح».
وسخرت «هايد»، أيضًا، من تدخلات «ترامب» الغريبة والعلنية فى الرياضات الدولية، بما فى ذلك مكالماته الهاتفية مع رئيس «فيفا» خلال فعاليات كأس العالم لكرة القدم، بشأن إيقاف اللاعبين، واصفةً إياه بـ«رئيس الحكام».
كما استهدفت «ترامب» جنبًا إلى جنب مع عدد من القادة العالميين الذين يستخدمون الصراع كوسيلة لتشتيت الانتباه عن الإخفاقات الشخصية، مثل فلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو، واصفة إياهم بـ«شيوخ عاجزين»، يفجرون الأشياء كوسيلة لتشتيت الانتباه عن الفساد فى طريقة حكمهم وفى أرواحهم على حد سواء.

فى فصل مُعنوَن بـ«جيفرى إبستين ورفاقه»، انتقدت «هايد» بشكل لاذع المحاولات الرهيبة لتشتيت انتباه الرأى العام العالمى والتعتيم على تلك القضية، التى نُشر منها ملايين الملفات التابعة لوزارة العدل الأمريكية، فى فبراير ٢٠٢٦.
واعتبرت «هايد» أن الكارثة الحقيقية التى تكشفها تلك القضية هى وجود شبكة من الرجال النافذين الذين ساعدوا مُجرمًا جنسيًا مدانًا على التقليل من شأن جرائمه ضد النساء والفتيات وتطبيعها، إلى جانب تواطؤ الكثيرين.
وأوضحت أن هذه الوثائق المنشورة حديثًا أظهرت أن شخصيات بارزة، من بينهم نعوم تشومسكى وستيف بانون، حافظوا على علاقات ودية أو تعاونية مع «إبستين» لفترة طويلة، بعد إدانته بجرائم جنسية ضد الأطفال فى عام ٢٠٠٨.
ورغم وجود أدلة واضحة على أن رجالًا دوليين نافذين عملوا مساعدين أو مستشارين لـ«إبستين»، فإن العواقب الحقيقية والمحاسبة النظامية نادرًا ما تمس هؤلاء الأشخاص، إلى جانب التعامل مع ضحايا الاعتداء كمجرد أدوات فى حبكة القصة، وفق «هايد».
وأضافت: «إذا كنت من كبار الشخصيات فى شركات التكنولوجيا الكبرى، أو من أصحاب رءوس الأموال الضخمة فى عالم المال، فلن يحدث لك مكروه فى الولايات المتحدة فيما يتعلق بعلاقتك مع إبستين».
وواصلت: «المؤسسة الأمريكية لُطخت سمعتها. هيا يا أمريكا يجب عليكِ اعتقال أحدهم، أليس كذلك؟ حتى لو كان شخصًا واحدًا فقط، من باب المجاملة؟ ربما يُقبض على أحد الأشخاص العاديين، أولئك الذين قاموا بالتعتيم على ما حدث مع الفتيات القاصرات والأطفال، ويُحاكم بتهمة التواطؤ. مرة أخرى، من باب المجاملة فقط».

فى فصل «دعونا نتذكر»، تسخر «هايد» من السياسة فى بريطانيا، وتخص بالذكر فترة حكم رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، ليز تراس، التى لم تدم سوى ٤٩ يومًا، فى عام ٢٠٢٢، مشيرةً إلى الانهيارات السياسية التى تسبب بها حزب «المحافظين» البريطانى لنفسه بشكل عام.
وسخرت «هايد» من الدورة السريعة للحزب فى انتخاب وإقالة رؤساء الوزراء، مثل بوريس جونسون وليز تراس وريشى سوناك وكير ستارمر ضمن أطر زمنية ضيقة للغاية.
وطالت سخريتها، أيضًا، السياسى البريطانى نايجل فاراج، مهندس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى «بريكست»، قائلة: «دعونا نتذكر سيرته الذاتية الكاملة والمحدثة. لقد عمل نايجل فاراج مصرفيًا وسياسيًا وصحفيًا. لجمع كل تلك الوظائف فى ملف تعريف (لينكدإن)، سيحتاج بالطبع إلى تضخيم سيرته الذاتية بأسماء مثل وكيل عقارات، ومراقب مرور، ومجرم جنسى. لكن انظروا، إن كان هناك من يستطيع فعل ذلك، فهو نايجل. لا تستهينوا به، وإلا ستندمون».
وتطرقت، كذلك، لعدد من رؤساء الوزراء البريطانيين، الذين شبهتهم بأنهم يقودون سيركًا عبثيًا وفوضويًا، مشيرةً إلى أن المملكة المتحدة شهدت تعاقبًا غير مسبوق للقادة مثل ريشى سوناك، الذى وصفت أسلوبه فى «١٠ داونينج ستريت» بأنه يُشبه «قصص ما قبل النوم»، وبوريس جونسون غريب الأطوار.
وانتقدت المؤلفة الطبقة السياسية عمومًا، مؤكدة أن المملكة المتحدة تُعانى من «مجموعة سيئة للغاية من السياسيين، الذين يعملون فى واقع عبثى»، لذا فإن «السخرية ضرورية لمجرد استيعاب الجنون اليومى».

