السبت 05 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مستجير.. حين قَصَّ الدم القَصَص

حرف

- الابنة تواصل حكايات العلم المثيرة فى الذكرى العشرين للأب

- آمن أبى بأن العلم لا يجب أن يبقى حبيس جدران المختبرات أو صفحات المجلات - العلمية بل يجب أن يصل إلى الناس فيثير فضولهم ويعينهم على فهم العالم من حولهم

- مر عشرون عامًا على فقدانى لأبى ويستحيل علىّ تغيير ما حدث لكننى أستطيع النظر إلى الدم بعيون جديدة

تقول الأوساط الشعبية إن العرق دساس ويقول علم البيولوجيا، تحمل الجينات صفات الآباء إلى الأبناء «بالطبع ليس الأمر على هذه الصورة المختزلة البسيطة». حين التقيت بعائلة د. أحمد مستجير وجدتها مرآة له، النظرات اللامعة الواثقة نفسها والابتسامات الذكية المرحة وروح الدعابة التى لا تنقطع والإقبال على الحياة مع لمسة إنسانية لا تُخطئ والشغف بالمعرفة والفضول، لا سيما د. مروى مستجير ابنته الصغرى التى درست البيولوجيا الجزيئية والجينات فى جامعة فيينا فى النمسا، وحصلت على الدكتوراه فى مجال أبحاث السرطان. عملت فى شركات مختلفة للتكنولوجيا الحيوية، انصب تركيزها آنذاك على تطوير لقاحات ضد الأمراض المزمنة. أما حاليًا فتشغل منصب عالِم كبير فى جامعة التعليم المستمر فى كريمس، ومجال بحثها الأساسى الحويصلات خارج الخلايا.

قَرَض د. أحمد مستجير الشعر الرومانسى ومارس البحث العلمى محاولًا تحسين سلالات الدواجن والماشية واستنباط بذور قمح وأرز مقاومة للملوحة، وإلى جانب ذلك كرس جانبًا هائلًا من وقته لأجل نشر الثقافة العلمية بين الجموع، وكان من أوائل من عَرَّفوا بالعلاج الجينى ومشروع الجينوم وتقنيات التكنولوجيا الحيوية والاستنساخ وغيرها مناقشًا حمولاتها الفلسفية وتداعياتها العملية والأخلاقية.

وفى ذكراه العشرين تواصل د. مروى مستجير المسيرة، إذ تضع مقالًا للعموم، تُعرِّف فيه بمجالها البحثى الحديث للغاية، ساردة قصة فى منتهى العذوبة والجمال، تربط فيها بين ذكرياتها ووفاة أبيها من جانب والجسد البشرى وروعة العمليات الدقيقة التى تجرى فيه من جانب آخر.

تجيد د. مروى اللغة العربية قراءة وكتابة وحديثًا كما تتقن النمساوية «لغة والدتها» والإنجليزية إلا أنها ترتاح للكتابة بالإنجليزية، لذا فقد كتبت المقال بالإنجليزية وحاولت جاهدًا أن أترجمه ترجمة أمينة إلى العربية.

ما الذى بإمكان أصغر الجسيمات أن تخبرنا عن الصحة والمرض، بل ربما عن أنفسنا؟

لقد فقدت أبى قبل عشرين عامًا إثر إصابته بنزيف فى الدماغ. عرفت فى ذلك الوقت أن النزيف قد يمثل أمرًا خطيرًا. لكننى لم أعرف حجم التعقد الفعلى الكامن فى كلمة «نزيف» البسيطة. لم أعرف إلى أى مدى يتحكم جسدنا فى هذه العملية، أو عدد الخلايا والجزيئات التى تعمل معًا من أجل الحفاظ على توازن دقيق بين النزف والتجلط. تنصب أبحاثى حاليًا على البنى شديدة الضآلة التى تتدفق مع تيار الدم: حويصلات خارج الخلايا extracellular vesicles، أو EVs. تفرزها الخلايا وقد تحمل رسائل حيوية من خلية إلى الأخرى. وبالرغم من ضآلة حجمها، قد تبذل تأثيرًا هائلًا على ما يجرى فى دمانا - بما فى ذلك التوازن بين النزف والتجلط.

