كعب أخيل.. مخاوف الطفولة ومضاعفاتها فى مجموعة جمال فتحى
- اختار القاص أن ينهل من نبع الطفولة بطرافته ونوادره المرحة
تتميز المتوالية القصصية بِكَونها كتابًا قصصيًا، تجمع قصصه فكرة أو ثيمة واحدة، أو شخصية واحدة تكابد أحداثًا مختلفة، على مدار فترة زمنية محددة، أو خلال قطع منثورة من الزمن، ولا يتم هذا بالطبع عشوائيًا، بل يكون اختيارًا مقصودًا، يُكلف القاص من الجهد ما هو أكثر من كتابة المجموعة القصصية التقليدية، من أجل بناء ارتباط متين، كأن تُسلم كل نهاية قصة الخيط لبداية القصة التالية، أو أن يتجلى بالقصص مشتركًا، يلضمها فى عُقد واحد، وربما يلوح بالنهاية خيط درامى أو معنى أو حالة، أو غير ذلك. وفى الكتاب القصصى «كعب أخيل» للكاتب جمال فتحى يتحقق ذلك.

فالشخصية الرئيسية هى «نادر»، سارد كل القصص، يبدأ طفلًا ثم يكبر، وصولًا إلى مرحلة الشباب، مع التصاعد الزمنى من قصة لأخرى، كما يستمر باقى شخوص القصص: الأم والأب والأخت، ثم تظهر الزوجة عند بلوغ البطل لعمر الزواج، ومكانيًا؛ تتحرك القصص من بيت الأبوين إلى بيت الزوجية، وتظل فى نفس الحى «تقريبًا»، نفس الشارع، أو أحياء وشوارع متشابهة، ما يجعلها تقترب من السيرة القصصية، «الغيرية».
وقد اختار القاص أن ينهل من نبع الطفولة بطرافته ونوادره المرحة، وأن يسرد أغلب القصص بضمير المتكلم بحميميته وقربه من النفس، وهذا لم يمنع من الإمساك بسلبياتنا الثقافية فى القصص، وإظهار القاص لتأثيرها على الطفولة، وامتدادها إلى مراحل العمر اللاحقة، حيث يتمحور بناء الشخصية فى قصص «كعب أخيل» حول فكرة مخاوف الطفولة التى تلازم البطل حتى النضج. حقيقة؛ لا يمكننا تجاهل الخوف كمحرك أساسى للسلوك، فهو الغريزة الأم التى بإيعاز منها يتحرك الكائن ليحمى نفسه، ولولاها لهلك، ولهذا يحرص الوالدان، مبكرًا، على أن يزرعا الحذر فى نفوس الأطفال، لكن كثيرًا ما يتحول التحذير إلى تخويف، فخوفًا عليه نخيفه من الغرباء والمختلفين.. وربما من الآخرين بشكل عام، نفس هذه الثقافة هى الموجودة لدى معلمات المدرسة والمحيطين.. إلخ، حيث ينقلب الدرع على دماغ صاحبه إذا زاد الأمر على حده، فتظهر الشخصية المترددة، وصولًا إلى الشلل التام، أو يصير تطور الشخصية إلى شخص عنيف «كميكانيزم دفاعى»، وهو ما يحدث فى هذه القصص التى تنفذ إلى المسكوت عنه: الجنابة، أسرار البيوت والعلاقات الزوجية والأوضاع غير السوية، بأسلوب بسيط وبدون افتعال.