ترى «هايد» أنه لا ينبغى للمشاهير الجمع بين الفن والسياسة، منتقدة نجوم هوليوود لشعورهم المفرط بنفوذهم السياسى ومكانتهم، وساخرة من مطالبات النجوم باهتمام إعلامى مفرط بينما يحاولون إلقاء محاضرات على الجمهور حول قضايا خطيرة مثل تغير المناخ أو السياسة العالمية.
وأشارت مؤلفة الكتاب، فى فصل بعنوان «عندما يمارس المشاهير السياسة»، إلى اعتماد النجومية الحديثة بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعى، والتأثير فى عالم الموضة، وصفقات العلامات التجارية بدلًا من النجاح الجماهيرى الطبيعى بسبب أعمالهم الفنية.
وتعتبر أن النجومية الحديثة تعانى حالة خطيرة من «توسع نطاق المهام»، وسط مطالبة الفنانين بنفوذ سياسى هائل إلى جانب شهرتهم. ويركز نقدها، الذى يتناول فكرة تداخل المشاهير مع السياسة، سواء قصدوا ذلك أم لا، على مفهوم أسمته أسطورة «النجم المطلع»، منتقدة الغرور المفرط والشعور بالأهمية الذاتية لدى شخصيات هوليوود الذين يرون فى نفوذهم العالمى رخصةً لفرض السياسة الدولية.
وسلطت الضوء على التناقض الصارخ بين أنماط حياة المشاهير الفاخرة والدروس السياسية التى يُلقّنونها للجمهور، لافتة الانتباه إلى شخصيات مثل ليوناردو دى كابريو الذى يسافر على متن طائرات خاصة، بينما يُصدر أفلامًا وثائقية تُبشّر بتغير المناخ، واصفةً هذه التصرفات بأنها «نشاط سطحى مدفوع بالغرور». وتكشف «هايد» فى هذا الفصل كيف سيطر الفنانون على العالم، ولماذا نحتاج إلى استراتيجية للتخلص من العلاقة بين الشهرة والسلطة والنفوذ السياسى، واصفة ما يحدث بأنه «كارثة».
وتشرح: «تُشكّل الشخصيات الشهيرة الخطاب السياسى والقيم الثقافية بمجرد وجودها وظهورها أمام الجمهور، بغض النظر عن نواياها المباشرة، بالإضافة إلى آليات التشتيت بسبب تدخلهم فى السياسة. فتصرفات المشاهير البارزة تسهم فى تحويل انتباه الرأى العام بعيدًا عن المناقشات السياسية الجوهرية والإخفاقات الحكومية».
وسخرت المؤلفة فى النهاية من فكرة السياسة كصناعة ترفيهية جديدة، إذ تقول إنه فى حين فرض المشاهير أنفسهم على السياسة، فقد ألحق السياسيون التقليديون الضرر بالمؤسسات الحاكمة من خلال محاكاة أساليب برامج تليفزيون الواقع. وفى فصل بعنوان «عندما التقى جيف بلورين»، تسخر «هايد» من علاقة جيف بيزوس ولورين سانشيز، وخطوبتهما، وحفل زفافهما الذى حظى بتغطية إعلامية واسعة، منتقدة رحلاتهما البحرية الأوروبية على متن اليخت، مرورًا بخطوبتهما، ومحطاتهما البارزة فى المجتمع الراقى.
وطالت انتقادات «هايد» حضور «سانشيز» فى المناسبات الكبرى ودوائر الموضة الراقية، واصفة الزوجين كشخصيتين رئيسيتين فى «عصر غريب»، وساخرةً من التداخل بين الثروة الهائلة فى مجال التكنولوجيا، وثقافة المشاهير، وعروض العلاقات العامة.