إنها صغيرة للغاية بحيث لا نستطيع رؤيتها بالعين المجردة. ومع ذلك يمكنها أن تحمل رسائل تؤثر فيما يجرى من حولها. وإليك قصة هذه الحويصلات.

أحمد مستجير مع ابنته مروى فى كلية الزراعة جامعة القاهرة
أحمد مستجير مع ابنته مروى فى كلية الزراعة جامعة القاهرة

حين نفكر فى الدم، نتصور عادة سائلًا أحمر يتدفق عبر الأوردة والشرايين. إلا أن الدم وسط مفعم للغاية.

يحتوى على خلايا الدم الحمراء التى تحمل الأكسجين، وخلايا الدم البيضاء التى تساعدنا على الدفاع عن أنفسنا إزاء العدوى، والصفائح الدموية التى تلعب دورًا جوهريًا فى إيقاف النزف، وعدد كبير من البروتينات والجزيئات الأخرى التى تتفاعل باستمرار مع بعضها البعض.

ينبغى لكل هذه المكونات العمل معًا. 

إذا تأذى وعاء دموى، يحتاج الجسد إلى الاستجابة سريعًا. لا يجب أن يستمر تسرب الدم من الوعاء المصاب. تهرع الصفائح نحو المنطقة المصابة، تنشط وتساعد فى تكوين سدادة أولية. وفى الوقت نفسه، تعزز سلسلة من التفاعلات هذه السدادة بواسطة بروتين، يُطلَق عليه «فيبرين» fibrin. وتأتى النتيجة فى صورة خثرة دموية.

إنها إحدى أهم آليات الجسد الوقائية. ومن دونها، قد يتحول جرح صغير إلى مسألة خطيرة. غير أن للقصة جانبًا آخر.

لو أن دمانا لا تتخثر بالقدر الكافى، فقد ننزف كثيرًا. ولو أنها تتجلط بسهولة شديدة أو فى المكان الخاطئ، فقد تسد خثرة دموية وعاء وتهدد الحياة.

لهذا السبب تقوم صحتنا على توازن دقيق جدًا. يُطلَق على هذا التوازن «الإرقاء» hemostasis.

وهنا تدخل حويصلات خارج الخلايا إلى المشهد.

شهادة الثانوية
شهادة الثانوية

أما حويصلات خارج الخلايا فبنى صغيرة محاطة بغشاء. ومن المحتمل أن معظم أنواع الخلايا فى أجسادنا تستطيع إفرازها.

اعتبرنا لوقت طويل أن هذه البنى صغيرة الحجم لا تلعب أدوارًا ذات أهمية خاصة. بل ظنناها «حطامًا» خلويًا cellular debris – فضلات أنتجتها الخلايا.

لكننا نعرف حاليًا أن هذا المنظور كان سطحيًا تمامًا. 

تبدو حويصلات خارج الخلايا أشبه بطرود شديدة الضآلة، أرسلتها خلية إلى خلية أخرى. قد تحمل بروتينات ودهونًا ومعلومات حيوية أخرى. يعكس ما تحمله حالة الخلية التى جاءت منها.

بمعنى أخرى، يمكن لحويصلات خارج الخلايا إمداد خلية أخرى بمعلومات عما يجرى فى الوسط المحيط بها. عندما تدخل هذه الطرود إلى تيار الدم، يمكنها الارتحال معه والتفاعل مع خلايا أخرى.

اعتدنا أن نقصر تبادل الرسائل على البشر. إلا أن تبادل الرسائل لا ينقطع داخل أجسادنا على الإطلاق. تواصل خلايانا إرسال الرسائل واستقبالها طوال الوقت. 

وحويصلات خارج الخلايا إحدى وسائل الخلايا لتبادل الرسائل.

نجد أنواعًا مختلفة من حويصلات خارج الخلايا. أطلق العلماء على بعضها أسماء مثل الإكسوزومات exosomes والحويصلات الميكروية microvesicles وأجسام الموت المبرمج apoptotic bodies، وذلك فى الأساس بناء على الكيفية التى تتكون بها وحجمها. إلا أنه من الصعب فى واقع الأمر التفريق بينها بوضوح. ولهذا السبب نطلق عليها ببساطة فى أغلب الأحيان «حويصلات خارج الخلايا».