وينهض بناء الشخصية فى «كعب أخيل» على أعمدة عديدة، متفاوتة التأثير، أولها علاقة السارد بأسرته «فى الطفولة وما بعدها»، ثم علاقته بالمكان ومشاكله. وبداية؛ فالعلاقة بنوة/ والدية هى الأكثر تعقيدًا، فثمة يد تحنو ويد تضرب «برفق»، ثمة حضن دافئ وآمن، ولسان يزرع الخوف فى نفس الطفل تحسبًا من عاقبة اللا مبالاة»، وهذا نراه فى القصص كالتالى:

- الأم: على الرغم من أن حنانها المتدفق يضخ فى القصص طرافة بالغة، ميزت أسلوب الكاتب، كما فى قصة: «إلى أن أودعتها قبرها بيدى»، على سبيل المثال، حيث تُحاك كوميديا التواطؤ، فالطفل يتظاهر بالمرض هربًا من الذهاب إلى المدرسة، والأم تتظاهر بتصديقه، ما يضخ بنفس الطفل طمأنينة هائلة، تطلب منه الاستعداد للنزول إلى السوق، وهناك وسط الزحام ينتبه: فجأة لم أجد أمى. تنتهى الطمأنينة. ويعبر الكاتب عن مشاعر الطفل: صرت ذرة فى مجرة، لتوضيح مكانة الأم والأمان الذى يمنحه وجودها، أما فى قصة «تجرى من تحتى الأنهار» فيظهر جهد الأم لمساعدة طفلها فى تجاوز مشكلة التبول اللا إرادى، دون تعنيف، بل يعبر الكاتب عن حالة الطفل بنفس الطرافة.. «بمجرد دخولى فى النعاس أشعر كأننى فى الجنة فتجرى الأنهار من تحتى»، فى حين أن ثقافتها «ثقافة هذه الأم نفسها» تغرس، فى نفس طفلها، دون قصد، بذور (العنف)، ففى قصة «الأرنب ميشو»، يسأل نادر أمه: ليه هو أرنب؟ تجيبه: لأنه خوَّاف. كذلك يعبر الكاتب عن الطفل نادر «بطل القصة»، عندما لا يجد الأرنب ميشو، ويستنتج أن أمه ذبحته.. «انهرت باكيًا كالنساء»، وفى أخرى يعبر الطفل عن ضخامة خوفه.. «ارتعدتُ كالنساء»، وهذا يكشف لنا تغلغل فكرة التفوق القائم على النوع «الذكور»، فى تلك الثقافة، يؤكد هذا ما تقوله النساء للطفل فى السوق، فى قصة أخرى، استنكارًا لبكائه بسبب توهانه من أمه: عيب عليك تبقى راجل وتعيط.
- الأب: تجعله الأم أداة تخويف للطفل كى يطيعها، لكن فى قصة «قاطع طريق»، يظهر الأب وهو يضرب الأم أمام نادر وأخته، فتبدأ الرغبة فى «قتل الأب» بالتشكل لديه. يكبر نادر متشربًا نفس الثقافة، فيتماهى مع الأب، ويضرب زوجته ضربًا مبرحًا أمام أطفالهما فى قصة «أنت مبالغ يا نادر»، ويقول.. «كلتُ لها اللكمات كما لو أننى أعارك قاطع طريق». لكننا نراه فى قصة «فى مواجهة النعش»، يتصالح مع أبيه «الميت»، ثم يمتنع عن البكاء لكى يثبت له ولاءه لذات القيم، وأنه «ترك رجلًا».
ينهض بناء الشخصية أيضًا على علاقة السارد بالمكان: فالمكان ليس مجرد مساحة، بل كائن حى تربطه بالسارد علاقة وثيقة، وهو ليس البلد ككل، بل الحى الذى يتعامل معه نادر، وفيه البيت والشارع والمدرسة والجيران والأقارب، «مُصدرو ثقافة الخوف والتمييز»، وفيه أيضًا الشارع، حيث الفوضى المستشرية والبلطجة، وحيث المعاقون ذهنيًا متروكون لأقدارهم. ففى قصة «الرجل الأخضر» يعرفنا السارد الطفل على «صلاح العبيط» ويتمنى موته بسبب خوفه منه. عدم تحمل البلدة لمسئوليتها تجاه المعاقين ذهنيًا يظهر أيضًا فى قصة «نفيسة المجنونة»، وهكذا يكبر السارد ولا تغادره مخاوفه، بل تكبر معه وتنغص حياته فيصير شابًا يخاف من ليلة الدخلة، ويفتقد الثقة بنفسه، فيسكنه الارتياب من محاولة التجسس عليه وسرقة فرحه، وبسبب نفس فقدان الثقة بالذات ينتابه الشك فى سلوك زوجته، فحيث تمت الإطاحة بالإحساس بالأمان من قبل الزواج بكثير، يكبر الشاب مسكونًا بالخوف الُمتوارث والمتضخِم.