أما ما يثيرنى على وجه الخصوص بشأن هذه الطرود شديدة الضآلة فما يمكنها القيام به عندما تدخل تيار الدم. 

تحمل بعض حويصلات خارج الخلايا على سطحها جزيئات تعين البروتينات المشاركة فى عملية التخثر على الاجتماع معًا. يُطلَق على واحد من أهم تلك الجزيئات اسم فوسفاتيديل سيرين Phosphatidylserine. ويُطلَق على جزىء آخر اسم العامل النسيجى tissue factor، ويمكنه أن يساعد على بدء عملية التخثر.

قد تبدو الأسماء معقدة، إلا أن الفكرة الأساسية بسيطة: يمكن لحويصلات خارج الخلايا أن توفر سطحًا لعمل نظام تخثر الدم.

ربما تنطوى إصابة جدار دموى على فائدة كبيرة. قد تساعد حويصلات خارج الخلايا على بدء عملية التخثر وتعزيزها. 

لذلك فحويصلات خارج الخلايا ليست مجرد رحالة تسافر مع تيار الدم، بل تسهم بفعالية تحت ظروف خاصة فى تكوين الخثرة الدموية.

تُعتَبر الصفائح الدموية أحد أهم مصادر حويصلات خارج الخلايا فى دمنا. عندما تنشط الصفائح الدموية عقب وقوع الإصابة، قد تفرز عددًا كبيرًا من هذه الحويصلات ضئيلة الحجم، التى بإمكانها دعم استجابة الجسد. ولكن كما هو الحال دائمًا فى علم الأحياء، للقصة أكثر من جانب واحد.

أحمد مستجير
أحمد مستجير

يحتاج الجسد إلى امتلاك القدرة على تكوين خثرة متى كان ذلك لازمًا، لكنه يحتاج كذلك إلى أن يعرف متى يتوقف.

يمكن لبعض حويصلات خارج الخلايا أن تدعم عمليات تُبطئ عملية التخثر أو تساعد على تفتيت خثرة. كما يحمل بعضها جزيئات تساعد على إبقاء نظام التخثر تحت السيطرة.

إنها واحدة من أكثر الأمور التى تجعلنى أتيه إعجابًا بهذه الحويصلات. فهى لا تُصنَّف ببساطة إلى «خير» أو «شر».

تعتمد آثارها على المكان الذى تأتى منه، وما تحمله، وما يجرى فى الجسد فى تلك اللحظة. فقد يختلف أثر إحدى حويصلات خارج الخلايا تمامًا إذا أفرزها أحد أنواع الخلايا عن أثرها إذا أفرزها نوع آخر من الخلايا. على ذلك قد يكون الرسول ضئيل الحجم نفسه جزءًا من محادثة مختلفة تمامًا.

يتمثل أحد أهم الأمثلة على ذلك فى صلة الالتهاب inflammation بتخثر الدم.

عندما ينشط جهازنا المناعى بشدة- فى حالة العدوى الخطيرة على سبيل المثال- قد يؤثر نظام الجسد الدفاعى ونظام تخثره فى أحدهما الآخر. 

قد تتفاعل الصفائح الدموية مع خلايا الدم البيضاء. قد تفرز خلايا الدم البيضاء حويصلات خارج الخلايا. قد تحمل هذه الحويصلات إشارات تؤثر فى الالتهاب والتخثر كليهما.

قد تفرز بعض خلايا الدم البيضاء كذلك بنى شبه شبكية، تساعد على احتجاز الكائنات الدقيقة الغازية. ربما تفيد هذه البنى فى مقاومة العدوى، لكنها قد تساعد أيضًا فى بعض الأحيان على توفير سطح تتكون عليه الخثرة الدموية.

قد تتفاعل حويصلات خارج الخلايا مع هذه البنى وقد تقدم دعمًا إضافيًا إلى عملية التخثر.

يقدم لنا هذا صورة مختلفة للغاية للخثرة الدموية. فهى ليست مجرد حزمة من الصفائح الدموية والفيبرين. بل قد تنتج عن حوار معقد بين خلايا الدم وخلايا المناعة والخلايا المبطنة لأوعيتنا الدموية وعدد كبير من الجزيئات الأخرى من جهة - وحويصلات خارج الخلايا التى تلعب دور الرُسُل من جهة أخرى.

كل شىء مترابط..

لا يقتصر إفراز حويصلات خارج الخلايا على الصفائح الدموية.

إذ تفرزها خلايا الدم الحمراء حين تشيخ، وكذلك عندما تتعرض لإجهاد. قد تشارك هذه الحويصلات تحت ظروف معينة فى عمليتى التخثر والالتهاب. وهو أمر يكتسب أهمية خاصة حين نتدبر فى شأن الدم المُخَزَّن. 

تتغير مشتقات الدم أثناء تخزينها، وقد تتراكم حويصلات خارج الخلايا أثناء هذه العملية. تطرح الأبحاث أن هذه الحويصلات قد تسهم فى بعض المضاعفات التى قد تحدث عقب نقل الدم. تفرز خلايا الدم البيضاء حويصلات خارج الخلايا كذلك. قد تعزز الحويصلات الصادرة عن خلايا الدم البيضاء عملية التخثر، لا سيما إذا كان الجسد يعانى من التهاب.

بل إن الخلايا المبطنة لأوعيتنا الدموية تفرز هى الأخرى حويصلات خارج الخلايا.

ننظر فى الغالب إلى هذه الخلايا على أنها البطانة الداخلية لأوعيتنا الدموية فحسب، إلا أنها فى واقع الأمر نشطة للغاية. تستشعر باستمرار ما يجرى من حولها وتستجيب لتغيرات الجسد. عندما تنشط بفعل الالتهاب أو إشارات الإجهاد الأخرى، قد تفرز حويصلات خارج الخلايا، باذلة تأثيرًا على عمليتى التخثر والالتهاب والطريقة التى تتفاعل بها خلايا الدم مع جدار الوعاء الدموى.

كما نجد كذلك مصدرًا هامًا آخر لحويصلات خارج الخلايا: ألا وهو الخلايا السرطانية.

تزداد احتمالية حدوث جلطات دموية لدى مرضى السرطان. وهو أمر ثابت بالنسبة لبعض أنواع السرطان، تتضمن سرطان البنكرياس والمبيض والمعدة والرئة والدماغ.

قد تفرز خلايا الأورام حويصلات خارج الخلايا فى تيار الدم. تحمل بعض هذه الحويصلات جزيئات قد تعزز عملية التخثر. وبهذه الطريقة، قد تمثل حويصلات خارج الخلايا أحد جوانب العلاقة المعقدة القائمة بين السرطان والالتهاب والخثرات الدموية.

إلا أن وراء اهتمام العلماء بهذه الحويصلات شديدة الضآلة سببًا آخر كذلك. ربما تخبرنا شيئًا عما يجرى بداخل الأجساد. هل بإمكان الحويصلات شديدة الضآلة أن تعيننا على اكتشاف الأمراض؟

تخيل أننا حصلنا على عينة دم، فلم نفحص خلايا الدم والبروتينات فحسب، بل فحصنا كذلك الحويصلات شديدة الضآلة السابحة بينها. 

من أين أتت؟

ما الذى تحمله؟

كم عددها؟

هل بإمكانها أن تخبرنا عن تغير طرأ على الجسد؟

إنه أحد الأسباب التى أدت إلى جذب حويصلات خارج الخلايا للانتباه فى مجال الطب.

ونظرًا إلى أن حويصلات خارج الخلايا تحمل معلومات عن الخلايا التى نشأت منها، يتحقق العلماء من إمكانية استخدامها ذات يوم كمؤشرات حيوية biomarkers - وهى علامات قابلة للقياس تعيننا على الكشف عن المرض أو فهم الكيفية التى يستفحل بها أو مراقبة كفاءة العلاج.

يا لها من فكرة مثيرة!

لكننا لم نصل إلى ذلك بعد.

فحويصلات خارج الخلايا صغيرة للغاية فى الحجم ويتعذر قياسها. وقد يؤثر أسلوب الحصول على العينة ومعالجتها وتخزينها على ما نكتشفه. بالإضافة إلى ذلك، قد تحصل المختبرات المختلفة على نتائج مختلفة، بحسب التقنيات التى تستخدمها. 

لا يتوافق الجميع حاليًا على نهج واحد عام لقياس حويصلات خارج الخلايا فى الدم، يسمح لنا باستخدامها بشكل روتينى فى أنشطة الرعاية الصحية المعتادة. لذلك، فلا يزال أمامنا عمل هائل بحاجة إلى إنجاز.

إنه أحد جوانب العلم الهامة التى ننساها أحيانًا: إذ إن اكتشاف أمر مثير لا يعدو أن يكون سوى البداية. يلزمنا أن نعرف كيف نقيس حويصلات خارج الخلايا على نحو موثوق وأن نفسر بدقة ما تعنيه.

كلما عرفنا عن حويصلات خارج الخلايا، ذكرتنا بأمر أساسى فى علم الأحياء.

لا يحدث فى أجسادنا شىء يذكر بمعزل عن غيره.

ليست الصفيحة الدموية مجرد صفيحة دموية.

ليس الوعاء الدموى مجرد أنبوب.

ليست الخلية المناعية مجرد خلية مناعية.

ومن المؤكد أن حويصلات خارج الخلايا ليست مجرد نفايات خلوية.

تتبادل هذه المكونات الرسائل فيما بينها باستمرار.

تساعدنا أحيانًا على تكوين خثرة دموية، تساعد أحيانًا على الحد من التخثر، تربط أحيانًا الالتهاب بالتخثر وقد تحمل أحيانًا معلومات تعيننا على فهم الأمراض.

يقع العبء على العلماء من أجل فهم هذا الحوار الهائل. إذ ما زلنا نتعلم لغتها.

مر عشرون عامًا على وفاة والدى بسبب نزيف الدماغ. 

أقارن أحيانًا بين مقدار فهمى للدم حاليًا وحجم معرفتى به حينذاك.

يعنى نزيف الدماغ بتبسيط شديد أن وعاء دمويًا قد خرج منه دم فى الدماغ. ولكن خلف هذه الكلمات القليلة يقبع عالم حيوى معقد عجيب - الأوعية الدموية وخلايا الدم والصفائح الدموية والتخثر والالتهاب وعدد لا حصر له من التفاعلات التى ما زلنا نحاول فهمها. 

عندما أدرس حاليًا حويصلات خارج الخلايا فى الدم، أعرف أننى أتطلع إلى ما يفوق بدرجة كبيرة أن يكون مجرد جسيمات ضئيلة الحجم. إننى أتطلع إلى جانب من جوانب نظام التواصل المذهل الذى يساعد أجسادنا على الاستجابة للإصابة والمرض وتغير البيئة المحيطة. وهو نظام يعرف متى يوقف النزف ومتى يُكَوِّن خثرة دموية، كما يعرف على القدر نفسه من الأهمية متى يوقف عملية التخثر مرة أخرى. وفى مكان ما بداخل هذا النظام نجد حويصلات شديدة الضآلة، تسبح مع تيار الدم وتحمل الرسائل من خلية إلى أخرى. وربما يكون هذا أجمل ما رأيته فى العلم.

نبدأ أحيانًا بفحص شىء صغير للغاية فى الحجم، نكاد ألا نستطيع رؤيته. ونكتشف عند دراسته أمرًا أكبر كثيرًا يخص الجسد البشرى، بل يخص الحياة نفسها أحيانًا. لقد غَيَّر العلم كذلك الطريقة التى أفهم بها قصتى الخاصة.

مر عشرون عامًا على فقدانى لأبى، ويستحيل علىّ تغيير ما حدث. لكننى أستطيع النظر إلى الدم بعيون جديدة. أستطيع طرح أسئلة، لم أتمكن من طرحها حينذاك، وربما تحويل الذكرى إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى شىء، من الممكن أن أشاركه مع الآخرين.

أنفق أبى حياته محاولًا جعل العلم مفهومًا للآخرين. آمن أن العلم لا يجب أن يبقى حبيس جدران المختبرات أو صفحات المجلات العلمية. بل يجب أن يصل إلى الناس، فيثير فضولهم ويعينهم على فهم العالم من حولهم.

أود أن أقوم بالأمر نفسه على طريقتى.

إذ لا ينتسب العلم إلى المختبرات والمجلات العلمية وحدهما.

بل ينتسب إلى حيثما كان الفضول.

وأحيانًا قد يعيننا فهم أمر صغير جدًا على إدراك مدى روعة الجسد البشرى.